-في خلال الصيف أعد رسول الله ﷺ عدة سرايا قبل غزوة مؤتة وهي:
-١- سرية الأخرم: في ذي الحجة سنة سبع (أبريل سنة ٦٢٩ م) في خمسين رجلاً إلى بني سليم. خرج الأخرم يدعوهم إلى الإسلام فعلموا بخروجه فأمطروا المسلمين وابلاً من النبل وأحاطوا بهم من كل ناحية حتى قتل عامتهم وجرح أميرهم ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ بالمدينة في أول صفر.
-٢- سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد (١) في صفر سنة ثمان (يونية سنة ٦٢٩ م) خرج المسلمون حتى إذا كانوا بقديد لقوا الحارث بن مالك الليثي المعروف بابن البرصاء وهي أمه فأخذوه. فقال إنه جاء يريد الإسلام ولكنهم أوثقوه وخلفوا عليه رجلاً وشنوا عليهم الغارة واستاقوا النعم وحملوا ابن البرصاء وعادوا إلى المدينة وأسلم ابن البرصاء وتوفي آخر خلافة معاوية ﵁ وله حديث واحد وهو قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول يوما يوم الفتح "لا تغزي مكة بعد اليوم إلى يوم القيامة".
-٣- سرية أخرى لغالب بن عبد الله الليثي: لما رجع غالب بن عبد الله الليثي من سريته الأولى بعثه رسول الله ﷺ إلى موضع مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك (وقد تقدم ذكر سرية بشير التي جرح فيها) ومعه ٢٠٠ رجل وذلك في صفر سنة ثمان. وقد نجحت هذه السرية نجاحاً تاماً فقد قاتل المسلمون ساعة ووضع فيهم السيف وقتلوا منهم قتلى وأصابوا منهم نعماً وشاء وذرية فساقوها وعادوا إلى المدينة.
-٤- سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى جمع من هوازن يقال لهم بنو عامر بالسيء (٢) في شهر ربيع الأول سنة ثمان (يولية سنة ٦٢٩ م) ومعه أربعة وعشرون رجلا فأصابوا نعماً كثيرة وشاء وأستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة وكانت غيبتهم خمس عشرة ليلة.
-٥- سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من أرض الشام وراء ذات القرى في ربيع الأول سنة ثمان في خمسة عشر رجلاً فوجدوا جمعاً كثيراً فجاءوا على الخيل فدعاهم المسلمون إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل فقاتلهم الصحابة أشد القتال حتى قتلوا ولم ينجوا منهم غير رجل جريح في القتلى. قال ابن سعد هو الأمير. فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى النبي ﷺ فأخبره الخبر فشق عليه ذلك وهمّ بالبعث عليهم لكن بلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر فتركه.
стр. 457
اسلام عمرو بن العاص
стр. 458
-عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي يكنى أباعبد الله وقيل أبا محمد وأمه النابغة بنت حرملة سبية من بني جلان بن عتيك بن أسلم بن يذكر بن عترة وأخوه لأمه عمرو بن أثاثة العدوي وعقبة بن نافع بن قيس الفهري.
سأل رجل عمرو بن العاص عن أمه فقال سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عترة أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ فأشتراها الفاكه بن المغيرة ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له فأنجبت فإن كان جعل لك شيئا فخذه. وهو الذي أرسلته قريش إلى النجاشي ليسلم إليهم من عنده من المسلمين. جعفر بن أبي طالب ومن معه فلم يفعل وقال له يا عمرو وكيف يعزب عنك أمر ابن عمك فوالله إنه لرسول الله حقاً. قال أنت تقول ذلك؟ قال أي والله فأطعني. فخرج من عنده مهاجراً إلى النبي ﷺ فأسلم عام خيبر وقيل اسلم عند النجاشي وهاجر إلى النبي ﷺ وقيل كان إسلامه في صفر سنة ثمان قبل الفتح بستة أشهر وكان قد همّ بالإنصراف إلى النبي ﷺ من عند النجاشي ثم توقف إلى هذا الوقت وقدم على النبي ﷺ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة العبدري فتقدم خالد فاسلم وبايع ثم تقدم عمرو فأسلم وبايع على أن يغفر له ما كان قبله فقال رسول الله ﷺ . الإسلام والهجرة يجبان ما قبلهما (١) .
وحدث عمر بن العاص ﵁ عن سبب إسلامه كما رواه ابن اسحاق وغيره قال لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً وأني لقد رأيت أمراً فما ترون فيه؟ قالوا وماذا رأيت؟ قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أخب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد وأن نظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا إن هذا الرأي. قلت فاجمعوا لنا ما نهديه له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدماً كثيراً ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله أنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله ﷺ قد بعثه غليه في شأن جعفر وأصحابه فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي لسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحباً بصديقي. أهديت إلىّ من بلادك شيئا؟ قلت له نعم أيها الملك قد أهديت إليك أثدُماً كثيراً ثم قربته غليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيهافرقا منه ثم قلت له أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ﵇ لتقتله؟ قلت أيها الملك أكذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قلت أفتبايعني له على الإسلام؟ قال نعم فبسط يده فبايعنه على الإسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت اصحابي إسلامي ثم خرجت عامداً إلى رسول الله ﷺ فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل فتح مكة وهو مقبل من مكة فقلت له أين يا أبا سليمان؟ قال والله لقد استقام الميسم وأن الرجل لنبي اذهب والله فأسلم. فحتى متى؟ قلت والله ما جئت إلا لأسلم. فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر فقال رسول الله ﷺ يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله وأن الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعته ثم انصرفت (٢) .
روى الزبير بن بكار أن رجلا قال لعمرو بن العاص ﵁ ما أبطأ بك عن الإسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال كنا مع قوم لهم علينا تقدم وكانوا مما توازي أحلامهم الجبال فلذنا بهم فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا فإذا حق بيّن فوقع الإسلام في قلبي.
وفي إسلام عمروعلى يد النجاشي لطيفة هي أن صحابياً أسلم على يد تابعيّ ولا يعرف مثله.
وقد كان عمرو بن العاص رجلا سياسياً حربياً وقد نقلنا قوله من فيه عن ذهابه إلى الحبشة. وسبب إسلامه ومنه يتبين أ، هـ فكر طويلا في إنتشار الإسلام وفي مركزه فرأى أخيراً أن خير ما يتخلص به من حرج مركزه هو أن يهاجر إلى الحبشة موفدا من قبل قريش بقصد قتل عمرو بن أمية الضمري ظنا منه أن النجاشي سيسلمه إياه فقدم له الهدايا تزلفا إليه واعتمد على صداقه الملك له. وبذلك يكون قد خدم قريشا من جهة وأقام بالحبشة بعيداً عن النضال بين رسول الله وقريش حتى إذا انتصر رسول الله ﷺ وفتح مكة كتن هو آمنا بالحبشة. لكن النجاشي لم يسلمه عمرو بن أمية الضمري ولا غيره من المسلمين وغضب عليه وفوق ذلك عرض عليه الإسلام فلم ير بداً من مبايعة النجاشي على الإسلام لأنه رأى أن النجانفسه قد أسلم اعتقادا منه برسالة محمد ﷺ وأنه سيظهر على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. وفي قول عمرو دليل واضح على اسلام النجاشي.
وكان اسلام عمرو قبل الفتح في السنة الثامنة من الهجرة (سنة ٦٢٩ ٦٣٠) وكان يبلغ من العمر إذ ذاك نحو اثنتين وأربعين سنة وقد اكتسب الإسلام بإسلامه هو وخالد بن الوليد قائدين عظيمين وبطلين كبيرين قاما بدور مهم في تاريخ الفتح الإسلامي ونشر الدعوة واعزاز الدين.
وقد روت أم سلمة زوج رسول الله ﷺ وكانت من المهاجرات إلى الحبشة تفاصيل ذات شأن عن إقامة المسلمين بها وإيفاد قريش لعبد الله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص والتدابير التي دبرها عمرو والمناقشة التي حصلت بحضرة النجاشي وحضور البطارقة والقتال الذي نشب بينه وبين من نازعه بسبب اعترافه بصحة المبادئ الإسلامية مما لم يذكره عمرو بن العاص وهذه روايتها ﵁.
قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم وقالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته بل أن يكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق منهم أنهقد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم. فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما نعم. ثم أنهم قربا هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما. ثم كلماه فقالا له: أيها الملك أنه صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبرهم فيه.
ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك. قومهم أعلى بهم علينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي ثم قال لاها الله أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهم ورددتهم إلى قومهم وأن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفتهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذين فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له:
"أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي الجواري. يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فعدد عليه أمور الإسلام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به الله من شيء؟ فقال له جعفر. نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرجان من مشكاة واحدة. انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبداً ولا أكاد قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص واللذه لأنبئنهم غداً بعيبهم عندهم ثم اصتأصل بهم خضراءهم. قالت فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن خالفونا. قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما. فارسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه. قالت ولم ينزل بنا مثله. فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا: "هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول" فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا. ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي (٣) . من سبكم غرم ثم من سبكم غرم. فما أحب أن لي دبراً (٤) ذهبا وأني آذين رجلا منكم. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به وقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت فوالله أنا على ذلك إذ نزل به يعني من ينازعه في ملكه. قالت فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار النجاشي وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام أنا وكان أحدث القوم سناً فنفخوا له قربة جعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم ثم انطلق حتى حضرهم قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوثق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة (٥) .
هاتان روايتان عن ذهاب عمر بن العاص إلى الحبشة وما جرى بينه وبين النجاشي خاصا بالمهاجرين المسلمين. الرواية الأولى عن عمرو نفسه والثانية عن أم سلمة والرواية الأولى مذكورة في سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق والثانية في مسند الإمام أحمد بن حنبل ويستفاد من رواية عمرو بن العاص أنه ذهب إلى الحبشة موقداً من قريش ومعه أدم كثير ليقدمه إلى النجاشي هدية له بقصد تسليم المهاجرين كلهم أو بعضهم غليه وأنه تمكن من مقابلة النجاشي وطلب منه ذلك فغضب غضباً شديداً وأبى إجابة طلبه ورد هديته إليه لكن عمرا لم يذكر المناقشة التي حدثت أمام النجاشي بينه وبين جعفر بن أبي طالب بحضور البطارقة في أمر عيسى بن مريم ﵇ واقتناع النجاشي بما أجاب به جعفر ﵁ غير أن عمرو بن العاص قال أن النجاشي صافحه وأسلم. وقالت أم سلمة أنه ظهر من ينازعه في ملكه (على أثر اقراره بما قاله جعفر طبعاً) ومما لا شك فيه أن عمرو بن العاص لم ينجح في مهمته سواء أكان موفداً من قبل قريش أم ذاهبا من تلقاء نفسه ليرى له مخرجاً من موقفه إزاء رسول الله ﷺ لأنه بقي إلى ذلك الوقت ولم يسلم بعد أن انتشر الإسلام في المدينة وما جاورها وقوي المسلمون وصاروا يهددون مكة فخاف إن هو بقي على حاله ولم يسلم أن يظهر الإسلام في مكة أيضا فيذعن عند ذلك مضظراً. فلما رأى أن النجاشي لم يسلم له بشيء وأنه متمسك بمراعاة حسن جوار من عنده من المهاجرين ومصدق برسالة النبي ﷺ عاد وهو موطن النفس على أن يذهب تواً إلى رسول الله ويسلم عنده وقد تم له ذلك بالفعل فأسلم هو وخالد بن الوليد.
стр. 459
خالد بن الوليد وإسلامه
стр. 460
-خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان وقيل أبو الوليد القرشي المخزومي. أمه لبابة الصغرى وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وهو ابن خالة أولاد العباس بن عبد المطلب الذين من لبابة.
وكان أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبة وأعنة الخيل في الجاهلية. أما القبة فكانوا يضربونها يجمعونفيها ما يجهزون به الجيش. وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدم على خيول قريش في الحرب. ولما أراد الإسلام قدم على رسول الله ﷺ هو وعمرو بن العاص وطلحة بن أبي طلحة العبدري فلما رآهم رسول الله ﷺ ، قال لأصحابه رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.
وقد تقدم أن ذكرنا في أمر الحديبية أن النبي ﷺ سار حتى انتهى إلى عسفان فلقيه بشر بن أبي سفيان الكعبي وقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعوا بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيل قريش قد قدموه إلى كراع الغميم.
قال خالد بن الوليد لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضر لي رشدي وقلت شهدت هذه المواطن كلها على محمد ﷺ فليس موطن أشهده إلا انصرف وأنا أرى في نفسي أني في غير شيء وأن ومحمداً يظهر فلما جاء لعمرة القضية تغيبت ولم أشهد دخوله فكان أخي الوليد بن الوليد دخل معه فطلبني فلم يجدني فكتب إليّ كتابا فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله ﷺ عنك فقال أين خالد؟ فقلت يأتي الله به. فقال ما مثله يجهل الإسلام ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له ولقدمناه على غيره. فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة".
فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرتني مقالة رسول الله ﷺ ورأيت في المنام كأني في بلاد ضيقة جدبة فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة فلما أجمعت على الخروج إلى المدينة لقيت صفوان بن أمية فقلت يا أبا وهب أما ترى أن محمداً ظهر على العرب والعجم فلو قدمنا واتبعناه فإن شرفه شرف لنا؟ فقال لو لم يكن يبقى غيري ما اتبعته أبداً. فقلت هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان فقال مثل الذي قال صفوان. قلت فأكتم ذكر ما قلت لك، قال لا أذكره. ثم لقيت عثمان بن طلحة الحجبي. قلت هذا لي صديق فأردت أن أذكر له ثم ذكرت قتل أبيه طلحة وعمه عثمان وأخوته الأربع مسافع والحلاس والحارث وكلاب فإنهم قتلوا كلهم يوم أحد فكرهت أن أذكر له. ثم قلت له إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج. ثم قلت له ما قلت لصفوان وعكرمة فأسرع بالإجابة وواعدني وسبقني أقام بمحل كذا وإن سبقته إليه انتظرته فلم يطلع الفجر حتى التقينا فعدونا حتى انتهينا إلى الهدة (١) فوجدنا عمرو بن العاص بها. فقال مرحبا يا بالقوم. فقلنا وبك. قال أين مسيرتكم؟ قلنا الدخول في الإسلام. قال وذلك الذي أقدمني. وفي لفظ قال عمرو لخالد يا أبا سليمان أين تريد؟ قال والله لقد استقام الميسم (٢) وإن هذا الرجل لنبي فاذهب فأسلم فحتى متى؟ قال عمرو أنا والله ما جئت إلا لأسلم. فاصطحبنا جميعاً.
فوصلوا المدينة وقال خالد: فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله ﷺ فلقيت أخي فقال أسرع فإن رسول الله ﷺ قد سر بقدومكم وهو ينتظركم فاسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال رسول الله ﷺ يتبسم حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة فرد عليّ السلام بوجه طلق فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال الحمد الله الذي هداك. قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يمسك إلا إلى خير. قلت يا رسول الله ادع لي يغفر تلك المواطن التي كنت أشهدها عليك. فقال ﷺ "الإسلام يجب ما كان قبله" وتقدم عثمان وعمرو فأسلما.
وكان عمرو بن العاص أسن منهما.
قال خالد بن الوليد: اعتمر رسول الله ﷺ (٣) فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا تبين لي النصر. والأكثر على أنه مات بحمص سنة ٢١ وعمره بضع وأربعون سنة في خلافة عمر بن الخطاب.
стр. 461
سرية مؤتة
стр. 462
-مؤتة من عمل البلقاء وهي مدينة معروفة بالشام على مرحلتين من بيت المقدس شرق البحر الميت وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان (سبتمبر سنة ٦٢٩ م) .
وقد سمى البخاري هذه السرية غزوة وإن لم يخرج فيها النبي ﷺ لكثرة جيش المسلمين فيها.
وسببها أن النبي ﷺ كان أرسل الحارث بن عمير الأسدي بكتاب إلى أمير بصرى من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني فلما نززل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه وضرب ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره.
هذا هو السبب الذي ذكره أغلب المؤرخين إلا أن ابن اسحاق لم يذكر سببا لهذه السرية وهذه أول سرية حارب فيها المسلمون جيشاً مسيحياً.
فأمر رسول الله ﷺ مولاه زيد بن حارثة ﵁ على ثلاثة آلاف وندب رسول الله ﷺ الناس وقال أن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا من بينهم يجعلونه عليهم أميراً.
وكان ممن حضر يهودى اسمه النعمان فقال يا محمد إن كنت سميت من سميت أصيبوا جميعاً لأن أنبياء بني اسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سموا مئة أصيبوا جميعاً. ثم جعل يقول لزيد أعهد أي أوص فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا. قال زيد أشهد أنه رسول صادق بار وعقد لهم ﷺ لواء أبيض ودفعه إلى زيد وأوصاه أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا فاستعينوا عليهم وقاتلوهم فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجرف (١) وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيراً. اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله. لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانيا ولا منعزلا بصومعة ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء".
فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم وقام شرحبيل بن عمرو الغساني فجمع أكثر من مائة ألف من الروم وضم إليهم القبائل القريبة الموالية فلما نزل المسلمون معان من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء فأقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقال نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال وإما يأمرنا بأمر فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة على المضي فقال "إن التي تكرهون للتي خرجتم لها إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا كثرة ولا قوة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فربما فعل وإن تكن الأخرى فهي الشهادة وليست بشر المنزلتين" فقال الناس لقد صدق ابن رواحة.
فمضوا إلى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم من لا قبل لأحد به من العدد الكثير الزائد على مائتي ألف والسلاح والخيل وآلات الحرب فقاتل الأمراء الثلاثة يومئذ على أرجلهم فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل المسلمون معه بشجاعة على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب رضي الله عته فقاتل به وهو على فرسه فألجمه القتال وأحاط به فنزل عن فرس له شقراء فعقرها وقاتل قتالا شديداً فقطعت يمينه فأخذ بيساره فقطعت يساره فاحتضنه وقاتل حتى قتل ووجد فيه بضع وسبعون جرحا ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة وتقدم به وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم نزل عن فرسه وقاتل حتى قتل (٢)
روى سعيد بن منصور أنهم دفنوا يومئذ زيداً وجعفراً وعبد الله بن رواحة ﵃ في قبر واحد.
ثم أخذ اللواء ثابت بن أقرم العجلاني البلوي حليف الأنصار وكان من أهل بدر فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا أنت. قال ما أنا بفاعل فاصطلحوا على خالد بن الوليد وفي الصحيح حتى أخذ الراية "سيف من سيوف الله" فقاتلهم خالد بن الوليد قتالا شديداً وكان لم يمض على إسلامه إلا ثلاثة أشهر تقريباً وقد تفرق المسلمون لما قتل عبد الله بن رواحة وانهزموا حتى لم يرإثنان جميعاً فاستطاع خالد بن الوليد بعد أن أخذ اللواء وتولى القيادة أن يجمع شملهم وجعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة فظن العدو أن المدد جاءهم. قال ابن اسحاق فلما أخذ الراية (خالد) دافع القوم وخاس بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف. وسمي ابن اسحاق اثني عشر قتيلا من المسلمين في هذه الغزوة ولا نعلم عدد قتلى العدو.
وأخبر النبي ﷺ أصحابه بما حدث في ساحة القتال قبل رجوع الجيش إلى المدينة ونادى في الناس الصلاة جامعة ثم صعد المنبر وعيناه تذرفان وقال:
"يأيها الناس باب خير. باب خير. باب خير. أخبركم عن جيشكم هذا الغازي أنهم انطلقوا فلقوا العدو. فقتل زيد شهيداً فاستغفروا له. ثم أخذ الراية جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيداً فاستغفروا له. ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة وأثثبت قدميه حتى قتل شهيداً فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه ولكنه سيف من سيوف الله فآب بنصره" فمن يومئذ سمي خالد "سيف الله".
قال بعضهم كون ما وقع يوم مؤتة فتحاً ونصرا واضح لاحاطة العدو بهم وتكاثرهم عليهم لأنهم كانوا أكثر من مائتي ألف والصحابة ﵃ ثلاثة آلاف وكان مقتضى العادة أن يقتلون بالكلية.
وفي هذه الغزوة فرت طائفة من الصحابة إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم فصار أهل المدينة يقولون لهم "أنتم الفرارون" ورسول الله ﷺ يقول "بل هم الكرارون".
وأول من جاء بخبر الجيش يعلى بن أمية ﵁ فلما قدم قال له النبي ﷺ "إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك". قال فأخبرني يا رسول الله لأزداد يقينا فأخبره رسول الله ﷺ الخبر كله ووصف له ما كان فقال "والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا وإن أمرهم لما ذكرت". لكن مستر "موير" اعتبر تلك الرواية التي ذكر فيها أن النبي ﷺ أخبر بما حدث في ساحة القتال قبل أن يصله الخبر خرافة، لأن الخبر كان قد وصل رسول الله من أول رسول أرسله خالد بن الوليد إلى المدينة وعلى ذلك فليست هناك معجزة كما يقول المسلمون، لكنه لم يعلق شيئا على معجزة رسول الله التي تنبأ فيها بإصابة زيد وجعفر وعبد الله ابن رواحة قبل أن يذهبوا إلى الحرب وقد أصيبوا جميعا بالترتيب كما ذكر. فكان حقا عليه وهو مؤرخ أن يصرح برأيه في هذه المسألة لا أن يذكرها بلا تعليق ويغمض الطرف عنها. والحقيقة أ، هـ لما رأى أن هذه المعجزة واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار لم يشأ أن يقرها ويعترف بها.
стр. 463
مواساة رسول الله ﷺ لآل جعفر
стр. 464
-عن أسماء بنت عميس ﵂ زوج جعفر بن أبي طالب ﵁. قالت دخل عليّ رسول الله ﷺ يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال أئتني ببني جعفر فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه وفي رواية وبكى حتى نقطت لحيته الشريفة فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال نعم أصيبوا هذا اليوم. قالت فقمت أصيح واجتمع عليّ النساء وجعل رسول الله ﷺ يقول لي يا أسماء لا تقولي هجرا ولا تضربي خداً وقال "اللهم قدمه إلى أحسن الثواب واخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته".
وخرج رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاماً فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم. وقيل أنه دخل على فاطمة وهي تقول: واعماه، فقال على مثل جعفر فلتبك البواكي. ثم قال ﷺ : اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم. وهذا الطعام الذي جعل لآل جعفر ﵁ هو أصل طعام التعزية وتسميه العرب "الوضيمة".
ولحسان بن ثابت قصيدة في رثاء جعفر بن أبي طالب ﵁.
стр. 465
إسلام فروة بن عامر الجذامي
стр. 466
-كان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب بمعان فأهدى إلى النبي ﷺ بغلته البيضاء وبعث إليه رسالة بإسلامه مع رسول فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فلما اجتمعت الروم لصلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها ... على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل
قال ابن اسحاق زعم الزهري أنهم لما قدموا ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي وبناني
وقال مسيو برسيفال M. C. de Parceval أن الصلب وقع بعد غزوة مؤتة عقابا له على ذنبه. والراجح أن ذلك كان بعد فتح مكة سنة تسع وهي سنة الوفود ودخول العرب في دين الله أفواجاً.
стр. 467
سرية عمرو بن العاص أو سرية ذات السلاسل (١) .
стр. 468
-كانت غزوة مؤتة في جمادى الأولى وقد تولى القيادة فيها خالد بن الوليد بعد أن قتل الأمراء الثلاثة الذين تقدم ذكرهم وكان قد أسلم حديثا مع عمرو بن العاص. فأظهر كفاءة حربية أمام جيش الروم العظيم وتمكن من جمع شمل الصحابة بع أن تفرقوا وعاد فريق منهم إلى المدينة فرجع خالد سالماً ولم يتحمل المسلمون إلا خسارة قليلة.
وفي جمادى الثانية أي بعد شهر (اكتوبر سنة ٦٢٩ م) جاء دور عمرو بن العاص فأرسله رسول الله ﷺ إلى بلاد بلى (٢) وعذرة سنة (٣٠٠) من سراة المهاجرين والأنصار ومعهم (٣٠) فرساً.
وسببها أن النبي ﷺ بلغه أن جمعاً من قضاعة تجمعوا للإغارة على المسلمين وأرادوا أن يدنوا من أطراف المدينة.
وسميت هذه السرية "ذات السلاسل" لأن الأعداء ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا وقيل سميت بذلك لأن بها ماء يقال له السَّمسل.
عن عمرو بن العاص ﵁: قال بعث النبي ﷺ يأمرني أن آخذ ثيابي وسلاحي فقال يا عمرو إني أريد أن أبعثك على جيش فيغنمك الله ويسلمك. قلت لم أسلم رغبة في المال. قال "نعم المال الصالح للرجل الصالح" فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء فسار هو ومن معه وكان يكمن النهار ويسير الليل فلما قرب منهم بلغه أن له جمعاً كثيراً فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده. فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح وعقد له لواء وبعث معه (٢٠٠) من سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ وأمره أن يلحق بعمرو وأن يكونا جميعاً ولا يختلفا. فأراد عبيدة أن يؤم الناس. فقال عمرو إنما قدمت عليّ مدداً وأنا الأمير. فقال أبو عبيدة لا ولكن على ما أنا عليه وأنت عليّ ما أنت عليه. وكان أبو عبيدة رجلا سهلا هينا عليه أمر الدنيا. فقال يا عمرو إن رسول الله ﷺ قال لي لا تختلفا وإنك إن ععصيتني أطعتك فأطاع له أبو عبيدة فكان عمرو ويصلي بالناس وسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفقوا مذعورين بعد أن اقتتلوا ساعة فهزمهم المسلمون ولم يغنموا شيئا.
أما البلاذري فيقول إن المسلمين غنموا.
وأرسل عمرو بن العاص نفسهُ بأن رسول الله ﷺ لم يبعثه على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلة له عنده. قال عمرو فأتيته ﷺ حتى قعدت بين يديه فقلت يا رسول الله: أي الناس أحب إليك" قال عائشة. قلت إني لست أعني النساء إ، ما أعني الرجال. قال أبوها. قلت ثم من. قال عمر بن الخطاب. فعد رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم وقلت في نفسي لا أعود أسأله عن هذا.
стр. 469
سرية أبي عبيدة بن الجراح
стр. 470
سمّى البخاري هذه السرية بغزوة "سيف البحر (١) " بكسر السين واشتهرت "بسرية الخبط".
بعث رسول الله ﷺ في شهر رجب سنة ثمان (نوفمبر سنة ٦٢٩ م) أبا عبيدة بن الجراح على رأس ثلاثمائة رجل. وكان فيهم عمر بن الخطاب إلى أرض جُهينة ليلقى عيراً لقريش ولمحاربة حيّ من جهينة فنفد ما كان معهم من الزاد فأكلوا الخبط وهو ورق السلم وأصابهم جوع شديد. قال أهل السير، ثم أخرج الله لهم دابة من البحر تسمى العنبر وهس سمكة كبيرة فأكلوا منها.
وفي شعبان سنة ثمان (ديسمبر سنة ٦٢٩ م) ارسل رسول الله ﷺ أبا قتادة رضي اللع عنه إلى نجد ومعه خمسة عشر رجلا وأمره أن يشن الغارة على غطفان بأرض محارب فقاتلهم وسبى سبياً كثيراً واستاق النعم. وفي أول شهر رمضان من هذه السنة أرسل رسول الله ﷺ أبا قتادة أيضاً إلى إضَم على ثلاثة برد من المدينة في ثمانية رجال ليوهم قريشاً أنه توجه إلى تلك الناحية بعد أن نقضت قريش العهد حتى يفاجئهم على غير استعداد منهم لحربه. خرج أبو قتادة ومن معه فلقوا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم عليهم بتحية الإسلام فقتله محلم بن جثامة (واسمه يزيد بن قيس) لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه. فلما قدموا على رسول الله ﷺ وأخبروه الخبر نزل فيهم القرآن ﴿يَأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ الآية.
والإختلاف في المراد بهذه الآية كثير جداً. قيل نزلت في المقداد. وقيل في أسامة. وقيل في محلم. وقيل في غالب الليثي.
ثم أن أبا قتادة ومن معه لم يلقوا جمعاً وبلغهم أنه ﷺ خرج من المدينة وتوجه إلى مكة فلحقوه بالسقيا فأخبروه الخبر. فسأله محلم أن يستغفر له. فقال "لا غفر الله لك" زجراً كيلا يتهاون الناس بقتل النفس الخبر. فقام محلم وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت له سابعة من الليالي حتى مات. وذكر الطبري أن محلم بن جثامة توفي في حياة النبي ﷺ فدفنوه فلفظته الأرض مرة بعد أخرى فأمر به فألقي بين جبلين وجعل عليه حجارة وقال رسول الله ﷺ "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم آية في قتل المؤمن"
стр. 471
غزوة فتح مكة .
стр. 472
-لما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ وشرط لهم أن من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده فيدخل فيه. ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ وعهده.
والسبب في دخول خزاعة في عقد رسول الله ﷺ أن خزاعة كانت حليفة جده عبد المطلب حين تنازع مع عمه نوفل في ساحات وأفنية من السقاية كانت في يد عبد المطلب فأخذها منه نوفل فاستنهض عبد المطلب قومه فلم ينهض معه منهم أحد وقالوا لا ندخل بينك وبين عمك. ثم كتب إلى أخواله بنو النجار فجاء منهم سبعون وقالوا ورب هذه البنية لتردن على ابن أختنا ما أخذت منه وإلا ملأنا منك السيف فرده. ثم حالف نوفل بني أخيه عبد شمس فحالف عبد المطلب خزاعة وكان ﵊ بذلك عارفا ولقد جاءته خزاعة يوم الحديبية بكتاب جده عبد المطلب فقرأه عليه أبيّ بن كعب ﵁ فأقرهم النبي ﷺ على حلفهم.
وقد كان بين بني بكر بن عبد مناف وبين خزاعة حروب وقتلى في الجاهلية وتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام. قال ابن اسحاق فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم بني الأسود بن رزين فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل وهو يومئذ قائدهم وليس كل بني بكر بايعه حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم فأصابوا منهم رجلا وتجاوزوا واقتتلوا ورفدت بني بكر قريش بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً حتى حازوا خزاعة إلى الحرم فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم "الهك. الهك" فقال كلمة عظيمة لا إله له اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري أنكم لتسرفون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه وكان منبه رجلا مفؤدا (ضعيف الفؤاد) خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن أسد. فقال له منبه يا تميم انج بنفسك. فأما أنا فوالله إني لميت قتلوني أو تركوني قد انبتَّ فؤادي وانطلق تميم فأفلت وأ<ركوا منبهاً فقتلوه.
فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له رافع.
قال الواقدي كان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين صفوان بن أمية. وعكرمة بن أبي جهل. وسهيل بن عمرو مع عيرهم وعبيدهم.
وذكر غيره حويطب بن عبد العزى. وشيبة بن عثمان وكل هؤلاء أسلموا بعد ذلك.
وكان جملة من قتل من خزاعة عشرين أو ثلاثة وعشرين.
فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة وكانوا في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
يا رب إني ناشد محمداً ... حِلفَ أبينا وأبيه الأتلدَا
قد كنتم ولداً وكنا والداً ... ثمت أسلمنا فلم تنزع يدا
فانصر هداك الله نصر اعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا ... أن سيم خَسفاً وجهه ترَبدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا ... وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هُجداً ... وقتلوانا ركعاً وسجدا
فقال رسول الله ﷺ نصرت يا عمرو بن سالم. وفي رواية فقام ﷺ وهو يجر رداءه ويقول: لانصرت إن لم أنصركم بنا أنصر به نفسي. وفي رواية. قال والذي نفسي بيده لأمنعنهم مما أمنع به نفسي وأهل بيتي. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت رأيت رسول الله ﷺ غضب مما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان. ثم قال ﷺ لعمرو بن سالم وأصحابه بعد أن علم منهم حقيقة ما حدث ارجعوا وتفرقوا في الأودية فرجعوا وتفرقوا وكان عددهم نحو أربعين راكبا من خزاعة وقصد رسول الله بتفرقهم إخفاء مجيئهم.
وخرج بُدَيلُ بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة فأخبروه بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ولكن لم يبلغنا ماذا قال وفد بديل وبماذا أجابهم رسول الله.
وقد كان رسول الله ﷺ قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد ويزيد في المدة. ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه فلقوا أبا سفيان بعسفان قد رعثته قريش إلى رسول الله ليشدد العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا الذي صنعوا. فلما لقى أبو سفيان بديلا. قال من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه أتى رسول الله، قال سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال أو ما أتيت محمدا؟ قال لا. قال فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى (وهذا من فراسة العرب) فقال أحلف باللذه لقد جاء بديل محمداً ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان (زوج رسول الله) فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه. فقال يا بنية والله ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني؟ قالت بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله. قال واللذه لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا. ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله. فقال ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم إلى رسول الله فوالله لو لم آخذ إلا الذرّ لجاهدتكم. ثم خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب ﵁ وعنده فاطمة ابنة رسول الله وعندها الحسن بن عليّ غلام يَدبِ بين يديها فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحماً وأقربهم مني قرابة وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً. اشفع لنا إلى رسول الله. قال ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بُنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير على رسول الله أحد. قال يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحني. فقال له والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال أوترى ذلك مغنياً عني شيئا؟ قال لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد. فقال:
"أيها الناس إني أجرت بين الناس" ثم ركب بعيره وانطلق (١)
اراد أبو سفيان من ذهابه إلى المدينة أن يشدد العقد ويزيد في المدة ولكن النبي ﷺ أعرض عنه ولم يجبه بشئ ووجد من أبي بكر وعمر وعلي وفاطمة ﵃ كل إعراض ولم يعده أحد منهم بشيء حتى يأس ورجع بخفي حنين لكنه على كل حال كان يعلم أن رسول الله قد عزم على أمر إزاء ما كان من تعدي بني بكر ومساعدة نفر من قريش لهم في هذا التعدي لأن ذلك نقض للعهد.
أما ما تخيله بعض المستشرقين من أن أبا سفيان اتفق مع رسول الله على أنه إذا دخل مكة اجتنب سفك الدماء وأن أبا سفيان يقوم من جانبه بمنع أهل مكة من المقاومة فهذا لا أساس له، وليس في السير شيء يدل على هذا الإتفاق.
وقد قالوا أيضا أن رسول الله كان ينتظر أي فرصة تسنح لفتح مكة فلما وقع الإعتداء على خزاعة تظاهر بالغضب ووعد بأخذ الثأر والإنتصار لهم. والحقيقة اعتداء بني بكر نقض صريح للعهد وكيف لا يغضب وقد قتل من خزاعة وهم حلفاؤه أكثر من عشرين نفراً ولقد لجأوا إليه وناشدوه أن يدفع عنهم هذا الإعتداء!
والدليل على أن أبا سفيان عاد من غير أن يحظى بأي إتفاق أنه لما قدم على قريش قالوا ما وراءك؟ قال جئت محمداً فكلمته فوالله ما ردّ علّشيئا. ثم جئت ابن ابي قحافة (أبا بكر) فلم أجد عند خيراً. ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم. ثم جئت عليّ بن أبي طالب فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغنيني شيئا أم لا؟ قال وبماذا أمرك؟ قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قال فهل أجاز ذلك محمد؟ قال لا. قالوا ويلك والله أن زاد علي أن لعب بك. فما يغني عنا ما قلت. قال لا والله ما وجدت غير ذلك.
غير أن ريشاً لما طالت غيبة أبي سفيان اتهمته أشد التهمة وقالوا قد صبأ واتبع محمداً وكتم إسلامه. ولكنه لم يصبأ ولم يتبع رسول الله ﷺ إنما طالت غيبته بسبب أنه أكثر من الإلتجاء والتحدث إلى أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ليشفعوا له إلى رسول الله ﷺ . فلما طال انتظاره وأيس منهم عاد إلى مكة من غير أن ينال طائلا.
ثم أن رسول الله ﷺ تجهز وما أعلم أحداً وكان يقول: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فلتة" وأمر جماعة أن تقيم بالأنقاب وكان عمر ﵁ يطوف على الأنقاب فيقول لا تدعوا أحداً يمر بكم تنكروه إلا رددتموه. وقيل أمر بالطرق فحبست فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر.
стр. 473
كتاب حاطب إلى مكة .
стр. 474
-كتب حاطب بن أبي بلتعة البدري حليف بني أسد كتابا إلى مكة يخبرهم بمسير النبي ﷺ وأرسله مع امرأة (١) استأجرها بعشرة دنانير وقال لها أخفيه ما استطعت ولا تمري على الطريق فإن عليه حراساً. فجعلت الكتاب في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليّ ابن أبي طالب والزبير بن العوام فقال ادركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم (وقد كان حاطب رسول رسول الله إلى المقوقس سنة ست) .
فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليفة بني أبي أحمد فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها عليّ بن أبي طالب إني أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه قالت أعرض.
فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه فأتى به رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال يا حاطب ما حملك على على هذا؟ فقال يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني أضرب عنقه فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم: فأنزل الله في حاطب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله وإليك أنبنا إلى آخر القصة وقد جاء في كتابه ما يأتي:
"من حاطب بن أبي بلتعة إلى سهيل بن عمرو ومكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية. أما بعد يا معشر قريش فإن رسول الله ﷺ جاءكم بجيش عظيم يسير كالسيل فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده فأنظروا لأنفسكم والسلام".
وفي رواية أن لفظ الكتاب:
"إن رسول الله ﷺ أذن في الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم وقد أحببت أن تكون لي عندكم يد".
وعلى كل حال فإن في إرسال هذا الكتاب لقريش إفشاء لسر أمر رسول الله ﷺ بكتمه ولولا أن حاطبا كان من المجاهدين في غزوة بدر لعاقبه رسول الله ﷺ ألا ترى أن عمر كان يريد ضرب عنقه. وقيل أن عمر ﵁ قال قاتلك الله ترى رسول الله ﷺ يأخذ بالأنقاب وتكتب إلى قريش!
ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة أبا رُهمْ كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري (٢) وخرج لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان (أول يناير سنة ٦٣٠ م) فصام رسول الله ﷺ وصام الناس معه حتى إذا كان بالكَدِيدِ ما بين (عُسفان وأمج) أفطر رسول الله ﷺ ثم مضى حتى نزل مرّ الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين وكان قد بعث إلى من حوله من العرب وطلب حضورهم: أسلم. وغِفار. وأشجع. وسليم. وبعث رسلا في كل ناحية. وقيل أن العشرة آلاف خرج بهم من نفس المدينة ثم تلاحق به ألفان.
وكان عدد جيش المسلمين كما جاء في السيرة الحلبية هو:
стр. 475
٧٠٠ مهاجرون ومعهم ٣٠٠ فرس
стр. 476
٤٠٠٠ من الأنصار ومعهم ٥٠٠ فرس
стр. 477
١٠٠٠ من مزينة ومعها ١٠٠ فرس
стр. 478
٤٠٠ من أسلم ومعها ٣٠ فرسا
стр. 479
٣٠٠ من جهينة ومعها ٥٠ فرسا
стр. 480
٦٤٠٠ ٩٨٠
لكن هذا العدد أقل من المشهور بكثير بل هو أقل ممن خرج من المدينة وحدها وكان معه ﷺ من زوجاته أم سلمة وميمونة ﵄. وكان حروجه بعد العصر. ولم يزل رسول الله مفطرا رفقا بالمسلمين حتى انسلخ الشهر لأنه وإن قدم مكة قبل تمام الشهر لكنه كان في أهبة القتال وقد عُمِّيَت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ولا يدرون ما هو فاعل. وخرج في تلك الليلة أبو سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الخبر عن رسول الله ﷺ قال العباس وكان قد خرج من مكة سمعت أبا سفيان وهو يقول "والله ما رأيت كاليوم قط نيرانا. فقال بديل هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان خزاعة ألام من ذلك وأذل. قال العباس فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة "يعني أبا سفيان" فقال أبو الفضل (العباس) فقلت نعم. فقال لبيك فداك أبي وأمي فما وراءك؟ فقلت هذا رسول الله ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة الآف من المسلمين قال فما تأمرني؟ فقلت تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول الله ﷺ نحو رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إليَّ قالوا عم رسول الله على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال لأبي سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم أشتد نحو النبي ﷺ وركضت البغلة وقد أردفت أبا سفيان حتى اقتحمت على باب القبة وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ فدخل عمر على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه. فقلت يا رسول الله إني قد أجرته (٣) ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه فقلت والله لا ينجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. فقال مهلا يا عباس فوالله لاسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله ﷺ اذهب فقد أمّناه حتى تغدو به عليّ بالغداة فرجع به إلى منزله فلما أصبح غدا به على رسول الله ﷺ فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! واللذه لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا. فقال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال بأبي أنت وأمي ما أوصلك وما أحلمك وما أكرمك! أما هذه ففي النفس منها شيء. فقال العباس فقلت له ويلك تشهد شهادة الحق قبل والله ان تضرب عنقك. قال فتشهد. فقال رسول الله ﷺ للعباس حين تشهد أبو سفيان إنصرف يا عباس فاحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله. فقلت له يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال نعم "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ومن دخلا لمسجد فهو آمن. ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" فخرجت حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي فمرت عليه القبائل فيقول من هؤلاء يا عباس؟ فأقول سليم فيقول مالي ولسليم فتمر به قبيلة فيقول من هؤلاء؟ فيقول أسلم فيقول مالي ولأسلم وتمر جهينة فيقول مالي ولجهينة حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق فقال من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار، فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقلت ويحك أنها النبوة. فقال نعم إذن فقلت ألحق الآن بقومك فحذرهم فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد: (يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به) قالوا فمه. فقال (من دخل داري فهو آمن) قالوا ويحك وما تغني عنا دارك. فقال: (ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) . كذا في رواية ابن اسحاق. وذكر موسى بن عقبة وغيره أن العباس قال قلت يا رسول الله أبو سفيان وحكيم وبديل قد أجرتهم وهم يدخلون عليك قال أدخلهم فدخلوا عليه فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم فدعاهم إلى الإسلام وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأ، هـ رسول الله فشهد بديل وحكيم وقال أبو سفيان ما أ'لم ذلك والله إن في النفس من هذا شيئا فأرجئها وفي رواية قال له ﷺ يا أبا سفيان اسلم تسلم. قال كيف أصنع بالات والعزى فقال له عمر اخرأ عليهما. وكان عمر ﵁ خارج القبة ثم قال عمر أما والله لو كنت خارج القبة ما قلتها. فقال أبو سفيان ويحك يا عمر إنك رجل فاحش. دعني مع ابن عمي فإياه أكلم الخ ...
وكان ممن لقيه ﷺ في الطريق أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عمه ﷺ وأخوه من الرضاع من حليمة السعدية وكان مع أبي سفيان ولده جعفر وعبد الله ابن أمية المخزومي ابن عمته ﷺ عاتكة بنت عبد المطلب وهو أخو أم سلمة زوج النبي ﷺ لأبيها لأن أمها عاتكة بنت عامر بن قيس.
يقال إن الذين كانوا يشبهون النبي ﷺ :
جعفر بن أبي طالب والحسن بن علي وقثم بن العباس وأبو سفيان ابن الحارث.
وكان أبو سفيان بن الحارث من الشعراء المطبوعين وكان سبق له هجاء رسول الله ﷺ وإياه عارض حسان بن ثابت بقوله:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمداً فأحببت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
وكان لقاء أبي سفيان ومن معه النبي ﷺ بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة. فالتمسا الدخول على رسول الله ﷺ فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال (يعني قوله له: والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلما إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله أرسلك) .
فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بُنَى له فقال والله ليأذنَنَّ لي أو لآخذن بيد بُنَيّ هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ رق لهما ثم أذن لهما فأسلما وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيلُ اللات خيلَ محمد
لكا لمدلج الحيران أظلم ليلُه ... فهذا أواني حين أهدي وأهتدي
وهاد هداني غير نفسي ودلني (٤) ... على الله من طَرّدتُ كل مطرّد
أصُدّ وأنأى جاهداً عن محمد ... واُدعى ولو لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهُم ... وإن كان ذا رأي يُلمْ ويُفنّد
أريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها ... وقل لتثقيف تلك عيري أوْ عدي
وما كنت في الجيش الذي نال عامرا ... وما كان عن جَرّى لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سُهام وسُرْدد
قال ابن اسحاق فزعموا أنه حين أنشد رسول الله ﷺ قوله ونالني مع الله من طردت كل مطرد. ضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "أنت طردتني كل كطرد" وقال عليّ ﵁ لأبي سفيان بن الحارث عند اذنه ﷺ له في الدخول عليه ائت من قبل وجهه فقال له ما قال اخوة يوسف: "تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين" فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان فقال له ﷺ ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ .
стр. 481
عقد الألوية والرايات
стр. 482
-عقد رسول الله ﷺ الألوية والرايات بقديد ودفعها للقبائل كما يأتي:
أعطي لبني سليم لواء وراية. ولبني غفار راية. ولأسلم لواءين. ولبني كعب راية. ولمزينة ثلاثة ألوية. ولجهينة أربعة ألوية. ولجماعة أسلموا من بني بكر لواء. ولأشجع لواءين.
стр. 483
نيران جيش المسلمين .
стр. 484
-لما نزل ﷺ مرّ الظهران أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار لتراها قريش أو لتسمع بها فترعب من كثرتها.
قال الواقدي خرج رسول الله ﷺ إلى مكة فقائل يقول يريد قريشا وقائل يقول يريد هوازن وقائل يقول يريد ثقيفاً.
ثم دعا رسول الله ﷺ أن تعمى عليهم الأخبار واستجاب الله لرسوله ﷺ فأخذ العيون والأخبار عن أهل مكة ولم يبلغهم مسيره وهم مغتمون محزونون خائفون.
وقد كان زحف الجيش سريعاً جدا فإنه وصل إلى مر الظهران وهي على مرحلة من مكة في اليوم السابع أو الثامن.
ولما رأى أبو سفيان بن حرب كثرة النيران قال ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكرا.
أمر رسول الله ﷺ كل قبيلة أن تكون عند راية صاحبها وتظهر ما معها من القوة والعدة فأصبح الناس على ظهر وقدم بين يديه الكتائب ومرت القبائل على قادتها والكتائب على راياتها فجعلت القبائل كتيبة كتيبة (وفي أثناء مرور الجيش كان أبو سفيان ينظر إليهم) فأول من قدم خالد بن الوليد ﵁ في بني سليم ثم مر على أثره الزبير بن العوام ثم مرت كتيبة بني غفار وكان يحمل رايتهم أبو ذر وهكذا إلى أن مر الجيش بأسره كما تقدم غير أنه لما حاذى سعد بن عبادة أبا سفيان قال "يا أباسفيان اليوم الملحمة. اليوم تستحل الكعبة" فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار (١) وسمع مقالة سعد بن عبادة أحد الصحابة فقال يا رسول الله ما نأمن أن تكون لسعد صولة في قريش. فقال لعلي ﵁ أدركه فخذ الراية منه ثم أمره أن يسلمها لأبنه قيس بن سعد بن عبادة لأنه ﷺ خشي تغير خاطر سعد فأمر بدفعها لأبنه.
وأمر رسول الله ﷺ أن تركز رايته بالحجون. قال الحلبي في السيرة "وفي ذلك المحل بنى مسجد يقال له مسجد الراية". ودخل ﷺ من الثنية العليل وأمر خالد بن الوليد ومن معه أن يدخلوا من الثنية السفلى.
روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته القصواء مردفا أسامة بن زيد ﵄ خلفه (٢) ودخل واضعا رأسه الشريف على راحلته تواضعا لله تعالى حين رأى ذلك الفتح العظيم وكثرة المسلمين وهو يقول "اللهم إن العيش عيش الآخرة"وكان لواؤه ﷺ يوم دخل مكة أبيضورايته سوداء تسمى العقاب وكانت من برد لعائشة ﵂.
وقد أمر رسول الله رؤساء الجيش أن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم. فاندفع خالد بن الوليد ﵁ حتى دخل من أسفل مكة وقد تجمع بها ناس من بني بكر وبني الحارث بن عبد مناف وناس من هذيل الذين استنصرت بهم قريش فقاتلوا خالدا ومنعوه من الدخول وشهروا السلاح ورموه بالنبل وقالوا لا تدخلها عنوة فصاح خالد في اصحابه فقاتلهم فانهزموا شر انهزام وقتل من بني بكر نحو ٢٤ رجلا ومن هذيل أربعة حتى انتهى بهم القتال إلى الحَزوَرَة وكانت سوقا بمكة (٣) ثم دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال هربا وتبعهم المسلمون فصاح حكيم بن حزام وأبو سفيان "يا معشر قيش علام تقتلون أنفسكم من دخل داري فهو آمن ومن وضع السلاح فهو آمن" فجعلوا يقتحمون الدور ويغلقون أبوابها ويطرحون السلاح في الطرق فيأخذه المسلمون. وقتل من المسلمين رجلان أخطآ الطريق أحدهما كرز بن جابر الفهري والآخر الأشقر الخزاعي. قال موسى بن عقبة قال رسول الله ﷺ بع أن اطمأن لخالد ﵁: قاتلت وقد نهيتك عن القتال فقال هم بدأونا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت فقال ﷺ قضاء الله خير.
وكان دخوله ﷺ لعشر بقين من رمضان (يناير سنة ٦٣٠ م) ومعه ﷺ زوجتاه أم سلمة وميمونة ﵄ وأم سلمة هي بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي واسمها هند وأما ميمونة فهي بنت الحارث وهي خالة خالد بن الوليد.
стр. 485
المحكوم عليهم بالقتل .
стр. 486
-وقد استثنى رسول الله ﷺ أناسا من الدخول في الأمان وأمر بقتلهم وهو خمسة عشر ما بين رجل وامرأة وهذه أسماؤهم:
-١- عبد الله بن أبي سرح بن الحارث العامري.
-٢- عبد الله بن خطل.
-٣- عكرمة بن أبي جهل.
-٤- الحويرث بن نُقيد.
-٥- مِقْيس بن صبابة.
-٦- هبار بن الأسود بن المطلب.
-٧- كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني.
-٨- الحارث بن هشام المخزومي وهو أخو أبي جهل لأبويه.
-٩- زهير بن أبي أمية المخزومي أخو أم سلمة.
-١٠- صفوان بن أمية بن خلف الجمحي.
-١١- وحشي بن حرب قاتل حمزة.
هؤلاء هم الرجال، وأما النساء فهن:
-١٢- ١٣- قينتان كانتا عند عبد الله بن خطل تغنيان بهجاء النبي ﷺ والمسلمين.
-١٤- سارة مولاة لبني المطلب بن عبد مناف.
-١٥- هند بنت عتبة زوج أبي سفيان أم معاوية.
وأكثر هؤلاء أسلموا. وفيما يلي نذكر سبب إهدار دمهم.
أما عبد الله بن سرح فإنه كان أسلم ثم ارتد ولحق بمكة وصار يتكلم بكلام قبيح في حق النبي ﷺ فأهدر دمه ﷺ يوم الفتح. فلما علم بإهدار دمه لجأ إلى عثمان بن عفان ﵁ وكان أخا له من الرضاع فقال يا أخي استأمن لي رسول الله ﷺ قبل أن يضرب عنقي. فغيبه عثمان ﵁ حتى هدأ الناس واطمأنوا ثم أتى به إلى رسول الله ﷺ وصار يقول عثمان يا رسول الله أمّنته فبايعه والنبي ﷺ يعرض عنه مرارا. ثم قال نعم فبسط يده فبايعه وأسلم وحسن إسلامه.
وأخطأ الأستاذ در منجم في كتابه حياة محمد فقال إن اسمه عبد الله بن سعد والصواب ما ذكرنا.
عبد الله بن خطل: فإنه كان ممن قدم المدينة قبل الفتح وأسلم وكان اسمه "عبد العزى" فسماه النبي ﷺ (عبد الله) وبعثه لأخذ الصدقة وأرسل معه رجلا
من الأنصار يخدمه وكان مسلما فنزل منزلا وأمر أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاماً ونام ثم استيقظ فلم يجده صنع له شيئا وهو نائم فعدا عليه ف. قتله
ثم ارتد مشركا وكان شاعراً فجعل يهجو النبي ﷺ في شعره. وكان له قينتان تغنيانه بهجاء رسول الله ﷺ فلما كان يوم فتح مكة ركب فرسه ولبس درعه وأخذ بيده قناة وصار يقسم لا يدخلها محمد عنوة فلما رأى خيل المسلمين خاف وذهب إلى الكعبة وألقى سلاحه وتعلق باستارها فوجده رسول الله عند طوافه وهو بهذه الحال فقال اقتلوه فإن الكعبة لا تعيذ عاصيا ولا تمنع من إقامة حد واجب. فقتل واختلف فيمن قتله. فأما القينتان واسمهما فرتنا وقريبة فقتلت قريبة واستؤمن رسول الله لفرتنا فأمنها فأسلمت وعاشت إلى خلافة عثمان.
عكرمة بن أبي جهل: أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه من أشد الناس على رسول الله ﷺ وكان من أشد الناس على المسلمين ولما بلغه أن النبي ﷺ أهدر دمه هرب ليلقى نفسه في بئر أو يموت تائها في البلاد أو كما نقول الآن: هرب لينتحر غرقا أو جوعا. وكانت امرأته أم حكيم ﵂ بنت عمه الحارث بن هشام ﵁. أسلمت قبله فاستأمنت له رسول الله ﷺ فأمنه فقال هو آمن فخرجت في طلبه فأدركته فرجع معها وأسلم أمام رسول الله ﷺ وكان بعد ذلك من فضلاء الصحابة. وخالد بن الوليد ابن عمه.
الحويرث بن نقيد: أهدر دمه رسول الله ﷺ لأنه كان يعظم القول فيه ﷺ وينشد الهجاء فيه ويكثر أذاه وهو بمكة وكان قد شارك هبار بن الأسود في نخس جمل زينب بنت رسول الله ﷺ لما هاجرت من مكة. قتله عليّ ﵁.
مقيس بن صبابة: كان قد أسلم ثم أتى على أنصارى فقتله وكان الأنصارى قتل أخاه هشام بن صبابة خطأ في غزوة "ذي قرد" ظنه من العدو فجاء مقيس فأخذ الدية ثم قتل الأنصارى ثم ارتد ورجع إلى قريش فأهدر رسول الله دمه فقتله نُمَيْلَةُ بن عبد الله الليثي رجل من قومه.
هبار بن الأسود: كان شديد الأذى للمسلمين وكان عرض لزينب ﵂ بنت رسول الله ﷺ حين هاجرت فنخس بها الجمل حين سقطت على صخرة وأسقطت جنينها ولم تزل مريضة حتى ماتت واشترك معه في النخس الحويرث بن نقيد الذي مر ذكره. أهدر دم هبار بن الأسود يوم الفتح فهرب واختفى ثم جاء النبي ﷺ واعترف بذنبه وأسلم فعفا عنه ومنع المسلمين من سبه معأنه كان سبباً في وفاة ابنته.
كعب بن زهير: كان شاعراً وكان يهجو النبي ﷺ بشعره وككان يعير أخاه بجيرا لأسلامه فأهدر دمه فلما بلغه أنه ﷺ أمر بقتله خاف وخرج حتى قدم المدينة بعد رجوع النبي ﷺ من فتح مكة وأسلم أمامه وأنشد قصيدته المعروفة التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
وقال فيها:
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول
فلما وصل إلى هذا البيت رمى ﵊ إليه بردة كانت عليه وإن معاوية ﵁ في زمن خلافته بذل له فيها عشرة آلاف درهم فقال ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ الذي أعطانيه أحدا. فلما مات بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم وهي البردة التي كانت عند السلاطين وكان الخلفاء يلبسونها في الأعياد وقيل أنها فقدت في وقعة التتار.
وقد كان كعب بن زهير من فحول الشعراء وكذا أبوه زهير وأخوه بجير وابنه عقبة بن كعب وابن ابنه العوام بن عقبة.
الحارث بن هشام: كان شديداً على النبي ﷺ وعلى المسلمين وابنه عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام.
زهير بن أبي أمية: كان أيضاً شديداً في كفره كالحارث بن هشام فأهدر رسول الله دمهما يوم الفتح فهربا واختبأى في بيت أم هانئ بنت ابي طالب فأجارتهما فأجاز ﷺ جوارها ثم جاءت بهما فاسلما وحسن اسلامهما.
صفوان بن أمية: كان من أشد الناس عداوة وأذية لرسول الله والمسلمين فأهدر رسول الله دمه فاختفى وأراد أن يلقى نفسه في البحر فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي ﵁ وقال: يا نبي الله إن صفوان سيد قومه وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمنه فأنك أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله أدرك بن عمك فهو آمن. فقال أعطني آية يعرف بها أمانك فإني قد طلبت منه العود فقال لا أعود معك إلا أن تأتيني بعلامةأعرفها فأعطاه ﷺ عمامته التي دخل بها مكة فلحقه بها وهو يريد يركب البحر فقال له صفوان اغرب عني لا تكلمني. فقال أي صفوان فداك ابي وأمي جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس وهو ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال إني أخافه على نفسي. قال هو أحلم من ذلك وأكرم وأراه العمامة التي جاء بها فرجع معه حتى وقف على رسول الله. فقال إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال صدق. فقال امهلني بالخيار شهرين. فقال ﷺ أنت بالخيار أربعة اشهر. ولما أراد ﷺ الخروج إلى حرب هوازن استقرض أربعين ألف درهم وطلب منه دروعاً كانت عنده. فقال: أغضباً يا محمد. قال لا ولكن عارية مرجوعة أو مضمونة. ثم خرج مع النبي ﷺ حين خرج لحرب هوازن وهو على شركه فلما قسم رسول الله غنائم هوازن بحنين أعطاه مائة من الإبل ثم مائة ثم مائة ثم رآه ﷺ يرمق شعبا مملوءاً نعماً وشاء. فقال له ﷺ : يعجبك هذا، قال نعم. قال هو لك وما فيه. فقبض صفوان ما في الشعب وقال إن الملوك لا تطيب نفوسها بمثل هذا، ما طابت نفس أحد قط بمثل هذا إلا نبي. اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فأسلم وحسن إسلامه وترك المدة التي كان طلبها.
وحشي بن حرب: أهدر رسول الله ﷺ رمه لأنه قتل حمزة ﵁ فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف ولما خرج وفد الطائف ليسلموا ضاقت عليه المذاهب فخرج حتى قدم على رسول الله وشهد شهادة الحق ثم خرج وحشي مع من خرج لقتال أهل الردة في خلافة أبي بكر فقتل مسيلمة الكذاب بحربته التي قتل بها حمزة ﵁ فكان يقول أرجو أن تكون هذه بتلك أي هذه تكفر تلك.
أما القينتان فقد تقدم ذكرهما وأما سارة مولاة بني المطلب فقد أهدر رسول الله دمها لأنها كانت مغنية بمكة تغني بهجاء النبي ﷺ وقيل هي التي كان معها كتاب حاطب ابن أبي بلتعة (١) وكانت قدمت المدينة تشكو الحاجة وتطلب الصلة فقال لها رسول الله ﷺ ما كان في غنائك ما يغنيك. فقالت أن قريشاً منذ قتل من قتل منهم ببدر تركوا الغناء فوصلها وأوقر بعيراً طعاماً فرجعت إلى مكة وكان ابن خطل يلقى إليها هجاء رسول الله فتغنى به فاختفت عند فتح مكة ثم استؤمن لها رسول الله فجاءته وأسلمت وحسن إسلامها.
هند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبي سفيان وأم ابنة معاوية.
أخدر دمها رسول الله لأنها مثلت بعمه حمزة ﵁ يوم أحد (٢) فلما كان يوم الفتح اختفت في بيت أبي سفيان زوجها ليلة واحدة وكانت هند امرأة ذات أنفة وعقل. حضرت قتال الروم يوم اليرموك مع أبي سفيان وكانت تشجع المسلمين وتحرضهم على القتال مع بقية النسوة اللاتي كن معها.
من هذا يتبين أن عدد الذين قتلوا ممن أهدر دمهم رسول الله ثلاثة رجال وامرأة وأسلم الباقون. قال الأستاذ موير أن الذين قتلوا فعلا هم أربعة فقط. وقد اختفى عتبة ومعتب ابنا أبي لهب ثم اسلما واختفى أيضاً سهيل بن عمرو وكان أبنه مسلما ثم أسلم بالجعرانة (٣) .
وجاء في كتاب ثاريخ الأمم الإسلامية للمرحوم الشيخ محمد الخضري ص ١٨٧ ما يأتي:
"وأمر حين دخوله مكة بقتل أفراد ذوي جرائم خاصة بهم فقتل أكثرهم" وهذا ليس بصحيح فالذين قتلوا هم الأقلون لا الأكثرون. وضربت لرسول الله قبة من أدم بالحجون فمضى الزبير بن العوام برايته حتى ركزها عندها وجاء رسول الله فدخلها فقيل له ألا تنزل منزلك؟ فقال: وهل ترك عقيل لنا منزلا.
الطواف: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الكعبة ومعه المسلمون استلم الركن بمحجنه وكبر فكبر المسلمون لتكبيره ورجعوا التكبير حتى ارتجت مكة تكبيراً حتى جعل يشير إليهم رسول الله أن اسكتوا والمشركون فرق الجبال ينظرون، فطاف بالبيت ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام الناقة سبعا يستلم الحجر الأسود كل طوفة بمحجنه وكان ذلك يوم الاثنين لعشر بقين من رمضان كما تقدم وهو حلال غير حرام. ولما فرغ رسول الله من طوافه نزل عن راحلته ثم انتهى إلى المقام فصلى ركعتين، ثم انصرف إلى زمزم وفقال: لولا أن تغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا فنزع له العباس دلواً فشرب منه وتوضأ والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبونه على وجوهم والمشركون يعجبون ويقولون: ما رأينا ملكاً قط أبلغ من هذا ولا سمعنا به.
стр. 487
دخول الكعبة .
стр. 488
-جلس رسول الله في ناحية المسجد وأبو بكر ﵁ قائم على راسه بالسيف ثم دعا عثمان بن طلحة حاجب الكعبة (١) فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها وصلىركعتين بين العمودين اليمانيين ثم وقف على باب الكعبة وقال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده ونصر عبد وهزم الأحزاب وحده. إلا كل مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت (٢) وسقاية الحاج. ألا وقتل الخطأ مثل العمد السوط والعصا فيهما الدية مغلظة فيها أربعون خَلِفةً (٣) في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ الآية يا معشر قريش ويا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم. قالوا خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم. ثم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فأعتقهم رسول الله ﷺ . وقد كان الله أمكنهم من رقابهم عنوة وكانوا له فيئا فبذلك يسمى أهل مكة "الطلقاء" أما مفتاح الكعبة فقد رده رسول الله إلى عثمان بن طلحة وقال: خذوها يا بني طلحة خالدة لا ينزعها منكم أحد إلا ظالم.
ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب.
стр. 489
البيعة .
стр. 490
-اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله فجلس لهم على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله ﷺ اسفل من مجلسه يأخذ على الناس فبايع رسول الله على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء واجتمع إليه نساء من نساء قريش فيهن هند بنت عتبة منتقبة متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها بحمزة فهي تخاف أن يأخها رسول الله بحدثها، فلما دنون منه يبايعنه قال رسول الله ﷺ تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا. فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أكراً تأخذه على الرجال وسنؤتيكه. قال: ولا تسرقن. قالت والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة وما أدري أكان ذلك حلالا أم حرام. فقال أبو سفيان وكان شاهداً لما تقول أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله وإنك لهند بنت عتبة. فقالت أنا هند بنت عتبة فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال ولا تزنين. قالت يا رسول الله هل تزني الحرة؟ قال ولا تقتلن أولادكن. قالت قد ربيناهم صغاراً وقتلتهم يوم بدر كباراً فأنت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى استغرب. ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن. قالت والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل. قالولا تعصينني في معروف. قالت ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف. فقال رسول الله لعمر: بايعهن واستغفر لهن رسول الله. وكان رسول الله لا يصافح النساء ولا يمس امرأة ولا تمسه امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه.
هذا وقد ذهب الشافعي وأحمد ﵄ إلى أن رسول الله دخل مكة وملكها صلحاً ويرى أبو حنيفة والأكثرون أنه فتحها عنوة.
стр. 491
هدم الأصنام .
стр. 492
-دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى الكعبة (٣٦٠) صنما لكل حي من أحياء العرب صنم قد شدوا أقدامها بالرصاص. فجاء ﷺ ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم فيخر منها لوجهه وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا". وأمر بكسر هبل (١) وقد أخرجت جميع الأصنام من المسجد واحرقت ومحيت كل صورة بالكعبة وأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في أيديهما الأزلام التي كانوا يستقسمون بها، ونادى منادي رسول الله ﷺ بمكة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره فكسروا الأصنام التي كانت في بيوتهم. ثم بعث رسول الله السرايا لكسر الأصنام التي حول مكة لأنهم كانوا اتخذوا لهم اصناماً جعلوها بيوتا يعظمونها ويهدون لها ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة فكان في كل حي صنم فمنها "العزى ومناة وسواع وبوانة وذو الكفين".
стр. 493
أذان بلال على ظهر الكعبة .
стр. 494
-أمر رسول الله ﷺ بلالا ﵁ أن يؤذن ظهر يوم الفتح على ظهر الكعبة فلم يرق أذان بلال لبعض من سمعه من أهل مكة فمن قائل "والله إن هذا لحدث عظيم. عبد بني جمح يصيح على بنية أبي طلحة! " ولم يقل أبو سفيان شيئا خشية أن يعلم بقوله رسول الله ﷺ حتى من الحصباء وصار بعض من قريش يستهزئون ويحكون صوت بلال غيظا وكان من جملتهم أبو محذورة وكان من أحسنهم صوتا فلما سمعه رسول الله أمره أن يؤذن لأهل مكة وكان سنة ١٦ سنة وتوارث أولاده الأذان بمكة بعده.