-قد راعى رسول الله ﷺ تنفيذ هذه المعاهدة بدقة فكان في مدة الصلح يرد الرجال المهاجرين ولا يرد النساء بعد الأمتحان وكان الامتحان ان تستحلف المرأة الهاجرة أنها ما هاهرت ناشزا ولا هاجرت الا لله ورسوله. قال تعالى ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فِامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فلما هاجرت إليه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت أسلمت بمكة وبايعت قبل أن يهاجر ﷺ ثم خرجت في مدة الصلح مهاجرة ماشية على قدميها من مكة إلى المدينة وصحبت رجلا من خزاعة وهي أخت عثمان بن عفان لأمه لم يردها النبي ﷺ لأن الشرط يقضي برجوع الرجال فقط. ولماخرج أخواها عمارة والوليد في ردها بالعهد، أخبرها رسول الله بأن النساء المؤمنات لا يرجعن وأن الشرط في الرجال فقط وإن النساء يمتحن فرجعا إلى مكة وأخبرا قريشا بذلك فرضوا به.
ورد رسول الله ﷺ أبا بصير فذهب بعد أن قتل خنيسا الذي كان جاء في طلبه إلى محل في طريق الشام يمر به ذوو الميرة واجتمع جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة فكانوا يتسللون إليه وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو الذي رده ﷺ يوم الحديبية وخرج من مكة في سبعين راكبا أسلموا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في مدة الهدنة خوفاً من أن يردهم إلى أهلهم وانضم إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة وطوائف من العرب ممن أسلم حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل فقطعوا مارة قريش لا يظفرون بأحد منهم الا قتلوه ولا تمر بهم عير الا أخذوها حتى كتبت قريش له ﷺ تسأله بالأرحام الا آواهم ولا حاجة لهم بهم فكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير أن يقدما عليه وإن من معهم من المسلمين يلحق ببلادهم وأهليهم ولا يتعرضوا لأحد مر بهم من قريش ولا لعيرهم فقدم كتاب رسول الله ﷺ عليهما وأبو بصير مشرف على الموت لمرض حصل له فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ مع ناس من أصحابه ورجع باقيهم إلى أهلهم وأمنت قريش على عيرهم وتحقق قول رسول الله ﷺ يوم الحديبية "سيجعل الله لأبي جندل وأصحابه فرجا ومخرجا".
стр. 423
رسل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء .
стр. 424
-قبل أن نذكر كتب النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء يجدر بنا أن نلقي نظرة على حالة الأمبراطورية الرومانية ودولة الفرس.
كانت الحروب بين الأمبراطورية الرومانية ففي سنة ٦٢١ م انتصرت جيوش الفر س واستولت على الشام ومصر وآسيا الصغرى وذلك قبل الهجرة بسنة. وكان الفرس وقتئذ يهددون القسطنطينية وأخيراً ظهر هرقل وتحول على اعادة مجد دولته وفي زمن الهجرة (سنة ٦٢٢ م) كان الأمبراطور الروماني يطارد المغيرين من آسيا الصغرى وفي الموقعة الثانية من مواقعه جيوشه إلى قبل البلاد الفرس نفسها. وفي أثناء السنوات الثلاث التي كان فيها يسترد هرقل مجد الأمبراطورية كان رسول الله ﷺ في نزاع مع قريش وأعقب ذلك حصار الفرس للقسطنطينية الذي كان قبل حصار المدينة في غزوة الأحزاب بنصف سنة (يوليه سنة ٦٢٦ م) وفي الموقعة الثالثة وإلى هرقل انتصاره السابق فانتصر انتصاراً تاماً في أول ديسمبر سنة ٦٢٦ م في موقعه نينوى وبذلك انكسرت جيوش الفرس وتشتت شملهم وفي التاسع والعشرين من هذا الشهر فر كسرى إلى عاصمة ملكه. وفي فبراير سنة ٦٢٨ م قتله ابنه (شيرويه) واستولى على العرش وعقد معاهدة صلح مع الأمبراطور الروماني على أن تبقى حدود الدولتين على ماكانت عليه من قبل وفي حوالي هذا الوقت كان النبي ﷺ يعقد صلح الحديبية مع رؤساء قريش وفي ربيع هذه السنة خرج هرقل لزيارة القدس.
стр. 425
خاتم رسول الله ﷺ .
стр. 426
-قيل لرسول الله ﷺ عندما أراد ارسال كتبه إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام أنهم لا يقرءون الكتاب إلا إذا كان مختوماً فاتخذ ﷺ خاتما من فضة وكان ينقشه ثلاثة أسطر (محمد) سطر (رسول) سطر (الله) سطر. والأسطر الثلاثة تقرأ من أسفل إلى فوق فمحمد آخر الأسطر. ورسول في الوسط. والله فوق. وكانت الكتابة مقلوبة لتكون على الأستواء إذا ختم به فكان ذلك الخاتم في يده ﷺ ثم في يد أبي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان بن عفان ﵃ حتى وقع في بئر أريس في السنة التي قتل فيها عثمان بن عفان ﵁ فالتمسوه ثلاثة أيام فلم يجدوه.
-١- كتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل (Heraclius) .
стр. 427
-كان ارسال الكتاب إلى هرقل سنة ست من الهجرة بعد رجوعه ﷺ من الحديبية وكان وصوله إليه في المحرم سنة سبع وقد أمر رسول الله ﷺ دحية بن خليفة الكلبي أن يدفعه إلى عظيم بصري وهو الحارث ملك غسان ليدفعه إلى هرقل وكان هرقل قد نذر أنه إذا ظهر على الفرس وأخرجهم من بلادهم زار القدس حاجا ماشيا على قدميه. فخرج في خريف ٦٢٨ م (السنة الرابعة من الهجرة) وفاء بنذره. وفي أثناء سفره سلم إليه حاكم بصرى كتاب النبي ﷺ وكان دحية لما انتهى إلى الحارث أرسل معه عدي بن حاتم ليوصله إلى هرقل.
وهذا نص الكتاب
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. السلام على من اتبع الهدى أما بعد. أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وأن تتول فإن إثم الاكارين عليك (١)) عن عبد الله بن عباس قال: (٢) "حدثني أبو سفيان بن حرب قال: كنا قوماً تجاراً وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله لم نأمن أن لا نجد أمنا فخرجت في نفر من قريش تجار إلى الشام وكان وجه متجرنا منها غزة فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منها وانتزع له منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه اياه فلما بلغ ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ له وكانت حمص منزله خرج منها يمشي على قدميه متشكرا لله حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين. فلما انتهى إلى ايلياء وقضى فيها صلاته ومعه بطارقته وأشراف الروم. أصبح ذات غداة مهموماً يقلب طرفه إلى السماء فقال له بطارقته والله لقد أصبحت أيها الملك الغداة مهموماً. قال أجل. أريت في هذه الليلة إن ملك الختان ظاهر. قالوا أيها الملك ما نعلم أمة تختتن إلا اليهود وهم في سلطانك وتحت يدك فابعث إلى كل من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق كل من تحت يده من يهود واسترح من هذا الهم. فوالله إنهم لفي ذلك من رأيهم يديرونه إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده وكانت الملوك تهادي الأخبار بينها. فقال أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدث عن أمر عجب حدث ببلادهم فسله عنه. فلما انتهى به رسول صاحب بصرى إلى هرقل قال هرقل لترجمانه: سله ما كان هذا الحدث الذي كان ببلاده؟ فسأله: فقال خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبيّ قد اتبعه ناس وصدقوه وخالفه ناس. وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة فتركتهم على ذلك. قال فلما أخبره الخبر، قال جردوه فجردوه فإذا هو مختون. فقال هرقل هذا والله الذي أريت، لا ما تقولون. أعطوه ثوبه. ثم دعا صاحب شرطته فقال له قلب لي الشام ظهراً وبطناً حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل يعني النبي ﷺ .
قال أبو سفيان: فوالله إنا لبغزة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا نعم. قال انطلقوا بنا إلى الملك. فانطلقنا معه فلما انتهينا إليه قال أنتم من رهط هذا الرجل؟ قلنا نعم. قال فأيكم أمس به رحماً؟ قلت أنا. قال أبو سفيان: وايم الله ما رأيت من رجل أرى أنه كان أنكر من ذلك الاغلف يعني هرقل. فقال: ادنه فاقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي. ثم قال: اني سأسأله فإن كذب فردوا عليه، فوالله لو كذبت ماردوا على ولكني كنت أمرأ سيداً أتكرم عن الكذب وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عليّ ثم يحدثوه به عني، فلم أكذبه. فقال أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدعى ما يدعى. قال فجعلت أزهد له شأنه وأصغر له أمره. وأقول له أيها الملك ما يهمك من أمره؟ إن شأنه دون ما يبلغك فجعل لا يلتفت إلى ذلك. ثم قال: انبئني عما أسألك عنه من شأنه. قلت سل عما بدالك. قال كيف نسبه فيكم؟ قلت محض أوسطنا نسباً. قال فأخبرني هل كان من أهل بيته يقول مثل ما قال فهو يبشبه به؟ قلت لا. قال: فهل كان له فيكم ملك فاستلبتوه اياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه؟ قلت لا. قال. قال فأخرني عن أتباعه منكم من هم؟ قال قلت الضعفاء والمساكين والأحداث والغلمان والنساء. وأما ذوو الأسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد. قال: أخبرني عن من تبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قال قلت ماتبعه رجل ففارقه. قال: أخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال قلت سجال يدال علينا وندال عليه. قال فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئا مما سألني عنه أغمزه فيه غيرها. قلت لا ونحن منه في هدنة ولا نأمن غدره. قال فوالله ما التفت إليها منى ثم كر علي الحديث.
قال سألتك كيف نسبه فيكم فزعمت أنه محضٌ من أوسطكم نسباً وكذلك يأخذ الله النبي إذا أخذه لا يأخذه الا من أوسط قومه نسباً. وسألتك هل كان أحدٌ من أهل بيته يقول بقوله فهو يتشبه به فزعمت أن لا. وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه اياه فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه فزعمت أن لا. وسألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان. وسألتك عمن يتبعه أيحبه ويلزمه أن يقليه ويفارقه. فزعمت أن لا يتبعه أحد فيفارقه وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبا فتخرج منه. وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا. فلئن كنت صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدميَّ هاتين ولوددت أني عنده فأغسل قدميهز انطلق لشأنك. قال فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى وأقول أي عباد الله لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة (٣) أصبح ملوك بني الأصغر يهابونه في سلطانهم بالشام. قال وقدم عليه كتاب رسول الله ﷺ . فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته.
وفي البخاري أن قيصر لما صار إلى حمص أذن لعظماء الروم في دسكرة له ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال: يا معشر الروم له لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتتابعوا هذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحض إلى الأبواب فوجدوها قد أغلقت وقالوا له أتدعونا أن نترك النصرانية ونصير عبيد الأعرابي. فلما رأى نفرتهم وأيس من إيمانهم قال ردوهم عليّ وقال أني قلت مقالتي أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه. اه فلم يسلم هرقل.
стр. 428
-بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني وكان أميراً بدمشق من جهة قيصر ومعه كتاب رسول الله ﷺ وهذا نصه:
(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله فأني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى ملكك) وختم الكتاب
قال شجاع فانتهيت فوجدته مشغولا بتهيئة الضيافة لقيصر وقد جاء من حمص إلى ايليا حيث كشف الله عنه جنود فارس شكراً لله تعالى.
قال شجاع فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه أني رسول رسول الله ﷺ . فقال حاجبه لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا وجعل حاجبه يسألني عنه ﷺ وما يدع إليه فكنت أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول أني قرأت في الأنجيل وأني أجد صفة هذا النبي بعينه وكنت أظنه يخرج بالشام فأراه خرج بأرض القرظ فأنا أومن به وأصدقه وأنا أخاف من الحارث بن أبي شمر أن يقتلني. وكان هذا الحاجب رومياً اسمه مرى.
قال شجاع وكان يكرمني ويحسن ضيافتي ويخبرني باليأس من الحارث ويقول وهو يخاف قيصر. قال فخرج الحارث يوماً فوضع التاج على رأسه فأذن لي عليه فدفعت إليه الكتاب فقرأه ثم رمى به وقال من ينتزع مني ملكي أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته عليّ بالناس. فلم يزل جالساً حتى الليل وأمر الخيل أن تنعل ثم قال أخبر صاحبك بما ترى. وكتب إلى قيصر يخبره بخبري فصادف قيص بايليا وعنده دحية ﵁ وقد بعثه رسول الله ﷺ . فلما قرأ قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لاتسر إليه واله عنه ووافني بايليا.
ولما بلغ النبي ﷺ خبره قال "باد ملكه" ويفهم من هذا أنه لم يسلم.
-٣- كتاب رسول الله ﷺ إلى كسرى عظيم الفرس
(Chosroses Eparwiz) .
стр. 429
-كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى بن هرمز وبعث بالكتاب مع عبد الله بن حذافة السهمي لأنه كان يتردد على كسرى كثيراً وهذا نص الكتاب:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حياً. أسلم تسلم فإن أبيت فعليك اثم المجوس) .
فمزق كتاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله "مزق ملكه".
ثم كتب كسرى إلى أمير له باليمن يقال له "باذان" أن أبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدين فليأتياني به فبعث "باذان" قهرمانه وهو "بابويه". وكان كاتبا حاسباً بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له "خرخسر" وكتب معهما إلى رسول الله ﷺ يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى وقال لبابويه أئت بدل هذا الرجل وكلمه وأتني بخبره فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنخب من أرض الطائف فسألاهم عنه فقالوا هو بالمدينة. واستبشروا بهما وفرحوا وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك. كفيتم الرجل فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلمه بابويه. فقال إن شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث اليك من يأتيه بك وقد بعثني إليك لتنطلق معي فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك وأن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك. ودخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما. ثم أقبل عليهما فقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قال ربنا. يعنيان كسرى فقال رسول الله: لكن ربي أمرني باعفاء لحيتي وقص شاربي. ثم قال لها ارجعا حتى تأتياني غداً وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء أن الله قد سلط على كسرى ابنه (شيرويه) فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا من الليل بعدما مضى من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله.
قال الواقدي: "قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع ساعات مضت منها".
فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدري ما تقول أنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا أفنكنب هذا عنك ونخبره الملك؟ قال نعم أخبراه ذلك عني وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ماتحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء. ثم أعطى "خرخسرة" منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فقال والله ما هذا بكلام ملك وأني لأرى الرجل نبياً كما يقول ولتنظرن ما قد قال فلئن كان هذا حقا ما فيه كلام، أنه لنبي مرسل. وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
اسلام باذان
لم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه وهو:
"أما بعد فأني قد قتلت كسرى ولم أقتله الاغضباً لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه"
فما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال إن هذا الرجل لرسول فأسلم وأسلمت الايناء معه من فارس من كان منهم باليمن فكانت حمير تقول لخرخسرة ذو المعجزة للمنطقة التي أعطاه أياها رسول الله ﷺ والمنطقة بلسان حمير المعجزة فينوه اليوم ينسبون إليها خرخسرة ذو المعجزة. وقد قال بابويه لباذان ما كلمت رجلا قط أهيب عندي منه. فقال له باذان هل معه شرط؟ قال لا.
ثم ملكّ الله المسلمين ملك كسرى وخزائنهم وأموالهم في خلافة عمر ﵁ ومزقهم الله كل ممزق تحقيقا لدعوته ﷺ .
-٤- كتاب رسول الله ﷺ إلى المقوقس عظيم القبط (١) .
стр. 430
-بعث ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ إلى المقوقس. وذلك أنه ﷺ عند منصرفه من الحديبية قال أيها الناس أيكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله؟ فوثب إليه حاطب وقال أنا يا رسول الله فقال بارك الله فيك يا حاطب وهذا نص الكتاب:
(بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ الله وَرَسُولِهِ إلى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ. سَلاَمٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى. أمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أدْعُوكَ بِدِعَايَة الْإِسلاَمِ, أسْلِمْ تِسْلَمْ يُؤْتِكَ الله أجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إثْمُ كلّ الْقِبْطِ يأَهْلِ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أنَّ لاَ نَعْبُدَ إلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شيئا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أرْبَاباً مِنْ دُونِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهدُوا بَأَنَّا مُسْلِمُونَ) .
وهذا الكتاب محفوظ بدار الآثار في الأستانة قيل عثر عليه عالم فرنسي في دير بمصر قرب أخميم في زمن سعيد باشا.
فسار حاطب بالكتاب حتى قدم على المقوقس إلى مصر فلم يجده فذهب إلى الاسكندرية وأعطاه كتاب رسول الله ﷺ فضمه إلى صدره وجعله في حق عاج ودعا كاتباً له يكتب بالعربية فكتب:
(إلى النبي ﷺ . بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك. أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعوا إليه وقد علمت أن نبياً قد بقي وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام) وذكر له ما كان من اكرامه لحاطب وقيل أنه دفع له مائة دينار وخمسة أثواب ودعا رجلا عاقلا فلم يجد بمصر أحسن ولا أجمل من مارية (مريم) وأختها سيرين وهما من أهل حَفن من كورة أنصا, قرية بصعيد مصر (٢) فبعث بهما إلى رسول الله ﷺ وأهدى له بغلة وعسلا من عسل بنها. وقيل بعث له غير ذلك عشرين ثوباً من قباطي مصر وطيباً وعوداً ومسكا. ولكنه لم يسلم وقد قبل رسول الله ﷺ هذه الهدايا فأخذ مارية لنفسه وأهدى سيرين لحسان بن ثابت وهي أم عبد الرحمن بن حسان والبغلة تسمى "الدلدل" وكانت شهباء ولم يكن في العرب يومئذ بغلة غيرها ودعا في عسل بنها بالبركة.
وقد ذكر المرحوم حفني ناصف بك أصناف الهدايا التي أرسلها المقوقس إلى رسول الله ﷺ وهي (٣) :
-١- مارية بنت شمعون وكانت أمها رومية.
-٢- جارية أخرى يقال لها سيرين ولكنها أقل جمالا من مارية.
-٣- جارية أخرى يقال لها قيسر.
-٤- جارية سوداء يقال لها بريرة.
-٥- غلام أسود يقال له هابو.
-٦- بغلة شهباء وهي التي سميت بدلدل.
-٧- فرس مسرج ملجم وهو الذي سمى بميمون.
-٨- حمار أشهب وهو الذي سمى بيعفور.
-٩- مريعة فيها مكحلة ومرآت ومشط وقارورة دهن ومقص وسواك.
-١٠- جانب من عسل بنها.
-١١- ألف مثقال من الذهب.
-١٢- عشرون ثوباً من قباطي مصر.
-١٣- جانب من العود والند (٤) والمسك.
-١٤- قدح من قوارير.
ويقال أنه كان من ضمن الهدية طبيب فقال له النبي ﷺ "أرجع إلى أهلك نحن قوم لان نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع".
وقد أسلمت مارية قبل أن تصل إلى المدينة هوي وسيرين بدعوة حاطب بن أبي بلتعة.
стр. 431
مارية القبطية
стр. 432
-كان رسول الله يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء جعدة جميلة فأنزلها رسول الله ﷺ وأختها على أم سليم بنت مِلحان فأسلمتا فوطئ مارية بالملك وحولها إلى مال له بالعارية كان من أموال بني النضير فكانت فيه في الصيف وفي خرافة النخل فكان يأتيها هناك وكانت حسنة الدين ووهب اختها سيرين لحسان بن ثابت الشاعر فولدت له عبد الرحمن وولدت مارية لرسول الله غلاماً فسماه إبراهيم. وتوفيت في خلافة عمر وكان عمر يجمع الناس بنفسه لشهود جنازتها وصلى عليها.
стр. 433
إبراهيم ابن رسول الله ﷺ .
стр. 434
-لما ولد إبراهيم عق عنه رسول الله ﷺ بشاة يوم سابعه وحلق رأسه فتصدق بزنة شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض. وكانت قابلة مارية سلمى مولاة رسول الله ﷺ فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاماً فجاء أبو رافع إلى رسول الله ﷺ فبشره فوهب له عبدا وغار نساء رسول الله ﷺ واشتد عليهن حين رزق منها الولد. كانت ولادة إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة (ابريل ٦٣٠ م) وتنافست فيه نساء الأنصار أيتهن ترضعه فدفعه رسول الله إلى أم بُرْدة بنت المنذر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد فكانت ترضعه.
стр. 435
كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي أصحمة .
стр. 436
-التجأ المهاجرون الأولون إلى الحبشة فأكرمهم النجاشي وبقوا هنالك آمنين من اضطهاد قريش ولما هاجر رسول الله إلى المدينة عاد أربعون من المهاجرين والتحقوا بالنبي ﷺ بالمدينة وبقي منهم في الحبشة نحو خمسين أو ستين تحت حماية النجاشي وقد حمل عمرو بن الضمري رسالتين إليه يدعوه في إحداهما إلى الإسلام وفي الأخرى يأمره أن يزوجه أم حبيبة وهذه صورة كتابه ﷺ إلى النجاشي الذي يدعوه فيه إلى الإسلام:
(بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الَّرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إلَى النَّجاشيّ الْأَصْحَمِ مَلِكِ الْحَبَشَةَ مسَلْمٌ أَنْتَ (١) فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ الله المَلِكَ الْقُدُّوسَ السلَّاَمَ الْمؤْمِنَ الْمُهَيْمِنَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللهش وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِنَةِ فَحَمَلَتْ بعِيسَى مَنْ رُوحِهِ وَنَفْخِهِ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بيَدِهِ وَنَفْخِهِ وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى الله وَحْدَهُ لاَشَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالاَةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تَتَّبِعْنِي وَتُؤْمِنَ بالَّلذِي جَاءَني فَإِنّي رَسُولُ الله وَقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ اُبْنَ عَمِّي جَعْفَراً وَنَفَراً مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإذَا جَاءَكَ فَاقْرِهِمْ وَدَعِ التَّجَبُّرَ فَإنّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إلى الله فَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نُصْحِي وِالسَّلاَمُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) .
فما وصل إليه الكتاب وضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الأرض ثم أسلم وكتب الجواب للنبي ﷺ وهذا هو:
"بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله. من النجاشي الأصحم بن أبجر. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام. أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض أن عيسى ما يزيد على ما ذكرت. وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقا وقد بايعتك وبايعت بن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين وارسلت إليك يا بني ارها بن الأصحم بن أبجر فأني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله. (٢)
قال ابن اسحاق "وذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا".
اسلام النجاشي
стр. 437
-إن رواية ابن اسحاق صريحة بأن النجاشي أصحمة أسلم. وقد قرأ جعفر بن أبي طالب عليه سورة مريم وقول عيسى ﴿قَالَ إنَّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نبيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أينَمَا كُنْتُ﴾ الآية. وفي هذه الآية نص عيسى ﵇ على اثبات عبوديته وقال تعالى ﴿ذَلِكَ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الْحَقِّ الَّذي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ الله أنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إذَا قَوْلُ الْحَقِّ الَّذي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَاكَانَ الله أنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إذَا قَضَى أمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنّ فَيَكُونُ﴾ وفي قوله عيسى بن مريم اشارة إلى أنه ولد هذه المرأة وابنها لا أنه ابن الله. وقال عز شأنه ﴿وَإِنَّ رَبَّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هّذَا صِرَاطٌ مُسَقِيمٌ﴾ .
وقد شك بعضهم في إسلام النجاشي لكن المصادر التاريخية المهمة تصرح بإسلامه (٣) وفي قول عمرو بن العاص أنه بايع النجاشي على الإسلام وسيأتي ذكر ذلك في موضعه ومما يقوى اسلام النجاشي أنه كان مسيحياً نسطوريا (٤) ومذهب نسطور قائم على التوحيد وينكر ألوهية المسيح فمن ذلك قوله (لا تقولوا مريم أم الله لأنها من البشر ويستحيل أن يولد الاله من البشر) .
وقد ذكرت أن بحيرا الراهب الذي أكرم النبي ﵊ عندما رحل إلى الشام وعرفه بعلامات فيه، كان متبعاً هذا المذهب ونسطور هذا كان رجلا جليل القدر متبحراً في الديانة والذي يدل على مكانته الرفيعة في الدين المسيحي أنه كان بطريرك القسطنطينية من عام ٤٢٨ إلى ٤٣١ م (٥) وكان له أتباع كثيرون من القساوسة لكنه اضطهد لعقيدته ونفى. فإذا كانت عقيدة النجاشي كما علمت هي عقيدة نسطور فالراجح أنه أسلم عندما عرض عليه الإسلام رسول رسول الله ﷺ وقرأ عليه سورة مريم التي تنطبق على مذهبه ولأن الإسلام يحارب عبادة الأصنام ويدعو إلى التوحيد وينكر ألوهية عيسى ﵇ ويقر نبوته.
وجاء في مسند الشافعي (من كتاب الجنائز والحدود) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات. وهذا دليل على إسلام النجاشي لأن رسول الله ﷺ لا يصلي الا على مسلم.
стр. 438
زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان برسول الله ﷺ .
стр. 439
-عن محمد بن عمر قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى النجاشي "أم حبيبة" بنت أبي سفيان (١) ويبعث إليه مع من عنده من المسلمين. فأرسل النجاشي جارية له يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها بخطبة رسول الله ﷺ إياها فأعطتها أوضاحاً لها وفتخاً سروراً بذلك، وأمرها أن توكل من يزوجها فوكلت خالد بن سعيد بن العاص فزوجها فخطب النجاشي على رسول الله ﷺ وخطب خالد فأنكح أم حبيبة ثم دعا النجاشي باربعمائة دينار صداقها فدفعها إلى خالد بن سعيد. فلما جاءت أم حبيبة تلك الدنانير جاءت بها أبرهة فأعطتها خمسين مثقالا. وقالت كنت أعطيتك ذلك وليس بيدي شيء وقد جاء الله بهذا. فقالت أبرهة: قد أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا وأن أرد إليك الذي أخذت منك فردته وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمداً الله وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام. قالت نعم. وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر فكان رسول الله ﷺ يراه عليها وعندها فلا ينكره. قالت أم حبيبة فخرجنا في سفينتين وبعث معنا النواتي حتى قدمنا الجار ثم ركبنا الظهر إلى المدينة فوجدنا رسول الله ﷺ بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله فدخلت إليه فكان يسائلني عن النجاشي وقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله ﷺ عليها. ولما جاء أبا سفيان تزويج النبي ﷺ أم حبيبة قال "ذلك الفحل لا يقرع أنفه" (٢) .
وقد أراد رسول الله ﷺ بزواج أم حبيبة بنت أبي سفيان أن يستميل أباها إلى قضيته. وقد كان وصول مهاجري الحبشة إلى المدينة في فصل الخريف في جمادة الأولى السنة السابعة من الهجرة (أغسطس سنة ٦٢٨ م) وفي سيرة ابن هشام أسماء من عادوا من الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 440
-أرسل رسول الله ﷺ كتابا إلى هوذه بن علي الحنفي صاحب اليمامة مع سليط بن عمرو العامري: وهذه صورة الكتاب
(بِسْمِ الله الرَّحْنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّد رَسُولِ الله إِلَى هُوذَةَ بْنِ عَلِىٍّ. سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبعَ الْهُدَى وَاعْلَمْ أنَّ دِينيِ سَيَظْهَرُ إلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَجْعَلْ لَكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ) .
فلما قرئ على هوذه كتاب رد رداً لطيفاً على سليط. قال الواقدي أن أر كون دمشق الروحي من عظماء النصارى كان عند هوذة فقال له هوذة جاءني كتاب من النبي يدعوني إلى الإسلام فلم أجبه فقال الاركون لم لا تجيبه؟ قال ضننت بديني وأنا ملك قومي ولئن تبعته لن أملك. قال بلى والله اتبعته ليملكنك وإن الخير لك في اتباعه وأنه للنبي العربي الذي بشر به عيسى بن مريم ﵇ وأنه لمكتوب عندنا في الأنجيل محمد رسول الله.. وأركون هذا أسلم على يد خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق. ثم أن هوذة كتب للنبي ﷺ جواب كتابه وقال فيه"
"ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قوي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني فأجعل لي بعض الأمر أتبعك".
وكأنه أرد الشركة في النبوة أو الخلافة بعده ﷺ . وأجاز سليطاً بجائزة وكساه أثواباً من نسج هَجَر فقدم بكتابه على النبي ﷺ وأخبره بخبره فلما قرأ الكتاب على النبي ﷺ قال: "باد وباد ما في يديه".
ولما انصرف رسول الله من الفتح بلغه موت هوذة وقيل أن رسول الله قال: أما اليمامة سيظهر بها كذاب يتنبأ يقتل بعدي.
стр. 441
نتيجة ارسال الرسل إلى الملوك والأمراء .
стр. 442
-ذكرنا الكتب التي أرسلها رسول الله ﷺ إلى الملوك والأمراء يدعوهم فيها إلى الإسلام بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة ولا شك أن في ذلك قوة عجيبة وشجاعة عظيمة لأن رسول الله وإن كان قد عقد الصلح مع مكة لكنه لم يكن قد تم له فتحها ولم يسلم أهلها وهذه الكتب ليس من السهل ارسالها إلى هؤلاء ولا سيما إلى هرقل وكسرى والمقوقس يدعوهم إلى الإسلام ولو كان غير رسول الله لخشي عاقبة ذلك فإن هؤلاء ملوك أقوياء على تخوم بلاده ولكان ارساله الرسل سابقاً لأوانه. الا أن رسول الله ما كان واثقا من قوة رسالته ونصر الله أقدم على ارسال رسله بقلب ثابت وعزم صادق فكانت النتيجة ما يأتي:
-١- أنه ﷺ تمكن من معرفة هؤلاء الملوك والأمراء نحوه وميلهم إليه فكانت هذه الكتب بمثابة جس نبضهم.
-٢- اسلام باذان أمير اليمن ومن معه.
-٣- إن المقوقس وإن كان لم يسلم ألا أنه أظهر الود بتلطفه مع رسول الله ﷺ وارساله الهدايا.
-٤- اسلام النجاشي على ما هو مشهور في كتب التاريخ وإن كان لم يستطع حمل شعبة على الإسلام.
стр. 443
غزوة خيبر (١)
стр. 444
-خيبر واحة كبيرة على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام (والبريد أثنا عشر ميلا عربياً فتكون المسافة كلها ٩٦ ميلا عربيا) .
وسكان خيبر يهود. وهي ذات حصون ومزارع ونخل كثير وكان سكانها غير مجتمعين في صعيد واحد بل كانوا متفرقين في الوديان المجاورة ويقطنون بيوتا حصينة وسط النخيل وحقول القمح. وكانت خيبر مركزاً لدسائس اليهود الذين هاجروا إليها وتشتمل على سبعة حصون مبنية بالحجارة وهي:
حصن ناعم. القموص حصن أبي الحقيق. حصن الشق. حصن النطاة. حصن السلالم. حصن الوطيح. حصن الكتيبة.
قال القرويني: وخيبر موصوفة بكثرة الحمى لا تفارق الحمى أهلها وكان أهلها يهوداً موصوفين بالمكر والخبث ومنها كان السموأل بن عادياء المشهور بالوفاء.
كانت غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة (أغسطس سنة ٦٢٨ م) وذلك أن رسول الله ﷺ لما عاد من الحديبية أقام بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم من السنة السابعة وولى تلك الحجارة المشركون ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر وكان معه ١٦٠٠ منهم ٢٠٠ فارس ويلاحظ أن عدد الفرسان في هذه الغزوة قد ازداد لأنهم لم يكونوا في الغزوات السابقة يجاوزون الثلاثين وذلك بفضل عناية رسول الله بتربية الخيل. وخرج معه من نسائه أم سلمة ﵂ وهي التي كانت خرجت معه إلى الحديبية واستخلف على المدينة سباع ابن عرفطة الغفاري واستنفر ﷺ من حوله ممن شهد الحديبية يغزون معه وجاء المخلفون عنه في غزوة الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة فقال لاتخرجوا معي الا راغبين في الجهاد فأما الغنيمة فلا. وكان الله قد وعد رسوله ﷺ عند انصرافه من الحديبية في سورة الفتح بمغانم كثيرة بقوله تعالى ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأخُذوُنَهَا﴾ . وفي البخاري عن أنس ﵁: "ان النبي ﷺ أتى خيبر ليلا فنام هو وأصحابه دونها ثم ركبوا إليها بكرة فصبحوها بالقتال" وفي رواية لابن اسحاق أنه ﷺ لا أشرف على خيبر قال لأصحابه. قفوا ثم قال: "اللهم رب السموات والأرض وما أظللن ورب الأرضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن. ورب الرياح وما ذرين. فأنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها. ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله".
فلما أصبحت خرجت اليهود إلى زروعهم بمساحيهم ومكاتلهم ودفع رايته العقاب إلى الحباب بن المنذر ودفع راية لسعد بن عبادة ونزل بواد يقال له الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانوا حلفاءهم ومظاهرين لهم على رسول الله ﷺ وأن غطفان تجهزوا وقصدوا خيبر فسمعوا حساً خلفهم فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم فرجعوا وأقاموا وخذلوا أهل خيبر.
وكان يهود خيبر أدخلوا أموالهم وعيالهم في حصن الكتيبة وجمعوا المقاتلة في حصن النطاة. وكان النبي ﷺ نزل قريباً من حصن النطاة فأشار عليه ﷺ الحباب بن المنذر بالتحول قائلا أن أهل النطاة لي بهم معرفة ليس قوم أبعد مدى منهم ولا أعدل رمية منهم وهم مرتفعون علينا وهو أسرع لانحطاط نبلهم ولا نأمن من بياتهم يدخلون في حمر النخل (٢) فتحول رسول الله ﷺ وتحول الناس إلى موضع حائل بين أهل خيبر وغطفان وابتنى هنالك مسجدا صلى به طول مقامه بخيبر وأمر بقطع نخيل أهل حصون النطاة فوقع المسلمون في قطعها حتى قطعوا ٤٠٠ نخلة ثم نهاهم عن القطع وقاتل ﷺ يومه ذلك أشد القتال وعليه درعان وبيضة ومغفر وهو على فرس يقال له الظرب في يده قناة وترس وفي ذلك اليوم قتل محمود بن مسلمة أخو محمد بن مسلمة برحى ألقيت عليه من حصن ناعم ألقاها عليه مرحب اليهودي وكان الحر في ذلك اليوم شديداً ومكث ﷺ سبعة أيام يقاتل أهل حصن النطاة يذهب كل يوم بمحمد بن مسلمة للقتال ويخلف على محل العسكر عثمان بن عفان ﵁ فإذا أمسى رجع إلى ذلك المحل ومن جرح من المسلمين يحمل إليه ليداوى جرحه. وكان اليهود كعادتهم يحاربون أمام الحصون لأنهم يخشون الحرب في الميدان فإذا انهزموا عادوا إلى حصونهم وأغلقوها دونهم.
ولما كانت الليلة السادسة أتى رجل من يهود خيبر في جوف الليل إلى النبي ﷺ وأخبره أنه خرج من حصن النطاة من عند قوم يتسللون من الحصن في هذه الليلة ويذهبون إلى حصن الشق يجعلون فيه ذراريهم ويتهأون للقتال وأخره أن في حصن الصعب من حصون النطاة في بيت فيه تحت الأرض منجنيقاً ودبابات ودروعا وسيوفاً فإذا دخل فيه رسول الله ﷺ أوقفه على أسراره.
وكان رسول الله ﷺ تأخذه الشقيقة (٣) في بعض تلك الأيام فيبعث أناسا من أصحابه فلم يكن فتح ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب.
ثم قال ﷺ لمحمد بن مسلمة لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. لا يولى الدبر. يفتح الله على يديه فيمكنه من قاتل أخيك.
وفي الغد بعث رسول الله ﷺ إلى عليّ ﵁ وكان أرمد شديد الرمد فجئ به إلى رسول الله ﷺ وقد عصب عينيه فعقد له لواءه الأبيض وبصق في عينيه ودلكهما فبرأ حتى كأن لم يكن بهما وجع. وقال علي ﵁ فما رمدت بعد يومئذ. ثم دعا النبي ﷺ لعلي ﵁ بقوله "اللهم اكفه الحر والبرد" قال علي ﵁ فما وجدت بعد ذلك لا حراً ولا برداً. فكان يلبس في الحر الشديد القباء المحشو الثخين ويلبس في البرد الشديد الثوب الخفيف فلا يبالي بالبرد.
فلما أخذ عليّ الراية قال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال رسول الله ﷺ انفذ على رسلك حتى ينزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن لم يطيعوا لك بذلك فقالتهم فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم.
فخرج علي ﵁ حتى ركز الراية تحت الحصن فكان أول من خرج إليه من أهل الحصن الحارث أخو مرحب وكان مشهوراً بالشجاعة فقتله عليّ وانهزم اليهود إلى الحصن. ثم خرج إليه مرحب لابسا درعين ومتقلدا بسيفين ومعتما بمعامتين ولبس فوقهما مغفراً وحجراً قد ثقبه قدر البيضة ومعه رمح فبرز له علي ﵁ ثم حمل مرحب على عليّ وضربه فطرح ترسه من يده فتناول علي ﵁ بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه الحصن ثم أن علياً ضرب مرحبا فتترس فوقع السيف على الترس فقده وشق المغفر والحجر الذي تحته والعمامتين وفلق هامته حتى أخذ السيف بالأضراس.
وقيل أن محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحباً اليهودي انتقاماً لأخيه محمود والصحيح الذي عليه أكثر أهل السير والحديث أن علي بن أبي طالب هو الذي قتل مرحباً.
ثم خرج ياسر أخو مرحب فخرج إليه الزبير ﵁ وعند ذلك قال له رسول الله ﷺ "فداك عم وخال، لكل نبي حواري وحواريي الزبير" (٤) وكان أول حصن فتح المسلمون هو حصن الناعم من حصون النطاة على يد عليّ ﵁ ثم القموص. ولم يزل القتال ناشبا بين المسلمين واليهود والمسلمون يفتحون حصونهم حصنا بعد حصن حتى أتموها.
وقتل من اليهود ٩٣ واستشهد من المسلمين ١٥ رجلا (٥) وأخذ رسول الله ﷺ كنز آل أبي الحقيق وكان من بني النضير الذي حمله حيىّ بن أخطب لما أجلى عن المدينة وأمر رسول الله بقتل كنانة وأخيه الربيع لأنهما أخفوا مال حيى وقد علم رسول الله بمكان المال وأتى به وقوّم بعشرة آلاف دينار وأصاب المسلمين مجاعة قبل فتح الحصون فلما فتح حصن الصعب وكان أكثر الحصون طعاما، فيه شعير وتمر ووَدَك أي سمن وزيت وشحم، ومتاع وماشية وكان به ٥٠٠ مقاتل أمر النبي ﷺ المسلمين أن يأكلوا ويعلفوا ولا يخرجوا به إلى بلادهم وكان صاحب الغنائم أبا اليسر كعب بن زائد الأنصاري.
فتحت الحصون كلها عنوة الا حصن الوطيح وحصن سلالم فقد مكث المسلمون على حصارهما أربعة عشر يوماً فلم يخرج أحد منهم فهمَّ رسول الله أن يحمل عليه وأن ينصب عليهم المنجنيق فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله الصلح على حقن دماء المقاتلة وترك الذرية والخروج من خيبر وأرضها بذراريهم والا يصحب أحداً منهم الا ثوب واحد فصالحهم على ذلك وعلى أن ذمة الله تعالى ورسوله بريئة منهم ان كتموه شيئا فتركوا مالهم من أرض ومال وصفراء وبيضاء والكراع والحلقة والبز الا ثوبا واحداً. ووجد المسلمون في الحصنين المذكورين ١٠٠ درع و ٤٠٠ سيف و ١٠٠٠ رمح و ٥٠٠ قوس عربية بجعابها ووجدوا في أثناء الغنيمة صحائف متعددة من التوراة فجاءت يهود تطلبها فأمر رسول ﷺ بدفعها اليهم وبهذه المناسبة نذكر ماكتبه الأستاذ ولفنسون في كتابه تاريخ اليهود ببلاد العرب صفحة ١٧٠:
"ويدل هذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول مع المكانة العالية مما جعل اليهود يشيرون إلى النبي بالبنان ويحفظون له هذه اليد حيث لم يتعرض بسوء لصحفهم المقدسة ويذكرون بازاء ذلك ما فعله الرومان حين تغلبوا على أورشليم وفتحوها سنة ٧٠ ب م إذ أحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم وما فعله المتعصبون من النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا أيضا صحف التوراة. هذا هو البون الشاسع بين الفاتحين ممن ذكرناهم وبين رسول الإسلام" اه.
ونضيف إلى ذلك أن هذه ليست أول مرة تسامح فيها رسول الله ﷺ وترك فيها صحائف اليهود المقدسة لم يتعرض لها بسوء ولم يحقرها مع شدة عداوتهم له فقد سمح لهم قبل ذلك بأخذ صحفهم المقدسة المشتملة على وصية موسى لبني اسرائيل عند اجلائهم من المدينة في غزوة بني النضير كما تقدم.
ثم جمع رسول الله ﷺ السبى فكان من نصيب دحية بن خليفة الكلبي صفية بنت حيى وكانت امرأة حسناء فنتافس الناس فيها فجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال يانبي الله أعطيت دحية صفية سيدة بني قريظة والنضير، لا تصلح الا لك. فقال ادعوه بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال لدحية خذ جارية من السبى غيرها فأخذ أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية وكانت صفية بنت حيى من سِبط هارون أخى موسى ﵉ فاصطفاها لنفسه ثم أعتقها وتزوج بها. وفي المواهب أنه ﷺ أخذ صفية لأنها بنت ملك من ملوكهم.
وفي هذه الغزوة سمت اليهودية الشاة للنبي ﷺ وأهدتها إليه واسمها زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم وأخت مرحب انتقاماً لقتل أبيها وزوجها وأخيها.
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁. قال لما فتحت خيبر واطمأن ﷺ بعد فتحها أهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم فلاك منها مضغة ثم لفظها حين أخبره العظم أنها مسمومة وازدرد بشر بن البراء لقمة فقال ﷺ ارفعوا أيديكم وأرسل إلى اليهودية فقال هل سممت هذه الشاة؟ فقالت من أخبرك؟ قال أخبرتني هذه التي في يدي مشيراً للذراع. قالت نعم. قال لها ما حملك على ذلك. قالت إن كنت نبياً يطلعك الله وإن كنت كاذباً فأريح الناس منك. وقد استبان لي أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضرك أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فعفا عنها ﷺ ولم يعاقبها. وتوفى من أصحابه الذين أكلوا معه بشر بن البراء ﵁ واحتجم رسول الله ﷺ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة.
وبعد فتح خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب ﵁ ومن معه من المسلمين وهم ستة عشر رجلا فتلقى النبي ﷺ جعفرا وقبل جبهته وعانقه وقام له ثم قال ﷺ :"ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" وقال ﷺ لجعفر ﵁ "أشبهت خلقي وخلقي" فرقس جعفر ﵁ عنه لشدة هذا الخطاب ولفرط ماأصابه من الفرح ولم ينكر عليه.. رقصه وجعل ذلك أصلا لرقص الصوفية عندما يجدون من لذة المواجيد في مجالس الذكر والسماع. وقدم من الحبشة أبو موسى الأشعري ﵄ وجماعة من قومه فأسهم لهم ولم يسهم لأحد غاب عن فتح خيبر منا شيئا الا لمن شهدها معه.
وقد قسم رسول الله ﷺ غنائم خيبر فأعطى الراجل سهما والفارس ثلاثة أسهم بعد أن خمسها خمسة أجزاء ثم دفع ﷺ لأهل خيبر الأرض ليعملوا فيها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وقال لهم انا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم. ثم استمروا على ذلك على خلافة عمر ﵁ إلى أن وقعت منهم خيانة وغدر لبعض المسلمين فأجلاهم إلى الشام بعد أن استشار في ذلك الصحابة ﵁.
ولما انصرف رسول الله ﷺ من خيبر فكان ببعض الطريق فما كان آخر الليل قال من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال أنا يا رسول الله أحفظه عليك فنزل رسول الله ﷺ ونزل الناس فناموا وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام فلم يوقظهم الا مس الشمس وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه هبا. فقال ماذا صنعت بنا يا بلال؟ قال يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال صدقت ثم اقتاد رسول الله ﷺ بعيره غير كثير ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى رسول الله ﷺ بالناس فلما سلم اقبل على الناس فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها فإن الله ﵎ يقول (أقِمِ الصلاَةَ لِذِكرى) وكان فتح خيبر في صفر.
стр. 445
صلح أهل فدَكَ
стр. 446
-فدك بلدة يهودية بالقرب من خيبر لما علم أهلها بانهزام خيبر خافوا فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النصف من فدك فقدمت عليه رسلهم فقبل ذلك منهم فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب يصرف ما يأتيه منها على أبناء السبيل.
стр. 447
غزوة وادي القرى
стр. 448
-وادي القرى موضع بقرب المدينة كان به جماعة من اليهود.
لما انصرف رسول الله ﷺ من خيبر نزل وادي القرى أصيلا مع الغروب وحاصرهم ﷺ أربعة أيام وهيأ أصحابه للقتال فقتل منهم احدى عشر رجلا وفتحها رسول الله عنوة وغنمه الله أموالهم وأصاب المسلمون أثاثا ومتاعا كثيراً وقسم رسول الله ما أصابه على أصحابه وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها وولاها عمروبن سعيد بن العاص وصالحه أهل تيماء على الجزية لما بلغهم فتح وادي القرى وولاها ﷺ يزيد بن أبي سفيان. وكان اسلامه يوم فتحها. وتيماء بلدة معروفة بين المدينة والشام على سبع مراحل من المدينة ثم رجع إلى المدينة بعد أن بسط نفوذه على القبائل اليهودية شمالي المدينة.
قال مستر موير أن غزوة وادي القرى كانت في جمادى الثانية سنة سبع (سبمتبر سنة ٦٢٨ م) لأنه أرخ الزحف على خيبر بشهر جمادى الأولى (أغسطس سنة ٦٢٨ م) .
يجعل بعضهم غزوة خيبر وغزوة وادي القرى غزوة واحدة لأنه لم يرجع من خيبر.
стр. 449
خمس سرايا في خريف وشتاء السنة السابعة الهجرية (سنة ٦٢٨ م) .
стр. 450
-بعد عودة رسول الله ﷺ من خيبر قضى بقية الخريف والشتاء في المدينة وفي هذه الأثناء بعث خمس سرايا منها ثلاث في شهر شعبان.
-١- سرية عمر بن الخطاب ﵁ ومعه ثلاثون رجلا إلى قبيلة بني هوازن بجهة تُرَبة دار بقرب مكة. فلما علموا بمجيئه هربوا فانصرف راجعاً إلى المدينة.
-٢- سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى نبي كلاب قبيلة بنجد فسبى منهم جماعة وقتل آخرون.
-٣- سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى بني مرة بفدك ومعه ثلاثون رجلا. فلما وصلوا إلى محل القوم لقوا رعاء الشاء فاستاق بشير النعم والشاء وانحدر إلى المدية ثم أدركه العدد الكثير من بني مرة عند الليل فباتوا يرمونه بالنبل حتى فنيت نبل أصحباه فأصيبوا وولى منهم من ولى وجرح بشير وعاد إلى المدينة بصعوبة.
-٤- وفي رمضان كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى أهل المنيعة بناحية نجد على ثمانية برد من المدينة في مائة وثلاثين راجلا فهجموا عليهم في وسط محالهم وقتلوا كثيرا منهم واستاقوا نعما وشاء إلى المدينة وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد رجلا يقال له نهيك بن مرداس الأسلمي وفي رواية أن اسمه مرداس بن نهيك بعد أن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ يا أسامة من لك بلا إله إلا الله فقال يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل. قال (هل شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب) فقال أسامة لا أقاتل أحداً يشهد أن لاإله إلا الله.
-٥- وفي شوال أرسل بشير بن سعد ايضا إلى يُمْن وجناب وهي أرض لغطفان ومعه ثلاثمائة رجل لجمع تجمعوا بأرض غطفان وأعدهم عيينة بن حصين للأغارة على الميدنة فما بلغهم مسير بشير هربوا وأصاب لهم نعماً كثيرة فغنمها.
قال الواقدي وفي هذه السنة (السابعة) رد رسول الله ﷺ زينب ابنته على ابن العاص بن الربيع وذلك في المحرم (أسر أبو العاص يوم بدر فمن عليه رسول الله ﷺ بلا فداء بسبب زوجته زينب بنت رسول الله ﷺ ورد عليه رسول الله زينب بنكاح جديد وقيل النكاح الأول وأسلم قبيل فتح مكة) .
قال وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس بمارية وأختها سيرين وبغلته دُلدُل وحماره يَعفور وكساء وبعث معهما بخصى فكان معهما. وفي هذه السنة اتخذ النبي ﷺ منبره الذي كان يخطب الناس عليه واتخذ درجتين ومقعده وفي الطبري أنه عمل سنة ثمانية.
стр. 451
عمرة القضاء
стр. 452
-قد اختلف في تسمية هذه العمرة عمرة القضاء. فقال مالك والشافعي والجمهور لأنه قاضي قريشاً سنة الحديبية فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الحكم لا لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها بل كانت عمرة تامة. وقال أبو حنيفة وأحمد أن من صدّ عن البيت فعليه القضاء فتسميتها قضاء على ظاهره.
لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من خيبر أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجب. وشعبان ورمضان وشوالا. ثم خرج في ذي القعدة في السنة السابعة (فبراير سنة ٦٢٩ م) في الشهر الذي صده فيه المشركون بالحديبية معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدّيلي ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله ﷺ في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله ﷺ منهم وأمر أن لا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية وخرج معهم غيرهم أيضاً. فكانوا ألفين سوى النساء والصبيان وساق معه ﷺ ستين بدنة وحمل السلاح والدروع والرماح وقاد مائة فارس خوفا ممن غدر أهل مكة فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه في عسر وجهد وشدة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وغلى أصحابه. فلما دخل رسول الله ﷺ اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى (١) ثم قال رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف والمسلمون يطوفون معه. وكان بين يديه لما دخل مكة عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقته. وكان المشركون على جبل قعيقعان ثم سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته وبعد فراغه نحر هديه عند المروة وحلق هناك ثم أمر مائتين من أصحابه أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يا جج يقيمون على السلاح ويأتي الآخرون ليقضوا نسكهم ففعلوا وأقام ﷺ بمكة ثلاثا كما شرطه قريش في الهدنة فلما كان الظهر من اليوم الرابع جاءه سهيل بن عمرو. وحويطب بن عبد العزى فقالا ننشدك العهد إلا ما خرجت من أرضنا فرد عليهما سعد بن عبادة ﵁ فأسكته ﷺ وأذن بالرحيل.
جاء في البخاري من حديث البراء فلما دخلها (٢) ومضى الأجل (٣) أتو عليا ﵁ فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل خرج رسول الله ﷺ .
стр. 453
زواج رسول الله ﷺ بميمونة ﵂ .
стр. 454
-تزوج رسول الله ﷺ ميمونة بنت الحارث الهلالية وكان أسمها برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة وهي أخت أم الفضل زوج العباس ﵄ وأخت أسماء بنت عميس لأمها زوج حمزة رضي الله تعالى عنه.
وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها عنه ﷺ أربعمائة دينار وأراد ﷺ أن يبني بها في مكة فلم يمهلوه يبني بها وقال لها ماعليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعاماً؟ فقالوا لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا من أرضنا. هذه الثلاثة قد مضت فخرج فبنى بها بسرف قريب مكة وهي أخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ . قال أيرافنج في كتابه حياة محمد "أن النبي لم يتزوج بميمونة بنت الحارث إلا سياسة يريد بها أستمالة رجلين قويين لأن ميمونة كانت أرملة مسنة تبلغ من العمر إحدى وخمسين سنة وهذان الرجلان هما خالد بن الوليد ابن أخت ميمونة وهو البطل المشهور الذي حارب محمداً ﷺ في غزوة أحد ولما أسلم سمي "سيف الله" وصديقه عمرو بن العاص".
وهذا ما قلناه في سبب تعدد زوجات النبي ﷺ فإن خالد بن الوليد أسلم بعد زواج رسول الله ﷺ بخالته ميمونة بقليل وأسلم معه في يوم واحد عمرو بن العاص وميمونة ﵂ أخر زوجاته ﷺ .
стр. 455
ما قبل سرية مؤتة من الحوادث .
стр. 456
-في خلال الصيف أعد رسول الله ﷺ عدة سرايا قبل غزوة مؤتة وهي:
-١- سرية الأخرم: في ذي الحجة سنة سبع (أبريل سنة ٦٢٩ م) في خمسين رجلاً إلى بني سليم. خرج الأخرم يدعوهم إلى الإسلام فعلموا بخروجه فأمطروا المسلمين وابلاً من النبل وأحاطوا بهم من كل ناحية حتى قتل عامتهم وجرح أميرهم ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ بالمدينة في أول صفر.
-٢- سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد (١) في صفر سنة ثمان (يونية سنة ٦٢٩ م) خرج المسلمون حتى إذا كانوا بقديد لقوا الحارث بن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء وهي أمه فأخذوه. فقال إنه جاء يريد الإسلام ولكنهم أوثقوه وخلفوا عليه رجلاً وشنوا عليهم الغارة واستاقوا النعم وحملوا ابن البرصاء وعادوا إلى المدينة وأسلم ابن البرصاء وتوفي آخر خلافة معاوية ﵁ وله حديث واحد وهو قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول يوما يوم الفتح "لا تغزي مكة بعد اليوم إلى يوم القيامة".
-٣- سرية أخرى لغالب بن عبد الله الليثي: لما رجع غالب بن عبد الله الليثي من سريته الأولى بعثه رسول الله ﷺ إلى موضع مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك (وقد تقدم ذكر سرية بشير التي جرح فيها) ومعه ٢٠٠ رجل وذلك في صفر سنة ثمان. وقد نجحت هذه السرية نجاحاً تاماً فقد قاتل المسلمون ساعة ووضع فيهم السيف وقتلوا منهم قتلى وأصابوا منهم نعماً وشاء وذرية فساقوها وعادوا إلى المدينة.
-٤- سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى جمع من هوازن يقال لهم بنو عامر بالسيء (٢) في شهر ربيع الأول سنة ثمان (يولية سنة ٦٢٩ م) ومعه أربعة وعشرون رجلا فأصابوا نعماً كثيرة وشاء وأستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة.
-٥- سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من أرض الشام وراء ذات القرى في ربيع الأول سنة ثمان في خمسة عشر رجلاً فوجدوا جمعاً كثيراً فجاءوا على الخيل فدعاهم المسلمون إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا ولم ينجوا منهم غير رجل جريح في القتلى. قال ابن سعد هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى النبي ﷺ فأخبره الخبر فشق عليه ذلك وهمّ بالبعث عليهم لكن بلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركه.
стр. 457
اسلام عمرو بن العاص
стр. 458
-عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي يكنى أباعبد الله وقيل أبا محمد وأمه النابغة بنت حرملة سبية من بني جلان بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عترة وأخوه لأمه عمرو بن أثاثة العدوي وعقبة بن نافع بن قيس الفهري.
سأل رجل عمرو بن العاص عن أمه فقال سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عترة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ فأشتراها الفاكه بن المغيرة ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له فأنجبت فإن كان جعل لك شيئا فخذه. وهو الذي أرسلته قريش إلى النجاشي ليسلم إليهم من عنده من المسلمين. جعفر بن أبي طالب ومن معه فلم يفعل وقال له يا عمرو وكيف يعزب عنك أمر ابن عمك فوالله إنه لرسول الله حقاً. قال أنت تقول ذلك؟ قال أي والله فأطعني. فخرج من عنده مهاجراً إلى النبي ﷺ فأسلم عام خيبر وقيل اسلم عند النجاشي وهاجر إلى النبي ﷺ وقيل كان إسلامه في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر وكان قد همّ بالإنصراف إلى النبي ﷺ من عند النجاشي ثم توقف إلى هذا الوقت وقدم على النبي ﷺ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري فتقدم خالد فاسلم وبايع ثم تقدم عمرو فأسلم وبايع على أن يغفر له ما كان قبله فقال رسول الله ﷺ . الإسلام والهجرة يجبان ما قبلهما (١) .
وحدث عمر بن العاص ﵁ عن سبب إسلامه كما رواه ابن اسحاق وغيره قال لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً وأني لقد رأيت أمراً فما ترون فيه؟ قالوا وماذا رأيت؟ قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أخب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد وأن نظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا إن هذا الرأي. قلت فاجمعوا لنا ما نهديه له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله أنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه غليه في شأن جعفر وأصحابه فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي لسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحباً بصديقي. أهديت إلىّ من بلادك شيئا؟ قلت له نعم أيها الملك قد أهديت إليك أثدُماً كثيراً ثم قربته غليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيهافرقا منه ثم قلت له أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇ لتقتله؟ قلت أيها الملك أكذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت أفتبايعني له على الإسلام؟ قال نعم فبسط يده فبايعنه على الإسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت اصحابي إسلامي ثم خرجت عامداً إلى رسول الله ﷺ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل فتح مكة وهو مقبل من مكة فقلت له أين يا أبا سليمان؟ قال والله لقد استقام الميسم وأن الرجل لنبي اذهب والله فأسلم. فحتى متى؟ قلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر فقال رسول الله ﷺ يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله وأن الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعته ثم انصرفت (٢) .
روى الزبير بن بكار أن رجلا قال لعمرو بن العاص ﵁ ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا مما توازي أحلامهم الجبال فلذنا بهم فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا فإذا حق بيّن فوقع الإسلام في قلبي.
وفي إسلام عمروعلى يد النجاشي لطيفة هي أن صحابياً أسلم على يد تابعيّ ولا يعرف مثله.
وقد كان عمرو بن العاص رجلا سياسياً حربياً وقد نقلنا قوله من فيه عن ذهابه إلى الحبشة. وسبب إسلامه ومنه يتبين أ، هـ فكر طويلا في إنتشار الإسلام وفي مركزه فرأى أخيراً أن خير ما يتخلص به من حرج مركزه هو أن يهاجر إلى الحبشة موفدا من قبل قريش بقصد قتل عمرو بن أمية الضمري ظنا منه أن النجاشي سيسلمه إياه فقدم له الهدايا تزلفا إليه واعتمد على صداقه الملك له. وبذلك يكون قد خدم قريشا من جهة وأقام بالحبشة بعيداً عن النضال بين رسول الله وقريش حتى إذا انتصر رسول الله ﷺ وفتح مكة كتن هو آمنا بالحبشة. لكن النجاشي لم يسلمه عمرو بن أمية الضمري ولا غيره من المسلمين وغضب عليه وفوق ذلك عرض عليه الإسلام فلم ير بداً من مبايعة النجاشي على الإسلام لأنه رأى أن النجانفسه قد أسلم اعتقادا منه برسالة محمد ﷺ وأنه سيظهر على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. وفي قول عمرو دليل واضح على اسلام النجاشي.
وكان اسلام عمرو قبل الفتح في السنة الثامنة من الهجرة (سنة ٦٢٩ ٦٣٠) وكان يبلغ من العمر إذ ذاك نحو اثنتين وأربعين سنة وقد اكتسب الإسلام بإسلامه هو وخالد بن الوليد قائدين عظيمين وبطلين كبيرين قاما بدور مهم في تاريخ الفتح الإسلامي ونشر الدعوة واعزاز الدين.
وقد روت أم سلمة زوج رسول الله ﷺ وكانت من المهاجرات إلى الحبشة تفاصيل ذات شأن عن إقامة المسلمين بها وإيفاد قريش لعبد الله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص والتدابير التي دبرها عمرو والمناقشة التي حصلت بحضرة النجاشي وحضور البطارقة والقتال الذي نشب بينه وبين من نازعه بسبب اعترافه بصحة المبادئ الإسلامية مما لم يذكره عمرو بن العاص وهذه روايتها ﵁.
قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته بل أن يكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق منهم أنهقد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم. فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما نعم. ثم أنهم قربا هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما. ثم كلماه فقالا له: أيها الملك أنه صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبرهم فيه.
ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. قومهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي ثم قال لاها الله أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهم ورددتهم إلى قومهم وأن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفتهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذين فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له:
"أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي الجواري. يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به الله من شيء؟ فقال له جعفر. نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة. انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبداً ولا أكاد قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص واللذه لأنبئنهم غداً بعيبهم عندهم ثم اصتأصل بهم خضراءهم. قالت فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن خالفونا. قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما. فارسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت ولم ينزل بنا مثله. فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا: "هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا. ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي (٣) . من سبكم غرم ثم من سبكم غرم. فما أحب أن لي دبراً (٤) ذهبا وأني آذين رجلا منكم. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به وقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت فوالله أنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه. قالت فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام أنا وكان أحدث القوم سناً فنفخوا له قربة جعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٥) .
هاتان روايتان عن ذهاب عمر بن العاص إلى الحبشة وما جرى بينه وبين النجاشي خاصا بالمهاجرين المسلمين. الرواية الأولى عن عمرو نفسه والثانية عن أم سلمة والرواية الأولى مذكورة في سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق والثانية في مسند الإمام أحمد بن حنبل ويستفاد من رواية عمرو بن العاص أنه ذهب إلى الحبشة موقداً من قريش ومعه أدم كثير ليقدمه إلى النجاشي هدية له بقصد تسليم المهاجرين كلهم أو بعضهم غليه وأنه تمكن من مقابلة النجاشي وطلب منه ذلك فغضب غضباً شديداً وأبى إجابة طلبه ورد هديته إليه لكن عمرا لم يذكر المناقشة التي حدثت أمام النجاشي بينه وبين جعفر بن أبي طالب بحضور البطارقة في أمر عيسى بن مريم ﵇ واقتناع النجاشي بما أجاب به جعفر ﵁ غير أن عمرو بن العاص قال أن النجاشي صافحه وأسلم. وقالت أم سلمة أنه ظهر من ينازعه في ملكه (على أثر اقراره بما قاله جعفر طبعاً) ومما لا شك فيه أن عمرو بن العاص لم ينجح في مهمته سواء أكان موفداً من قبل قريش أم ذاهبا من تلقاء نفسه ليرى له مخرجاً من موقفه إزاء رسول الله ﷺ لأنه بقي إلى ذلك الوقت ولم يسلم بعد أن انتشر الإسلام في المدينة وما جاورها وقوي المسلمون وصاروا يهددون مكة فخاف إن هو بقي على حاله ولم يسلم أن يظهر الإسلام في مكة أيضا فيذعن عند ذلك مضظراً. فلما رأى أن النجاشي لم يسلم له بشيء وأنه متمسك بمراعاة حسن جوار من عنده من المهاجرين ومصدق برسالة النبي ﷺ عاد وهو موطن النفس على أن يذهب تواً إلى رسول الله ويسلم عنده وقد تم له ذلك بالفعل فأسلم هو وخالد بن الوليد.
стр. 459
خالد بن الوليد وإسلامه
стр. 460
-خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان وقيل أبو الوليد القرشي المخزومي. أمه لبابة الصغرى وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وهو ابن خالة أولاد العباس بن عبد المطلب الذين من لبابة.
وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية. أما القبة فكانوا يضربونها يجمعونفيها ما يجهزون به الجيش. وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب. ولما أراد الإسلام قدم على رسول الله ﷺ هو وعمرو بن العاص وطلحة بن أبي طلحة العبدري فلما رآهم رسول الله ﷺ ، قال لأصحابه رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.
وقد تقدم أن ذكرنا في أمر الحديبية أن النبي ﷺ سار حتى انتهى إلى عسفان فلقيه بشر بن أبي سفيان الكعبي وقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيل قريش قد قدموه إلى كراع الغميم.
قال خالد بن الوليد لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضر لي رشدي وقلت شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ فليس موطن أشهده إلا انصرف وأنا أرى في نفسي أني في غير شيء وأن ومحمداً يظهر فلما جاء لعمرة القضية تغيبت ولم أشهد دخوله فكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه فطلبني فلم يجدني فكتب إليّ كتابا فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال أين خالد؟ فقلت يأتي الله به. فقال ما مثله يجهل الإسلام ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة".
فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرتني مقالة رسول الله ﷺ ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة فلما أجمعت على الخروج إلى المدينة لقيت صفوان بن أمية فقلت يا أبا وهب أما ترى أن محمداً ظهر على العرب والعجم فلو قدمنا واتبعناه فإن شرفه شرف لنا؟ فقال لو لم يكن يبقى غيري ما اتبعته أبداً. فقلت هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان فقال مثل الذي قال صفوان. قلت فأكتم ذكر ما قلت لك، قال لا أذكره. ثم لقيت عثمان بن طلحة الحجبي. قلت هذا لي صديق فأردت أن أذكر له ثم ذكرت قتل أبيه طلحة وعمه عثمان وأخوته الأربع مسافع والحلاس والحارث وكلاب فإنهم قتلوا كلهم يوم أحد فكرهت أن أذكر له. ثم قلت له إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج. ثم قلت له ما قلت لصفوان وعكرمة فأسرع بالإجابة وواعدني وسبقني أقام بمحل كذا وإن سبقته إليه انتظرته فلم يطلع الفجر حتى التقينا فعدونا حتى انتهينا إلى الهدة (١) فوجدنا عمرو بن العاص بها. فقال مرحبا يا بالقوم. فقلنا وبك. قال أين مسيرتكم؟ قلنا الدخول في الإسلام. قال وذلك الذي أقدمني. وفي لفظ قال عمرو لخالد يا أبا سليمان أين تريد؟ قال والله لقد استقام الميسم (٢) وإن هذا الرجل لنبي فاذهب فأسلم فحتى متى؟ قال عمرو أنا والله ما جئت إلا لأسلم. فاصطحبنا جميعاً.
فوصلوا المدينة وقال خالد: فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيت أخي فقال أسرع فإن رسول الله ﷺ قد سر بقدومكم وهو ينتظركم فاسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال رسول الله ﷺ يتبسم حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة فرد عليّ السلام بوجه طلق فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال الحمد الله الذي هداك. قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يمسك إلا إلى خير. قلت يا رسول الله ادع لي يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك. فقال ﷺ "الإسلام يجب ما كان قبله" وتقدم عثمان وعمرو فأسلما.
وكان عمرو بن العاص أسن منهما.
قال خالد بن الوليد: اعتمر رسول الله ﷺ (٣) فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا تبين لي النصر. والأكثر على أنه مات بحمص سنة ٢١ وعمره بضع وأربعون سنة في خلافة عمر بن الخطاب.