← Сира

Сира · id 12935

محمد صلى الله عليه وسلم

محمد رضا

Полный текст (615 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الكرة على المسلمين .

стр. 282

-انهزم المشركون فطمعت الرماة في الغنيمة وفارقوا المكان الذي أمر النبي بالبقاء فيه مع أنه ﷺ قال لهم "انا لاننزال غالبين ما ثبتم مكانكم" "اللهم أني أشهدك عليهم" وفي رواية قال لهم "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم وهم قتلى فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" وليس بعد هذا تنبيه ولا تشديد من القائد العام وقد حذرهم أميرهم عبد الله بن جبير وقال لهم أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ فأبوا أن يطيعوه وقالوا والله لتأتين الناس ولنصيبن من الغنيمة فإن المشركين قد انهزموا فما مقامنا هنا؟ ولما رأى خالد بن الوليد خلاء الجبل الذي كان فيه الرماة وقلة أهله أتى من خلف المسلمين وكر عليهم بالخيل وتبعه عكرمة بن أبي جهل فوقع الاختلاط فيهم فضعفت عزائمهم، مما زاد ارتباكهم أن رجلا اسمه قميئة الليثي قتل مصعب بن عمير وأذاع أنه قتل محمداً فانكشف المسلمون وقتل الذين ثبتوا في مكانهم من الرماة وهم دون العشرة وقتل أميرهم عبد الله بن جبير وكان عدة الشهداء من المسلمين ٧٠ رجلا وعدة القتلى من المشركين ٢٣ رجلا وكان بين القتلى حنظلة بن أبي سفيان ووصل العدو إلى رسول الله وأصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى وشجّ في وجهه وكلمت شفته السفلى وكان الذي أصاب رسول الله عتبة بن أبي وقاص والدم يسيل على وجهه وهو يقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم" فنزل في ذلك قوله تعالى ﴿َيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شيءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ . ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون فأخذ عليّ بن أبي طالب بيد رسول الله ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله ﷺ وازدرده، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله فسقطت ثنيته ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان ساقط الثنيتين. ولما كسرت رباعيته وشج وجهه شق ذلك على أصحابه وقالوا لودعوت عليهم فقال إني لم أبعث لعانا ولكن بعثت داعياً ورحمة اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون. وثبت النبي وقت رجوع المسلمين ولم ينصرف عن موضعه وصار يرمي بالنبل ومعه أربعة عشر رجلا سبعة من المهاجرين (١) وسبعة من الأنصار (٢) وأقبل أبيّ بن خلف يريد قتله ﵇ فتناول النبي حربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه فاحتقن الدم وكان ذلك سبب موته وهو عائد إلى مكة وهو الرجل الوحيد الذي قتل بيده ﵊. ثم التمس رسول الله عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه وجدع أنفه وأذناه ثم أتى بالقتلى وأمر بدفنهم واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال" ادفنوهم حيث صرعوا. وقد قاتل حمزة في ذلك اليوم قتالا شديداً وكان يقاتل بسيفين وآخر قتيل قتله ﵁ سباع بن عبد العزى الخزاعي فلما أكب عليه ليأخذ درعه قتله وحشي غلام جبير بن مطعم ثم أسلم بعد ذلك.

стр. 283

المثلة بحمزة .

стр. 284

-قال ابن اسحاق: ووقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجد عن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلايد وأعطت خدمها وقلايدها وقرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وهند هذه هي زوج أبي سفيان وأم ابنه معاوية وقد أسلمت في فتح مكة بعد زوجها كما سيأتي. لقد ساء رسول الله ﷺ ما رآه من التمثيل بحمزة فقال: لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. ولما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا والله لئن أظفرنا الله بهم يوما في الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. فالمثلة كانت تقترفها العرب في الجاهلية انتقاما من أعدائهم إذا بلغ منهم الغيظ مبلغه، لكن الإسلام حرمها لشناعتها فعن ابن عباس إن الله أنزل في قول رسول الله ﷺ وقول أصحابه ﴿وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمْلِ مَا عُوقِبِتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُو خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلاَّ وَلاتَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَتَكُ فِي ضِيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُوُنَ﴾ فعفا رسول الله ﷺ ونهى عن المثلة. وقال أصبرُ وأحتسبُ. هذا نهى عنه الدين الإسلامي الحنيف، لكنا نرى بعض جيوش الدول المتمدنة تقترف المثلة بأعدائها وهم يزعمون أن الدين الإسلامي دين همجية ووحشية. وقد مثل يوم أحد بعبد الله بن جحش وكان الذي قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي. وكان عمره حين قتل نيفا وأربعين سنة ودفن هو وخاله حمزة في قبر واحد.

стр. 285

إحدى معجزات رسول الله ﷺ .

стр. 286

-لرسول الله ﷺ معجزات كثيرة ومن هذه المعجزات المعجزة الآتية: أصيبت عين قتادة بن النعمان من بني ظفر وهي على وجنته فردها عليه رسول الله ﷺ فصحت وكانت أحسن عينيه (١) . وقال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر ابن قتادة أن رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى سيتها فأخذها قتادة بن النعمان. فكانت عنده وأصيبت يومئذ عين قتادة حتى وقعت على وجنته. قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنّ رسول الله ﷺ ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.

стр. 287

سعد بن أبي وقاص ﵁ .

стр. 288

-سعد بن أبي وقاص هو أبو اسحاق بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري المكي المدني الصحابي أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله بالجنة وهو قديم الإسلام. أسلم وعمره ١٧ سنة وهو أول من رمى بسهم في سبيل الجهاد وكان من المهاجرين الأولين وشهد مع النبي بدراً وأحداً والخندق وسائر المشاهد وكان يقال له فارس الإسلام وأبلى في يوم أحد بلاء شديداً. قيل رمى فيه بألف سهم. جاء صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رايتهما قبل ولا بعد". وعنه ﵁ قال: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد فقال "ارم فداك أبي وأمي" وعن علي ﵁ قال ما سمعت رسول الله ﷺ قال "فداك أبي وأمي إلا لسعد ﵁" يعني يوم أحد. فلا ينافي أن النبي ﷺ قال مثل ذلك للزبير يوم الخندق وكان ﷺ يفتخر بعد ويقول هذا سعدا ﵁ كان من بني زهرة وكانت أم النبي ﷺ منهم وكان ﵁ إذا غاب يقول النبي ﷺ ما لي لا أرى الصبيح المليح الفصيح.

стр. 289

المنهزمون من المسلمين .

стр. 290

-رجع المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون بسبب ما وقع بينهم من الإختلاط واستمروا إلى قرب المدينة وتفرق سائرهم. قال الحافظ بن حجر أنهم صاروا ثلاث فرق: -١- فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل وهم الذين نزل فيهم ﴿إَنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ بِبَعْضِ مَا كَسَبْوا وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ﴾ . -٢- وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قد قتل فصارت غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل وهم أكثر الصحابة. -٣- وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ثم تراجعت إليه الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه ﷺ حي.

стр. 291

شجاعة امرأة وثباتها مع رسول الله ﷺ .

стр. 292

-لما انكشف المسلمون وأختلط أمرهم ثبتت أم عمارة مع رسول الله وأصحابه الشجعان الذين ثبت الله أقدامهم وهذه مفخرة خالدة. قال ابن هشام وقاتلت أم عمارة نَسِيبة بنت كعبا لمازنية يوم أحد فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أن أم سعد ينت سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت لها يا خالة أخبريني خبرك فقالت خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليَّ فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت من أصابك بهذا قالت ابن قميئة أقمأه لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ . أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات ولكنن عدو الله كانت عليه درعان. وفي أسد الغابة أن أم عمارة شهدت بيعة العقبة وشهدت أحدا مع زوجها زيد ابن عاصم ومع أبنيها حبيب وعبد الله في قول ابن اسحاق وشهدت بيعة الرضوان وشهدت اليمامة فقاتلت حتى أصيبت يدها وجرحت يومئذ اثنتي عشرة جراحة. روى عنها عكرمة مولى ابن عباس أنها قالت للنبي ﷺ : ما أرى كل شيء إلا للرجال ما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت ﴿إنّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ .

стр. 293

أسباب انهزام المسلمين في موقعة أحد .

стр. 294

-كان أبو سفيان بن حرب هو الذي قاد قريشا كلها يوم أحد ولم يكن بأعلم من رسول الله بقادة الجيش وتنظيمه. لكن أبا سفيان استطاع أن سجند عدداً كبيراً من قريش فكانت عدتهم ٣٠٠٠ فيهم ٧٠٠ دارع ومعهم ٢٠٠ فرس. أما مجموع الذين خرجوا للقتال مع رسول الله ٧٠٠ منهم ١٠٠ دارع ولم يكن فيهم سوى فرسين لأن عبد الله بن أبي انخذل عن رسول الله بثلث الناس وعاد بهم إلى المدينة. ثم أن رسول الله ﷺ بعد أن صف المسلمين بأصل أحد وجعل الرماة على جبل صغير وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم قائلا لهم "احموا ظهورنا حتى لا يأتونا من خلفنا" طمعوا في الغنيمة وهبطوا تاركين مركزعم. وبذلك تمكن خالد بن الوليد من الكر على المسلمين بالخيل من الخلف فانكشفوا ووقع الإختلاط بينهم وذاع في الجيش أن محمداً قتل فازداد ارتباك المسلمين وفروا منهزمين وفر بعضهم إلى المدينة. نعم إن رسول الله ﷺ لم يتزحزح عن مركزه وشاهد بعض الصحابة فالتفوا حوله وثبتوا معه وقاتلوا قتالاً شديداً حتى أن سعد بن أبي وقاص وحده رمى يومئذ بألف سهم ورمى رسول الله عن قوسه حتى اندقت سيتها واستطاع عمر بن الخطاب ﵁ أن يهبط الطائفة التي علت الجبل من قريش، لكن هذا كله كان بعد أن وقعت الهزيمة بالمسلمين.

стр. 295

نداء أبي سفيان .

стр. 296

-أشرف أبو سفيان على القوم بعد الموقعة فقال أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله ﷺ لاتجيبوه مرتين، ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاثا فقال رسول الله ﷺ لا تجيبوه ثم قال أفي القوم ابن الخطاب ثلاثا فقال رسول الله ﷺ لا تجيبوه. ثم الفتف إلى أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا لو كانوا في الأحياء لأجابوا فلم يملك عمر بن الخطاب نفسه أن قال كذبت يا عدو الله فقد أبقى الله لك ما يخزيك. فقال اعل هُبَل. اعل هُبَل. وقيل أنه صرخ بأعلى صوته وقال أنعمت فعال الحرب سجال يوم أحد بيوم بدر اعل هُبَل. وسبب ذلك أنه حين أراد الخروج كتب على سهم "نعم" وعلى الآخر "لا" وأجالهما عند هبل فخرج بهم "نعم" فتوجه إلى أحد فقال اعل هُبَل أي زذ علواً فقال رسول الله ﷺ أجيبوه فقالوا ما تقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: إلا لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله أجيبوه. قالوا ما نقول؟ قال قولوا: "الله مولانا ولا مولى لكم". ولما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان. هلم يا عمر فقال رسول الله ائته فانظر ما شأنه فجاءه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر "اللهم لا وأنه ليسمع كلامك الآن" فقال أنت أصدق عندي من ابن قَمِيْئَة وأبر لقول ابن قميئة له أني قتلت محمداً. ثم نادى أبو سفيان أنه قد كان في قتلاكم مُثُل والله ما رضيت ولا سخطت وما نهيت وما أمرت. وقد كان الحليس بن زبان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الأحابيش قد مرّ بأبي سفيان بن حرب وهو يضرب بشدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول ذق عقق. فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة. ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى أن موعدكم بدر للعام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه. قل نعم هو بيننا وبينك موعد. ثم بعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب. فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وما يريدون. فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة. وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم. قال عليّ فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة. من هذا يتضح أن أبا سفيان قد خشي عاقبة ما فعله من ضرب شدق حمزة. فقال للحليس اكتمها عنهي فإنها زلة وبرأ نفسه في ندائه قائلا والله ما رضيت وما سخطت وما نهيت وما أمرت. أما نداؤه "إن موعدكم بدر للعام القابل" فخطأ منه لأن هذا الإنذار يعطي للمسلمين مهلة للاستعداد لمحاربته والتغلب عليه ومع أن جيش مكة تغلبوا على المسلمين في هذه الموقعة فإنهم اكتفوا بذلك ولم يجنوا ثمار انتصارهم فلم يحاولوا الهجوم على المدينة بل قفلوا راجعين إلى مكة. والظاهرأن أبا سفيان تخوّف اقتفاء أثر المسلمين إلى المدينة إذ قد تصلهم نجدة منها.

стр. 297

استشهاد سعد بن الربيع الأنصاري .

стр. 298

-قال رسول الله ﷺ من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع. أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ لأن النبي ﷺ رأى الأسنة قد أشرعت إليه. فقال رجل من الأنصار هو أبي بن كعب ﵁. أنا أنظر إليك يا رسول الله ما فعل سعد فنظر فوجده جريحا في القتلى وبع رمق وقد طعن اثنتي عشرة طعنة فقال له إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات. قال أنا في الأموات فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك اللع عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم أن سعد بن الربيع يقول لكم أنه لا عذر لكم عند اله أن يخلص إلى نبيكم ﷺ (١) وفيكم عين تطرف. قال ثم لم أبرح أن مات فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره. فقال رسول الله ﷺ ﵀ نصح لله والرسول حياً وميتاً. كان سعد بن الربيع كاتبا في الجاهلية ومن النقباء يوم العقبة وشهد بدرا واستشهد يوم أحد. إن سؤال رسول الله عن سعد بن الربيع في مثل هذا المأزق الحرج هو من شدة عطفه ومحبته لأصحابه وهذا خلق عظيم فقد كان يسأل عنهم في الحرب وفي السلم ويهتم بشؤونهم وكانوا يحبونه حباً شديداً يفوق كل حب ويدافعون عنه إلى آخر رمق من حياتهم ويخشون أن يصل إليه أي أذى وأن نصيحة سعد بن الربيع لقومه بالمحافظة على رسول الله ﷺ وهو يلفظ النفس الأخير من أبلغ الأدلة على فرط محبة أصحابه ﷺ له ولسمو مكانته في نفوسهم وقد كان قتادة بن النعمان يتقي السهام بوجهه دون وجه رسول الله ﷺ فكان آخرها سهما ندرت منه حدقته فأخذها بيده وسعى بها إلى رسول الله ﷺ فردها ﷺ وكانت أحسن عينيه فانظر كيف بلغت محبة الصحابة لرسول الله ﷺ .

стр. 299

قتل مخيريق .

стр. 300

-قال بن اسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الفيطون. قال لما كان يوم أحد قال يا معشر يهود والله بقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا إن اليوم يوم السبت. قال لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته وقال إن أصبت فما لي لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا إلى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا "مخيرق خير يهود". وكان مخيريق حبراً عالما غنياً كثير الأموال من النخل وكان يعرف رسول الله ﷺ بصفته وما يجد في علمه. وخالف قومه اليهود واشترك في موقعة أحد التي لم يشترك فيها أحد من اليهود غيره. فلما قتل قبض رسول الله ﷺ أمواله وتصدق بها.

стр. 301

انتحار قُزمان .

стр. 302

-قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: قال كان فينا رجل أتيٌّ لا يُدرى من أين هو يقال له قزمان. وكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر له أنه لمن أهل النار. فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديداً فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا باس فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظَفَر. فجعل رجال من المسلمين يقولون له والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال بماذا أبشر فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت عليه جراحه أخذ سهما من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فماتفأخبر به رسول الله ﷺ فقال "أشهد أي رسول الله حقاً".

стр. 303

دفن قتلى أحد .

стр. 304

-كثرت القتلى في يوم أحد فكان الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد ثم يدفنون في القبر الواحد. أمر النبي ﷺ بد بدفن شهداء أحد لم يصل على أحد منهم ولم يغسسلهم وحمل أناس موتاهم ليدفنوهم بالمدينة فجاءهم منادي رسول الله ﷺ يقول ردوا القتلى إلى مضاجعهم فأدرك المنادي واحداً وهو شماس بن عثمان المخزومي فإنه قتل وحمل إلى المدينة وبه رمق فقال رسول الله احملوه إلى أم سلمة فحمل إليها فمات عندها فأمر رسول الله أن يرد إلى أ؛ د فيدفن هناك ولم يكن قد دفن بالمدينة أما من دفن فأبقوه. وقال رسول الله ﷺ انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد.

стр. 305

رجوع رسول الله ﷺ إلى المدينة .

стр. 306

-لما أراد رسول الله الرجوع إلى المدينة ركب فرسه وخرج والمسلمون حوله وعامهم جرحى ومعه أربع عشر امرأة كن بأصل أحد وقال اصطفوا حتى اثني على ربي (فكان ﵊ يحب النظام) فاصطف الرجال خلفه صفوفاً وخلفهم النساء فقال: "اللهم لك الحمد كله لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولاهادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت ولامانع لما أعطيت ولا مقرب لما أبعدت ولا مبعد لما قربت" الحديث ثم عاد إلى المدينة يهدئ روع نساء القتلى ويدعو لهن وقد نهاهن عن اللطم وحلق الرؤوس وتخميش الوجوه وشق الجيوب.

стр. 307

ذكر عزوة أحد في القرآن .

стр. 308

-أنزل الله تعالى من القرآن في غزوة أُحد ستين آية في سورة آل عمران. قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوَّئُ المُؤمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إَذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَالله وَلِيُّهُمَا وَعَلَى الله فَلْتَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُون﴾ . زعم اكثر العلماء بالمغازي أن هذه الآية نزلت في وقعة أحد. وقد كان المسلمون يومئذ كثيرين فلما انشقوا وخالفوا أمر الرسول انهزموا ﴿وَلَقَدْ نَصْرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ : أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذكر قصة بدر لأن المسلمين كانوا في غاية الضعف والكفار في غاية القوة. ولكن لما كان الله ناصراً لهم قهروا خصومهم. ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمْؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفَيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إن هذا الوعد كان يوم بدر وهو قول أكثر المفسرين. وقد قالوا إن الملائكة حاربوا يوم بدر ويم يقاتلو في سائر الأيام وهذا المدد من المعجزات ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأَتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهمْ هَذَا يُمْددْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ألاَفٍ مِنَ المْلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ . فجعل مجيء خمسة آلاف من الملائكة مشروطا بثلاثة أمور: الصبر، والتقوى ومجئ الكفار على الفور، فلما لم توجد هذه الشرائط لا جرم لم يوجد المشروط ﴿وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا الَّصْرُ إّلاَّ مِنْ عِنْدِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الذَّينَ كَفَرُوا أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِنَ﴾ والمراد بالكبت الأخزاء والأهلاك والهزيمة والغيظ والاذلال. فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ نزلت هذه الآية في قصة أحد لأن النبي ﷺ لما شجه عتبة بن أبي وقاص وكسر رباعيته جعل يمسح الدم عن وجهه وهو يقول "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم" فنزلت هذه الآية. وقيل أنه لعن أقواماً فنزلت هذه الآية. إلى أن قال تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتء مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شيئا وَسَيَجْزِى الله الَّشاكِرِينَ﴾ . لما وقع الصراخ بأن محمدا قتل كما تقدم ذكره في غزوة أحد. قال بعضهم لو كان نبيا لما قتل. ارجعوا إلى أخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك "ياقوم إن كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت. وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ . قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: "اللهم أني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء" ثم سل سيفه فقاتل حتى قتلز ولما شج وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته احتمله طلحة بن عبيد الله ودافع عنه أبو بكر وعلي ﵃ ونفر آخرون معهم. ثم أن رسول الله ﷺ جعل ينادي ويقول "إليّ عباد الله" حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم. فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين. وقد ذكر الله تعالى الحكمة في ما أصاب المؤمنين بمخالفتهم أمر النبي ﷺ وعرفهم سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب المخالفة بما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ أن لا يبرحوا عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بإِذْنِهِ حِتَّى إِذَا فشِلْتُمء وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ. مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيِا. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عفا عَنْكُمْ وَالله ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 309

غزوة حمراء الأسد .

стр. 310

-حمراء الأسد موضع على ثماينة أميال من المدينة. وكانت الغزوة صبيحة أحد. إذ وقعة أحد يوم السبت والغزوة المذكورة يوم الأحد لست عشرة مضت من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة. وكانت لطلب العدو الذي كانوا بالأمس. قال الواقدي باتت وجوه الأنصار على بابه ﷺ فلما طلع الفجر وأذن بلال بالصلاة جاء عبد الله بن عمرو المزني فأخبر النبي ﷺ أنه أقبل من عند أهله بملل اسم موضع قرب المدينة إذا قريش قد نزلوا، فسمعهم يقولون ما صنعتم شيئا. أصبتم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم تبيدوهم. قد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول لا تفعلوا فإن القوم قد غضبوا وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج. فارجعوا والدولة لكم فأني لا آمن ان رجعتم أن تكون الدولة عليكم. فقال ﷺ وأرشدهم صفوان وما كان برشيد. والذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كالأمس الذاهب. ولما صلى رسول الله ﷺ الصبح ندب الناس وأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج أي أمر بلالا أن ينادي أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا من خرج معنا أمس يعني من شهد أحداً وأراد بذلك اظهار الشدة بالعدو والزيادة في تعظيم من شهد أحداً ومنع بذلك اختلاط المنافقين. لم يشه هذه الغزوة الا من شهد أحدا عدا جابر بن عبد الله فإنه قال لرسول الله ﷺ إن أبي خلفني يوم أحد على أخوات لي سبع فلم أشهد الحرب فأذن لي أن أسير معك فأذن له رسول الله ﷺ فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره. وبعث رسول الله ﷺ ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد فبصروا بالرجلين فقتلوهما. ومضى رسول الله ﷺ ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج حتى عسكر بحمراء الأسد فوجد الرجلين فدفنهما. وكان رسول الله ﷺ مجروحاً وفي وجهه أثر الحلقتين. فقال رسول الله ﷺ لطلحة: يا طلحة لن ينالوا منا مثلها حتى يفتح الله علينا مكة. وقال لعمر بن لخطاب ﵁: يا ابن الخطاب إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا حتى نستلم الركن. أقام رسول الله ﷺ بحمراء الأسد الأثنين والثلاثاء والأربعاء. وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله بذلك عدوهم. وكان اللواء بيد عليّ بن أبي طالب ﵁ واستعمل ﷺ على المدينة أم مكتوم. وعن ابن عباس ﵄ قال: إن الله قذف في قبل أبي سفيان الرعب بعد الذي كان منه يوم أحد فرجع إلى مكة. ثم رجع رسول الله ﷺ بأصحابه ووصلوا المدينة يوم الجمعة وقد غاب خمساص وظفر ﷺ عند رجوعه إلى المدينة بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو جد عبد الملك بن مروان فأمر بقتله. قال الطبري: "وفيها أي في السنة الثالثة من الهجرة علقت فاطمة بالحسين صلوات الله عليهما. وقيل لم يكن بين ولادتها الحسن وحملها بالحسين الا خمسون ليلة (وفيها) حملت فيما قيل جميلة بنت عبد الله بن أبيّ بعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر في شوال".

стр. 311

بعث الرَّجيع .

стр. 312

-الرجيع ماء لُهذيل. وقال ابن اسحاق والواقدي. الرجيع ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف. وإنما أضيف البعث إلى اسم ذلك الماء لأن الوقعة كانت بالقرب منه وبعث الرجيع هي سرية عاصم بن ثابت الأنصاري ﵁. وكان بعثه في صفر من السنة الرابعة (مايو سنة ٦٢٥ م) . وسبب هذا أن بني لحيان من هذيل مشوا إلى عَضَل والقارة وهما قبيلتان من بني الهون بن خزيمة بن مدركة فجعلوا لهم ابلا على أن يكلموا رسول الله ﷺ أن يخرج إليهم نفراً من أصحابه فقدم سبعة نفر مظهرين، فقالوا يا رسول الله إن فينا اسلاما فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام. وقيل أنه ﷺ أراد أن يبعث عيوناً إلى مكة ليأتوه بخبر قريش. فلما جاء هؤلاء النفر يطلبون من يقفههم، بعث معهم ستة من أصحابه للامرين جميعاً. وهذه البعثة مؤلفة من: عاصم بن ثابت. ومَرثدَ بن ابي مرثد الغَنَوى. وخُبَيب بن عدي الأوسي البدري. وزيد بن الدَّثِنَّة. وعبد الله بن طارق. وخالد بن البكير. خرج هؤلاء حتى أتوا الرجيع فغدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا ليعينوهم على قتلهم فلم يرع القوم وهم في رحالهم الا الرجال بأيديهم السيوف فأخذ عاصم ومن معه أسيافهم ليقاتلوا القوم. فقالوا انا والله لا نريد قتلكم ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. وقالوا ذلك لأنهم يريدون أن يسلموهم لكفار قريش ويأخذوا في مقابلتهم مالا لعلمهم أنه لا شيء أحب إلى قريش من أن يأتوا بأحد من أصحاب محمد ﷺ يمثلون به ويقتلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر وأحد فأبوا أن يقبلوا منهم. فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا واللذه لا نقبل من مشرك عهدا وقاتلوا حتى قتلوا. وأما زيد وخبيب وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بالظهران. وأما خُبَيْبُ بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما فابتاع خبيباً حُجَيْرُ بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر ابن نوفل وكان حجير أخى الحارث بن عامر لأمه ليقتله بأبيه. وأما زيد ابن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وكان شراؤهما في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم فقتلوا زيداً وأما خبيب فكذلك مكث أسيراً حتى خرجت الأشهر الحرم ثم أجمعوا على قتله تكانوا في أول الأمر أساءوا إليه في حبسه فقال لهم ما يصنع القوم الكرام هكذا بأسيرهم فأحسنوا إليه بعد ذلك وجعلوه عند امرأة تحرسه وهي ماوية مولاة حجير وقد قالت ماوية كان خبيب يتهجد بالقرآن فإذا سمعه النساء بكين ورققن عليه. فقلت له هل لك من حاجة قال لا إلا أن تسقيني العذب ولا تطعمني ما ذبح على النصب وتجيريني إذا أرادوا قتلي. فلما أرادوا ذلك أخبرته فوالله ما أكترث بذلك ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه قال ذروني أصل ركعتين فتركوه فصلى سجدتين فجرت سُنَّة لمن قُتل صبراً أن يصلي ركعتين ثم قال خبيب لولا أن يقولوا جَزِعَ لزدت وما أبالي على أن شقَّيَّ كان لله مصرعي ثم قال وذلك في ذات الاله وإن يَشَأُ ... يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزّع اللهم أحصهم عدداً وخذهم بدداً ثم خرج به أبو سِروَعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله. وعن عروة بن الزبير ﵁ قال لما أرادوا قتل خبيب ووضعوا فيه السلاح والرماح والحراب وهو مصلوب نادوه وناشدوه أتحب أنّ محمداً مكانك؟ قال لا والله ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه. وقيل أن زيد بن الدثنة قالوا له أيضا عند قتله فأجابهم بمثل ذلك فقال أبو سفيان ﵁: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمداً وقد قتل زيداً نسطاس. وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شُهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفة الخمر فمنعته الذَّبُر (الزنانير) فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوة حتى بمسى فتذهب عنه فتأخذه فبعث الله سيلا فاحتمل عاصم وكان عاصم قد أعطى الله عهداً أن لا يمسه كشرك أبداً ولا يمس مشركا أبداً تنجساً منه. فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته "عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبداً في حياته فمنعه الله بعد وفاته ما امتنع منه في حياته". ولما قتل من جهة النبي ﷺ إلى عضل والقارة من أهل الرجيع وبلغ خبرهم رسول الله ﷺ بعث عمرو بن أمية الضمري عالما بمكة جريئاز فلما وصلا مكة طافا بالبيت أسبوعا فعرف عمرا رجل منهم فصاح بأعلى صوته هذا عمرو بن أمية ففر هو وصاحبه إلى المدينة ناجيين.

стр. 313

سرية بئر معونة (١)

стр. 314

-وتسمى هذه السرية سرية المنذر بن عمرو الخزرجي، وتسمى أيضا بسرية القراء كانت هذه السرية في شهر صفر في السنة الرابعة من الهجرة (مايو سنة ٦٢٥ م) على رأس أربعة اشهر من أحد. وكان من أمرها كما قاله ابن اسحاق عن شيوخه أنه قدم على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك بن جعفر العامري ويعرف بملاعب الأسنة، فعرض النبي ﷺ عليه الإسلام فلم يسلم ولم يبعد وقال له: يا محمد إني أرى أمرك هذا حسناً شريفاً وقومي خلفي فلو أنك بعثت معي نفراً من أصحابك لرجوت أن يتبعوا أمرك فإنهم إن اتبعوك فما أعز أمرك فقال إني أخشى أهل نجد عليهم فقال أنا لهم جار فبعث ﷺ المنذر بن عمرو ومعه القراء وهم سبعون. فلما وصلوا بئر معونة بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم خال أنس بن مالك ﵁ بكتابه ﷺ إلى عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر الكلابي العامري وهو ابن أخي أبي براء فلم ينظر في الكتاب بل وثب على حرام فقتله واستصرخ بني عامر قومه فأبوا وقالوا لا يُخْفَرُ جوار أبي براء (٢) فاستصرخ عليهم قبائل من سُليم عُصَيّة ورِعلا فأحاطوا بهم فكاثروهم فتقاتلوا فقتل أصحاب رسول الله ﷺ وجاء رسول الله ﷺ خبر اهل بئر معونة فقال هذا سببه عمل أبي براء حيث أخذهم في جواره. قد كنت لهذا كارها متخوفا. فبلغ ذلك أبا البراء فمات عقب ذلك أسفاً على ما صنع ابن أخيه عامر بن الطفيل ومات عامر بن الطفيل. قال حسان بن ثابت يرثي قتلى معونة: على قتلى معونة فاستهلي ... بدمع العين سَحَّا غير نزر على خيل الرسول غداة لاقَوْا ... ولاقتهم مناياهم بقدر ولم يجد رسول الله ﷺ على قتلى ما وجد على قتلى بئر معونة لكونه لم يرسلهم لقتال إنما هم مبلغون رسالته وقد جرت عادة العرب قديماً بأن الرسل لا تقتل. قال العلامة الزرقاني. وإنما لم يخبره بما ترتيب على ذهاب القراء وأهل الرجيع قبل خروجعم كما أخبره بنظير ذلك من الأشياء لأنه سبق في علمه تعالى اكرامهم بالشهادة وأراد حصول ذلك بمجيء أبي براء ومن طلب أصحاب الرجيع. وكان مع هذه السرية عمرو بن أمية الضمري وقد قتلوا جميعاً غيره وقد كان أسيراً في أيديهم فقال لع عامر بن الطفيل قد كان على أمي نسمةٌ فأنت حرٌ عنها وجزّ ناصيته (٣) فأعتقه عن رقية زعم أنها كانت على أمه. فلما قدم على رسول الله ﷺ قال له أبي من بينهم وكان عمرو لما خرج إلى المدينة صادف بمحل يسمى القرقرة رجلين من بني عامر ثم من بني كلاب فنزلا معه في ظل كان هو فيه وكان معهما عقد وعهد من رسول الله ﷺ لم يشعر به عمرو فقال لهما عمرو ومن أنتما فذكرا له أنهما من بني عامر فتركهما حتى ناما فقتلهما وظن أنه ظفر بثناء بعض أصحابه الذين قتلوا ببئر معونة وجاء وأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال بئس ما صنعت قد كان لهما مني أمان وجوار لأدينهما فبعث بديتهما إلى قومهما. ومن جملة القراء الذين قتلوا ببئر معونة عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵁ وهو الذي عذب في الله فاشتراه أبو بكر فاعتقه واستشهد في هذه الموقعة وهو ابن أربعين سنة.

стр. 315

غزوة بني النضير .

стр. 316

-النضير اسم قبيلة من اليهود الذين كانوا بالمدينة وكانوا هم وقريضة نازلين بظاهر المدينة في حدائق وآطام لهم (١) . قال غير واحد من أهل السير لما قدم اليهود المدينة نزلوا السافلة فاستوخموها فأتوا العالية فنزل بنو النضير بُطحان ونزل بنو قريظة مهزوراً وهما واديان يهبطان من حرة هناك تنصب منها مياه عذبة فاتخذ بنو النضير الحدائق والآطام وأقاموا بها (٢) وكان بينهم وبين المدينة نحو ميلين أو ثلاثة وكانوا يمتلكون نخيلا بجوار المدينة. كانت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهرا من الهجرة (يونية سنة ٦٢٥ م) . خرج رسول الله ﷺ يوم السبت فصلى في مسجد قُباء ومعه نفر من أصحابه المهاجرين والأنصار. ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دِيةَ الكلبيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمري. فقالوا نفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهموا بالغدر به. وقال عمر بن جحاش بن كعب بن بَسيل النضَرى أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة. فقال سلام بن مشكم لا تفعلوا والله ليُخبرن بما هممتم به وأنه لقض للعهد الذي بيننا وبينه وجاء رسول الله ﷺ الخبر بما هموا فنهض سريعاً كأنه يريد حاجة فتوجه إلى المدينة ولحقه أصحابه. ثم بعث إليهم رسول الله ﷺ ومحمد بن مَسلمة أن اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجلتكم عشراً فمن رُئى بعد ذلك ضربت عنقه. فمكثوا على ذلك أياماً يتجهزون وأرسلوا إلى ظَهرٍ لهم بذي الجَدر وتكاروا من ناس من أشْجَع ابلا فأرسل إليهم ابن أُبي لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون عن آخرهم وتمدكم قريظة وحُلفاؤكم من غَطَفَان فطمع حُيىٌّ فيما قال ابن أبيّ فأرسل إلى رسول الله ﷺ انا لانخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فأظهر رسول الله ﷺ التكبير وكبَّر المسلمون لتكبيره. وقال حاربت يهود. فسار إليهم النبي ﷺ في أصحابه فصلى العصر بفضاء بني النضير وعلي ﵁ يحمل رايته واستخلف على المدينة ابن أبي مكتوم. فلما رأوا رسول الله ﷺ قاموا على حصونهم ومعهم النبل والحجارة واعتزلتهم قريظة فلم يُعنهم وخذلهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان فأيسوا من نصرهم. فحاصرهم رسول الله ﷺ وقطع نخلهم. فقالوا نخرج عن بلادك، فقال لا أقبله اليوم. ثم قال لهم اخرجوا منها ولكم دماؤكم وماحملت الإبل الا الحلقة (٣) فرضوا بذلك نزلوا عليه. وكان حصارهم خمسة عشر يوماً. احتمل بنو النضير من أموالهم ما استقلت به الإبل فكان الرحل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. فكان من سار من أشرافهم إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيى بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها. لما أيقن بنو النضير بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل وقد كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم وينزعونها ويحملونها على الإبل. لكن الدكتور اسرائيل ولفنسون يقول في رسالته: (تاريخ اليهود في بلاد العرب) "إن هدم البيوت لم يكن القصد منه التخريب وأخذ الأخشاب بل أن هدم نجاف البيوت يتعلق بعقيدة تلمودية معروفة ويه أن كل يهودي يعلق على نجاف بيته صحيفة تشتمل على وصية موسى لبني اسرائيل أن يحتفظوا بالإيمان باله واحد ولا يبدلوه ولو عذبوا وقتلوا فاليهود حين ينزحون من منازلهم يأخذونها معهم وهي عادة متبعة عند اليهود إلى يومنا هذا. قال ويظهر أن يهود بلاد العرب كانوا يضعون تلك الصحيفة في داخل النجاف خوفا من اتلاف الهواء أو مس الأيدي فلما رحلوا عن ديارهم هدموا نجاف البيوت وأخذوها". وانا نسلم إن هذه عادة اليهود ولا ننازعه في أنهم أخذوا تلك الصحائف المقدسة مع ما أخذوا لكن أخذ الصحائف فقط لا يستدعي هدم البيوت وإلا كان الواحد منهم إذا انتقل من بيت إلى أخر هدم البيت الأول لاستخراج صحيفته وهذا محال وعبارة ابن اسحاق صريحة في أن الرجل منهم كان يهدم بيته عن نجاف بابه ويضعه على ظهر بعيره فينطلق. والنجاف الذي يقال له الدوارة وهو الذي يستقبل الباب من أعلى الأسْكُفَّة. وفي السيرة الحلبية صاروا ينقضون العمد والسقوف وينزعون الخشب حتى الأوتاد وينقضون الجدران حتى لا يسكنها المسلمون حسداً وبغضاً. قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم وأن فيهم لأم عمرو صاحبة عروة بن الورد العبسي التي ابتاعوا منه. وكانت إحدى نساء بني غفار بزهاء وفخر ما رؤى مثله من حي من الناس في زمانهم. وقد حملوا أمتعتهم على ستمائة بعير وحزن المنافقون عليهم حزنا شديداً لكونهم أخزانهم وقبض رسول الله ﷺ ما تركوه من الأموال والدروع والسلاح. ووجد خمسين درعا وخمسين بيضة وهي الخوذة وثلاثمائة وأربعين سيفاً. فكان أموال بن النضير مختاراً لرسول الله ﷺ . فكان ينفق منها على أهله ويدخر قوت سنة من الشعير والتمر لأزواحه وبني عبد المطلب وما فضل جعله في السلاح والكراع (٤) هذا ما ذهب إليه الامام أبو حنيفة ﵁. وذهب الشافعي ﵁ إلى أنه ﷺ قسمها بين المهاجرين فيرفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار، وهذا يتفق مع ما رواه ابن اسحاق فإن قال: وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما رسول الله ﷺ . ولم يسلم من بني النضير إلى رجلان: يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها. وقتل في هذه الغزوة عزوك. وكان شجاعاً رامياً من بني النضير قتله علي ﵁. ثم بعث رسول الله ﷺ أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة ليدركوا الذين فروا من علي ﵁ فقتلوهم وطرحوا رءوسهم في بعض الآبار. قال ابن اسحاق ونزل في أمر بني النضير سورة الحشر بأسرها يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته وما سلط عليه به رسول الله ﷺ وما عمل به فيهم. وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال قلت لأبن عباس ﵄ سورة الحشر قل سورة النضير. (ملحوظة) لم أعثر في المراجع التي اطلعت عليها على عدد بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة.

стр. 317

تحرم الخمر. (الاصلاح الأجتماعي العظيم) .

стр. 318

-قال جماعة من الصحابة يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل فيها قول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس﴾ فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً فشربوا وسكروا فقام بعضهم يصلي فقرأ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فنزل ﴿يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقل من شربها. ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص. فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعراً فيه هجاء للأنصار فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه شجة موضحة فشكى إلى رسول الله ﷺ فقال عمر اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ : فقال عمر انتهينا يا رب. والحكمة في تحريم الخمر تدريجياً على هذا الترتيب أن القوم كانوا ألفوا شربها وكان أنتفاعهم بذلك كثيرا فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم. روى أبو داود في سننه عن الشعبي عن ابن عمر ﵄. قال نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة. قال الخطابي وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمس ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلى من هذه الخمسة بأعيانها وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان. روى أبو داود عن جابر ابن عبد الله. قال: قال رسول الله ﷺ "ما أسكر كثيره فقليله حرام" وقال عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام". ونهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر، والمفتر كل شراب يورث الفتور والتحذير في الأعضاء. وقد حرمت الخمر في السنة الرابعة من الهجرة أثناء غزوة بني النضير.

стр. 319

غزوة ذات الرقاع .

стр. 320

-اختلف في سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع. قيل هي اسم شجرة في موقع الغزوة سميت بها. وقيل لأن أقدامهم نقبت من المشي فلفوا عليها الخرق. وقيل بل سميت برقاع كانت في ألويتهم. وقيل ذات الرقاع جبل فيه سواد وبياض وحمرة فكأنها رقاع في الجبل فسميت الغزوة بذلك الجبل والأصح أنه موضع لقول دُعثور حتى إذا كنا بذات الرقاع. وتسمى هذه الغزوة غزوة محارب وغزوة بني ثعلبة وغزوة بني أنمار وغزوة صلاة الخوف لوقوعها فيها. قال ابن اسحاق: ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهيري ربيع وبعض شهر جمادى ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان نخل وهي ذات الرقاع فلقي بها جمعاً من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف ثم انصرف المسلمون. صلاة الخوف جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر قال غزوت مع رسول الله ﷺ قِبل نجد فوازينا العدو فصاففنا لهم فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله ﷺ بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. وسبب خروجه ﷺ إلى هذه الغزوة أنه بلغه أنهم جمعوا جموعاً لمحاربته ﷺ فأخبر أصحابه وأمرهم بالتجهز ثم خرج في أربعمائة من أصحابه وقيل أكثر من ذلك واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁ وقيل عثمان بن عفان ﵁ وسار إلى أن وصل إلى موضع يسمى وادي الشقرة وبث السرايا فرجعوا إليه من الليل وأخبروه أنهم لم يروا أحداً فسار حتى نزل نخلا وهو موضع من نجد من أراضي غطفان فلم يجد في مجالسهم إلا نسوة فأخذهن فبلغ الخبر القوم فخافوا وتفرقوا في رؤوس الجبال ثم اجتمع جمع منهم وجاءوا لمحاربة جيش رسول الله ﷺ وأخاف [نقص؟؟] الناس بعضهم بعضا ولم يكن بينه وبين القوم حرب. وفي هذه الغزوة وقعت قصة الرجل الذي اخترط سيفه ﷺ وهو نائم تحت الشجرة واسم الرجل دعثور وقد جاء في صحيح البخاري عن جابر عن عبد الله ﵄ أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العِضاه (١) فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة (شجرة طلح) فعلق بها سيفه قال جابر فنمنا نومة ثم إذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال يا رسول الله ﷺ . إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا مجرداً فقال لي من يمنعك مني؟ قلت الله. فهاهو ذا جالس. ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ .
следующие страницы →