-كان فداء الأسرى أربعة آلاف إلى ما دون ذلك. فكان يفادي بهم على قدر أموالهم. وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه. فكان زيد بن ثابت ممن علم (١) .
وكان من بين الأسرى العباس عم النبي ﷺ وصنو أبيه ويكنى أبا الفضل بابنه الفضل. وكان أسن من رسول الله بسنتين. وقيل بثلاث سنين. وكان في الجاهلية رئيساً في قريش وغليه عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. خرج مع المشركين يوم بدر فأسر وشد وثاقه فسهر النبي ﷺ تلك الليلة ولم ينم. فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال أسهر لأنين العباس فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه فقال له رسول الله ﷺ مالي لا أسمع أنين العباس. فقال الرجل أنا أرخيت من وثاقه. فقال رسول الله ﷺ فافعل ذلك بالأسرى كلهم. فقال له رسول الله ﷺ افد نفسك يا عباس وابني أخويك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية. فقال للنبي ﷺ تركتني فقير قريش ما بقيت. فقال له رسول الله ﷺ : فأين المال الذي دفعته لأم الفضل (٢) وقلت لها إن أصبت فهذا لبني: الفضل وعبد الله وقثم؟ فقال والله إني أشهد أنك رسول الله، إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله.
وفي رواية قال للنبي ﷺ لقد تركتني فقيرا ما بقيت. فقال له كيف تكون فقير قريش وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل وقلت لها إن قتلت فقد تركته غنية ما بقيت. فقال أشهد أن الذي تقوله قد كان وما اطلع عليه إلا الله. ونطق بالشهادة بحضرة رسول الله ﷺ .
وقد قيل أن العباس كان قد أسلم. وكان يكتم اسلامه. فقد جاء في بعض الروايات أن العباس ﵁ قال علام يؤخذ منا الفداء وكنا مسلمين؟ وفي رواية وكنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. فقال النبي ﷺ اعلم بما تقول فإن يك حقا فإن الله يجزيك. ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا. وقد أنزل الله في العباس ﵁: ﴿يَاَيُّهَا النّبيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكثمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ الله فِي قُلُبِكُمْ خَيْراص يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾ وعند نزول هذه الآية قال العباس للنبي ﷺ ورددت أنك كنت أخذت مني أضعاف ما أخذت. وقد صدق الله وعده له فأعطاه الله مالا عظيما حتى كان عنده مائة عبد في يد كل عبد مال يتاجر فيه. وبلغ ما دفعته قريش فداء للأسرى أكثر من (٢٠.٠٠٠) درهم.
وكان الأسرى: النضير بن الحارث العبدري وكان أشد الناس عداوة للنبي ﷺ . وكان يقول في القرآن أنه أساطير الأولين. ويقول لو شئنا لقلنا مثل هذا وغير ذلك من الأقاويل. فأمر النبي ﷺ عليّ بن أبي طالب ﵁ فضرب عنقه. فلما بلغ الخبر أخته قتيلة وقيل أنما هي بنته ورثته بأبيات ثم أسلمت. وفي أسد الغابة أن قتيلة بنت النضر. قال الواقدي هي التي قالت الأبيات التالية في رسول الله ﷺ لما قتل أباها النضر بن الحارث يوم بدر وهي:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما أن تزال بها النجائب تخفق
مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
قسرا يقاد إلى المنية معتبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق
أمحمد أولست صفو نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان العتق يعتق
وحين سمع النبي ﷺ بكى وقال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه (٤) .
وكان من الأسرى أيضا عتبة بن أبي معيط بن ذكوان المكنى بأبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ ومن المستهزئين به. جاء عن ابن عباس أن عقبة لما قدم للقتل نادى يا معشر قريش ما لي أقتل بينكم صبرا؟ فقال له النبي ﷺ بكفرك واجترائك على الله ورسوله. وعقبة هذا هو الذي وضع سلال الجزور على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد.
فالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط هما الأسيران اللذان أمر ﷺ بقتلهما أما سائر الأسرى فقد استشار رسول الله ﷺ في أمرهم أبا بكر وعمر وعلياً ﵃ فيما هو الأصح من الأمرين القتل أو أخذ الفداء.
стр. 247
رأي أبي بكر ﵁ في الأسرى .
стр. 248
-قال أبو بكر يا رسول الله. أهلك وقومك وفي رواية هؤلاء بنو العم والعشيرة والأخوان قد أعطاك الله الظفر بهم ونصرك عليهم أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم بك فيكونون من عضدا.
стр. 249
رأي عمر بن الخطاب ﵁ .
стр. 250
-قال يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ما أرى م رأى أبو بكر. ولكني أرى أن تمكنني من (فلان) قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن علياً من عقيل أخيه فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم أنه ليس في قلوبنا رحمة على المشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. وعلى كل حال كان رأي عمر ضرب أعناق الأسرى فأعرض عنه رسول الله ﷺ .
أما علي ﵁ فلم يذكر عنه جواب مع أنه أحد الثلاثة المستشارين. قال العلامة الزرقاني لأنه لما رأى تغير المصطفى ﷺ حين اختلف الشيخان لم يجب أو لم تظهر له مصلحة حتى يذكرها.
وكان رأي عبد الله بن رواحة احراقهم في واد كثير الحطب.
لكن رسول الله أخذ برأي أبي بكر ﵁. وقال لا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخشنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله غَفُور رَحِيم﴾ فبكى النبي ﷺ وأبو بكر ﵁. وقال رسول الله ﷺ : إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب. ولم يقل وابن رواحة لأنه أشار باضرام النار وليس بشرع.
وهذه الآية لرأي عمر ﵁. وهذا من المواضع التي جاء القرآن فيها موافقاً لقول عمر ﵁ وهي كثيرة نحو بضع وثلاثين أفردت بالتأليف.
ولما استقر الأمر على الفداء فرق رسول الله ﷺ الأسرى في أصحابه. وكان أول أسير فدى أبو وداعة الحارث. فداه ابنه المطلب (وكان كيساً تاجراً) بأربعة آلاف درهم ثم أسلم وقد عده بعضهم من الصحابة. وعند ذلك بعثت قريش في فداء الأسارى. وكان الفداء فيهم على قدر أموالهم وكان من أربعة آلاف درهم إلى ثلاثة إلى ألفين إلى ألف.
وكان من الأسرى أبو العاص بن الربيع فإنه أسلم بعد ذلك وهو زوج زينب بنت النبي ﷺ ورضي عنها. وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد ﵂ أخت خديجة أم المؤمنين. ولم يكن في ذلك الوقت تزوج الكافر بالمسلمة محرماً، وإنما حرم ذلك بعد لأن الأحكام إنما شرعت بالتدريج.
وقدمت زينب المدينة بعد شهر من بدر. وقد جاء بها زيد بن حارثة بأمر رسول الله ﷺ ثم أسلم زوجها وهاجر وردها إليه ﷺ بغير عقد بل بالنكاح الأول. وقيل عقد عليها قعد آخر وولدت له (أمامة) التي كان يحملها ﷺ على ظهره وهو يصلي. ثم لما كبرت تزوجها علي ﵁ بعد خالتها فاطمة ﵂ بوصية من فاطمة لعلي بذلك.
ومنَّ رسول الله ﷺ على نفر من الأسرى بغير فداء منهم أبو عزة عمرو الجمحي الشاعر. وقد كان يؤذي النبي ﷺ والمسلمين بشعره. فقال: يا رسول الله إني فقير وذو عيال وحاجة قد عرفتها فأمنن عليه رسول الله ﷺ وأطلقه وأخذ عليه عهدا أن لا يظاهر عليه أحداً. ولما وصل إلى مكة قال سحرت محمداً ورجع لما كان عليه من الإيذاء بشعره ولما كان يوم أحد خرج مع المشركين يحرض على قتال المسلمين بشعره فأسر فأمر النبي ﷺ بضرب عنقه. فقال: اعتقني وأطلقني فإني تائب. فقال ﷺ "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" فضربت عنقه وحمل رأس إلى المدينة وأنزل الله فيه ﴿وَإنْ يُرِيدُوا خِياَنَتَكَ فَقَدْ خَانُوا الله مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهمْ﴾ .
стр. 251
تأثير الإنتصار في المدينة .
стр. 252
-كان لنبأ الإنتصار تأثير عظيم في النفوس فخاف رسول الله ﷺ كلُّ عدو بالمدينة وحولها وأسلم كثير من اليهود منهم عبد الله بن أبي لكنه لم يكن مخلصا في إسلامه بل ظل منافقا. ومع إنتصار المسلمين في بدر لم تنقطع معارضة اليهود ودسائسهم فكان لا بد من القضاء عليهم واستئصال شأفتهم. وقد كان المنافقون من الرجال ثلاثمائة ومن النساء سبعين وكانوا يؤذونه ﷺ إذا غاب ويتملقون له إذا حضر.
ثم أرسل رسول الله ﷺ عبد بن رواحة بشيراً لأهل العالية (١) وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بما فتح الله على رسوله ﷺ وعلى المسلمين.
стр. 253
رجوعه ﷺ إلى المدينة .
стр. 254
-لما قارب رسول الله ﷺ المدينة خرج المسلمون للقائه بما فتح الله عليه فتلاقوا معه بالروحاء وتلقته الولائد عند دخوله المدينة يلقن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
стр. 255
وقع خبر الإنتصار على قريش .
стр. 256
-سمعت قريش خبر انتصار رسول الله ﷺ ممن رجع منهم من ساحة القتال (١) وقص أبو سفيان ما رأي علي أبي لهب ففقد رشده وضرب أبا رافع ضربا مبرحا ولم يعش بعدها أبو لهب إلا سبع ليال ومات مصابا بالجدري وبقي بعد موته ثلاثة أيام لا يقرب أحد منه خوفا من العدوى. ولما تحققت قريش خبر الهزيمة وما أصابهم من قتل وأسر ناحت على قتلاها شهرا وجز النساء شعورهن. ثم اتفقوا على عدم الاسترسال في الجزع لئلا يشمت بهم المسلمون وتواصوا على الأخذ بالثار.
стр. 257
أسباب انتصار المسلمين في موقعة بدر .
стр. 258
-ليست موقعة بدر من الوقائع الكبيرة من حيث عدد جيوش المتحاربين واستعدادهم الحربي فإن عدد المسلمين كان نحو ٣٠٠ يقابلهم نحو ألف من أهل مكة ولكنها موقعة مهمة لأنها كانت بمثابة الحجر الأساسي في إنتصار الرسول في الوقائع المقبلة. في هذه الموقعة انهزم أهل مكة وظهر ضعفهم في القتال على كثرة عددهم وفرسانهم وقد أبدى بعض المؤرخين استغرابه لما أصاب أعداء المسلمين من الفشل مع أنهم كانوا أكثر منهم عدداً وكان معهم مائة فرس وسبعمائة بعير ومع ذلك لم يكتسحوهم أمامهم بفرسانهم وركبانهم بل ولوا هاربين والظاهر أن المسلمين كانوا أحسن نظاماً فقد عدل صفوفهم النبي ﷺ وخطب فيهم مستنهضا هممهم وكان يشرف على الموقعة مع ذلك العريش العالي ويصدر الأوامر فكان قائداً اماً ولم يصدر من أصحابه أية مخالفة لأوامره أما أبو سفيان فلم يكن قائدا ماهراً وقد ساعد بناء الحوض وتوفر الماه على النصر. والقرآن الكريم والأحاديث النبوية تنص صراحة على أن الله أمد نبيه بمدد باطني فحاربت الملائكة مع المسلمين ونصروهم على أعدائهم وقد رآهم بعض الصحابة وبعض أهل مكة في ميدان القتال وذكروهم بسيماهم فقيل كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر وكان الزبير بن العوام متعمما بعمامة صفراء فقال ﷺ نزلت الملائكة - أي بعضهم - بسيما أبي عبد الله يعني الزبير. وكانت خيل الملائكة بلقا مسوّمة - مزينة -. وعن عليّ كرم الله وجهه قال هبت ريح شديدة يوم بدر ما رأيت مثلها قط ثم جاءت أخرى كذلك ثم جاءت أخرى كذلك فكانت الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة أمام النبي ﷺ وكانت الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله ﷺ وكانت الثالثة اسرافيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله ﷺ . هذا وقد جيء بالعباس يوم بدر أسره أبو اليَسَر وكان مجموعاً وكان العباس جسيما فقيل لأبي اليسر كيف أسرته؟ قال أعانني عليه رجل ما رايته من قبل ذلك بهيئته كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ لقد أعانك عليه ملك كريم (١) .
وقد كان رسول الله ﷺ قال لأصحابه قد رأيت جبريل وعلى ثناياه النقع. فقال رجل من بني غفار أقبلت أنا وابن عمر لي فصعدنا جبلا يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننظر لمن تكون الدائرة فننتهب فدنت منا سحابة فسمعت فيها حمحمة الخيل وسمعت قائلا يقول أقدم حيزوم. قال فأما ابن عمي فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك فتماسكت. وقال أبو داود المازني إني لاتبع رجلا من المشركين لاضربه إذ وقع راسه قبل أن يصل سيفي إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف (٢) فكيف بعد هذا كله نكذب امداد الله رسوله بالملائكة في موقعة بدر. إن الله قد اختص نبيه بمعجزات وهذه احداها ولا سبيل لانكارها وان أنكارها المستشرقون الذين كتبوا سيرة النبي ﷺ فقد وردت في القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة.
وروى الصحابة ﵃ الذين شهدوا بدراً أنهم رأوا الملائكة بسيماهم وهم يحاربون. قال حويطب بن عبد العزى شهدت بدراً مع المشركين فرأيت عبراً رأيت الملائكة تقتل وتأسر بين السماء والأرض ولم أذكر ذلك لأحد (٣) .
ومن أسباب انتصار المسلمين قوة العقيدة فإن لها تأثيرا عظيما في الحروب فشتان بين من يحارب بعقيدة راسخة لينصر الله ورسوله فإن قتل فاز بنعمة الشهادة وتنعم في دار الخلد وبين من يحارب وهولا يشعر بقوة العقيدة التي تدفع خصمه إلى القتال من غير مبالاة فالمسلمون كانوا يتوقون إلى الموت في سبيل الله فمن ذلك أن رسول الله ﷺ خرج من العريش يوم بدر وهو يقول ﴿سَيهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الُّبْرَ﴾ وحرّض المسلمين وقال "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر الا أدخله الله الجنة" فقال عمير بن الحمام الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن بخ بخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم ألقى التمرات من يده وقاتل حتى قتل (٤) .
ويؤكد سير ويليام موير Sir William Muir أن الخوف الذي كان مستوليا على أهل مكة من أراقة دماء أقاربهم مع ما يقابل ذلك من رغبة المسلمين في القتال، كان هو العامل المهم في انتصار المسلمين في موقعة بدر.
стр. 259
زواج فاطمة .
стр. 260
-كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ طويلة نحيفة تبلغ العشرين من عمرها فزوجها رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب بعد موقعة بدر بعد وقاة رقية وزواج أم كلثوم بعثمان بن عفان.
стр. 261
غزوة بني سليم .
стр. 262
-لما قدم رسول الله ﷺ المدينة من بدل لم يقم إلا سبع ليالي حتى غزا بنفسه يريد بني سليم واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وهو من مشاهير الصحابة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم (١) . وكان لواؤه أبيض حمله علي بن أبي طالب ﵁. فبلغ رسول الله ﷺ ماء من مياههم يقال له (الكدر (٢)) فأقام ﷺ ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا وارتفع القوم وهربوا وبقيت نعمهم فظفر بها ﷺ وانحدر بها إلى المدينة وقسمها بصرار على ثلاثة أميال من المدينة وكانت خمسمائة بعير. وكانت مدة غيبته خمس عشرة ليلة
стр. 263
غزوة بني قينقاع .
стр. 264
-قينقاع اسم لشعب من اليهود الذين كانوا بالمدينة، أضيف إليهم سوق كان بها ويقال له بني قينقاع. وهم من موالي الخزرج وحلفاء عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول وكان عددهم قليلا وصناعتهم الصياغة وكانت بينهم وبين بني النضير وبني قريظة عداوة قديمة في الجاهلية سببها اشتراكهم مع الخزرج في يوم بعاث.
كانت غزوة بني قينقاع في شوال من السنة الثانية من الهجرة (فبراير سنة ٦٢٤ م) وقال ابن اسحاق. كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال: "يا معشر اليهود احذروا من الله مثل مانزل بقريش من النقمة واسلموا فإنكم قد عرفتم أنى نبيّ مرسل تجدون ذلك في كتابكم وفي عهد الله اليكم".
قالوا يامحمد انك ترى انا كقومك، لا يغرنك انك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة انا واللذه لئن حاربتنا لتعلمن انا نحن الناس.
دعا رسول الله بني قينقاع إلى الإسلام، وإلى الأعتراف بنبوته لأنهم يجدون ذلك في كتابهم لكنهم مع ذلك وعلى قلة عددهم واقامتهم مع المسلمين في المدينة نفسها اغلطوا له في الجواب ولم يقفوا عند حدود الأدب وادعوا الشجاعة.
قال الدكتور ولفنسون في كتابه تاريخ اليهود في صدد ما ردوا به على رسول الله "أنهم أجابوه بكل جرأة وتبحج ص ١٢٩" وقال "يظهر من هذا الرد أن بني قينقاع كانوا يعتمدون على معاضدة حلفائهم من الخزرج في نزاعهم مع الرسول قبل كل شيء اذ لا يتصور أن بطنا صغيراً كبطن بني قينقاع يجرؤ على اعلان الحرب ضد أغلب بطون يثرب ولكن بني الخزرج خذلوهم ولم يتحركوا لنجدتهم زغم أنهم من مواليهم ص ١٢٩-١٣٠".
وقد كان بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا فيما بين بدر وأحد.
قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشف سوءتها فضحكوا منها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله. وكان يهودياً فشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
ولم يرو هذه الحادثة ابن اسحاق وكذا لم يذكرها الطبري في تاريخه ولا ابن سعد في طبقاته. وليس في هذه القصة ذكر لأسم المرأة ولا اسم الصائغ الذي قتل ولا اسم المسلم القاتل له ولذلك نشك في هذه القصة لا لأن ابن اسحاق لم يروها بل لأن روايتها بهذه الصفة تحملنا على الشك إذ ليس فيها ما يساعدنا على البحث والتحقيق.
وقد حاصرهم رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد حتى نزلوا على حكمه فكتفوا وهو يريد قتلهم فقام إليه عبد الله ابن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم (وكانوا حلفاءه وحلفاء عبادة بن الصامت) . فقال يامحمد أحسن في مواليَّ فأبطأ عليه النبي ﷺ . فقال يا محمد أحسن في مواليَّ. فأعرض عنه النبي ﷺ فأدخل يده في جيب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ أرسلني وغضب ﷺ حتى رأوا في وجهه ظلالا (١) ثم قال ويحك أرسلني. قال لا والله لا أرسلك حتى تحس إلى مواليَّ أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع منعوني من الأسود والأحمر تحصدهم في غداة واحدة واني واللذه لا آمن وأخشى الدوائر. فقال رسول الله ﷺ هم لك. وعن عمر بن قتادة أنه قال خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم فأسلوهم ثم أمر باجلائهم وغنم الله رسوله والمسلمين ماكان لهم من مال ولم تكن لهم أرضون إنما كانوا صاغة فأخذ رسول الله ﷺ منهم سلاحا كثيراً وآلة صياغتهم وكان الذي ولى اخراجهم من المدينة بذارريهم عبادة بن الصامت فمضى بهم حتى بلغ ذِبَاب (٢) وهو يقول الشرف الابعد الأقصى فالأقصى. وكان رسول الله ﷺ استخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر.
وقد استغرق خروجهم ثلاثة أيام وذهبوا إلى أذْرِعات (٣) وكان عددهم ٤٠٠ حاسرو ٣٠٠ دارع فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلي سبيلهم وأن يجلوا من المدينة وأن لهم النساء والذرية ويجعلوا بقية الأموال للنبي ﷺ ومنها الحلقة لتي هي السلاح ولم يكن لهم نخيل ولا أرض تزرع فصالحهم على ذلك فنزلوا فخمست أموالهم. جعل منها أربعة أخماس للمؤمنين المجاهدين وخمسا له ﷺ . وقد وجد في منازلهم سلاح كثير فأخذ رسول الله ﷺ من سلاحهم ثلاث قسىّ قوساً تدعى (الكتوم) لا يسمع لها صوت إذا رمى بها كسرت بأحد وقوساً تدعى (الروحاء) وقوساً تدعى (البيضاء) وأخذ درعين، درعا يقال لها (الصُّغديّة) يقال أنها درع داود التي لبسها حين قتل جالوت والأخرى يقال لها (فضة) وثلاثة أرماح وثلاثة أسياف. ووهب ﷺ درعا لمحمد بن مسلمة ودرعا لسعد بن معاذ. وكان لواء رسول الله ﷺ يوم بني قينقاع لواء أبيض مع حمزة بن عبد المطلب.
стр. 265
غزوة السَّويق .
стр. 266
-غزا أبو سفيان بن حرب غزوة السويق في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة (ابريل سنة ٦٢٤ م) وولى تلك الحجة المشركون من تلك السنة. وكان أبو سفيان حين رجع إلى مكة نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمداً ﷺ فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه (١) فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب من المدينة على بريد أو نحوه. ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير ليلا فأتى حُيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فأنصرفه عنه إلى سلاّم بن مِشكم وكان سيد بني النضير في زمانه وصاحب كنزهم فأستذن عليه فأذن له فقراه وسقاه خمرا وبطن له من خبر الناس. ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوى ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها ووجدوا بها معبد بن عمرو الأنصاري وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس.
فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم في ٢٠٠ من المهاجرين والأنصار واستعمل على المدينة بشير بن عبد المنذر (وهو أبو لبابة) حتى بلغ قرقرة الكُدر. ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه وقد رأوا أزواداً من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها النجاة. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ : يا رسول الله أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال نعم.
وإنما سميت "غزوة السويق" لأن ما أكثر ما طرح القوم من أزوادهم "السويق" فرجع المسلمون بسويق كثير فسميت (غزوة السويق) .
والظاهر أن أبا سفيان أراد بهذه الغزوة أن يبر يمينه فقط لأنه لا يتصور أنه كان يريد بهذه القوة الصغيرة (٢٠٠ راكب) الإنتصار على المسلمين في هذه الغزوة بعد أن شاهد قوتهم في غزوة بدر.
لذلك كانت هذه مناوشة لا قيمة لها.
стр. 267
غزوة ذي امَرّ وهي غزوة غَطَفان .
стр. 268
-لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزا نجداً يريد غطفان وهي غزوة ذي امَرّ لأن جمعا من بني ثعلبة ومحارب تجمعوا يريدون الإغارة، جمعهم دعثور بن الحارث المحاربي. فخرج رسول الله ﷺ في ٤٥٠ رجلا واستعمل على المدين عثمان بن عفان فلما سمعوا بمجئه هربوا في رؤوس الجبال فرجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا وأقام بنجد صفراً كله أو قريباً من ذلك. وأصاب المسلمون رجلا منهم يقال له حبار فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام فأسلم وضمه إلى بلال ليعلمه الشريعة الإسلامية كما هو دأبه من العناية بتعليم المسلمين. وفي هذه الغزوة أسلم دعثور بمعجزة من النبي ﷺ مع أنه هو الذي جمع قومه لمحاربته ﷺ وكان سيداً شجاعاً وبعد أن أسلم ذهب إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام فأهتدى به خلق كثير.
стр. 269
زواج أم كلثوم
стр. 270
-في هذه السنة "الثالثة" عقد لعثمان ﵁ على أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ بعد موت أختها رقية.
стр. 271
زواج حفصة .
стр. 272
-في شعبان من هذه السنة تزوج رسول الله بحفصة بنت عمر ﵄ بعد أن انقضت عدتها من زوجها خنيس بن حذافة.
стр. 273
سرية زيد بن حارثة .
стр. 274
-سرية زيد بن حارثة إلى القَرْد ماء من مياه نجد وسببها أن قريشا خافوا من طريقهم التي يسلكونها إلى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وحويطب بن عبد العزى وكلهم أسلموا عام الفتح ومعهم فضة كثيرة فبعث رسول الله زيد بن حارثة ﵁ في ١٠٠ راكب فلقيهم على ذلك الماء فأصاب العير وما فيها وهرب الرجال فقدم بالعير على رسول الله فخمسها فبلغت قيمة الخمس عشرين ألف درهم. وكانت هذه السرية في جمادى الآخرة من السنة الثالثة من الهجرة (سبتمبر سنة ٦٢٤ م) .
стр. 275
قتل كعب بن الأشرف .
стр. 276
-كعب بن الأشرف اليهودي كان أبوه عربياً من بني نبهان. أصاب دماً في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعباً. وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، شاعراً مجيداً، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله فكان أحبار يهود ويصلهم. وكان يهجو رسول الله ﷺ في أشعاره ويحرض كفار قريش على قتاله. وكان من عداوته أنه لما أصيب أصحاب بدر قدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقتل من قتل وأسر من أسر من المشركين كبر عليه ذلك وقال: أحق هذا؟ أترون أن محمداً قتل هؤلاء الذين سمى هذان الرجلان (البشيران) وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء لبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن الخبر ورأى الأسرى خرج إلى قريش يبكي قتلاهم ويحرض بأشعاره على قتال النبي ﷺ وكان ينتقل من قوم إلى قوم وأخباره تصل إلى النبي ﷺ فيذكره لحسان فيهجوه، ثم رجع إلى المدينة فتغزل في نساء المسلمين وذكرهن بسوء وأبى أن ينزع عن أذاه وكان يرمي إلى احداث ثورة في المدينة ضد رسول الله ﷺ فغضب رسول الله ﷺ وقال: من لي باب الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله. قال فافعل إن قدرت على ذلك، فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال: يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري أأفين لك به أم لا؟ قال إنما عليك الجهد.
ثم أتى أبا نائلة وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر وأخبرهم بما وعد به رسول الله من قتل ابن الأشرف، فأجابوه وقالوا كنا نقتله ثم أتوا رسول الله وقالوا يا رسول الله لا بد لنا أن نقول. قال قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك. ومعنى ذلك أنهم استأذنوه أن يقولوا قولا غير مطابق للواقع يسر كعباً ليتوصلوا به إلى قتله وكان لا بد لهم من التماس الحيلة لأنه كان يقيم في حصن منيع خارج المدينة فأباح لهم الكذب لأنه من خدع الحرب، فجاء محمد بن مسلمة كعب بن الاشرف فقال إن هذا الرجل يعني النبي ﷺ قد سألنا صدقة ونحن ما نجد ما نأكله وأنه قد عنانا وأني قد أتيتك استسلفك. قال كعب وأيضا والله لتملنه. قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين. قال ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل؟ ثم أجابهم بأنه يسلفهم وقال ارهنوني قال أي شيء تريد. قال أرهنوني نساءكم. قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال فارهنوني ابناءكم، قالوا وكيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن وسق أو وسقين؟ هذا عار علينا ولكن نرهنك اللامة يعني السلاح مع علمك بحاجتنا إليه قال نعم وإنما قالوا ذلك لئلا ينكر عليهم مجيئهم إليه بالسالح فواعده أن يأتيه وجاءه أيضا أبو نائلة وقال له ويحك يا ابن الأشرف أني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فأكتم عني. فقال أفعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء. عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد علينا. فقال كعب انا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأم سيصير إلى ما أقول. فقال أني أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك وإن معي أصحابا على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء. فقال إن في الحلقة لوفاء وكان أبو نائلة أخاً لكعب من الرضاعة ومحمد بن مسلمة ابن أخيه من الرضاعى فجاءه محمد بن مسلمة وأبو نائلة ومعهما عباد بن بشر والحارث بن أوس بن معاذ وأبو عبس بن جبر وكلهم من الأوس ولما فارقوا النبي ﷺ مشى معهم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله أعنهم ثم رجع ﷺ إلى بيته وكان ذلك بالليل وكانت الليلة مقمرة. فاقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه وكان حديث عهد بعرس فناداه أبو نائلة ثم بقية أصحابه فعرفهم ووثب في ملحفته فأخذته امرأته بناحيتها وقالت إنك امرؤ مُحارب وإن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة قال لها إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني فقالت والله أني لأعرف في صوته الشر فقال لها كعب لو يدعي الفتى لطعنة لأجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا له هل لك با ابن الأشرف أن تمشي إلى شعب العجوز (١) تنحدث به بقية ليلتنا فقال إن شئتم. فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة ثم أن أبا نائلة أدخل يده في بطنه ثم شم يده وقال ما رأيت كالليلة طيباً أعطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعى ثم عاد لمثلها وأمسكه من شعره وقال اضربوا عدو الله فضربوه بأسيافهم فوقع على الأرض فجزوا رأسه فحملوه في مخلاة كانت معهم إلى رسول الله وكان ذلك في السنة الثالثة من الهجرة شهر ربيع الأول (يولية سنة ٦٢٤ م) .
هذه الحادثة قد أوقعت الرعب في نفوس اليهود جميعا فقد قال رسول الله ﷺ من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فلم يخرج من عظمائهم أحد من شدة خوفهم.
стр. 277
قتل ابن سُنَيْنَةَ .
стр. 278
-ولما سمع مُحَيّصة بن مسعود ذلك من رسول الله وثب على ابن سُنَيْنَةَ اليهودي وهو من تجار يهود فقتله فقال له أخوه حُوَيَّصة وهو مشرك يا عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله وضربه. فقال محّيصة لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك قال فوالله لئن كان لأول اسلام حويصة فقال إن دينا قد بلغ بك ما أرى لعجب. ثم أسلم.
هذ قصة مقتل كعب بن الأشرف ذكرنا ملخصها من أوثق المصادر التاريخية وقد استنكر بعض الأفرنج الذين كتبوا سيرة الرسول ﷺ اغتيال كعب بأمر رسول الله. لكن كعبا هو الذي أساء إلى نفسه إذ قد ساقه الغرور إلى ارتكاب متن الشطط بعداء النبي معتمداً على ثروته وجاهه وشعره فإنه بعد أن عاهد النبي مع من عاهده من اليهود نقض العهد ونشط يهجو رسول الله والمسلمين بأشعاره ورحل إلى مكة يبث الدعوة للقتال فإذا ما عاد إلى المدينة تغزل بنساء المسلمين. ولا ريب أن ذلك كله يوغر الصدور والعرب لا يغفرون لمن يرمي نساءهم بسوء. ومن هذا نرى أنه كان عرضة للقتل بيد كل من يغار على حريمه ودينه من المسلمين.
ذكرنا مقتل كعب بن الأشرف قبل موقعة أحد لأن سرية محمد بن مسلمة كانت في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة وغزوة أحد في شوال من هذا السنة. ذلك أن كعباً لما جاء البشيران اللذان أرسلهما رسول الله ليزفا إلى المسلمين خبر انتصارهم في بدر وقتل من قتل وأسر من أسر من أشراف قريش لم يصدقهما فلما سأل الناس وتثبت من صح الخبر رحل إلى مكة وأخذ يحرض قريشا على قتال المسلمين بأشعاره طارقا أبوابهم ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين فأمر رسول الله بقتله فقتل وقد حدث ذلك بعد موقعة بدر وقبل أحد اذ الذي دفعه إلى الرحيل إلى مكة واظهار عدائه شدة تغيظه من انهزام المشركين وانتصار المسلمين ذلك الأنتصار المبين. وقد ذكر ابن هشام وابن الأثير وابن سعد في طبقاته وفي كتاب السير للأمام أبي العباس مقتل كعب قبل أحد وكذلك أورده الطبري قبل أحد مع حوادث السنة الثالثة للهجرة وقد نقل عن الواقدي أن النبي وجه إليه (أي كعب) في شهر ربيع الأول من هذه السنة (الثالثة) وارخ مستر موير هذه الحادثة يولية سنة ٦٢٤ (السنة الثالثة من الهجرة) .
ومن الغريب أن الأستاذ ولفنسون يغمض عينيه عن هذه المراجع المهمة (في رسالتته تاريخ اليهود) وبتشبث برأى اليعقوبي ويعتبره صحيحاً لأن اليعقوبي يقول إن النبي أمر بقتل كعب بن الأشرف بعد يوم أحد أي في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة. لكن ما الذي الجأ الأستاذ إلى ذلك؟ إن الذي ألجأه إلى ذلك نفي التهمة عن كعب بن الأشرف وهي تحريضه قريشا على قتال المسلمين وتشبيبه بنسائه فاضطر إلى تكذيب رواية ابن هشام وغيره من كبار المؤرخين.
فلما قتل كعب اذن؟
قال الأستاذ أنه قتل في السنة الرابعة قبيل محاصرة النبي لبني النضير وكان قتله بمثابة اعلان حرب عليهم فإنه كان زعيما من زعمائهم.
وبذلك نفى الأستاذ ولفنسون التهمة عن كعب وجوّز على النبي قتل زعيم من زعماء بني النضير لا لشيء غير اعلان الحرب عليهم.
стр. 279
غزوة أحد .
стр. 280
-أحد جبل مشهور بالمدينة في شمالها بينه وبين المدينة ثلاثة أميال. كانت الغزوة في شوال سنة ثلاث من الهجرة (يناير ٦٢٥ م) وسببها أن قريشاً لما أصبابهم يوم بدر ما أصابهم مشى عبد الله بن ابي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية ومشى معهم رجال آخرون من أشراف قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وأخوانهم فكلموا أبا سفيان وكل من كان له تجارة في تلك العير التي كانت سبب وقعة بدر وسألوهم أن يعينوهم على حرب رسول الله ليدركوا ثأرهم منهم ففعلوا وتجهزت قريش ومن والاهم من قبائل كنانة وتهامة ودعا جبير بن مطعم غلامه وحشى بن حرب وكان حبشياً يقذف بالحربة قلما تخطئ فقال له أخرج مع الناس فإن قتلت عمَّ محمد (حمزة) بعمى طعيمة بن عدى فأنت حر، لأن حمزة هو القاتل لطعيمة بن عدي يوم بدر وكان أبو سفيان بن حرب قائدهم وكانت عدتهم ٣٠٠٠ فيهم ٧٠٠ دارع ومعهم ٢٠٠ فرس وكان جملة النساء ١٧ امرأة معهن الدفوف يبكين على قتلى بدر (إذ البكاء دأب النساء) يحرضن بذلك المشركين وممن خرج من النساء هند بنت عتبة بن أبي ربيعة. وكتب العباس للنبي ﷺ وأخبره بجمهم وخروجهم.
وراودوه على الخروج معهم فأبى واعتذر بما لحقه يوم بدر ولم يساعدهم بشيء من المال ومن هذا نستدل على أن التجنيد والتبرعات المالية للحرب لم تكن إجبارية.
جاء كتاب العباس للنبي ﷺ وهو بقباء على بعد ساعة من المدينة وكان العباس أرسل الكتاب مع رجل من بني غفار استأجره وشرط عليه أن يأتي المدينة في ثلاثة أيام بلياليها ففعل ذلك. فلما جاء الكتاب فك ختمه ورفعه لأبي بن كعب فقرأه عليه وهذا مما يؤيد أن النبي كان أمياً بمعنى أنه لا يعرف القراءة والكتابة والا لكان قرأ الكتاب بنفسه وكتم سره بدلا من أن يطلب من أبي بن كعب تلاوته ثم يستكتمه.
سارت قريش ومعهم الأحابيش (١) الذي حالفوهم وخرج معهم أبو عامر الراهب في ٧٠ فارساً. وسماه رسول الله الفاسق بدلا عن الراهب وابنه حنظلة من فضلاء الصحابة وهو من المستشهدين بأحد.
وصلت قريش ببطن الوادي من قبل أحد مقابل المدينة. وتشاور المسلمون في الخروج من المدينة. وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول رأى النبي فإنه كان يرى عدم الخروج منها. لكن ألح عليه ﷺ بعض الصحابة فخرج. ورأى رسول الله ﷺ جماعة من اليهود مع عبد الله بن أبي يريدون الخروج. فقال وقد اسلموا؟ قالوا لا يا رسول الله. قال مروهم فليرجعوا فإنا لانستعين بالمشركين على المشركين والنتيجة ان انقسم أصحاب رسول الله فريقين. فكان مجموع الذين خرجوا للقتال مع رسول الله ﷺ ٧٠٠ منهم ١٠٠ دارع ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين وذلك بعد أن انخذل عنه عبد الله بن أبي ثلث الناس (فالتجنيد لذلك لم يكن اجباريا) .
وكانت فكرة عدم الخروج من المدينة لمقاتلة قريش هي كما قال رسول الله ﷺ "امكثوا بالمدينة فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وفي رواية فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وندعوهم حين نزلوا فإن أقاموا بشر مقام. وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها".
أما الذين رأوا الخروج فهم رجال من المسلمين لم يحضروا بدراً وأسفوا على ما فاتهم من مشهدها فقالوا يا رسول الله إنا كنا نتمنى هذا اليوم اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون انا جبنا عنهم فلما سمع ابن أبيَّ هذا الرأي قال يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط الا أصاب منا ولا دخلها عليها الا أصبنا منهم فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا ومن الذي رأوا الخروج حمزة بن عبد المطلب وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك وطائفة من الأنصار أما النبي وإن كان رأى عدم الخروج الا أنه كان مترددا ولم يكن قد أوحى إليه لكنه مال أخيرا إلى موافقة من رأى الخروج من أصحابه فصلى بالناس الجمعة ثم وعظهم وحثهم على القتال والصبر وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم ثم صلى بالناس العصر ودخل بيته ومعه صاحباه فعمماه والبساه وتقلد السيف وخرج وقد لبس لأمته (٢) .
اصطف الناس ينتظرون خروجه ﷺ . فقال لهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج فردوا الأمر إليه. وكان سعد بن معاذ سيد الأوس وهو في الأنصار كالصديق في المهاجرين.
خرج رسول الله بعد أن لبس لأمته فندم الطالبون لخروجه على ما صنعوا وقالوا ما كان ينبغي لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وعقد لواء للأوس وجعله بيد أسيد بن حضير ولواء للخزرج وجعله بيد الحباب بن المنذر ولواء للمهاجرين وجعله بيد عليّ بن أبي طالب. وخرج امام رسول الله السعدان يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة.
اصطف المسلمون بأصل أحد والجبل وراء ظهورهم واصطف المشركون بالسنجة وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل وعلى المشاة صفوان بن أمية واستقبل الزبير بن العوام خالد بن الوليد وجعل النبي ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير بن النعمان الأوسي البدري المستشهد يوم أحد. وكان الرماة خمسين رجلا فأقامهم النبي ﷺ على جبل وقال لهم احموا ظهورنا حتى لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم وأعطى النبي ﷺ أبا دجانة الأنصاري سيفاً يحارب به ففلق بالسيف هام المشركين وكان إذا كلّ شحذه بالحجارة. وقتل علي ﵁ صاحب لواء المشركين وهو طلحة بن أبي طلحة ثم حمل اللواء بعده أخوه عثمان بن أبي طلحة فحمل عليه حمزة ﵁ فقطع يديه وكتفه فأخذه أبو سعيد ابن أبي طلحة فقتله سعد بن أبي وقاص رميا فحمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح ثم حمله أخو مسافع وهو الحارث بن طلحة فرماه عاصم أيضا فقتله فحمل اللواء كلاب بن طلحة فقتله الزبير ﵁ فحمله جلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله ثم حمله أرطاة بن شرحبيل فقتله علي ﵁ ثم حمل أبو زيد بن عمرو بن عبد مناف قزمان ولد لشرحبيل فقتله قزمان أيضا ثم حمله صواب غلامهم وكان عبدا حبشياً فقتله علي ﵁ ثم لم يزل اللواء طريحا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فاستداروا حوله وقد كان علم المشركين شؤما عليهم فكلما حمله أحد قتل وهكذا إلى أن قتل عشر رجلا حملوا هذا العلم بالتوالي وقد كان اهتمام المسلمين موجها إلى حامل العلم بنوع خاص بأنه كبش الكتيبة، ونكب بحمل العلم كل من مسافع والحارث وكلاب وجلاس الأربع أولاد طلحة بن أبي طلحة فكلهم قتلوا كأبيهم وعميهم عثمان وأبي سعيد. ثم جاش المسلمون فيهم ضربا حتى اجهضوهم وأزالوهم أمكنتهم ثم أنزل الله نصره على المسلمين فصاروا يقتلون الكفار قتلا فانهزموا وولوا هاربين وتبعهم المسلمون ووقعوا ينتهبون المعسكر ويأخذون ما فيه من الغنائم واشتغلوا عن الحرب.
стр. 281
الكرة على المسلمين .
стр. 282
-انهزم المشركون فطمعت الرماة في الغنيمة وفارقوا المكان الذي أمر النبي بالبقاء فيه مع أنه ﷺ قال لهم "انا لاننزال غالبين ما ثبتم مكانكم" "اللهم أني أشهدك عليهم" وفي رواية قال لهم "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم وهم قتلى فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" وليس بعد هذا تنبيه ولا تشديد من القائد العام وقد حذرهم أميرهم عبد الله بن جبير وقال لهم أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فأبوا أن يطيعوه وقالوا والله لتأتين الناس ولنصيبن من الغنيمة فإن المشركين قد انهزموا فما مقامنا هنا؟
ولما رأى خالد بن الوليد خلاء الجبل الذي كان فيه الرماة وقلة أهله أتى من خلف المسلمين وكر عليهم بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل فوقع الاختلاط فيهم فضعفت عزائمهم، مما زاد ارتباكهم أن رجلا اسمه قميئة الليثي قتل مصعب بن عمير وأذاع أنه قتل محمداً فانكشف المسلمون وقتل الذين ثبتوا في مكانهم من الرماة وهم دون العشرة وقتل أميرهم عبد الله بن جبير وكان عدة الشهداء من المسلمين ٧٠ رجلا وعدة القتلى من المشركين ٢٣ رجلا وكان بين القتلى حنظلة بن أبي سفيان ووصل العدو إلى رسول الله وأصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى وشجّ في وجهه وكلمت شفته السفلى وكان الذي أصاب رسول الله عتبة بن أبي وقاص والدم يسيل على وجهه وهو يقول:
"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فنزل في ذلك قوله تعالى ﴿َيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شيءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ .
ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ عليّ بن أبي طالب بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله ﷺ وازدرده، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله فسقطت ثنيته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان ساقط الثنيتين. ولما كسرت رباعيته وشج وجهه شق ذلك على أصحابه وقالوا لودعوت عليهم فقال إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعياً ورحمة اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.
وثبت النبي وقت رجوع المسلمين ولم ينصرف عن موضعه وصار يرمي بالنبل ومعه أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين (١) وسبعة من الأنصار (٢) وأقبل أبيّ بن خلف يريد قتله ﵇ فتناول النبي حربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه فاحتقن الدم وكان ذلك سبب موته وهو عائد إلى مكة وهو الرجل الوحيد الذي قتل بيده ﵊.
ثم التمس رسول الله عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه وجدع أنفه وأذناه ثم أتى بالقتلى وأمر بدفنهم واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال" ادفنوهم حيث صرعوا.
وقد قاتل حمزة في ذلك اليوم قتالا شديداً وكان يقاتل بسيفين وآخر قتيل قتله ﵁ سباع بن عبد العزى الخزاعي فلما أكب عليه ليأخذ درعه قتله وحشي غلام جبير بن مطعم ثم أسلم بعد ذلك.
стр. 283
المثلة بحمزة .
стр. 284
-قال ابن اسحاق: ووقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجد عن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلايد وأعطت خدمها وقلايدها وقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وهند هذه هي زوج أبي سفيان وأم ابنه معاوية وقد أسلمت في فتح مكة بعد زوجها كما سيأتي.
لقد ساء رسول الله ﷺ ما رآه من التمثيل بحمزة فقال: لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. ولما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا والله لئن أظفرنا الله بهم يوما في الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. فالمثلة كانت تقترفها العرب في الجاهلية انتقاما من أعدائهم إذا بلغ منهم الغيظ مبلغه، لكن الإسلام حرمها لشناعتها فعن ابن عباس إن الله أنزل في قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه ﴿وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمْلِ مَا عُوقِبِتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُو خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ وَلاتَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَتَكُ فِي ضِيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُوُنَ﴾ فعفا رسول الله ﷺ ونهى عن المثلة. وقال أصبرُ وأحتسبُ. هذا نهى عنه الدين الإسلامي الحنيف، لكنا نرى بعض جيوش الدول المتمدنة تقترف المثلة بأعدائها وهم يزعمون أن الدين الإسلامي دين همجية ووحشية. وقد مثل يوم أحد بعبد الله بن جحش وكان الذي قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي. وكان عمره حين قتل نيفا وأربعين سنة ودفن هو وخاله حمزة في قبر واحد.