← Сира

Сира · id 12935

محمد صلى الله عليه وسلم

محمد رضا

Полный текст (615 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

غزوة بدر الثانية أو غزوة بدر الكبرى .

стр. 212

-بدر بلدة بالحجاز إلى الجنوب الشرقي من الجار وهو ساحل البحر بينما نحو مرحلة ويسمونها بدر حنين وهي في سهل يليه في الشمال إلى الشرق جبال وعرة ومن الجنوب آكام صخرية ومن الغرب كثبان رملية. كانت غزوة بدر الكبرى يوم الجمعة في شهر رمضان في السابع عشرة على رأس تسعة عشر شهراً من الهجرة (يناير سنة ٦٢٤ م) وكان سببها قتل عمرو الحضرمي واقبال أبي سفيان بن حرب من الشام في عير لقريش عظيمة وفيها أموال كثيرة ومعها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش منهم مخرمة بن نوفل الزهري وعمرو بن العاص. فلما سمع بهم رسول الله ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموال فأخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم لأنهم ظنوا أن الرسول لا يلقى حرباً. وكان أبو سفيان قد سمع أن رسول الله ﷺ يريده فحذر واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا وبعثه إلى مكة يستنفر قريشا ويخبرهم الخبر فسار وألقى فيهم النفير فخرجوا مسرعين ومن تخلف أرسل مكانه آخر ولم يتخلف أحد من أشراف مكة إلا أبو لهب وبعث مكانه العاص بن هشام نظير أجر قدره ٤٠.٠٠٠ درهم وكان السبب في خروجهم حماية العير وانقاذها.

стр. 213

قوة قريش .

стр. 214

-كان الذين خرجوا من قريش نحو ١٠٠٠ منهم ٦٠٠ دارع ومعهم ١٠٠ فرس عليها ١٠٠ درع سوى دروع المشاة. وكان حامل لوائهم السائب بن يزيد ثم أسلم ﵁ وهو الأب الخامس للامام الشافعي ﵁. وكان معهم أيضا ٧٠٠ بعير. وخرجوا ومعهم القيان ومعهم القيان وهن الأماء المغنيات يضربن بالدفوف يغنين بهجاء المسلمين وهم في غاية البطر والخيلاء حين خروجهم اعتمادا على كثرة عَددهم وعُددهم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ الله. وَالله بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ . وكان المطعون لهذا الجيش اثني عشر رجلا. وكان كل واحد منهم ينحر كل يوم عشرة جزر وهؤلاء الأثنا عشر هم: أبو جهل. وعتبة وشيبة ابنا ربيعة. وحكيم بن حزام. والعباس بن عبد المطلب. وأبو البختري. وزمعة بن الأسود. وأبيّ بن خلف. وأمية بن خلف. والنضر بن الحارث. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيل الله فَسَيُنْفِقُونَهَ ثمَّ تَكُونُ عَلَيْهم حَسرَةً ثمَّ يُغْلَبون﴾ .

стр. 215

قوة المسلمين

стр. 216

-كان عدة الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ ٣١٣. وقيل لما عد ﷺ أصحابه فوجدهم ثلاثمائة وثلاثة عشر فرح. وقال: عدة أصحاب طالوت الذي جازوا معه النهر. وخرجت معه الأنصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه. ولما أراد رسول الله ﷺ الخروج لبس درعه ذات الفضول وتقلد سيفه العضب. وتخلف ثمانية من أصحابه ﷺ بسهامهم وأجورهم: ثلاثة من المهاجرين: عثمان بن عفان خلفه رسول الله ﷺ على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ وكانت مرضة فأقام عليها حتى ماتت. وطلحة بن عبيد الله. وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان خبر العير وخرجا في طريق الشام. وخمسة من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر الأوسي خلفه على المدينة. وعاصم بن عدي العجلاني خلفه على أهل العالية. والحارث بن حاطب العَمري رده من الروحاء إلى بني عوف لشيء بلغه عنهم. والحارث بن الصمة كسر بالروحاء. خوّات بن جبير كسر أيضاً. وهؤلاء ثمانية لا اختلاف فيهم. وكانت الإبل سبعين يتعاقب النفر البعير. وكانت الخيل فرسين فرس للمقداد بن عمرو. وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوى. وكان اللواء مع مصعب بن عمير. وكان أمام رسول الله ﷺ رايتان سوداوان احداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة الأنصاري فكانت قوة المسلمين قليلة بالنسبة لقوة عدوهم.

стр. 217

رسول الله ﷺ يستشير أصحابه .

стр. 218

-كان رسول الله ﷺ بعث رجلين يتجسسان أخبار عير أبي سفيان وهما بَسبَس بن عمير وعدي بن أبي الزغباء فمضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء وأخدا يستقيان من الماء فسمعا جارتين تقول احداهما لصاحبتها ان أتاني العير غدا أو بعد غد أعمل لهم أي أخدمهم ثم أقضيك الذي لك. فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبره بما سمعا. فاستشار النبي ﷺ أصحابه في طلب العير وفي حرب النفير يعني أن النبي ﷺ خير أصحابه بين أن يذهبوا للعير أو إلى محاربة النفير وأخبرهم بمسير قريش. وقال لهم: إن الله وعدكم احدى الطائفتين: أما العير وأما قريش. وكان العير أحب إليهم ليستعينوا بما فيها من الأموال على شراء الخيل والسلاح. وقال بعضهم هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير. وفي رواية يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ . وتكلم المهاجرون فأحسسوا ثم استشارهم فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن. وكان ﷺ يخشى أن تكون الأنصار لا ترى وجوب نصرته عليها الا ممن دهمه فجأة من العدو بالمدينة فقط وان ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو. فلما قال لهم أشيروا عليّ. قال: له سعد بن معاذ ﵁، وهوسيد الأوس، بل هو سيد الأنصار. وكان فيهم كالصدّيق ﵁ في المهاجرين. قال والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجلز قال قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ماجئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودا ومواثيق على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك الحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. انا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء. لعل الله يريط فينا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ لقوله ونشطه ذلك للقاء الكفار. ثم قال رسول الله سيرواعلى بركة الله وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين أما العير وإما النفير.

стр. 219

الخلاف بين أبي سفيان وأبو جهل .

стр. 220

-كان أبو سفيان قد ساحل وترك بدراً ثم أسرع فنجا فلما رأى أنه قد أحرز عيرَه أرسل إلى قريش بالجحفة أن الله قد نجى عيركم وأموالكم فاجعوا. فقال أبو جهل والله لانرجع حتى ترد بدراً (وكانت بدر موسما من مواسم العرب تجتمع لهم بها سوق كل عام) فنقيم بها ثلاثاً فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسق الخمر فتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا. ويقال كان أبو جهل وقتئذ يبلغ من العمر سبعين سنة. فلما بلغ أبا سفيان كلام أبي جهل قال: هذا بغى والبغي منقصة وشؤم لأن القوم انما خرجوا لنجاة أموالهم وقد نجاها الله. ولما قال أبو جهل ما قال رجع من قريش بنو زهرة وكانوا نحو المائة وقيل ثلاثمائة فلذا قيل لم يقتل أحد منهم بدر. وكان قائد بني زهرة الأخنس بن شريق الثقفي وكان حليفا لهم. فقال لهم: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل فإنه كان في العير وإنما نفرتم لتمنعوه وماله فارجعوا فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة دعوا ما يقول هذا يعني أبا جهل، وكذلك لم يخرج من قريش بنو عدي بن كعب فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. لكن هذا الخلاف لم يمنع نشوب الحرب.

стр. 221

مسير الجيشين ونزول المطر .

стр. 222

-مضت قريش حتى نزلت بالعدوة (١) القصوى من الوادي ونزل المسلمون على كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب. وسبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه وحفروا القلب لأنفسهم ليجعلوا فيها الماء من الآبار المعينة فيشربوا منا يسقوا دوابهم. وأدرك المسلمين النعاس وأصبحوا لا يصلون إلى الماء للشرب والغسل والوضوء. فأرسل الله عليهم مطراً سال منه الوادي فشرب المسلمون واتخذوا الحياض على عدوة الوادي واغتسلوا وتوضأوا وسقوا الركاب وملأوا الاسقية وأطفأت المطر الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام والحوافر وضر ذلك بالمشركين لكون أرضهم كانت سهلة لينة وأصابهم مالا يقدرون معه على الأرتحال وقد أشار الله إلى ذلك بقوله ﴿إَذْ يُغَشِّيكْمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنزِّلُ علَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ولِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ويُثَبَّتَ الْأقْدَامَ﴾ . وباب رسول الله ﷺ يدعو ربه. ويصلي تحت شجرة ويكثر في سجوده "يا حيّ يا قيوم" يكرر ذلك حتى أصبح. قال علي ﵁ فلماأن طلع الفجر نادى رسول الله ﷺ للصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ ثم خطب وحض على القتال.

стр. 223

بناء حوض على القليب .

стр. 224

-قال ابن اسحق خرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر فنزل به فقال الحباب بن المنذر بن الجموح ﵁ يا رسول الله هذا منزل أنزلكه الله تعالى لا تتقدمه ولا تتأخره عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة. فقال بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فإني اعرف غزارة مائه فننزل به ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون. فقال ﷺ اشرت بالرأي. فنهض ﷺ ومعه من الناس حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية وقد كان الخباب خبيرا بالآبار في تلك الجهة وقد قبل رسول الله مشورته وهي فكرة سديدة لها أهمية حربية فإن الجيش يكون على إتصال دائم بالماء الذي لا غنى عنه.

стр. 225

بناء العريش

стр. 226

-وبعد ذلك قال سعد بن معاذ ﵁ يا رسول الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه وندع عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك نلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعكم الله بهم يناصحوك ويجاهدون معك. فأثنى عليه ﷺ خيرا ودعا له بخير وقال يقضى الله خيرا من ذلك يا سعد. ثم بنى له ذلك العريش فوق تل مشرف على المعركة فدخله النبي ﷺ وأبو بكر وقام سعد بن معاذ متوشحا بالسيف. وعن علي ﵁ انه قال اخبروني من أشجع الناس. قالوا أنت. قال اشجع الناس أبو بكر ﵁ لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشا فقلنا من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوى إليه أحد من المشركين فكان أبو بكر ﵁ مع رسول الله ﷺ فوالله ما دنا منه أحد إلا وأبو بكر ﵁ شاهر بالسيف على رأس رسول الله ﷺ لا يهوي أحد إليه إلا هوى إليه أبو بكر ﵁. وجاء أن لما التحم القتال وقف أيضا على باب العريش سعد بن معاذ ﵁ وجماعة من الأنصار. والعريش شيء يشبه الخيمة يستظل به وكان من جريد. قال السيد السمهودي ومكانه (العريش) عند مسجد بدر وهو معروف عند النخيل والعين قريبة منه.

стр. 227

عتبة بن ربيعة ينصح قريشا بالرجوع .

стр. 228

-تقدم قبل ذلك أن أبا سفيان كان من رأيه الرجوع لنجاة عير قريش وأموالها وأن أبا جهل كان مصمما على الحرب. فلما اطمأنت قريش بالجهة التي نزلوا فيها ارسلوا عمير بن وهب الجمحي يستطلع، فجال بفرسه حول عسكر النبي ﷺ فوجد أنهم يبلغون ثلاثمائة رجل يزيدون أو ينقصون وقال لهم لقد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا. رجال يثرب تحمل الموت الناقع ألا ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الأفاعي لا يريدون أن يقبلوا إلى أهليهم، زرق العيون كأنهم الحصى تحت الحجف. قول ليس لهم منعة إلا سيوفهم. والله ما نرى أن نقتل منهم رجلا حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة. فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش والمطاع فيها هل لك أن تذكر بخير إلى آخر الدهر؟ فقال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس. فقام عتبة خطيباً. فقال: يا معشر قريش والله ما تصنعون شيئا أن تلقوا محمدا وأصحابه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قد قتل ابن عمي أو ابن خالي أو رجلا من عشيرتي. فارجعوا وخلوا محمد وسائر العرب فإن أصابه غيركم فذاك إذا أردتم وإن كان غير ذلك ولم تعدموا منه ما تريدون. يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جبن عتبة وأنتهم أني لست بأجبنكم. فلما بلغ أبا جهل هذا الكلام عن عتبة رماه بالجبن. وقال: (والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد) فأفسد أبو جهل على الناس رأي عتبة. تعديل صفوف المسلمين ودعاء رسول الله ﷺ لما أصبح المسلمون عدّل النبي ﷺ صفوف أصحابه وأقبلت قريش ورآها ﷺ فقال: "اللهم هذه قريش اقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك. اللهم فنصرك الذي وعدتني".

стр. 229

اقتحام الحوض

стр. 230

-خرج الأسود المخزومي وكان شرسا سيء الخلق. فقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه. فلما أقبل قصده حمزة بن عبد المطلب ﵁ فضربه دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دماً ثم اقتحم الحوض زاعماً أن تبر يمينه فقتله حمزة في الحوض. والأسود هذا هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي أخو عبد الله بن عبد الأسد المخزومي ﵁ زوج أم سلمة ﵂. وهو أول قتيل قتل يوم بدر من المشركين وهو أول من يأخذ كتابه بشماله يوم القيامة. وأما أخوه عبد الله بن عبد الأسد فهو أول من يأخذ كتابه بيمينه كما جاء ذلك في أحاديث متعددة.

стр. 231

المبارزة

стр. 232

-التمس عيبة بن ربيعة بيضة أي خوذة يدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسع راسه لعظمها فتعمم ببردة له (١) خرج عتبة بعد أن تعمم بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى انفصل من الصف ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار وهما عوف ومعاذ ابنا الحارث الأنصاريان وعبد الله بن رواحة الأنصاري. فقالوا لهم من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من حاجة إنما نريد قومنا ونادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فناداهم أن أرجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم. ثم قال ﷺ قم يا عبيدة بن الحارث. قم يا حمزة. قم يا علي فبارز عبيدة وكان أسن المسلمين عتبة وكان أسن الثلاثة، وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد بن عتبة فقتل حمزة شيبة وعلي الوليد واختلف عبيدة وعتبة ضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة فحاذياه إلى أصحابه. وكانت الضربة التي أصابت عبيدة في ركبته فمات منها لما رجعوا بالصفراء.

стр. 233

تعديل صفوف المسلمين والحث على الجهاد

стр. 234

-قال ابن اسحاق لما قتل المبارزون خرج ﷺ من العريش لتعديل الصفوف فعدلهم بقدح في يده (١) فمر ﷺ بسواد بن غَزيَّة حليف النجار وهو خارج من الصف فطعنه ﷺ في بطنه بالقدح وقال: "استو يا سواد" فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني من نفسك (٢) فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: استقد فاعتنق سواد النبي ﷺ وقبل بطنه. فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير (٣) ثم لما عدل الصفوف قال لهم: "إن دنا القوم منكم فانصحوهم واستبقوا نبلكم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم" وخطبهم خطبة حثهم فيها على الجهاد والمصابرة ثم عاد إلى العريش.

стр. 235

ألوية المسلمين والمشركين

стр. 236

-كان لواء رسول الله الأعظم لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ وجعل رسول الله ﷺ شعار المهاجرين "يا بني عبد الرحمن" وشعار الأنصار "يا بني عبد الله" وشعار الأوس "يا بني عبيد الله". ويقال بل كان شعار المسلمين جميعاً يومئذ "يا منصور أمت". وكان مع المشركين ثلاثة ألوية. لواء مع ابي عزيز بن عمير ولواء مع النضر بن الحارث. ولواء مع طلحة بن أبي طلحة وكلهم من بني عبد الله.

стр. 237

تزاحف الناس والتحام القتال

стр. 238

-بعد أن عاد رسول الله ﷺ تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وأقبل نفر من قريش حتى وردوا حوضه ﷺ فقال دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا حكيم بن حزام فإنه أسلم. وأمر رسول الله ﷺ أن لا يحملوا على المشركين حتى يأمرهم وكان ﷺ قد أخذته سنة من النوم فاستيقظ وقد اراه إياهم من منامه قليلا فأخبر أصحابه فكان تثبيتا لهم ثم خرج رسول الله ﷺ يحرض المؤمنين وأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريش وقال شاهدت الوجوه ونفخهم بها ثم أمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة. عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو في العريش يوم بدر اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم أن تعلك هذه العصابة اليوم فلا تعبد وفي رواية أن تهلك هذه العصابة من أهل الإيمان اليوم فلا تعبد في الأرض. وروى النسائي والحاكم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قاتلت يوم بدر شيئا من قتال ثم جئت لاستكشاف حال النبي ﷺ فإذا رسول الله ﷺ يقول في سجوده "يا حي يا قيوم" لا يزيد على ذلك فرجعت فقاتلت ثم جئت فوجدته كذلك فعل ذلك أربع مرات وقال في الرابعة ففتح عليه. لما رمى رسول الله ﷺ وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر. وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن "بخ. بخ. ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء. ثم ألقى التمرات من يده وقاتل حتى قتل. ورُمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل فكان أول قتيل. ثم رمي حارثة بن سراقة الأنصاري فقتل. وقاتل عوف بن العفراء حتى قتل. واقتتل الناس اقتتالا شديداً فانهزم المشركون فقتل من قتل منهم وأسر من أسر. كان بدء القتال في الصباح وكانت الهزيمة في الظهر. وقتل عمرو بن الحمام فكان أول قتيل من الأنصار. وفي يوم بدر دعا أبو بكر الصديق ابنه عبد الرحمن إلى المبارزة وكان أسن أولاده فقال له النبي ﷺ "متعنا بنفسك أما علمت أنك مني بمنزلة سمعي وبصري" ثم أسلم عبد الرحمن في هدنة الحديبية. وقتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا وقتل بلالٌ أميةَ بن خلف الجمحي صديق عبد الرحمن بن عوف في الجاهلية لأنه كان يعذبه بمكة على أن يترك الإسلام (١) . وكان ابن عفراء ضرب أبا جهل حتى أثبته وقطع ابن الجموح رجله. فلما أمر رسول الله ﷺ الناس بأن يلتمسوا أبا جهل في القتلى خرج معهم عبد الله بن مسعود فوجده وهو بآخر رمق فوضع رجله على عنقه وحز رأسه وحمل رأسه إلى رسول الله ﷺ . ثم أن النبي ﷺ بعد القاء الرأس بين يديه خرج يمشي مع ابن مسعود حتى أوقفه على أبي جهل. فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو رسول الله. هذا كان فرعون هذه الأمة ورأس قاعدة الكفر قال ابن مسعود ونفلني سيفه وكان قصيرا عريضا فيه قبائع فضة وحلق فضة.

стр. 239

امداد المسلمين بالملائكة يوم بدر

стр. 240

-وردت الآيات والأحاديث على أن الله تعالى أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر فقاتلوا معهم. فلما انقضى أمر بدر أنزل الله فيه من القرآن سورة الأنفال فمما أنزل خاصا بالملائكة قوله تعالى ﴿إذْ تَسْتَغِثُونَ رَبَّكَمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفس مِنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى وضلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلَى المَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُم كُلَّ بَنَانٍ﴾ . وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُنَ. إِذء تَقُلُ للمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنض المَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُكثمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ . وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ قال. قال النبي ﷺ يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب.

стр. 241

سيما الملائكة يوم بدر .

стр. 242

-كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد ارسلوها خلف ظهورهم إلا جبريل ﵇ فإنه كان عليه عمامة صفراء. وقيل حمراء. وقيل بعض الملائكة كانوا بعمائم صفر. وبعضهم بعمائم بيض. وبعضهم بعمائم سود. وبعضهم بعمائم حمر. وعن ابن مسعود ﵁ كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر. وكان الزبير بن العوام ﵁ يوم بدر متعمما بعمامة صفراء وكانت خيل الملائكة بلقا مسومة (١) . وعن ابن عباس ﵄ أن الغمام ظلل بني اسرائيل في التية هو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.

стр. 243

القاء القتلى في القليب

стр. 244

-أمر رسول الله ﷺ بالقتلى من المشركين أن ينقلوا من مصارعهم وأن يطرحوا في القليب فطرحوا في القليب إلا ما كان أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأه فذهبوا ليحركوه فتقطعت أوصاله فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. والسبب في القاء قتلى المشركين في القليب كثرة حيفهم. فكان جرهم في القليب أيسر من دفنهم. ولما ألقوا في القليب وقف عليهم رسول الله ﷺ وقال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم، أمنتكم فكذبتموني وصدقني الناس. ثم قال: يا عتبة، يا شيبة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام (وعدد من كان في القليب) هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. فقال له أصحابه أتكلم قوماً موتى؟ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني.

стр. 245

الأسرى وفداؤهم

стр. 246

-كان فداء الأسرى أربعة آلاف إلى ما دون ذلك. فكان يفادي بهم على قدر أموالهم. وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه. فكان زيد بن ثابت ممن علم (١) . وكان من بين الأسرى العباس عم النبي ﷺ وصنو أبيه ويكنى أبا الفضل بابنه الفضل. وكان أسن من رسول الله بسنتين. وقيل بثلاث سنين. وكان في الجاهلية رئيساً في قريش وغليه عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. خرج مع المشركين يوم بدر فأسر وشد وثاقه فسهر النبي ﷺ تلك الليلة ولم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال أسهر لأنين العباس فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه فقال له رسول الله ﷺ مالي لا أسمع أنين العباس. فقال الرجل أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ فافعل ذلك بالأسرى كلهم. فقال له رسول الله ﷺ افد نفسك يا عباس وابني أخويك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية. فقال للنبي ﷺ تركتني فقير قريش ما بقيت. فقال له رسول الله ﷺ : فأين المال الذي دفعته لأم الفضل (٢) وقلت لها إن أصبت فهذا لبني: الفضل وعبد الله وقثم؟ فقال والله إني أشهد أنك رسول الله، إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله. وفي رواية قال للنبي ﷺ لقد تركتني فقيرا ما بقيت. فقال له كيف تكون فقير قريش وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل وقلت لها إن قتلت فقد تركته غنية ما بقيت. فقال أشهد أن الذي تقوله قد كان وما اطلع عليه إلا الله. ونطق بالشهادة بحضرة رسول الله ﷺ . وقد قيل أن العباس كان قد أسلم. وكان يكتم اسلامه. فقد جاء في بعض الروايات أن العباس ﵁ قال علام يؤخذ منا الفداء وكنا مسلمين؟ وفي رواية وكنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال النبي ﷺ اعلم بما تقول فإن يك حقا فإن الله يجزيك. ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا. وقد أنزل الله في العباس ﵁: ﴿يَاَيُّهَا النّبيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكثمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ الله فِي قُلُبِكُمْ خَيْراص يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾ وعند نزول هذه الآية قال العباس للنبي ﷺ ورددت أنك كنت أخذت مني أضعاف ما أخذت. وقد صدق الله وعده له فأعطاه الله مالا عظيما حتى كان عنده مائة عبد في يد كل عبد مال يتاجر فيه. وبلغ ما دفعته قريش فداء للأسرى أكثر من (٢٠.٠٠٠) درهم. وكان الأسرى: النضير بن الحارث العبدري وكان أشد الناس عداوة للنبي ﷺ . وكان يقول في القرآن أنه أساطير الأولين. ويقول لو شئنا لقلنا مثل هذا وغير ذلك من الأقاويل. فأمر النبي ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵁ فضرب عنقه. فلما بلغ الخبر أخته قتيلة وقيل أنما هي بنته ورثته بأبيات ثم أسلمت. وفي أسد الغابة أن قتيلة بنت النضر. قال الواقدي هي التي قالت الأبيات التالية في رسول الله ﷺ لما قتل أباها النضر بن الحارث يوم بدر وهي: يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما أن تزال بها النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق قسرا يقاد إلى المنية معتبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق أمحمد أولست صفو نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان العتق يعتق وحين سمع النبي ﷺ بكى وقال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه (٤) . وكان من الأسرى أيضا عتبة بن أبي معيط بن ذكوان المكنى بأبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ومن المستهزئين به. جاء عن ابن عباس أن عقبة لما قدم للقتل نادى يا معشر قريش ما لي أقتل بينكم صبرا؟ فقال له النبي ﷺ بكفرك واجترائك على الله ورسوله. وعقبة هذا هو الذي وضع سلال الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد. فالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط هما الأسيران اللذان أمر ﷺ بقتلهما أما سائر الأسرى فقد استشار رسول الله ﷺ في أمرهم أبا بكر وعمر وعلياً ﵃ فيما هو الأصح من الأمرين القتل أو أخذ الفداء.

стр. 247

رأي أبي بكر ﵁ في الأسرى .

стр. 248

-قال أبو بكر يا رسول الله. أهلك وقومك وفي رواية هؤلاء بنو العم والعشيرة والأخوان قد أعطاك الله الظفر بهم ونصرك عليهم أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم بك فيكونون من عضدا.

стр. 249

رأي عمر بن الخطاب ﵁ .

стр. 250

-قال يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ما أرى م رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنني من (فلان) قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن علياً من عقيل أخيه فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم أنه ليس في قلوبنا رحمة على المشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. وعلى كل حال كان رأي عمر ضرب أعناق الأسرى فأعرض عنه رسول الله ﷺ . أما علي ﵁ فلم يذكر عنه جواب مع أنه أحد الثلاثة المستشارين. قال العلامة الزرقاني لأنه لما رأى تغير المصطفى ﷺ حين اختلف الشيخان لم يجب أو لم تظهر له مصلحة حتى يذكرها. وكان رأي عبد الله بن رواحة احراقهم في واد كثير الحطب. لكن رسول الله أخذ برأي أبي بكر ﵁. وقال لا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخشنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله غَفُور رَحِيم﴾ فبكى النبي ﷺ وأبو بكر ﵁. وقال رسول الله ﷺ : إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب. ولم يقل وابن رواحة لأنه أشار باضرام النار وليس بشرع. وهذه الآية لرأي عمر ﵁. وهذا من المواضع التي جاء القرآن فيها موافقاً لقول عمر ﵁ وهي كثيرة نحو بضع وثلاثين أفردت بالتأليف. ولما استقر الأمر على الفداء فرق رسول الله ﷺ الأسرى في أصحابه. وكان أول أسير فدى أبو وداعة الحارث. فداه ابنه المطلب (وكان كيساً تاجراً) بأربعة آلاف درهم ثم أسلم وقد عده بعضهم من الصحابة. وعند ذلك بعثت قريش في فداء الأسارى. وكان الفداء فيهم على قدر أموالهم وكان من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة إلى ألفين إلى ألف. وكان من الأسرى أبو العاص بن الربيع فإنه أسلم بعد ذلك وهو زوج زينب بنت النبي ﷺ ورضي عنها. وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ﵂ أخت خديجة أم المؤمنين. ولم يكن في ذلك الوقت تزوج الكافر بالمسلمة محرماً، وإنما حرم ذلك بعد لأن الأحكام إنما شرعت بالتدريج. وقدمت زينب المدينة بعد شهر من بدر. وقد جاء بها زيد بن حارثة بأمر رسول الله ﷺ ثم أسلم زوجها وهاجر وردها إليه ﷺ بغير عقد بل بالنكاح الأول. وقيل عقد عليها قعد آخر وولدت له (أمامة) التي كان يحملها ﷺ على ظهره وهو يصلي. ثم لما كبرت تزوجها علي ﵁ بعد خالتها فاطمة ﵂ بوصية من فاطمة لعلي بذلك. ومنَّ رسول الله ﷺ على نفر من الأسرى بغير فداء منهم أبو عزة عمرو الجمحي الشاعر. وقد كان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين بشعره. فقال: يا رسول الله إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فأمنن عليه رسول الله ﷺ وأطلقه وأخذ عليه عهدا أن لا يظاهر عليه أحداً. ولما وصل إلى مكة قال سحرت محمداً ورجع لما كان عليه من الإيذاء بشعره ولما كان يوم أحد خرج مع المشركين يحرض على قتال المسلمين بشعره فأسر فأمر النبي ﷺ بضرب عنقه. فقال: اعتقني وأطلقني فإني تائب. فقال ﷺ "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" فضربت عنقه وحمل رأس إلى المدينة وأنزل الله فيه ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِياَنَتَكَ فَقَدْ خَانُوا الله مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهمْ﴾ .
следующие страницы →