-كانت هذه السرية لعشر خلون من المحرم سنة ست من الهجرة.
بعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة الأنصاري في ثلاثين راكبا إبلا وخيلا. وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار وأن يشن الغارة عليهم ففعل ما أمر به فلما أغار عليهم هرب باقيهم بعد من قتل وكان القتل منهم عشر وقيل نحو العشرين واستاق ١٥٠ بعيراً و ٣٠٠٠ شاة فعدلوا الجزور بعشرة من الغنم.
وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم وغاب تسع عشرة ليلة وأسر ثمامة بن أُثال. روى ابن اسحاق عن أبي هريرة ﵁ أن خيلا لرسول الله ﷺ أخذت رجلا ولا تشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله. فقال أتدرون من أخذتم؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي فربطوه بسارية من سواري المسجد بأمره ﷺ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيرق قلبه. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال ماذا عندك يا ثمامة؟ قال عندي خير يا محمد ان تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد، ثم قال له ما عندك يا ثمامة؟ قال ما قلت لك: أن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد: فقال ما عندك يا ثمامة؟ قال عندي ما قلت لك فقال: اطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ثم قال والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض أليّ من وجهك وقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ. والله ماكان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحب الذين كله إليّ. والله ماكان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره النبي ﷺ بخير الدنيا والآخرة وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة يلبي وينفي الشريك عن الله قال له قائل صبوت؟ قال لا. ولكن أسلمت لله رب العالمين مع محمد رسول الله ﷺ ولا والله تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ وقيل أنه منع عن مكة الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز (٢) .
ثم صار ثمامة ﵁ من فضلاء الصحابة وهدى الله به خلقا كثيراً من قومه ولم يرتد مع من ارتد من أهل اليمامة ولا خرج عن الطجاعة قط وقام مقاماً حميداً بعد وفاة النبي ﷺ حين ارتدت اليمامة مع مسليمة فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِل التَّوْبِ شَدِيدش الْعِقَابِ﴾ ثم قال: فأين هذا من هذيان مسيلمة؟ فأطاعه ثلاثة آلاف وانحازوا إلى المسلمين.
стр. 387
غزوة بني لحيان .
стр. 388
-كانت في أول شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة (يونية يولية سنة ٦٢٧ م) وسببها أن رسول الله ﷺ حزن على عاصم بن ثابت وأصحابه القراء الذين قتلوا ببئر معونة في شهر صفر من السنة الرابعة. فأظهر ﷺ أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة فخرج من المدينة فسلك على غراب (١) على طريقه إلى الشام على مخيض ثم على البتراء ثم صفق ذات اليسار ثم على بين ثم على صخيرات اليمام ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ثم أسرع السير حتى نزل على غُران وهي منازل بني لحيان (٢) إلى بلد يقال لها ساية. وكان معه ٢٠٠ رجل ومعهم ٢٠ فرساً واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
وقد وجد رسول الله ﷺ ان القوم قد حذروا وتمنعوا في رءوس الجبال. فأقام يوماً أو يومين يبعث السرايا من كل ناحية من نواحيهم. ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر ﵁ في عشرة فوارس لتسمع بهم قريش فيذعرهم. ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيداً. وكانت غيبته ﷺ عن المدينة أربع عشرة ليلة.
стр. 389
اغارة عُيَيْنَة بن حصن .
стр. 390
-ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة فلم يقم الا ليالي قلائل حتى أغار عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل لغطفان (١) على لقاح رسول الله ﷺ بالغابة وكانت عشرين لقحة وفيها رجل من بني غفار وامرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح.
الرجل الذي قتلوه هو ابن أبي ذر ﵁ واسمه ذر وكان يرعى الإبل وامرأته التي أسروها اسمها ليلى وقد نجت لأنهم أوثقوها وكانوا يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم فانطلقت وركبت ناقة للنبي ﷺ ليلا على حين غفلتهم. ويقال ان الناقة اسمها العضباء. فنطلقت ولما علموا بها طلبوها فأعجزتهم ونذرت لئن نجت لتنحرنها. فلما قدمت على النبي ﷺ أخبرته بذلك. وقالت: يا رسول الله اني نذرت لله تعالى أن أنحرها إن نجاني الله عليها. فقال: بئسما جزيتها ان حملك الله عليها ونجاك أن تنحريها. أنه لانذر لأحد في معصية ولا لأحد فيما لا يملك. إنما هي ناقة من ابلي. ارجعي إلى أهلك على بركة الله.
стр. 391
غزوة ذي قَرد وهي غزوة الغابة .
стр. 392
-ذو قرد على نحو بريد من المدينة مما يلي بلاد غطفان. وكانت في ربيع الأول سنة ست (يوليه سنة ٦٢٧ م) وفي البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام وبعد الحديبية بعشرين يوماً.
وسببها اغارة عيينة بن حصن الفزاري على لقاح رسول الله ﷺ كما تقدم.
لما أغاروا على اللقاح في يومهم ذلك جاء الصريخ فنادى الفزع الفزع! ونودي يا خيل اركبي. وأول من نذر بهم سلمة بن عمرو الأكوع الأسلمي.
ركب رسول الله ﷺ في خمسمائة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم كعادته. وخلف سعد بن عبادة ﵁ في ٣٠٠ يحرسون المدينة. وعقد لواء للمقداد ﵁ في رمحه. وقال امض حتى تلحقك الخيول وأنا على أثرك.
وكانت نتيجة هذه الغزوة أنهم أدركوا العدو فهزموه وقتلوا وؤساءه واستنقذوا اللقاح. وقيل بعضها ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد وهو محرز بن نضلة. وسار رسول الله ﷺ حتى بلغ ذا قرد في اتجاه خيبر فالتجأ العدو إلى بني غطفان. وقد أبلى في هذه الغزوة سلمة بن الأكوع بلاء حسناً وكان رامياً.
قتل أبو قتادة مسعدة بن حكمة الفزاري فأعطاه رسول الله ﷺ فرسه وسلاحه ولقى عكاشة بن محصن ﵁ في طريقه أبان بن عمرو وابنه عمراً على بعير فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعاً.
وكانت مدة غيبة رسول الله ﷺ خمسة أيام بذي قرد صلاة الخوف.
стр. 393
سرية الغَمر أو سرية عكاشة بن محصن الأسدي .
стр. 394
-الغمر ماء لبني أسد على ليلتين من فَيد قلعة بطريق مكة وكانت في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة.
خرج عكاشة ﵁ في أربعين رجلا فنذر به القوم فهربوا فنزلوا بلادهم فوجدوا ديارهم خالية لهربهم. فبعث المسلمون طليعة فرأوا أثر النعم قريباً فقصدها فأصابوا رجلا منهم فأمنوه فدلهم على نعم لبنى عم لهم فأغاروا عليها فاستاقوا ٢٠٠ بعير وأطلقوا الرجل وقدموا بالإبل على رسول الله ﷺ ولم يلقوا حرباً.
стр. 395
سرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى ذي القَصّة (١) .
стр. 396
-كانت في شهر ربيع الثاني (الموافق شهر أغسطس سنة ٦٢٧ م)
خرج محمد بن مسلمة ومعه عشرة إلى بني ثعلبة فورد عليهم ليلا بمن معه. وقد كمن لهم المشركون لشعورهم وبمجيئهم إليهم. فتركوا محمد بن مسلمة حتى نام هو وأصحابه ثم أحدثوا بهم فما شعر المسلمون الا بالنبل قد خالطهم. فوثب محمد بن مسلمة ومعه قوس فصاح في أصحابه. السلاح! فوثبوا فتراموا بالنبل ساعة من الليل ثم انحاز أصحاب محمد إليه وقد قتلوا من القوم رجلا. ثم حمل القوم عليهم بالرماح فقتلوهم الامحمد بن مسلمة فوقع جريحا فحمله رجل من المسلمين حتى ورد به المدينة جريحاً.
فبعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في ربيع الآخر في أربعين رجلا إلى مصارعهم فأغار عليم فلم يجد أحداً ووجد نعما وشاء فساقه وأصاب رجلا واحداً فأسلم فتركه وأخذ نعماً من نعمهم فاستاقه وشيئا من متاعهم وقدم به المدينة وظاهر من ارسال محمد بن مسلمة في عشر رجال أن السبب هو ما بلغهم من أن بني ثعلبة وإنما جمعوا على أن يغيروا على سرح المدينة وهي ترعى بهيفاء (٢) وكانت الماشية قد ازدادت بسبب ما غنمه المسلمون. فلما قتل محمد بن مسلمة بعث رسول الله ﷺ أباعبيدة طلباً لثأر المقتولين.
стр. 397
سرية زيد بن حارثة .
стр. 398
-وفي شهر ربيع الآخر أيضاً كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم (١) فأصابوا نعما وشاء ووجدوا جماعة منهم فأسروهم.
ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً إلى العيص وكانت في جمادى الأولى سنة ست (سبتمبر سنة ٦٢٧ م) .
وسببها أنه ﵊ بلغه أن عيراً قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة ومعه راكباً ليتعرض لها فأدركها وأخذها وما فيها وأخذ يؤمئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية بن خلف وأسر منهم ناساً: منهم أبو العاص بن الربيع. وأم هالة بنت خويلد أخت خديجة. وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين تجارة ومالا وأمانة. وهو زوج زينب بنت رسول الله ﷺ . فدخلت زينب على رسول الله ﷺ فسألته أن يرد عليه ما أخذ منه فقبل. وقال لها اكرمي مثواه ولا يخلص أليك فإنك لا تحلين له. ثم ذهب أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال ماله ثم أسلم وخرج فقدم المدينة.
وكانت زينب هاجرت قبله إلى المدينة وتركته على شركة ثم بعد أن أسلم وهاجر ردها ﷺ إليه وكان ﷺ يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب من أبي العاص.
стр. 399
سرية أخرى لزيد بن حارثة .
стр. 400
-هذه السرية إلى حِسمِى. أرض ينزلها حذام وراء وادي القرى وذلك من جهة الشام وكانت في جمادى الآخرة سنة ست (اكتوبر سنة ٦٢٧ م) .
وسببها أن رسول الله ﷺ كان قد أوفد دحية بن خليفة الكلبي بكتاب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام فأعطاه جائزة وكساه. فلقيه الهنيد بن عارض في الطريق وهو عائد فقطعوا عليه الطريق وأصابوا كل شيء معه عند حسمى فسمع بذلك نفر من الضبيب رهط رفاعة بن زيد الجذامى ممن كان أسلم واستنفذوا ما كان في أيديهم وردوه على دحية.
قدم دحية على رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في ٥٠٠ رجل فكان زيد يسير الليل ويكمن بالنهار ومعه دليل من بني عذرة فأقبل بهم حتى هجموا على القوم فأغاروا عليهم وأكثروا فيهم القتل وقتلوا الهنيد وابنه وأخذوا ماشيتهم ونساءهم. فأخذوا من الإبل ١٠٠٠ بعير ومن الشاة ٥٠٠٠ ومن السبى مائة من النساء والصبيان. ولا شك أن هذا الاحصاء تقريبي كما يستدل عليه من الأرقام.
ثم رحل رفاعة بن زيد الجذامي في نفر من قومه فدفع لرسول الله ﷺ كتابه الذي كان كتبه له ولقومه حين قدم عليه فأسلم. فلما قرئ الكتاب لرسول الله ﷺ قال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال رفاعة أنت أعلم يا رسول الله لانحرّم عليك حلالا ولا نحل لك حراما فأرسل رسول الله ﷺ علياً إلى زيد فرد عليهم كل ما أخذ منهم.
стр. 401
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دُممة الجَندَل .
стр. 402
إسلام الأصبغ بن عمرو الكلبي.
كان رسول الله ﷺ غزا دومة الجندل في ربيع الأول سنة خمس (يولية سنة ٦٢٦ م) وقد تقدم ذكرها.
أما هذه السرية فكانت في شعبان سنة ست (نوفمبر سنة ٦٢٦ م) أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لهذه السرية وقد أصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فأدناه رسول الله ﷺ منه فأقعده بين يديه وعممه بيده. ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء ثم حمد الله وصلى على نفسه ﷺ ثم قال "خذه يا ابن عوف اغْزُوا جَمِيعاً فِي سَبيلِ الله فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداُ فَهَذَا عَهْدُ الله وَسِيرَةُ نَبيَّهِ فِيكُمْ" فأخذ عبد الرحمن اللواء. وبعثه رسول الله ﷺ إلى كلب بدومة الجندل وقال إن استجابوا لك فأسلموا فتزوج ابنة ملكهم. فسار عبد الرحمن بجيشه وكانوا ٧٠٠ رجل حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام وقد كانوا أبوا أول ما قدم عليهم أن يعطوا الا السيف. ثم أسلم في اليوم الثالث (الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانياً) وكان ملكهم ورئيسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام عبد الرحمن بقيتهم بالجزية وتزوج تماضر بنت الأصبغ وقدم بها المدينة وفازت بصحبة رسول الله ﷺ وهي أم أبنه أبي سلمة.
стр. 403
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر .
стр. 404
-خرج علي ﵁ ومعه (١٠٠) رجل إلى بني سعد بن بكر في شعبان سنة ست. وكان قد بلغ رسول الله ﷺ أنهم ساعون في جمع الناس لامداد يهود خيبر فأغازوا على نعم وشاء كثيرة وهرب الرعاء وساقوا النعم والشاء معهم وكانت ٥٠٠ بعير و ٢٠٠ شاة وقدم علي ﵁ ومن معه المدينة.
стр. 405
سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة .
стр. 406
-كانت هذه السرية في رمضان سنة ست من الهجرة وسببها أن زيد بن حارثة ﵁ خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ (وهذه أول مرة نسمع فيها خروج أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في تجارة إلى الشام) .
فلما كان بوادي القرى لقيه ناس من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم. وقد على رسول الله ﷺ فأخبره فبعثه إليهم في جيش فأحاطوا بمن وجدوه من بني فزارة فقتلوهم وأخذوا (أم قرفة) ويه بنت ربيعة بن بدر الفزاري. وكانت ملكة رئيسة وذات شرف في قومها وكانت عجوزا كبيرة فأسرها قيس بن المحسر وقيل ابن سحل فقتلها قتلا عنيفا، ربط رجليها بحبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقها. وإنما قتلها كذلك لسبها رسول الله ﷺ وقيل لأنها حجزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها. وقالت لهم اغزوا المدينة واقتلوا محمدا. وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي ﷺ فقام رسول الله ﷺ إليه وهو يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسأله فأخبره بما ظفر به. ذكر هذه الغزوة الواقدي وذكرها السيد دحلان في الجزء الثاني من كتاب السيرة النبوية وأني أشك في تفاصيل القصة بهذه الصفة. أشك في اسم قيس هذا الذي أسر أم قرفة فقد قيل أنه ابن المحسر وقيل ابن سحل وقيل ابن المحسن (١) وأشك في أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يمثل بامرأة ويقتلها هذا القتل الشنيع مع العلم بأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة وأوصى عبد الرحمن بن عوف حين أرسله إلى دومة الجندل فقال: ﴿اغْزُوا جَمِيعاً فِي سَبيلِ الله فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله وَلاَتَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تُمَثِّلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً عَهْدُ الله وَسِيرَةُ نَبِّيهِ فِيكُمْ﴾ وليس بين سرية عبد الرحمن بن عوف وسرية زيد بن حارثة إلى أم قوفة غير شهر واحد.
وسيأتي في سرية عبد الله بن عتيك أن رسول الله ﷺ نهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة.
وعلى كل حال لا يمكن أن يبلغ النبي قتل أم قرفة على هذه الصورة الشنعاء من غير أن يبدى استياءه. لذلك كان ما روى من التمثيل بأم قرفة مردوداً.
стр. 407
سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحُقيق .
стр. 408
-كانت هذه السرية لقتل أبي رافع عبد الله أو سلام بن أبي الحقيق اليهودي وهو من أعداء رسول الله ﷺ الذين حزبوا الأحزاب يوم الخندق وأعان المشركين بالمال الكثير.
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ هذه الغزوة فقد قيل أنها كانت في ذي الحجة سنة خمس بعد الخندق. وفي البخاري قال الزهري بعد قتل كعب بن الأشرف الواقع سنة ثلاث وذكرها أو جعفر محمد بن جرير الطبري في السنة الثالثة في النصف من جمادة الآخرة. أما الواقدي فإنه زعم أنه هذه السرية التي وجهها رسول الله ﷺ إلى أبي رافع أو سلام بن أبي الحقيق إنما وجهها إليه في ذي الحجة من سنة أربع من الهجرة. والثابت أن سلام بن أبي الحقيق كان من الذين حزبوا الأحزاب في غزوة الخندق وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة وكان سلام هذا ممن ذهب إلى خيبر بعد اجلاء بني النضير ثم أنه بعد الخندق أخذ يحرض بني فزارة والقبائل الأخرى ولذلك نرجح أن هذه السرية كانت في السنة السادسة كما ذكرها السيد دحلان فقد قال "إنها كانت في رمضان سنة ست" (الموافق شهر ديسمبر سنة ٦٢٧ م) .
خرج إلى رسول الله ﷺ خمسة من الخزرج وهم:
-١- عبد الله بن عتيك. -٢- عبد الله بن أنس. -٣ - أبو قتادة. -٤ - الأسود بن خزاعي. -٥- مسعود بن سنان الأسلمي. واستأذنوه في قتل سلام بن أي الحقيق وهو بخيبر لأن الأوس كانوا قد أصابوا كعب بن الأشرف فأراد كعب بن الأشرف فأراد الخزرج أني لا يكون للأوس فضل عليهم عند رسول الله ﷺ .
فأمرهم ﷺ بقتله ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة (١) وأمر عليهم عبد الله بن عتيك. فذهبوا إلى خيبر فكنوا فلما هدأت الرجل والحركة جاءوا إلى منزله وكان في حصن مرتفع فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، قال عبد الله بن عتيك اجلسوا مكانكم فانى منطلق ومتلطف للبواب لعلى أدخل الحصن، فأقبل حتى دنا من البواب ثم تقنع بثوبه شخصه كأنه يقضي حاجته مخافة أن يعرف فدخل واختبأ عند باب الحصن ثم صعد إليه وكان عبد الله بن عتيك يتكلم اليهودية فقدمه أصحابه ليتكلم بكلام أبي رافع فاستفتح باب غرفته فرأته امرأته. فقالت: من أنت؟ قال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له وقالت ذاك صاحبك. فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشار إليها بالسيف فسكتت. قال فقلت أبا رافع. لاعرف موضعه. فقال من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فضربته ضربة وأنا دهش فما أغنت شيئا ولم أقتله وصاح أبو رافع. فخرجت من البيت وكمنت غير بعيد فقالت امرأته يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عتيك. قال ثكلتك أمك وأين عبد الله بن عتيك؟ قال ثم دخلت عليه كأني أغيثه وغيرت صوتي. فقلت ما هذا الصوت يا أبا رافع. قال لأمك الويل! إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف. فضربته ضربة أثخنته ولم أقتله فصاح وقام أهله وصاحت امرأته ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى دخل في ظهره وسمعت صوت العظم فعرفت أني قتلته.
وفي الطبري "ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها بالسيف ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ فكيف يده"
قال ابن عتيك فجعلت أفتح الأبواب باباً باباً حتى انتهيت إلى درجة فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر ولما علم ابن عتيك أنه قتل أبا رافع أخبر رسول الله ﷺ .
ووقع في بعض الروايات أن الذي قتل أبا رافع عبد الله بن أنيس والصواب ما في صحيح البخاري أن الذي قتله هو عبد الله بن عتيك وفي أسد الغابة "الذي ولى قتل أبى رافع بن أبي الحقيق بيده وكان في بصره ضعف الخ".
стр. 409
سرية عبد الله بن رواحة إلى أُسير بن رِزَام .
стр. 410
-كانت سرية عبد الله بن رواحة الأنصاري الخزرجي إلى أسير بن رِزَام (١) اليهودي بخيبر في شوال سنة ست من الهجرة (يناير سنة ٦٢٨ م) وسببها أنه لما قتل أبو رافع سلام بن الحقيق أمّرت يهود عليها أسَيراً فاقترح عليهم طريقة للانتقام من رسول الله ﷺ فأقروه عليها وحاصلها أن يذهب إلى غطفان ويجمعهم ويسير إلى رسول الله ﷺ في عُقر داره. فسار إلى غطفان فلما بلغه ﷺ وجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سراً ليستكشف له الخبر فذهب إلى ناحية خيبر ثم عاد فأخبر رسول الله ﷺ بما سمع ورأى وقدم عليه أيضا خارجة بن حُسيل وقال له تركت أسير بن رزام يسير إليك في كتائب يهود. فندب رسول الله ﷺ الناس له فانتدب له (٣٠) رجلا فبعث عليه عبد الله بن رواحة فقدموا عليه فقالوا إن رسول الله ﷺ بعثنا إليك لتخرج إليه يستعملك على خيبر ويحسن إليك فطمع في ذلك فشاور يهود فخالفوه في الخروج وقالوا ماكان محمد يستعمل رجلا من بني اسرائيل. قال بلى قد مللنا الحرب. خرج أسير وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين. فلما كانوا بقرقرة ندم أسير على مسيره إلى رسول الله ﷺ وأراد الفتك بعبد الله بن رواحة ففطن له وهو يريد السيف فاقتحم به عبد الله ثم ضربه بالسيف فقطع رجله فضربه أسير بمخرش في يده من شوحط فأمه وفي رواية عن عبد الله بن رواحة ﵁ وأهوى أسير بيده إلى سيفي ففطنت له (يتضح من ذلك أن أسيراً كان أعزل) فدفعت بعيري وقلت غدراً أي عدو الله مرتينز فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير فضربته بالسيف فاندرت عامة فخذه وساقه فسقط عن بعيره ومال أصحاب النبي ﷺ على أصحابه فقتلوهم ولم يفلت منهم غير رجل واحد ولم يصب من المسلمين أحد ثم قدموا على رسول الله ﷺ فحدثوه الحديث فقال "حقا قد نجاكم الله من القوم الظالمين".
стр. 411
سرية كُرزبن جابر الفهري .
стр. 412
-كان كرز بن جابر الفهري ﵁ أحد رؤساء قريش أسلم بعد الهجرة واستشهد عام الفتح وهو الذي خرج رسول الله لطلبه في غزوة بدر الأولى وقد مر ذكرها.
كانت هذه السرية في جمادة الأولى سنة ست وسببها أن أناساً من عكل وعرنة (١) يبلغ عددهم نحو ثمانية قدموا على رسول الله ﷺ فبايعوه على الإسلام وتلفظوا بكلمة التوحيد وكانوا حين قدموا المدينة سقاماً مصفرة ألوانهم عظيمة بطونهم (قال مستر موير أنهم كانوا مصابين بداء الطحال) .
فقالوا يا رسول الله إنا كنا أهل ضرع (أي ماشية وابل) ولم نكن أهل ريف وكرهنا الأقامة بالمدينة فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فأمر لهم بذود من الإبل (٢) ومعها راع وأمرهم باللحوق بها لشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى اذا كانوا ناحية الحرة وصحت أجسامهم باتباعهم اشارة رسول الله ﷺ ، كفروا بعد اسلامهم وقتلوا راعى رسول الله ﷺ وكان عبداً له اسمه يسار. وحين قتلوه مثلوا به فقطعوا يده ورجله وجعلوا الشوك في عينيه واستاقوا الذود وحمل يسار ميتا إلى قباء فدفن هناك. فهؤلاء أعراب قساة غلاظ القلوب يقابلون الاحسان بالإساءة يكرمهم رسول الله ﷺ فيهب له الماشية ويرسل معهم الراعي رأفة بهم ويصف لهم الدواء الشافي لدائهم فيأخذون الإبل ويشربون ألبانها وتصح أجسامهم ثم يجحدون النعمة
ويكفرون بعد اسلامهم ويقتلون ذلك الراعي الأمين المسكين ويمثلون به أشنع تمثيل ويسيرقون الإبل. جرائم متعددة يقترفونها. فهل هؤلاء يستحقون العفو والاحسان والمعاملة الحسنة؟ كلا بل الحكمة تقضي بقطع دابرهم واستئصال شأفتهم ليكونوا عبرة من اعتبر ولئلا يجرأ بعد ذلك أحد من أمثال هؤلاء اللصوص القتلة الخائنين أن يعبث بالاسلام والمسلمين. وهذا ما فعله رسول الله ﷺ فإنه ﵊ لما جاءه الصريخ بما وقع جابر الفهري ﵁ فلحقهم فجاء بهم فأمر النبي ﷺ بقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ولم يفلت منهم أحد وتركوا في ناحية الحرة في الشمس حتى ماتوا.
وأنزل الله في هؤلاء ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولهُ﴾ الآية وهؤلاء كفروا وقتلوا ومثلوا وقطعوا الطريق وسرقوا.
стр. 413
أمر الحديبية .
стр. 414
-الحديبية هي بئر سمي المكان باسمها وقيل قرية أكثرها في الحرم على تسعة أميال من مكة.
وسببها أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين.
فخرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة (فبراير سنة ٦٢٨ م) معتمراً "زائر البيت" لا يريد حربا بعد أن مضى عليه ﷺ ست سنوات بعد الهجرة في المدينة لم يزر فيها مكة ولم يعتمر ولم يحج. فخرج في هذه السنة معتمراً واستنفر العرب من البوادي ومن حوله من الأعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الأعراب. فخرج بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب وساق معه الهدى (ما يهدي إلى الحرم من النعم) وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائراً للبيت ومعظماً له وأخرج معه زوجته أم سلمة ﵂ واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ﵁ وجملة أصحابه الذين خرجوا معه ١٤٠٠ إلى ١٦٠٠.
أما ما رواه ابن اسحاق من أنه ﷺ ساق معه الهدي ٧٠ بدنة (١) وكان الناس ٧٠٠ رجل فكانت كل بدنة من عشرة نفر، فلا بد أن يكون هذا العدد في بدء خروجهم قبل أن ينضم إليه ﷺ من دعاهم من الاعراب ولم يخرج ﷺ معه بسلاح الا سلاح المسافر، السيوف في القرب. فلما كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له "يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل (٢) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبداً. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم (٣) قد قدموها إلى كراع الغميم (٤) . فقال رسول الله ﷺ "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله حتى يظهره الله أو ينفرد هذه السالفة. ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعراً (واسم هذا الرجل حمزة بن عمرو الأسلمي) فخرجوا منه بعد أن شق عليهم وأفضوا إلى طريق سهلة عند منقطع الوادي. قال رسول الله ﷺ للناس قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوا ذلك. فقال والله إنها للحطة التي عرضت على بني اسرائيل فلم يقولوها.
ثم أمر رسول الله ﷺ الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق على ثنية المراة مهبط الحديبية من أسف مكة. فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش فترة الجيش قد خالفوا، رجعوا راكضين إلى قريش (ذكر أن فرسان قريش كانوا ٢٠٠ منهم عكرمة بن أبي جهل وكان قائدهم خالد بن الوليد) .
خرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته القصواء فقال الناس خلأت فقال "ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لاتدعوني قريش اليوم إلى خطة وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني صلة الرحم الا أعطيتهم اياها".
ثم قال للناس انزلوا. قيل يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن (٥) واختلف فيمن نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ فقيل هو سائق بدنة ناجية بن جندب وقيل أنه البراء بن عازب وقيل عبادة بن خالد وفي البخاري عن البراء بن عازب ﵄ أنه ﷺ جلس على البئر ثم دعا باناء فمضمض ودعا ثم صبه فيها. ثم قال دعوها ساعة فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا. وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم قال عطش الناس يوم الحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة يتوضأ منها فأقبل الناس نحوه فقال ما بالكم؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا وجمع ابن حيان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين. وكانت قصة الركوة قبل قصة البئر.
فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته. ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان. فرجعوا إلى قريش. فقالوا يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد أن محمداً لم يأت لقتال. إنما جاء زائراً لهذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها عليها عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة.
ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال هذا رجل غادر فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه قال له رسول الله ﷺ نحواً مما قال لبديل وأصحابه فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ .
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله ﷺ قال إن هذا من قوم يتألهو فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ اعظاماً لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له اجلس فإنما أنت اعرابي لا علم لك. فغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ماعلى هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لا نفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. فقالوا له: كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال يامعشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم إنكم والد واني ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفس. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه ثم قال:
يا محمد أجمعت أوشاب الناس (٦) ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لاتدخلها عليهم عنوة أبداً (تكرر هذا الكلام فقد قاله "بشربن سفيان") وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا (٧) .
وكان أبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعداً فقال (امصص بظر اللات (٨) أنحن ننكشف عنه؟) .
فقول أبي بكر (امصص بظر اللات) مبالغة منه في سب عروة فإنه أقام معبود عروة وهو صنمه مقام امرأة تحقيراً لمعبوده وعادة العرب الشتم بذلك. وقد ساء أبا بكر قول عروة ان أصحابه ﷺ ينكشفون عنه غداً أي يفرون فقال له ما قال وأجابه بما فيه تحقير له ولمعبوده.
فقال عروة بعد أن سمع هذه الأهانة: من هذا يامحمد؟ قال هذا ابن أبي قحافة. فقال أما والله لولا يد كانت لك عندي لكأفأتك بها ولكن هذه بها.
قال الزهري إن اليد المذكورة هي أن عروة كان تحمل دية فأعانه فيها أبو بكر ﵁ بعون حسن.
ثم رجع عروة يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك. فتبسم رسول الله ﷺ . فقال له عروة من هذا يا محمد. قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال أي غدر! قال أي غدر! وهل غسلت سوأتك الا بالأمس.
ولشرح هذا الموقف نقول. المغيرة بن شعبة هو ابن أخي عروة. وقد كان أثناء حديث عروة مع رسول الله ﷺ قائماً على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف بقصد الحراسة وعليه المِغْفَر (٩) فكان المغيرة كلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف (١٠) . وكانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه ولا سيما عند الملاطفة يريدون بذلك التحية والتواصل وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير فربما رأى عروة لمكانته ورفعته في قومه إنه نظير للنبي ﷺ وما علم حينئذ أنه لا نظير له فاللائق منعه.
قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا (أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس) إن المغيرة بن شعبة قبل اسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف فتهايج الحيان من ثقيف بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودى عروة المقتولين ثلاث عشر دية وأصلح الأمر.
وبعد أن قال عروة ما قال كلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا.
فقام من عند رسول الله ﷺ ورجع إلى أصحابه وقد بهره ما رأى من احترام أصحابه ﷺ له فقال:
"أي قوم. فوالله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله ما يتنخم نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده اجلالا وتوقيرا وما يمددن النظر إليه تعظيما له وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ولقد رأيت قوما لا يسملونه لشيء أبداً فروا رأيكم".
فلم يسمع القوم ما قاله عروة بن مسعود وما رغبهم فيه من الصلح فانصرف هو ومن تبعه إلى الطائف.
قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله ﷺ وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله ﷺ .
وبعثت قريش أربعين أو خمسين رجلا منهم ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً فأخذوا أخذاً فأتى بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: "يا رسول الله أني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عدواني إياها وغلظتي عليها. ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحلمه بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ (١١) . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم. إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ماكنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ واحتبسته قريش عندها.
فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل (١٢) .
وقيل أن عثمان بن عفان دخل مكة ومعه عشرة من الصحابة بأذن رسول الله ﷺ ليزوروا أهاليهم ولم يذكروا أسماءهم. وقيل أن قريشا احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام وأشاع الناس أنهم قتلوه هو والعشرة الذين معه. وعلى كل حال أبطأ عثمان ﵁ عن الرجوع فقلق عليه المسلمون فلما بلغ ذلك الخبر رسول الله ﷺ قال لا نبرح حتى نناجز القوم أي نقاتلهم.
والظاهر أن أبا سفيان لم يكن بمكة وقتئذ لأننا لم نسمع له رأيا ونرجد أنه كان غائباً في تجارة.
стр. 415
بيعة الرضوان .
стр. 416
-دعا رسول الله ﷺ المسلمين إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة (١) وأمر عمر بن الخطاب ﵁ أن ينادي الناس إلى البيعة.
قال سلمة بن الأكوع ﵁: بايعناه وبايعه الناس على عدم الفرار وأنه إما الفتح وإما الشهادة، وفي رواية بايعناه على الموت. ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها الا الجد بن قيس أخو بني سلمية فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بابط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس وكان أول من بايعه ﷺ أبو سنان الأسدي.
ولما لم يكن قتل عثمان ﵁ محققا بل كان بالإشاعة بايع عنه النبي ﷺ على تقدير حياته وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان لم يقتل وإنما بايع القوم أخذا بثأر عثمان جريا على ظاهر الأشاعة تثبيتا وتقوية لأولئك القوم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال: اللهم هذه عن عثمان فإنه في حاجتك وحاجة رسولك وماذاك الا لأنه على عدم صحة القول بقتله وكان عدد اللذين بايعوه (١٤٠٠) .
قال تعالى يذكر هذه البيعة ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَن الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وبعد أن جاء عثمان ﵁ بايع بنفسه.
تأثير البيعة في قريش
لما علمت قريش بهذه البيعة خافوا وأشار أهل الرأي فيهم بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل ثلاثاً معه سلاح الراكب السيوف في القرب والقوس.
стр. 417
الصلح .
стр. 418
-بعثت قريش سهيل بن عمرو (١) أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ وقالوا له أئت محمدا فصالحة ولا يكن في صلحه الا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا فلما أقبل سهل قال رسول الله ﷺ قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل وطالت المراجعة بينه وبين النبي ﷺ . فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله؟ قال بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال بلى. قال؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا (٢) . قال أبو بكر: الزم غرزه (٣) فأني أشهد أنه رسول الله. قال عمر وأنا أشهد أنه رسول الله ثم أتى رسول الله ﷺ . فقال يا رسول الله: ألست برسول الله؟ قال بلى. قال أولسنا بالمسلمين؟ قال بلى. قال أوليسوا بالمشركين؟ قال بلى. قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولو يضيعني. فكان عمر يقول: مازلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً.
ثم دعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقال اكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال سهيل لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم. فكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول لم أقاتلك. ولكن أكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله اكتب هذا ما صالح عليه محمدٌ بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس فكيف بعضهم عن بعض على أنه من أتى محمداً من قريش بغير أذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وان بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا سلال ولا أغلال وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه (وكان علي ﵁ وبعض الحاضرين من المسلمين منهم أسيد بن حضير وسعد بن عبادة يعارضون في محو كلمة رسول الله) وتواثبت خزاعة وقالوا نحن في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم وإنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها لأصحابك فأقمت بها ثلاثً معك سلاح الراكب: السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها. وكتبت نسخة أخرى من هذا العقد لتبقى عند المسلمين لأن سهيلا قال يكون هذا الكتاب معي وقيل أن الذي كتب النسخة الأخرى محمد بن مسلمة ولم يكن أحد في القوم راضياً بجميع ما رضى بن النبي ﷺ غير أبي بكر.
وقد جاء في كتاب الصلح "وإن بيننا عيبة مكفوفة" أي أموراً مطوية في صدور سليمة اشارة إلى ترك المؤاخذة بما تقدم بينم من أسباب الحرب وغيرها وأنه "لا اسلال ولا أغلال" أي لا سرقة ولا خيانة.
стр. 419
مزايا هذا الصلح
стр. 420
-نقل النووي عن العلماء "أن المصلحة المترتبة على هذا الصلح هي ما ظهر من ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرت التي عملها النبي ﷺ وخفيت عليهم فحمله ذلك على موافقتهم وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا يختلطون بالمسلمين ولا تظهر عندهم أمور النبي ﷺ كما هي ولا يجتمعون بمن يعلمهم بها مفصلة. فلما حصل الصلح اختلطوا وجاءوا إلى المدينة وجاء المسلمون إلى مكة وخلوا بأهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم وسمعوا منهم أحوال النبي ﷺ ومعجزاته الظاهرة وأعلام نبوته المتظاهرة وحسن سيرته وجميل طريقته وعاينوا بأنفسهم كثيراً من ذلك فمالت أنفسهم إلى الإيمان حتى بادر خلق منهم إلى الإسلام قبل فتح مكة فأسلموا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما وازداد الذين لم يسلموا ميلا إلى الإسلام. فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم لما قد تم لهم من الميل".
وأنا نضيف إلى ذلك ان مزايا هذا الصلح التي غابت عن أصحابه ﷺ ولم تخف عنه عظيمة جدا فقد اعترف له ﷺ في هذه المعاهدة بأنه قوة مستقلة نظير قريس وإن الهدنة توجد للمسلمين فرصة لنشر دينهم في جزيرة العرب بلا معارضة ثم أن النبي ﷺ كان واثقا من جهة أخرى من اخلاص أصحابه وحبهم له وشدة تمسكم بالعقيدة الاسلامية فلا ينضمون إلى قريش بينما كان يتوقع اسلام بعض القبائل وفوق ذلك فقد سمح له زيارة مكة لتأدية الفريضة الدينية مع المسلمين في العام القابل والأقامة بها مدة ثلاثة أيام من غير أن يتعرضوا لهم بسوء وبسبب ماجاء في هذه المعاهدة من المزايا ازداد عدد المسلمين زيادة عظيمة فبعد أن كان عدد جيش الحديبية (١٤٠٠) بلغ عددهم عند فتح مكة بعد عامين (١٠.٠٠٠) وفي رائرة المعارف الاسلامية "إن محمداً ﷺ فاز في صلح الحديبية على قريش فوزا سياسياً باهراً (١) ".
لما فرغ رسول الله ﷺ من الصلح قام إلى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وقيل أن الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي. فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون. وعن ابن عباس ﵄ قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله ﷺ : يرحم الله المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال يرحم الله المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال يرحم الله المحلقين. قالوا يرحم الله المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال والمقصرين فقالوا ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال لم يشكوا.
واهدى رسول الله ﷺ عام الحديبية في هديه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة يغيظ بذلك المشركين وكانت بدنة ﷺ التي نحرها بالحديبية ٧٠ وكانت اقامته ﷺ بالحديبية نحو عشرين يوماً.
قال الزهري في حديثه (ثم انصرف رسول الله ﷺ من وجهه ذلك قافلا حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح ﴿انَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكِ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهُدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقيماً﴾ ثم كانت القصة فيه وفي أصحابه حتى انتهى إلى ذكرالبيعة فقال تعالى ﴿إن الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُنَ الله يَدُ الله فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنُ أوْفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله فَسَيٌؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً﴾ .
واختلف الناس في المراد من الفتح فقال ابن عباس وأنس والبراء بن عازب ﵃: الفتح هنا فتح الحديبية. وقيل الفتح المراد هو فتح مكة فنزلت السورة عند مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها وعبر فيه بالماضي لتحقق وقوعه.
ونرجح إن الفتح المقصود هو فتح الحديبية لأن هذه الآيات قد نزلت بعد انصرافه منها وهذا الفتح مقدمة لفتح مكة وقد روى الأمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث مجمع بن جارية الأنصاري الأوسي: قال شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها وجدنا رسول الله ﷺ عند كراع الغميم (٢) . وقد جمع الناس وقرأ عليهم (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) فقال رجل يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: أي والذي نفسي بيده أنه لفتح. وروى موسى بن عقبة والزهري والبيهقي عن عروة بن الزبير قال أقبل النبي ﷺ راجعا فقال رجل من أصحابه ما هذا بفتح. لقد صددنا عن البيت وصد هدينا بئس الكلام بل هو أعظم الفتح قد رضي المشركون ان يدفعوكم بالراح عن بلادهم وسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان ولقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو أعظم الفتوح. أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم. أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا فقال المسلمون صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبيّ الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وأمره منا.
стр. 421
تنفيذ المعاهدة .
стр. 422
-قد راعى رسول الله ﷺ تنفيذ هذه المعاهدة بدقة فكان في مدة الصلح يرد الرجال المهاجرين ولا يرد النساء بعد الأمتحان وكان الامتحان ان تستحلف المرأة الهاجرة أنها ما هاهرت ناشزا ولا هاجرت الا لله ورسوله. قال تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فِامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فلما هاجرت إليه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت أسلمت بمكة وبايعت قبل أن يهاجر ﷺ ثم خرجت في مدة الصلح مهاجرة ماشية على قدميها من مكة إلى المدينة وصحبت رجلا من خزاعة وهي أخت عثمان بن عفان لأمه لم يردها النبي ﷺ لأن الشرط يقضي برجوع الرجال فقط. ولماخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد، أخبرها رسول الله بأن النساء المؤمنات لا يرجعن وأن الشرط في الرجال فقط وإن النساء يمتحن فرجعا إلى مكة وأخبرا قريشا بذلك فرضوا به.
ورد رسول الله ﷺ أبا بصير فذهب بعد أن قتل خنيسا الذي كان جاء في طلبه إلى محل في طريق الشام يمر به ذوو الميرة واجتمع جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة فكانوا يتسللون إليه وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي رده ﷺ يوم الحديبية وخرج من مكة في سبعين راكبا أسلموا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في مدة الهدنة خوفاً من أن يردهم إلى أهلهم وانضم إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل فقطعوا مارة قريش لا يظفرون بأحد منهم الا قتلوه ولا تمر بهم عير الا أخذوها حتى كتبت قريش له ﷺ تسأله بالأرحام الا آواهم ولا حاجة لهم بهم فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه وإن من معهم من المسلمين يلحق ببلادهم وأهليهم ولا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش ولا لعيرهم فقدم كتاب رسول الله ﷺ عليهما وأبو بصير مشرف على الموت لمرض حصل له فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ مع ناس من أصحابه ورجع باقيهم إلى أهلهم وأمنت قريش على عيرهم وتحقق قول رسول الله ﷺ يوم الحديبية "سيجعل الله لأبي جندل وأصحابه فرجا ومخرجا".
стр. 423
رسل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء .
стр. 424
-قبل أن نذكر كتب النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء يجدر بنا أن نلقي نظرة على حالة الأمبراطورية الرومانية ودولة الفرس.
كانت الحروب بين الأمبراطورية الرومانية ففي سنة ٦٢١ م انتصرت جيوش الفر س واستولت على الشام ومصر وآسيا الصغرى وذلك قبل الهجرة بسنة. وكان الفرس وقتئذ يهددون القسطنطينية وأخيراً ظهر هرقل وتحول على اعادة مجد دولته وفي زمن الهجرة (سنة ٦٢٢ م) كان الأمبراطور الروماني يطارد المغيرين من آسيا الصغرى وفي الموقعة الثانية من مواقعه جيوشه إلى قبل البلاد الفرس نفسها. وفي أثناء السنوات الثلاث التي كان فيها يسترد هرقل مجد الأمبراطورية كان رسول الله ﷺ في نزاع مع قريش وأعقب ذلك حصار الفرس للقسطنطينية الذي كان قبل حصار المدينة في غزوة الأحزاب بنصف سنة (يوليه سنة ٦٢٦ م) وفي الموقعة الثالثة وإلى هرقل انتصاره السابق فانتصر انتصاراً تاماً في أول ديسمبر سنة ٦٢٦ م في موقعه نينوى وبذلك انكسرت جيوش الفرس وتشتت شملهم وفي التاسع والعشرين من هذا الشهر فر كسرى إلى عاصمة ملكه. وفي فبراير سنة ٦٢٨ م قتله ابنه (شيرويه) واستولى على العرش وعقد معاهدة صلح مع الأمبراطور الروماني على أن تبقى حدود الدولتين على ماكانت عليه من قبل وفي حوالي هذا الوقت كان النبي ﷺ يعقد صلح الحديبية مع رؤساء قريش وفي ربيع هذه السنة خرج هرقل لزيارة القدس.