-اشتد الخوف من تحزب الأحزاب ولا سيما بعد أن نقض بنو قريظة العهد وانضموا إلى الأعداء وظن المؤمنون كل الظن وانتهز المنافقون هذه الفرصة لتثبيط العزائم وهم بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة خارج المدينة ثم ثبتهم الله ودام الحصار على المسلمين قريبا من شهر ولم يكن بينهم غير الرمى بالنبال.
стр. 353
اقتحام الخندق .
стр. 354
-خرجت فوارس من قريش على خيلهم بعد أن تهيأوا للقتال حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم يمموا مكانا من الخندق ضيقاً فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم السنجة بين الخندق وسلع وخرج عليّ بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموها وخرج عمرو بن ود بن عبد ود وطلب المبارزة وكان عمره تسعين سنة فبارزه عليّ بن أبي طالب فتله وذكر بن اسحاق إن المشركين بعثوا إلى رسول الله ﷺ يشترون جيفة عمرو بعشرة آلاف فقال رسول الله هو لكم ولانأكل ثمن الموتى وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو رجلان منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه فمات منه بمكة. ومن بني مخزوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة، فقال يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه فنزل إليه عليّ فقتله. ومن الذين كانوا يناوشون المسلمين خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
ورُمِىَ سعد بن معاذ يومئذ بسهم رماه رجل يقال له ابن العرقة العامري (١) فقال خذها وانا بن العرقة. فقال سعد عرق الله وجهك في النار فأصاب الأكحل منه فقطعه. فقال سعد اللهم لا تمتنى حتى تقرعيني في (بني قريظة) وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. ونقل سعد وهو مجروج إلى خيمة رفيدة وقد كانت امرأة تداوي الجرحى في المسجد.
стр. 355
حسان بن ثابت يخشى القتال .
стр. 356
-كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، قالت صفية فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطعون أن ينصرفوا الينا عنهم أن أتانا آت. قالت فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وأني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت، فلما قال ذلك لي ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عموداً ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته. فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه الا أنه رجل. قال مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (١) .
стр. 357
استمرار القتال وفوات الصلاة .
стр. 358
-استمرت المقاتلة في يوم من أيام الخندق من سائر جوانب الخندق إلى الليل ولم يصل ﷺ ولا أحد من المسلمين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصار المسلمون يقولون ماصلينا فيقول رسول الله ﷺ ولا أنا فلما انكشف القتال وجاء ﷺ إلى قبته أمر بلالا فأذن وأقام للظهر فصلى صم أقام لكل صلى وصلى هو وأصحابه.
وجاء في رواية جابر ﵁ أنه أذن وأقام لكل صلاة وجمع النووي بانهما قضيتان جرتا في أيام الخندق فإنها كانت خمسة عشر يوما. وفي رواية أن التي فاتت صلاة العصر ويحمل ذلك على أنه وقع في بعض تلك الأيام وجاء في بعض الروايات شغلونا عن الصلاة الوسطى. صلاة العصر حتى غابت الشمس ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً.
стр. 359
إن الحرب خَدعة .
стр. 360
-جاء نُعَيْم بن مسعود بن عامر بن أُنَيْف بن ثعلبة إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله أني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا باسلامي فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال لهم يا بني قريظة قد عرفتم ودي اياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم إن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وقد ضاهرتموهم عليه، وإن قريشاً وغطفان ليسوا كهيئتكم. البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره وإن قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم وبلدهم بغيره فليسوا كهيئتكم إن رأوا نُهْزَة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم. فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً حتى تناجزوه، فقالوا لقد أشرت برأي ونصح. ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يامعشر قريش قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمداً وقد بلغني أمر رأيت حقاً عليَّ أن أبلغكموه نصحاً لكم فأكتموا عليَّ. قالوا نفعل ذلك. قال فأعلموا إن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينكم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجال من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على ما بقي منهم؟ فأرسل إليهم أن نعم: فإن بعث إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليَّ ولا أراكم تتهمونني. قالوا صدقت. قال فاكتموا عليّ. قالوا نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت في شوال سنة خمس، وكان مما صنع الله لرسوله أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم إنا لسنا بدار مقام قد هلك الخف والحافر فاغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا إليهم إن اليوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه مالا يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد. فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة. قالت قريش وغطفان. تعلمون والله أن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بني قريظة انا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن أنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا. فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن وجدوا فرصة انتهزوها وان كانوا غير ذلك تشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان انا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم وخَذَّل الله بينهم وبذلك نجحت الخدعة.
وفي طبقات ابن سعد حصر رسول الله ﷺ وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب فأراد رسول الله ﷺ أن يعالج غطفان على أن يعطيهم ثلث الثمر ويخذّلوا بين الناس وينصرفوا عنه فأبت ذلك الأنصار فترك ما كان أراد من ذلك وقد تبين لنا أن نعيم بن مسعود قد قام بذلك خير قيام.
стр. 361
حرب الطبيعة .
стр. 362
-نجح نعيم بن مسعود في خدعته وأوقع الفشل بين بني قريظة وقريش. ثم جاءتهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد فجعلت تكفئ قدورهم وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. وكان حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين لم يعلمهم أحد إلا حذيفة أعلمه بهم رسول الله ﷺ . قال حذيفة فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء.
стр. 363
خطبة أبي سفيان .
стр. 364
-قام أبو سفيان بن حرب. فقال "ما معشر قريش لنظر امرؤ جليسه" قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي. فقلت من أنت؟ فقال أنا فلان بن فلان. ثم قال أبو سفيان: "يامعشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام. لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
هذه خطبة أبي سفيان في الجيش. وكان قائدهم ولا بقاء للجند بعد رجوع القائد ونصيحته لهم بالعودة، ولاشك أنهم سئموا الإقامة ولم يروا فائدة من الإنتظار أكثر مما انتظروا، وقد ساءت حالهم بسبب اشتداد البر وهبوب الريح وعدم رغبة بني قريظة في القتال. وقد كانوا يؤملون دخول المدينة. فكان الخندق عقبة في سبيلهم بالرغم من كثرة عددهم. ولما سمعت غطفان بما فعلت قريش تشمروا راجعين إلى بلادهم تاركين ما استثقلوا من متاعهم فغنمه المسلمون. وانصرف المسلمون عن الخندق ورجعوا إلى المدينة ووضعوا السلاح بعد أن حاصرهم المشركون خمسة عشر يوماً. وانصرف ﷺ من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة.
قال ﷺ بعد انصراف الأحزاب لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا. وقد كان كما أخبر ﷺ . وكانت هذه الغزوة آخر محاولة من جانب أشراف مكة للقضاء على الدين الجديد ألا وهو الإسلام.
стр. 365
خسائر المسلمين .
стр. 366
-ذكر ابن اسحاق أنه استشهد من المسلمين يوم الخندق ستة لا غير: ثلاثة من الأوس وهم سعد بن معاذ، وأنس بن أوس، وعبد الله بن سهيل، وثلاثة من الخزرج وهم: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة، وكعب ابن زيد.
стр. 367
خسائر المشركين .
стр. 368
-أما عدد قتلى المشركين فثلاثة: منبه بن عبد العبدري أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله المخزومي، وعمرو بن عبد وُدّ.
стр. 369
غزوة بني قريظة .
стр. 370
-بنو قريظة قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس. وسيد الأوس حينئذ سعد بن معاذ.
ذكرنا أن بني قريظة نقضوا العهد وحاربوا رسول الله مع الأحزاب واشتد البلاء على المسلمين ثم كفوا عن القتال لما أوقعه نعيم من الفشل بينهم وبين قريش فكان تأديبهم أمراً لامناص عنه لأن وجودهم بالمدينة فتنة تهدد المسلمين ولأنهم هم الذين حزبوا الأحزاب وانضموا إلى الأعداء في غزوة الخندق.
لما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق لسبع بقين من ذي القعدة سنة خمس هو أصحابه ووضعوا السلاح وكان قد صلى الصبح ودخل بيت عائشة ﵂. قال ابن اسحاق فلما كانت الظهر أتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ كما حدثني الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال نعم. فقال جبريل فما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فأني عامد إليهم فمزلزل بهم.
فأمر رسول الله ﷺ مؤذناً في الناس من كان سامعا مطيعاً فلا يصلين العصر ألا في بني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال بن هشام.
وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس وكان عدد من خرج إلى القتال ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرساً.
فلما دنا علي كرم الله وجهه من الحصن (١) ومعه نفر من المهاجرين والأنصار وغرز اللواء عند أصل الحصن سمع من بني قريظة مقالة قبيحة في حقه ﷺ (٢) فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال لم؟ أظنك سمعت لي منهم أذى. قال نعم يا رسول الله. قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال يا اخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا يا أبا القاسم ماكنت جهولا.
ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم أحد؟ قالوا يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة. عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله ﷺ ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم (٣) .
وحاصرهم رسول الله ﷺ خمساً وعشرين ليلة كما قال ابن اسحاق وقال الواقدي احدى وعشرين ليلة. حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وقد كان حيى بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم:
يامعشر اليهود انه قد نزل بكم من الأمر ما ترون واني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم: قالوا وماهن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد كان تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا لا نفارق حكم التوارة أبدا ولانستبدل به غيره. قال فإذا أبيتم عليَّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم تترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم تترك وراءنا شيئا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟
قال فإذا أبيتم هذه علىّ فان الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّة.
قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا الا من قد علمت فأصابه من المسخ مالم يخف عليك.
قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً.
ثم أنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث الينا أبا لُبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكان حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ إليهم فلما رأوه، قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم. وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال نعم. وأشار بيده إلى حلقه "أنه الذبح" قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.
ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده (٤) وقال لاأبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علىّ مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبداً. وقال لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال: أما لو جاءني لاستغفرت له. فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
ثم أن توبة أبي لبابة أنزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة فبشرت أبا لبابة بذلك ثم أطلقه رسول الله ﷺ .
قال ابن اسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ . فتواثبت الأوس فقالوا يا رسول الله انهم موالينا دون الخزرج. وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع. وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه. فسأله اياهم عبد الله بن أبي ابن سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس قال رسول الله ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قولوا: بلى. قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رُفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وقد قال رسول الله ﷺ لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب (٥) .
стр. 371
حكم سعد بن معاذ .
стр. 372
-كان أبو لبابة بن عبد المنذر قد عرف حكم رسول الله ﷺ في بني قريظة لأنه لما ذهب إليهم أشار بيده إلى حلقه "أنه الذبح" ثم ندم على هذه الاشارة واعتبرها خيانة الله ورسوله ﷺ وكان ما كان منه. أما سعد بن معاذ فقد كان حكمه في بني قريظة معروفاً أيضاً لأنه لما أصيب في غزوة الخندق قال: "اللهم لا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة" وقد بقي مجروجا إلى أن استدعاه رسول الله ﷺ ليحكم في بني قريظة.
فأتاه قومه فاحتملوه على حمار وأقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وثم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله ﷺ إنما لا ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه. قال: لقد آن لسعد أن لاتأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه.
فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين. قال رسول الله ﷺ : قوموا إلى سيدكم فانزلوه. فقال رسول الله ﷺ احكم فيهم. قال: فاني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم أموالهم. فقال رسول الله ﷺ لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله.
فأمر رسول الله ﷺ ان تكون النساء والذرية في دار ابنة الحارث امرأة من بني النجار وأمر بالأسارى أن يكونوا في دار أسامة بن زيد. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليها ارسالا وفيهم عدو الله حيى بن أخطب. وكعب بن أسد رأس القوم وهم ٦٠٠ أو ٧٠٠ وقيل أنهم كانوا من ٨٠٠ إلى ٩٠٠.
وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يُذهب بهم إلى رسول الله ﷺ ارسالا: يا كعب ماترى ما يصنع بنا؟ فقال كعب: في كل موطن لا تعقلون. ألا ترون الداعي لا ينزع وانه من ذُهب به منكم لا يرجع. هو والله القتل.
فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ وأتى بحيى بن أخطب وعليه حلة له فقاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة لئلا يُسلبها. مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله ﷺ . قال: أما والله مالمت نفسي في عداوتك. ولكنه من يخذل الله يخذل ثم أقبل على الناس. فقال: أيها الناس لا بأس بأمر الله. كتاب الله وقدره وملحمة قد كتبت على بني اسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه.
عن عائشة ﵂ قالت:
لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت والله انها لعندي تحدث معي وتضحك ظهراً وبطنا ورسول الله ﷺ يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها. أين فلانة؟ قالت وأنا والله. قلت ويلك مالك؟ قالت: أُقْتَل. قلت ولم؟ قالت حدث أحدثته. قالت فانطلق بها فضربت عنقها. فكانت عائشة تقول: ما أنسى عجباً منها طيب نفس وكثرة ضحك وقد عرفت انها تُقْتَل.
وكانت تدعى هذه المرأة بنانه امرأة الحكم القرظي كانت طرحت رحى علي خلاد بن سويد فقتلته بارشاد زوجها لأنه أحب أن لا تبقى بعده فيتزوجها غيره ولم يقتل أحد من المسلمين في هذه الغزوة غير خلاد.
стр. 373
غنائم المسلمين .
стр. 374
-أمر رسول الله ﷺ أن يجمع ما في حصونهم من الحلقة والسلاح وغير ذلك فجمع فوجد فيها ١٥٠٠ سيف و ٣٠٠ درع و ٢٠٠٠ رمح و ٥٠٠ ترس وحجفة ووجد أثاث كثير وآنية كثيرة وجمال نواضح أي يسقى عليها الماء وماشية وشياه كثيرة. وخمس ذلك مع النخل والسبى ثم قسم الباقي على الغانمين وكانت أسهم القسمة ٣٠٧٢ سهما لأن المسلمين ٣٠٠٠ والخيل ٣٦ وللفرس سهمان ولصاحبه سهم. ثم بعث رسول الله سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم منه خيلا وسلاحا واصطفى لنفسه من نسائهم (ريحانة) بنت عمرو بن جنافة فكانت عند رسول الله حتى توفى عنها وهي في ملكه وعرض عليها الزواج فأبت وكانت حين سباها قد تعاصت بالاسلام وأبت الا اليهودية ثم أسلمت.
стр. 375
دفن القتلى .
стр. 376
-ثم رد عليهم التراب في تلك الخنادق وعند قتلهم صاحت نساؤهم وشققن جيوبهن ونشرن شعورهن وضربن خدودهن وملئت المدينة بالنوح والعويل وكان المتولى لقتلهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام. وقيل إن بعضا منهم تولى قتله الأوس وما عدا ذلك تعاطى قتله على والزبير.
стр. 377
وفاة سعد ؟
стр. 378
-لما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا. قال ابن اسحاق حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي قال من شئت من رجال قومي ان جبريل ﵇ اتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد بن معاذ في جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال يا محمد من هذا البيت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد فوجده قد مات. وعن الحسن البصري قال: كان سعد رجلا بادنا فلما حمله الناس وجدوا له خفة فقال رجال المسلمين والله إن كان لبادنا وما حملنا من جنازة أخف منه. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: إن له حملة غيركم والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرض. وعن جابر بن عبد الله قال لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه ثم كبر فكبر الناس معه. فقالوا يا رسول الله مم سبحت. قال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه. وقد دفن سعد ببقيع الغرقد. قال رسول الله ﷺ "كل نائحة تكذب الانائحة سعد بن معاذ" وأم سعد كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد ابن الأبجر. وهي أول من بايع النبي ﷺ من نساء الأنصار.
стр. 379
خسائر المسلمين في غزوة بني قريظة .
стр. 380
-خلاد بن سويد طرحت عليه رحى. أما أبو سنان بن محصن فمات ورسول الله ﷺ محاصر بني قريظة فدفن في مقبرة بني قريظة التي يدفنون فيها اليوم وإليه دفنوا أمواتهم في الإسلام.
стр. 381
ما نزل من القرآن في أمر الخندق وبني قريظة .
стр. 382
-قال ابن اسحاق وأنزل الله تعالى في أمر الخندق وأمر بني قريظة من القرآن القصة في سورة الأحزاب يذكر فيها ما نزل من البلاء ونعمته عليهم وكفايته اياهم حين فرج الله ذلك عنهم بعد مقالة من قال من أهل النفاق ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمء رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَمْمَلُونَ بَصِيراً﴾ والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة. يقول الله تعالى ﴿إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَإذْ زَاغَتِ الْأَبْصِارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا﴾ فالذين جاءوهم من قومهم بنو قريظة والذين جاءوهم من أسفل منهم قريش وغطفان يقول الله تعالى ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً﴾ لقول معتب بن قشير إذ يقول ما قال ﴿وَإذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ منْهُمْ يأَهْلَ يَثْرِبُ لاَمُقَامَ لَكُمْ فَاْجِعُوا وَيَسْتِأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقوُلُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ إنْ يُرِيُدونَ إلاَّ فِرَاراً﴾ لقول أوس بن قيظي ومن كالن على مثل رأيه من قومه ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئلُوا الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً وَلَقَذْ كَانُوا عَاهَدُوا الله مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأّدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ فهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد من نبي سلمة حين همتا بالفشل إلى قوله تعالى ﴿وَأَنْزَلَ الّذِينَ ظَاهَرُ مِنُ أَهْلِ الْكِتَاب مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُون وَتِأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُهَا وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيراً﴾ ظاهروهم أي عاونوهم من أهل الكتاب وهم بنو قريظة من صياصيهم من الحصون والآطام التي كانوا فيها.
стр. 383
يهود المدينة وما آل إليه أمرهم .
стр. 384
-كان بن الأوس والخزرج حروب قديمة. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة لقبهم بالأنصار لأنهم هم الذين نصروه فتآخى الفريقان وانمحى ماكان بينهما من العداوة وصاروا بنعمة الإسلام اخوانا وآخى ﵊ بين المهاجرين والأنصار. أما يهود المدينة فقد كانت بنو قريظة والنضير حلفاء الأوس وبنو قينقاع حلفاء الخزرج وقد عاهدهم رسول الله ﷺ وأقرهم على دينهم وأموالهم. لكنهم ثاروا ونقضوا عهده وتعنتوا في مناقشة وحسدوه على انتصاراته وكادوا له وعادوا ينكرون عليه نبوته. فلما رأى رسول الله ﷺ منهم الغدر وشدة العناد ودس الدسائس، أراد التخلص منهم متحينا الفرص فدعا بني قينقاع إلى الإسلام بعد غزوة بدر. وكانوا يسكنون بالمدينة. فلما أبوا وأجابوه بكل جرأة غزاهم وأجلاهم إلى أذرعات بالشام في السنة الثانية من الهجرة وأرسل من قتل كعب بن الأشرف الشاعر الذي كان يهجو رسول الله ﷺ بأشعاره ويحض كفار قريش على قتاله وذلك في السنة الثالثة من الهجرة. وغزا في السنة الرابعة بني النضير. وقد تقدم سبب هذه الغزوة وأجلاهم عن المدينة فمنهم من سار إلى الشام ومنهم من ذهب إلى خيبر. ثم غزا بني قريظة في السنة الخامسة لأنهم هم الذين حزبوا الأحزاب عليه في غزوة الخندق وانضموا إلى الأعداء في أحرج المواقف. بعد غزوة بني قريظة لم تقم لليهود قائمة بالمدينة وخضع المنافقون كل الخضوع وقد كانوا فئة قليلة. أما المدينة فلم تعد ملجأ للمضطهدين بل صارت مركزاً لسلطة دينية عظيمة واستطاعت اخضاع جزيرة العرب بعد سنين قليلة.
стр. 385
سرية القُرْطا (١) واسلام ثمامة بن أُثال الحنفي .
стр. 386
-كانت هذه السرية لعشر خلون من المحرم سنة ست من الهجرة.
بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري في ثلاثين راكبا إبلا وخيلا. وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار وأن يشن الغارة عليهم ففعل ما أمر به فلما أغار عليهم هرب باقيهم بعد من قتل وكان القتل منهم عشر وقيل نحو العشرين واستاق ١٥٠ بعيراً و ٣٠٠٠ شاة فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم.
وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم وغاب تسع عشرة ليلة وأسر ثمامة بن أُثال. روى ابن اسحاق عن أبي هريرة ﵁ أن خيلا لرسول الله ﷺ أخذت رجلا ولا تشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله. فقال أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي فربطوه بسارية من سواري المسجد بأمره ﷺ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيرق قلبه. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ قال عندي خير يا محمد ان تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد، ثم قال له ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك: أن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد: فقال ما عندك يا ثمامة؟ قال عندي ما قلت لك فقال: اطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ثم قال والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض أليّ من وجهك وقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ. والله ماكان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الذين كله إليّ. والله ماكان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي ﷺ بخير الدنيا والآخرة وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة يلبي وينفي الشريك عن الله قال له قائل صبوت؟ قال لا. ولكن أسلمت لله رب العالمين مع محمد رسول الله ﷺ ولا والله تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ وقيل أنه منع عن مكة الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز (٢) .
ثم صار ثمامة ﵁ من فضلاء الصحابة وهدى الله به خلقا كثيراً من قومه ولم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة ولا خرج عن الطجاعة قط وقام مقاماً حميداً بعد وفاة النبي ﷺ حين ارتدت اليمامة مع مسليمة فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِل التَّوْبِ شَدِيدش الْعِقَابِ﴾ ثم قال: فأين هذا من هذيان مسيلمة؟ فأطاعه ثلاثة آلاف وانحازوا إلى المسلمين.
стр. 387
غزوة بني لحيان .
стр. 388
-كانت في أول شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة (يونية يولية سنة ٦٢٧ م) وسببها أن رسول الله ﷺ حزن على عاصم بن ثابت وأصحابه القراء الذين قتلوا ببئر معونة في شهر صفر من السنة الرابعة. فأظهر ﷺ أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة فخرج من المدينة فسلك على غراب (١) على طريقه إلى الشام على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ثم على بين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ثم أسرع السير حتى نزل على غُران وهي منازل بني لحيان (٢) إلى بلد يقال لها ساية. وكان معه ٢٠٠ رجل ومعهم ٢٠ فرساً واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
وقد وجد رسول الله ﷺ ان القوم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال. فأقام يوماً أو يومين يبعث السرايا من كل ناحية من نواحيهم. ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر ﵁ في عشرة فوارس لتسمع بهم قريش فيذعرهم. ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيداً. وكانت غيبته ﷺ عن المدينة أربع عشرة ليلة.
стр. 389
اغارة عُيَيْنَة بن حصن .
стр. 390
-ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة فلم يقم الا ليالي قلائل حتى أغار عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل لغطفان (١) على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة وكانت عشرين لقحة وفيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح.
الرجل الذي قتلوه هو ابن أبي ذر ﵁ واسمه ذر وكان يرعى الإبل وامرأته التي أسروها اسمها ليلى وقد نجت لأنهم أوثقوها وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانطلقت وركبت ناقة للنبي ﷺ ليلا على حين غفلتهم. ويقال ان الناقة اسمها العضباء. فنطلقت ولما علموا بها طلبوها فأعجزتهم ونذرت لئن نجت لتنحرنها. فلما قدمت على النبي ﷺ أخبرته بذلك. وقالت: يا رسول الله اني نذرت لله تعالى أن أنحرها إن نجاني الله عليها. فقال: بئسما جزيتها ان حملك الله عليها ونجاك أن تنحريها. أنه لانذر لأحد في معصية ولا لأحد فيما لا يملك. إنما هي ناقة من ابلي. ارجعي إلى أهلك على بركة الله.