-وفي هذه السنة التاسعة في شهر ذي القعدة مات عبد الله بن أبي ابن سلول "راس المنافقين" بعد أن مرض عشرين ليلة.
وحدث أنه لما كان عبد الله مرضا عاده رسول الله فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره. ثم أنه أرسل إلى الرسول ﵊ يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب منه الذي يلي جسده ليكفن فيه فقال عمر ﵁: لم تعطي قميصك الرجس النجس؟ فقال ﵊ إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئا فلعل الله يدخل به الفاً في الإسلام وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله. فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه اسلم منهم يومئذ ألف، فلما مات جاءه ابنه يعرفه فقال ﵊ لابنه صل عليه وادفنه. فقال إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم. فقام ﵊ ليصلي عليه فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه فنزل قوله تعالى:
﴿وَىَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ سورة التوبة.
قال الزجاج كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه.
وفي الصحيح من حديث ابن عباس ﵁: فصلى عليه ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت (أي الآية السابقة) ولم يأخذ رسول الله بقول عمر ﵁ جريا على الظاهر حكم الإسلام واستصحاباً لظاهر الحكم ولا كرام ولده الذي تحقق صلاحه واستئلافاً لقومه.
стр. 562
حجة أبي بكر الصديق .
стр. 563
-بعث رسول الله في السنة التاسعة في شهر ذي الحجة (مارس سنة ٦٣١ م) أبا بكر الصديق يحج بالناس فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه بعشرين بدنة قلدها وأشعرها بيده الشريفة وساق أبو بكر ﵁ خمس بدنات ثم تبعه عليّ ﵁ على ناقة رسول الله "القصواء" فقال له أبو بكر استعملك رسول الله ﷺ على الحج. قال لا ولكن بعثني أقرأ براءة على الناس وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده وكان العهد بين رسول الله وبين المشركين عاما وخاصاً. فالعام أن لا يصد أحد عن البيت إذا جاءه ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم. والخاص بين رسول الله وبين قبائل العرب إلى آجال مسماة وكانت عادة العرب أن لا ينبذ العهد إلا من كان قريباً ممن اراد النبذ. فلذلك بعث رسول الله ﷺ علياً ﵁ ولم يكتف بأبي بكر ﵁ فحج بالناس. قرأ عليّ بن أبي طالب براءة (١) على الناس يوم النحر عند الجمرة ونبذ إلى كل ذي عهد عهده. وقال لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ثم رجعا قافلين إلى المدينة. وقد كان عليّ ﵁ يصلي خلف أبي بكر إلى أن رجع إلى المدينة.
стр. 564
سرية خالد بن الوليد إلى بني حارث بن كعب بنجران .
стр. 565
-بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الأول سنة عشر (يونية سنة ٦٣١ م) سرية في اربعمائة إلى بني الحارث بن كعب بنجران (١) وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا لك فاقبل منهم وأقم فيهم وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه ومعالم الإسلام فإن لم يفعلوا فقاتلهم. وكان أهل نجران على شريعة عيسى ﵇ فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون الناس إلى الإسلام ويقولون: يا أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعاهم إليه. فأقام خالد فيهم يعلمهم اإسلام وكتاب الله وسنة نبيه. ثم كتب خالد إلى رسول الله ﷺ :
"بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد. السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن أدعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم. وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة ايام كما أمرني رسول الله ﷺ وبعثت فيهم ركبانا. يا بني الحارث اسلموا تسلموا فأسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم وآمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهانا الله عنه وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي ﷺ حتى يكتب إليّ رسول الله والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته" وهذا الكتاب شرح فيه خالد مهمته وأنه قام بها كما أمر. فكتب إليه رسول الله ﷺ :
"بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد. سلام عليك. فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن كتابك جاءني مع رسلك بنجران بني الحارث قد أسلموا قبل أن يقاتلوا وأ>ابوا ما دعوتهم إليه من الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن قد هداهد الله بهذا فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
فاقبل خالد بن الوليد إلى رسول الله وأقبل وفد بني الحارث بن كعب فيهم قيس بن الحصين بن يزيد بن قنان ذو الغصة. ويزيد بن عبد المدان. ويزيد بن المحجّل. وعبد الله بن قريظ الزيادي. وشداد بن عبد الله القباني. وعمرو بن عبد الله الضّبابي. فلما قدموا على رسول الله فرآهم قال من هؤلاء القوم كأنهم رجال الهند؟ قيل يا رسول الله هؤلاء بنو الحارث بن كعب. فلما وقفوا عند رسول الله سلموا عليه. فقالوا نشهد أنك رسول الله وأن لا إله إلا الله. فقال رسول الله: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله ثم قال رسول الله أنتم الذين إذا زجروا استقدموا. فلم يراجعه منهم أحد. ثم أعادها رسول الله الثانية والثالثة والرابعة فقال يزيد بن عبد المدان نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجرنا استقدمنا. فقالها أربع مرات. فقال رسول الله: لو أن خالد بن الوليد لم يكتب إليّ فيكم أنكم أسلمتم ولم تقتلوا لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم. فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله يا رسول الله ما حمدناك ولا حمدنا خالداً. فقال فمن حمدتم؟ قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك. قال صدقتم. ثم قال رسول الله بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا لم نكن نغلب أحداً. فقال رسول الله بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم. قالوا يا رسول الله: كنا نغلب من قاتلنا إنا كنا بني عبيد وكنا نجتمع ولا نتفرق. ولا نبدأ أحداً بظلم. قال صدقتم. ثم امّر رسول الله على الحارث بن كعب قيس بن الحصين فرجع وفد الحارث بن كعب إلى قومهم ولم يمكثوا بعد أن قدموا إلى قومهم إلا أربعة أشعر حتى توفي رسول الله.
стр. 566
وفاة إبراهيم .
стр. 567
-توفي إبراهيم ابن رسول الله في شهر ربيع الأول سنة عشر (يونية ٦٣١ م) .
دخل رسول الله ﷺ وهو معتمد على عبد الرحمن بن عوف وإبراهيم يجود بنفسه، فلما مات دمعت عينا رسول الله وقال له عبد الرحمن أي رسول الله هذا الذي تنهى الناس عنه متى يرك المسلمون تبكي يبكوا. فلما سريت عنه عبرته قال إنما هذا رحمة وإن من لا يرحم لا يُرحم إنما ننهى الناس عن النياحة وأن يتدب الرجل بما ليس فيه. ثم قال لولا أنه وعد جامع وسبيل مئتاء وأن آخرنا لاحق بأولنا لوجدنا عليه وجداً غير هذا وأنا عليه لمحزون تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وفضل رضاعة في الجنة. وأمر النبي ﷺ بدفن إبراهيم في البقيع (١) . وصلى عليه ﷺ وكبر أربعا وقد أجمع جماهير العلماء على الصلاة على الأطفال إذا استهلوا ولما دفن أمر برش قربة ماء على قبره. ولما سوى جدثه كان رسول الله ﷺ رأى كالحجر في جانب الجدث فجعل رسول الله ﷺ يسوي بإصبعه ويقول "إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه فإنه مما يسلي بنفس المصاب".
وانكسفت الشمس يوم مات إبراهيم فأذاع الناس أن الشمس كسفت حزنا على موت إبراهيم فقال رسول الله ﷺ "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ولا ينكسفان لموت أحد". قال ذلك لأن الناس لما شاهدوا الكسوف قالوا انكسفت الشمس لموت إبراهيم ولو كان النبي مخادعاً أو كاذباً لاستغل هذه الفرصة السانحة وأذاع في طول البلاد وعرضها أن الشمس انكسفت لوفاة ابنه وأن هذه إحدى معجزات النبوة لكنه أبى إلا الصدق وأذاع الحقيقة.
قال مسيو در منجم في كتابه حياة محمد (فصل ٢١) بمناسبة هذا الحادث: "إن محمدا كان واسع العقل فرد على هذه الخرافة الجميلة بقوله (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد) وهذه كلمات لا يقولها مخادع".
وهذا ما قلناه لأن المخادع يتعلق بالأوهام ويسارع إلى انتهاز مثل هذه الفرص ولكن النبي كان صادقا في أقواله. صادقاً في أفعاله. لا يستند إلى الأكاذيب في رفع شأنه.
стр. 568
بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن .
стр. 569
-بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن في شهر رمضان سنة عشر (ديسمبر سنة ٦٣١ م) فخرج عليّ في ٣٠٠ فارس فلما انتهى إلى تلك الناحية فرق أصحابه فأتوا بنهب: غنائم ونساء وأطفال وكانت الغنائم نعما وشاء ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا المسلمين بالنبل والحجارة وخرج منهم رجل من مذحج يدعو إلى المبارزة فبرز إليه الأسود بن خزاعي فقتله الأسود وأخذ سلبه ثم صف عليّ ﵁ أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان فقتل منهم نحو عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا فكف عن طلبهم قليلا ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام وجمع عليّ الغنائم فجزأها خمسة أجزاء فكتب على سهم منها لله وأقرع عليها فخرج أو السهام الخمس وقسم على أصحابه بقية المغنم ثم قفل عليّ ﵁ فوافى النبي بمكة قد قدمها للحج سنة عشر وكان ذلك في الربيع.
ملحوظة: كان رسول الله ﷺ بعث عليا ﵁ إلى اليمن سنة ثمان وهو أول بعث له إلى اليمن بعد فتح مكة وبعثه إلى همدان جميعاً فكتب عليّ إلى رسول الله بإسلامهم فلما قرئ الكتاب خرّ ساجداً ثم رفع راسه وقال السلام على همدان. أما البعث الثاني فكان رمضان سنة عشر إلى مذحج.
стр. 570
حجة الوداع .
стр. 571
-في شهر ذي الحجة سنة عشر من الهجرة (مارس سنة ٦٣٢ م) حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وسميت بذلك لأنه ودع الناس فيها. وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت خرج رسول الله ﷺ إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة فلما كان بسرف أمر الناس أن يحلوا بعمرة إلا من ساق الهدي وكان رسول الله قد ساق الهدي وناس معه. قال ابن اسحاق ثم مضى رسول الله ﷺ على حجة فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بيّن فيها ما بيّن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
"أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً. أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت فمن كانت عنجه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا رباً وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وأن أول دمائكم أضع دم عامر بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطلب وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً ولكنه أن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أ'مالكم فاحذروه على دينكم. ايها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله وأن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض (١) وأن عدة الشهور عند الله إثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. ثلاثة متوالية ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. أما بعد أيها الناس فإن لكم في نسائكم حقا ولهن عليكم حقا لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكن أحداً تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت وقد تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً. أمرا بيناً. كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسم أخ للمسلم وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم. اللهم هل بلغت فذكر لي أن الناس قالوا اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم اشهد" اهـ. وكان الذي يبلغ عنه بعرفة ربيعة بن أمية ابن خلف لكثرة الناس وقد تنبا رسول الله في هذه الخطبة بأن أجله قد قرب وأنه لا يحج بعد هذه المرة لقوله في أولها "فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ابداً" وأوصى الناس بالنساء خيراً ومنع الرجال من معاملتهن بالظلم وحضهم على معاشرتهن بالمعروف وكما أن للرجال حقا عليهن فكذلك للنساء حقا عليهم وهذا من غير شك رفع لشأنهن فلم تعد المرأة كمية مهملة أو مهضومة الحقوق بعد أن عني الرسول بها في خطبته. فليفهم ذلك المسلمون في جميع أنحاء الأرض وليعملوا بنصح الرسول.
وتسمى هذه الحجة أيضا حجة التمام والكمال لنزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً﴾ ورسول الله ﷺ واقف بعرفة ولم يحج رسول الله بعد أن هاجر غير هذه الحجة. ولم يترك الحج وهو بمكة قط لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف. قال ابن الأثير في النهاية: كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر.
واستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي وقيل سباع بن عرفطة الغفاري. وكان نساؤه كلهن معه. وكان دخوله مكة صبح الرابع من ذي الحجة يوم الأحد.
يقول مستر موير "الراجح أن النبي خرج من المدينة يوم السبت ٢٥ القعدة (٢٣ فبراير سنة ٦٣٢ م) وبلغ سرف (٢) مساء الأحد في اليوم العاشر ودخل مكة يوم الثلاثاء".
وخرج معه ﷺ ٩٠.٠٠٠ ويقال أكثر من ذلك. وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك طبعاً لانضمام أهل مكة غليهم والذين أتو من اليمن مسلمين.
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن نجيح أن رسول الله ﷺ حين وقف بعرفة قال هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة (٣) هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال هذا المنحر وكل منى منحر فقضى رسول الله ﷺ الحج وقد اراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم من الموقف ورمي الجمار وطواف البيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهم. ثم عاد رسول الله إلى المدينة.
стр. 572
بعث اسامة بن زيد إلى فلسطين .
стр. 573
-قفل رسول الله فأقام في المدينة بقية ذي الحجة وصفر وضرب على الناس بعثا إلى الشام أمرّ عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والدوارم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع أسامة ين زيد المهاجرون الأولون.
стр. 574
عدد الغزوات والبعوث
стр. 575
-كان جميع ما غزا رسول الله بنفسه بناء على ما ذكره ابن اسحاق ٢٧ غزوة وبعوثه وسراياه ٣٨. قال الطبري وكانت غزواته بنفسه سنا وعشرين غزوة ويقول بعضهم سبعا وعشرون غزوة فمن قال هي ست وعشرين جعل غزوة النبي ﷺ من خيبر إلى وادي القرى غزوة واحدة لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ من أمرها إلى منزله ولكنه مضى منها إلى وادي القرى فجعل ذلك غزوة واحدة. ومن قال هي سبع وعشرون غزوة وجعل غزوة خيبر غزوة. وغزوة وادي القرى غزوة أخرى فيجعل العدد سبعاً وعشرين.
стр. 576
الوفود .
стр. 577
-وفدت على رسول الله وفود كثيرة نذكرها هنا مع الأختصار فقد وفد عليه وفد هوازن بالجعرانة وكذا وفد عليه مالك بن عوف النصري وذلك في أواخر سنة ثمان. وكذا وفد عليه بنو تميم في سرية عيينة بن حصن وكان ذلك في المحرم سنة تسع. ووفد عليه نصارى نجران بالمدينة بعد الهجرة وكان ستين راكباً جاءون ويجادلونه في شأن عيسى ﵇ وصالحوا النبي ﷺ على الجزية وكتب لهم كتاباً وأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح ﵁ وقال لهم هذا أمين هذه الأمة وفي أهل نجران والرد عليهم أنزل الله أكثر آيات سورة آل عمران. ووفد عليه ﷺ الداربون أبو تميم الداري وأخوه نعيم وأربعة آخرون على دين النصرانية وكان وفدهم عليه مرتين مرة بمكة قبل الهجرة ومرة بعدها. ولما قدم رسول الله إلى المدينة من تبوك في رمضان وفد عليه وفد ثقيف. ووفد عليه وفد بني عامر بن صعصعة وفيهم عامر بن الطفيل سيدهم وكان من أجمل الناس وكان مضمراً الغدر بالنبي ﷺ وطلب من رسول الله أن يجعل له الأمر بعد أن أسلم. ولما خرج عامر بن الطفيل ومن معه إلى بلادهم أصيب في الطريق بالطاعون ومات ولم يسلم وقد وهم بعضهم فادعى بقاء عامر بن الطفيل على الإسلام إلى أن مات وذلك إنما هو عامر بن الطفيل الأسلمي فإنه صحابي.
ووفد علي النبي ﷺ وفد ضمام بن ثعلبة سنة تسع وسأله ضمام هل الله أمره بعبادة الله وحده لا شريك له وخلع الأصنام وبالزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا؟ فقال رسول الله الله نعم فأسلم ورجع إلى قومه وسب اللات والعزى وما زال يدعوهم إلى الإسلام حتى أسلموا جميعاً رجالا ونساء. ووفد عليه ﷺ وفد عبد القيس وكانت منازلهم بالبحرين وكان فيمن وفد منهم الجارود وكان نصرانياً قد قرأ الكتب وقيل كان مجيئهم سنة عشر فعرض عليه رسول الله الإسلام فأسلم وأسلم أصحابه وسألوه عن النبيذ فقالوا يا رسول الله إن أرضنا أرض وخمة لا يصلحنا إلا النبيذ فنهاهم عن شربها.
فوفد بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل وفدوا عليه ﷺ وكانوا سبعة عشر رجلا ومعهم مسليمة الكذاب وكان أمره عند قومه كبيراً فكلم النبي ﷺ وسأله أن يشركه معه في النبوة وهو الذي أدعى النبوة في حياة رسول الله كما ادعى النبوة الأسود العنسي صاحب صنعاء وصار مسليمة يتكلم بالهذيان ليضاهي به القرآن فمن ذلك أنشأ سجعا على منوال سورة الكوثر فقال: "إنا أعطيناك الجواهر. فصلي لربك وهاجر. إن مبغضك رجل فاجر" وقد وضع عن قومه الصلاة وأحل لهم الخمر والزنا ترغيبا لهم في اتباعه!!
ووفد عليه ﷺ وفد طئ وفيهم قبيصة بن الأسود وسيدهم زيد الخيل وكان جواداً فارساً حسن الخلق فعرض رسول الله عليه الإسلام فأسلم وأسلم من معه وحسن إسلامهم.
ووفد عدي بن حاتم الطائي. كان عدي نصرانيا عظيما في قومه فأسلم ومن الوفود وفد عروة المزادي ووفد بني زبيد ووفد كندة قبيلة باليمن ينسبون إلى كندة لقب جدهم ثور بن عفير له ﷺ جدة منهم وهي أم جده كلاب وفيهم الأشعث بن قيس وكان وجيها في قومه فأسلم وارتد بعد النبي ﷺ وعاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر ووفد أزد شنودة وهم من الأزد وفيهم صرد بن عبد الله الأزدي وكان أفضلهم فأمره على من أسلم من قومه ووفد الحارث بن كعب ووفد رفاعة بن زيد الخزاعي ووفد همدان فيهم مالك بن نمط وكان شاعراً مجيداً فلقوا رسول الله مرجعه من تبوك ووفد تجيب وهي قبيلة من كندة وجعلوا يسألون رسول الله عن القرآن والسنن ووفد بني ثعلبة ووفد بني سعد هذيم من قضاعة أسلموا وبايعوا رسول الله على الإسلام ورجعوا إلى قومهم فرزقهم الله الإسلام ووفد بني فزارة وفيهم خارجة بن حصن أخو عينية بن حصين مقرين بالإسلام ووفد بني أسد فيهم حضرمي بن عامر فأسلموا وقالوا يا رسول الله أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك العرب فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿يّمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَىَّ إسْلاّمّكُمْ بَلِ الله يمَنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هّدّاكُمْ للإيمّانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ﴾ وأقاموا أياما يتعلمون الفرائض. ووفد بني عذرة، قبيلة باليمن ونهاهم عن سؤال الكاهنة والذبائح التي كانوا يذبحونها لأصنامهم. ووفد بلى وهو حي من قضاعة فأسلموا وكان شيخ الوفد أبو الضبيب (١) فقال يا رسول الله إن لي رغبة في الضيافة فهل لي في ذلك أجر؟ قال نعم وكل معروف صنعته إلى غنى أو فقير صدقة ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك أي يضيق عليك. ووفد بني مرة ورأسهم الحراث بن عوف ووفد خولان وهي قبيلة من اليمن وكان لهم صنم يعبدونه اسمه "عم أنس" ولما رجعوا هدموه ووفد بني محارب وفيهم خزيمة بن سوار وكانوا أغلظ العرب وأشدهم على رسول الله أيام عرضه نفسه على القبائل في المواسم يدعوهم إلى الله تعالى ووفد صداء وهم حي من عرب اليمن بايعوا رسول الله على الإسلام ثم رجعوا إلى قومهم وفشا الإسلام فيهم وكان زياد بن الحرث الصدائي مطاعاً في قومه وقد أمره رسول الله عليهم. ووفد سلامان فيهم خبيب بن عمرو السلاماني فأسلمواوسأل خبيب رسول الله عن أفضل الأعمال. قال الصلاة في وقتها وصلوا معه يومئذ الظهر والعصر. ووفد بني عبس ووفد مزينة وهي قبيلة تنسب إلى امرأة عمرو بن أدبن طابخة بن الياس بن مضر ووفد الأشعريين قوم أبي موسى الأشعري وهم منسوبون إلى أشعر بن أدد فأسلموا وبايعوا وقال في حقهم رسول الله "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار من في الأرض" وقال الأشعريون كصرة فيها مسك. ووفد دوس وهم قوم أبي هريرة ينتهي نسبهم إلى الأزد وكان قدومهم بخيبر سنة سبع. ووفد بهراء قبيلة من قضاعة قدموا من اليمن أسلموا وتعلموا الفرائض ثم انصرفوا إلى أهليهم باليمن ووفد غامد قبيلة من الأزد باليمن سنة عشر. أقروا بالإسلام وكتب لهم رسول الله كتابا فيه شرائع الإسلام وأمر النبي ﷺ أبي بن كعب أن يعلمهم القرآن ووفد الأزد ينسبون إلى جدهم الأعلى وهو الأزد بن الغوث وهم الذين قال في حقهم رسول الله (حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) . ووفد بني المنتفق وهي قبيلة من عامر بن صعصعة وفيهم لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق قال عنهم رسول الله إنهم من أتقى الناس لله في الدنيا والآخرة. ووفد النخع قبيلة من اليمن وهم آخر الوفود وكان وفدهم سنة احدى عشرة في النصف من المحرم وعددهم مائتا رجل. قدموا مقرين بالإسلام وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
стр. 578
وفاة رسول الله .
стр. 579
-مرض رسول الله ﷺ في أواخر صفر سنة تسع هجرية (سنة ٦٣٢ م) وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما (وقيل سبعة أيام) وكان في ابتداء مرضه في بيت زوجته ميمونة ولما اشتد مرضه استأذن زوجاته أن يمرض في بيت عائشة فخرج يهادي بين العباس ابن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب حتى دخل بيت عائشة وأمر أن يهرق عليه الماء فصبوه عليه لما كان يشعر به من الحمى وقال ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر وهذا أوان انقطاع ابهري من ذلك السم. ولما تعذر عليه الخروج للصلاة قال مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت له عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء. قال مروا أبا بكر فليصل بالناس فعاودته مثل مقالتها فقال انكن صواحبات يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس.
وفي تقديم أبي بكر للصلاة إشارة إلى أنه الخليفة بعده فقالوا إن النبي ﷺ رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. غير أن النبي خرج معصوب الرأس وجلس في أسفل مرقاة من المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: (يا أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم هل خلّد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم إلا أني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً وأوصي المهاجرين فيما بينهم فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
"وإن الأمور تجري بإذن الله ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم وأوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم. ألم يشاطروكم في الثمار. ألم يوسعوا لكم في الديار. ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة. الا فمن ولى أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم. ألا ولا تستأثروا عليهم. ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي. ألا فإن موعدكم الحوض. ألا فمن أحب أن يرده عليّ غدا فليكفف يده ولسانه".
وهذه آخر خطبة للنبي ﷺ فلم يصعد المنبر بعد ذلك اليوم. وقد أوصى المسلمين بالمحبة والإتحاد وصلة الرحم، المهاجرين منهم والأنصار وهو في أشد حالات المرض ونهاهم عن التقاطع.
أغمى على رسول الله وراسه في حجر عائشة ﵂ وكانت تدعو له بالشفاء وكان يقول إن للموت سكرات. وقالت فاطمة لما تغشاه الكرب: واكرب أبتاه، فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم.
وفي البخاري من حديث أنس ﵁ أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف سجف حجرة عائشة ﵂ فنظر غليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص ابو بكر ﵁ ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج للصلاة. قال أنس وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ فاشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. زاد في رواية فتوفي من يومه. واجتمع حوله أصحابه يبكون. قالت عائشة ﵂ توفي رسول الله ﷺ في بيتي وبين سحري ونحري (٢) والمراد أنه توفي وهو في حجرها وكان أبو بكر ﵁ غائبا فسل عمر بن الخطاب ﵁ سيفه وتوعد من يقول مات رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر ﵁ حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة ﵂ فكشف عن وجه رسول الله فجثا يقبله ويبكي ثم خرج فقال أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر ﵁ جلس عمر فحمد الله ابو بكر وأثنى عليه ثم قال: (ألا من كان يعبد محمداً فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال تعالى ﴿إِنَكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قِدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية فنشج (٣) الناس يبكون رواه البخاري) فكان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب ﵁ فلما سمع قول أبي بكر قال فوالله لكأني لم أتل هذه الآية قط.
ووقوف أبي بكر هذا الموقف يدل على رباطة جأشه عند الكروب وضبط النفس وعلى حكمته وشجاعته فإن رسول الله لما توفي طاشت العقول فمنهم من خبل ومنهم من أقعد ولم يطق القيام ومنهم من أخرس فلم يطقا لكلام ومنهم من أضنى. وكان عمر ﵁ ممن خبل وكان عثمان ﵁ ممن أخرس فكان لا يستطيع أن يتكلم وكان لعيّ ﵁ ممن أقعد فلم يستطع أن يتحرك وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمداً، وكان أثبتهم أبو بكر (٤) قال القرطبي وهذا أول دليل على كمال شجاعة الصديق ﵁ لأن الشجاعة هي ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت رسول الله فظهرت شجاعة الصديق ﵁.
وروي أن بلالا ﵁ كان يؤذن بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه قال: أشهد أن محمداً رسول الله ارتج المسجد بالبكاء والنحيب.
وكانت وفاته ﷺ يوم الإثنين بلا خلاف واختلف في اي الإثنين كانت وفاته فقال فقهاء الحجاز إن رسول الله قبض يوم الإثنين لليلتيت مضيتا من شهر ربيع الأول وقال الواقدي توفي يوم الإثنين لثنتي عشرو ليلة خلت من شهر ربيع الأول ودفن من الغد نصف النهار حين زاغت الشمس وذلك يوم الثلاثاء وكان عمره ثلاثا وستين سنة ورثته عمته صفية. وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وأبو بكر. وحسان ابن ثابت وغيرهم.
وغسلوه ﷺ وعليه قميصه يضعون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص (٥) غسله عليّ بن أبي طالب ﵁ وكان العباس وابنه الفضل يعينانه في تقليب جسمه الشريف وكفنوه في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، ولما فرغوا من جهازه ﷺ وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس عليه ﷺ أرسالا أي جماعات متتابعين يصلون عليه وحفر له ﷺ في المكان الذي توفي فيه بعد أن رفعوا فراشه الذي توفي عليه. قال أبو بكر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول (ما مات نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه) . قال عليّ وأناأيضا سمعته. وكان المباشر للحفر أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري ﵁، حفر لحدا في موضع فراشه حيث قبض ونزل في قبره عمه العباس وعلي والفضل وقثم بن العباس ﵃. ورش قبره ﷺ بلال بقربة بدأ من قبل رأسه وجعل عليه من حصباء العرصة حمرا وبيضا ورفع عن الأرض قدر شبر.
ولا يفوتنا أن نذكر أن المنافقين أكثروا من التحدث بتأمير أسامة حتى بلغ رسول الله فخرج وهو مريض عاصباً رأسه من الصداع فرد عليهم. ومما قاله في هذا الشأن "قد بلغني أن أقواماً يقولون في أمارة أسامة ولعمري لئن قالوا في أمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقا للإمارة وإنه لخليق لها فانفذوا بعث أسامة" وهذا دليل على أن رسول الله كان مهتما لآخر لحظة من حياته ببعث أسامة وبشئون المسلمين وتوحيد كلمتهم.
وقد توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله وما ترك دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيراً. عن عائشة ﵂ "ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ فأكلته ففني فيا ليتني لم آكله. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، توفي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو ولا أهل بيته خبز الشعير.
стр. 580
ما نزل من القرآن بالمدينة .
стр. 581
-نزل على رسول الله بالمدينة من القرآن اثنتان وثلاثون سورة. أوّل ما نزل ويل للمطففين ثم سورة البقرة ثم سورة الأنفال ثم سور آل عمران ثم الحشر ثم سورة الأحزاب ثم سورة النور ثم الممتحنة ثم إنا فتحنا لك ثم سورة الحج ثم سورة الحديد ثم سورة محمد ثم هل أتى على الإنسان ثم سورة الطلاق ثم سورة لم يكن ثم سورة الجمعة ثم تنزيل السجدة ثم المؤمن ثم إذا جاءك المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم التحريم. ثم التغابن. ثن الصف. ثم المائدة. ثم براءة. ثم إذا جاء نصر الله والفتح ثم إذا وقعت الواقعة. ثم والعاديات ثم المعوذتان. وكان آخر ما نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلِيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ إلى آخر السورة وقد قيل أن آخر ما نزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ وهي الرواية الصحيحة.
стр. 582
مراتب الوحي .
стр. 583
-نذكر في هذا الفصل مراتب الوحي ثم نرد على المستشرقين الذين زعموا أن رسول الله كانت تعتريه نوبات صرعية إنكاراً لنزول الوحي.
ولنبدأ بمراتب الوحي وهي سبعة:
-١- الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
-٢- ما كان يلقيه الملك في قلبه من غير أن يراه ويخلق الله فيه علماً ضروريا يعلم به أنه وحي لا الهام.
-٣- خطاب الملك حين كان يتمثل له رجلا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول.
-٤- كان يأتيه مخاطباً له بصوت مثل صلصلة الجرس وكان هذا النوع أشده عليه وفي حديث لابن عباس: كان ﷺ يعالج من التنزيل شدة.
-٥- رؤية جبريل في صورته التي خلقه الله عليها فيوحى إليه.
-٦- ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها بسماع الكلام الأزلي الذي ليس بحرف ولا صوت من غير واسطة مع الرؤية للذات المقدسة.
-٧- ما أوحاه إليه بلا واسطة أيضا بل بسماع الكلام الأزلي لكن بلا رؤية كما وفع لموسى ﵇.
هذه هي مراتب الوحي وقد كان رسول الله ﷺ يعاني من الوحي شدة فظن المستشرقون أن هذه الشدة التي كانت ترى عليه إنما هي نوبة صرعية لكن أعراض الصرع المدروسة طبياً تخالف ما كان يشاهد عليه ﷺ ند نزول الوحي.
فالمصروع تعتريه النوبة فجأة فيقطع كلامه ويسقط من يده ما قد يكون قابضاً عليه وتثبت حدقة عينه ويصفر وجهه وقد يصيح صيحة عالية ويقع مغشياً عليه كمن أطلق عليه عيار ناريّ ولا يبذل أي مجهود للخلاص من حالته ولهذا كثيراً ما يصاب بجروح وقد يصاب بحروق خطرة إذا سقط بالقرب من نار وتتقلص عضلات الوجه في النوبة الصرعية ومنها عضلات الفك. فيعض المصروع لسانه ويمتزج لعابه بالدم ويسيل من فمه وإذا ترك وشأنه نام ساعات فإذا أفاق شكا صداعاً وارتباكاً في العقل. ثم إن الجروح التي تصيب رأس المصروع من السقوط فجأة تسبب له تهيجاً في الدماغ.
هذه هي أعراض الصرع الطبية. فكيف يقال أن رسول الله كانت تعتريه نوبات صرعية ولم يرو لنا أنه سقط مغشياً عليه أو أصيب بجروح في راسه أو عض لسانه أو شفتيه أو سال الدم منه أو أصيب بحروق أو فقد ذاكرته أو حاد عن مبدئه بل لم يقل أحد أنه صاح صياحاً عالياً. أليس في مخالفة حالاته للأعراض الصرعية التي يعرفها كل طبيب رد كاف على هؤلاء المستشرقين؟
стр. 584
زوجات رسول الله ﷺ .
стр. 585
-تزوج رسول الله خمس عشرة امرأة، دخل بثلاث عشرة، وجمع بين احدى عشرة، وتوفي عن تسع أولاهم (خديجة) بنت خويلد ولم يتزوج عليها حتى ماتت.
ثم تزوج (سودة) بنت زمعة وكانت تحت السكران بن عمرو وهو من مهاجرة الحبشة فمات ولم يعقب فتزوجها النبي ﷺ وسلم بعده.
ثم تزوج (عائشة) بنت أبي بكر سنة اثنتين ولم يتزوج بكراً غيرها. عقد عليها بمكة وهي ابنة ست سنين وبنى عليها بالمدينة وهي ابنة تسع وتزوج (حفصة) بنت عمر بن الخطاب وكانت تحت خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي وكان رسول الله أرسله إلى كسرى ولما مات خنيس بن حذافة وتأيمن حفصة ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه فلم يرد عليه أبو بكر كلمة فغضب عمر من ذلك فعرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله فقال عثمان ما أريد أن أتزوج اليوم فانطلق عمر إلى رسول الله فشكا إليه عثمان فقال رسول الله يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة ثم خطبها إلى عمر فتزوجها رسول الله بعد غزوة أحد سنة ثلاث وكانت سنها عشرين سنة وتوفيت سنة ٤٥ في خلافة مروان بن الحكم وكان عمرها سنين سنة ثم تزوج (زينب) بنت خزيمة بن الحارث سنة ثلاث. يقال لها أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين وصدقتها عليهم وكانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنه يوم أحد ولم تلبث عند رسول الله إلا يسيراً: شهرين أو ثلاثة حتى توفيت في حياته.
ثم تزوج (زينب) بنت جحش وهي بنت عمته ﷺ سنة خمس وهي أول من مات من أزواجه في خلافة عمر وتكنى أم الحكم وكانت قديمة الإسلام وكانت قد تزوجها زيد بن حارثة مولى رسول الله ليعلمها كتاب الله وسنة رسوله وكان اسمها برة فسماها زينب وبسببها نزل الحجاب.
ثم تزوج (أم حبيبة) واسمها "أرملة" بنت أبي سفيان صخر بن حرب وأمها صفية بنت أبي العاص عمه عثمان بن عفان. أسلمت قديما بمكة وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش فتنصر بالحبشة ومات بها وابت هي أن تتنصر وثبتت على إسلامها فتزوجها رسول الله وهي بالحبشة سنة ست. روى مسلم ابن الحجاج في صحيحه أن أبا سفيان طلب من النبي ﷺ أن يتزوجها فأ>ابه إلى ذلك وهذا مما يعد من أوهام مسلم لأن رسول الله قد تزوجها وهي بالحبشة قبل إسلام أبي سفيان لم يختلف أهل السير في ذلك (١) واصدقها النجاشي اربعمائة دينار.
ثم تزوج (أم سلمة) بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي واسمها هند سنة أربع وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي فولدت له سلمة وعمر ودرة وزينب وتوفي فخلفه عليها رسول الله بعده. وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة وكان سنها حين تزوجها رسول الله ثلاثين سنة. وتزوج (ميمونة) بنت الحارث وهي خالة خالد بن الوليد وكانت قبل رسول الله عند أبي رهم العامري. تزوجها رسول الله سنة سبع في عمرة القضا في ذي القعدة.
وتزوج (صفية) بنت حيي بن أخطب سنة سبع وكانت زوج سلام بن مشكم اليهودي ثم خلفه عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران فقتل عنها كنانة يوم خيبر ثم تزوجها رسول الله ﷺ .
وتزوج (جويرية) بنت الحارث بن أبي ضرار سنة خمس سباها رسول الله يوم المريسيع وهي غزوة بني المصطلق وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقى. عن عائشة قالت لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أولا بن عم له فكاتبته على نفسها الخ.....
ولما بلغ الناس أنه تزوجها قالوا أصهار رسول الله فأطلقوا جميع الأسرى الذين بأيديهم.
وتزوج (خولة) بنت حكيم وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ .
وتزوج امرأة يقال لها (عمرة) فطلقها ولم يبن بها وذلك أن أباها قال له وأزيدك أنها لم تمرض قط، فقال ما لهذه عند الله من خير فطلقها. وتزوج امرأة يقال لها (أميمة) بنت النعمان فطلقها قبل أن يطأها. وخطب امرأة من بني مرة ابن عوف فردها أبوها وقال أن بها برصاً فلما رجع إليها وجدها برصاء.
стр. 586
تعدد زوجات رسول الله .
стр. 587
-اعترض بعض الذين كتبوا سيرة الرسول من المسيحين على كثرة أزواجه ﷺ وزعموا أنه كان شهوانياً. والحقيقة أن كثرة أزواجه لم تكن بدافع شهواني فإنه أراد بذلك أن يوجد بينه وبين أصحابه وكبار قومه صلة قوية ورابطة متينة بواسطة المصاهرة لأن ذلك مما يساعده ويشد ازره للدفاع عن مبدئه السامي ونشر الدعوة إلى الإسلام.
أما أنه لم يكن شهوانياً فأمر لا ينكر وظاهر من حياته وأطواره لأنه ﷺ تزوج خديجة وهو في عنفوان شبابه في سن الخامسة والعشرين ولم يتزوج غيرها إلى أن توفيت وكان عمره إذ ذاك خمسين سنة فإذا لم يكن إلى هذا العمر رجل شهوة بل كان رجلا قانعاً بزوجة واحدة فهل من العدل أن نقول أنه كان شهوانيا بعد ذلك؟
لم يكن رسول الله يعرف الفراغ بل كان في جهاد مستمر فلم يذق للراحة طعما من مبدأ الرسالة إلى أن مات فكان يقضي أوقاته في نشر الدعوة ومحاربة الوثنية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن المسلمين وجمع شملهم وتعليمهم أمور دينهم وتثبيت دعائم المدنية الصحيحة الخالية من الشوائب ومكافحة الأعداء باللسان والسيف وكان مع ذلك يتعبد آناء الليل وأطراف النهار وعلى العموم فقد تحمل الأعباء ما تنوء به الجبال ولم تشغله كثرة نسائه عن عبادة ربه.
وأما أنه كان يقصد من تعدد زوجاته إيجاد روابط المصاهرة وتأليف القلوب لنشر الدعوة فهذا واضح أيضاً فإن زوجته (عائشة) هي بنت أبي بك الصديق و (حفصة) بنت عمر بن الخطاب وقد كان عرضها عمر بعد موت زوجها على أبي بكر وعثمان فأبيا زواجها فتزوجها رسول الله و (أم حبيبة) هي بنت أبي سفيان وقد كان من أكبر أعداء رسول الله ومن أشراف قريش وعدا ذلك قد كانت أم حبيبة كما تقدم اسلمت قديما وهاجرت إلى الحبشة وتنصر زوجها هنالك وأبت أن تتنصر معه فأكرمها النبي ﷺ بزواجها.
وزوجته (ميمونة) هي بنت خالة خالد بن الوليد الذي صار من أعظم أبطال الإسلام وقوادهم الذين اكتسبوا شهرة خالدة وأما زوجته (صفية بنت حيي) فإنما تزوجها لأنها بنت ملك من ملوك اليهود فلا تصلح إلا له ﷺ وقد تنافس المسلمون فيها لما وقعت في نصيب دحية بن خليفة الكلبي.
وقد كان رسول الله قوياً صحيح الجسم كما أنه ذا إرادة تفل الحديد وكان بشراً يأكل ويشرب ويشتهي وقد عصمه الله تعالى عن الزنوب. فلما رأى (زينب بنت جحش) وكانت عند مولاه زيد بن ثابت وطلقها زيد بعد أن كرهها تزوجها رسول الله لإبطال عادة التبني ونسخ تحريم الزواج بامرأة المتبنّي. هذا ملخص العلة في تعدد زوجاته بعد أن بلغ من العمر الخمسبن وبعد أن انقضى زمن شبابه، زمن حدة الشهوة.
على أن عقلاء الإفرنج أدركوا حقيقة هذه المسألة فردوا على ما افتراه بعضهم من قصار النظر. فقال الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل:
"وما محمد أخا شهوات برغم ما اتهم به ظلما وعدوانا وشد ما نجور ونخطئ إذا حسبناه رجلا شهويا لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ. كلا فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ اية كانت. لقد كان زاخداً متقشفا في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره وأحواله. وكان طعامه عادة الخبز وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار.
وأنهم ليذكروا ونعم ما يذكرون أنه كان يصلح ويرفو ثوبه بيده. فهل بعد ذلك مكرمة ومعجزة؟ فحبذا محمد من رجل خشن اللباس، خشن الطعام، مجتهد في الله قائم النهار ساهر الليل، دائباً في نشر دين الله الخ".
هذا وقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة وثلثمائة سرية وقد كان لداود ﵇ على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون امرأة وتمت بزواج أورياء مائة.
стр. 588
المرأة في الإسلام .
стр. 589
-لم يكن للمرأة في الجاهلية اس شأن فلم يكن لها حق الميراث.
أمر رسول الله النساء بالخضوع للرجال قال تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ لكنه نهى الرجال عن معاملة النساء بالقسوة وشرط الإسلام رضا المرأة قبل الزواج ومنع أخذ الزوجة بغير رضاها وجاء في الحديث "الجنة تحت أقدم الأمهات" وللنساء في الميراث نصف ما للرجال وحرم القرآن وأد البنات ومنع الإسلام الزواج المؤقت (زواج المتعة) وحرم الزنا ولم يبح تعدد الزوجات إلا عند توفر العدل "فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة" وأباح الطلاق وصرح النبي أن أبغض الحلال عند الله الطلاق وتعدد الزوجات بلا شك خير من الزنا المستور وهو يمنه العهارة وعزوبة النساء المنتشرة في هذه الأيام بكثرة.
стр. 590
حكمة تعدد الزوجات .
стр. 591
-إن الدين الإسلامي لما كان ديناً عاماً فقد أباح تعدد الزوجات قال تعالى ﴿فَانْكَحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ وذلك لضرورات اجتماعية وشخصية:
فأما الضرورات الإجتماعية، فهو نقص عدد الرجال عن النساء بسبب قتل الرجال في ميادين الحرب. هذا ولم يستطع رؤساء الحكومات ولا علماء الإجتماع ولا المصلحون ولا المؤتمرات الدولية منع الحروب. فقد نشبت الحرب العالمية وذهب ضحيتها الملايين من النفوس البشرية وها هي تستعد الآن للحرب أخذاً بالثأر، وطمعاً في التوسع والاستعمار وتنشئ الطيارات والأساطيل والمدافع وقد فشل مؤتمر نزع السلاح.
ولا تزال القبائل في إفريقية وأمريكا وآسيا تشن الغارات ويقتل عدد كبير من رجالها. ونتيجة هذه الحروب والغارات نقص عدد الرجال عن النساء نقصاً يقدر بحسب فظاعتها.
ونقص الرجال عن النساء خصوصاً إذا كان النقص عظيما ضار بالأمة من جملة وجوه منها نقص الثروة لقلة الأيدي العاملة وضعف قوتها من الوجهة الحربية وتعرضها لغارات المغيرين ومطامع الطامعين من الأمم القوية فلا يعيد مثل هذه الأمة التي أصيبت بنقص رجالها، إلى قوتها وكثرة مواليدها إلا تعدد الزوجات.
وقد كتب العالم الإنكليزي هربرت سبنسر في كتاب أصول علم الإجتماع: "إذا طرأ على الأمة حالة اجتاحت رجالها بالحروب ولم يكن لكل رجل من الباقين إلا زوجة واحدة وبقيت نساء عديدات بلا أزواج ينتج من ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة ولا يكون عددهم مساوياً لعدد الوفيات فإذا تقابلت أمتان مع فرض أنهما متساويتان في جميع الوسائل المعيشية وكانت إحداهما لا تستفيد من جميع نسائها بالاستيلاد فلا تستطيع أن تقاوم خصيمتها التي يستولد رجالها جميع نسائها وتكون النتيجة أن الأمة الموحدة للزوجات تفنى أمام الأمم المعددة للزوجات".
ثم أن زيادة عدد النساء بلا أزواج مدعاة لانتشار الفسق والفجور والفاقة ولا شك أن إباحة تعدد الزوجات للقادرين عليه علاج لكل ما تقدم.
فأما الضرورات الشخصية، فمعلوم أن الزنا محرم شرعا فلو أن الإسلام حرم التعدد لضاقت السبل أمام المتدين الذي يعبد الله ويتبع أوامره ويجتنب نواهيه لأن هناك ظروفا شتى قاهرة تضطر الإنسان إلى الزواج بغير امرأة واحدة نذكر منها:
-١- مرض الزوجة مرضاً مزمنا يجعل الزوج ينفر منها بحيث يجعلها غير صالحة للملامسة والتمتع وليس لها من يعولها إذا طلقها ولا تستطيع الكسب ولا يمكن أن تتزوج بغيره فليس من المروءة والإنسانية طلاقها ولا تستطيع الكسب ولا يمكن أن تتزوج بغيره فليس من المروءة والإنسانية طلاقها وليس من الحكمة منعه من التزوج لئلا يتعطل نسله أو تميل به الشهوات الطبيعية إلى الزنا (١) وقد حدث مثل ذلك بالضبط لأحد الصالحين وكان قاضيا بالمحاكم الأهلية رحمه الله تعالى فإنه بعد أن تزوج بمدة يسيرة أصيبت زوجته بالشلل فكانت حالتها منفرة ولا تستطيع الحركة ولا تناول الطعام بنفسها وليس لها من يعولها غذ طلقها بل يستحيل عليه ذلك لما جبل عليه من المروءة والشفقة. ولما كان متمسكا بدينه تزوج غيرها بعد أن قرر الأطباء عدم شفائها وخصص لها خادمة وكان يخدمها بنفسه وقد طال مرضها وبقيت على هذه الحال إلى أن توفيت.
-٢- امتناع الرجل عن الاتصال بزوجته مدة الوضع والنفاس وما ينالها بسبب ذلك من الآلام والضعف.
-٣- جاذبية المرأة وجمالها وتأثيرها في الرجل مع قدرته على التعدد.
-٤- بلوغ الزوجة سن الشيخوخة.
-٥- عقم المرأة مع رغبة الرجل في الذرية.
-٦- الرغبة في كثر النسل رغبة في النفوذ والجاه.
-٧- الأسباب الاقتصادية فإن النساء والأولاد يساعدون الرجل في الزراعة وهذا مشاهد في البلاد الزراعية كالقطر المصري وقد يضطر الرجل أن يتزوج امرأة غنية بسبب سوء حالته المالية.
وقد كان تعدد الزوجات شائعا عند العرب ولم يكن في الجاهلية قانون يحدد عدد الزوجات وقد أسلم غيلان بن سلمة وتحته عشر نسوة فقال له رسول الله ﷺ "أمسك أربعا وفارق باقيهن".
قال الأستاذ جوستاف لوبون:
"إن تعدد الزوجات على مثال ما شرعه الإسلام من أفضل الأنظمة وأنهضها بأدب الأمة التي تذهب إليه وتعتصم به وأوثقها للأسرة عقدا وأشدها لأسرتها أزراً وسبيله أن تكون المرأة المسلمة أسعد حالا وأوجه شأناً وأحق باحترام الرجل من أختها الغربية".
وقال "ولست أدري على أي قاعدة يبني الأوربيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام نظام تعدد الزوجات عن نظام التفرد المشوب بين الأوربيين بالكذب والنفاق؟
على حين أرى هنالك أسباباً تحملني على ايثار نظام تعدد الزوجات على ما سواه. وليس عجيبا بعد ذلك أن نرى الشرقيين الذين ينتجعون إلينا وينتقلون بين مدائننا يحارون من قسوتنا في الحكم على نظام تعدد الزوجات فيهم (٢) .
وقد حبذ شو بنهور الفيلسوف الألماني تعدد الزوجات فقال:
"أما آن لنا أن نعد بعد ذلك تعدد الزوجات حسنة حقيقية لنوع النساء بأسره؟ ".
قال ذلك بعد أن شرح مضار الاقتصار على زوجة واحدة فمما قال "في مدينة لندرة وحدها ثمانون الف بنت عمومية سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج ضحية الاقتصار على زوجة واحدة ونتيجة تعنت السيدة الأوربية وما تدعيه لنفسها من الأباطيل".
وقال: "إذا رجعنا إلى أصول الأشياء وحقيقتها لا نجد سبباً يمنع الرجل من التزوج بثانية إذا أصيبت امرأته بمرض مزمن تألم منه أو كانت عقيما أو أصبحت على توالي السنين عجوزاً".
إن الرجل المتزوج في الأمم المسيحية التي لا تبيح تعدد الزوجات، لا يقتصر في الحقيقة على امرأة واحدة بل نراه يتخذ كثيرا من الخليلات ويبيح لنفسه التمتع بمن أحب منهن. فإذا أبدى رأيه أو كتب في موضوع الزواج طعن على تعدد الزوجات ورمى المسلمين بالهمجية والتعدي على حقوق الزوجة وزعم أنهم شهوانيون. ولذلك قال الأستاذ لوبون عن نظام تفرد "الزوجة" بين الأوربيين أنه مشوب بالكذب والنفاق.... وصرح بذلك أيضا شوبنهور فقال:
"أين لنا بمن يقتصر حقيقة [على؟؟] زوجة واحدة بل لا ننكر أننا في بعض أيامنا أو في معظمها كلنا أو جلنا نتخذ كثيراً من النساء".
على أن الشريعة الإسلامية كما هو واضح من نص القرآن الكريم لم تبح تعدد الزوجات بلا قيد ولا شرط بل اشترطت العدل. قال تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ والمعنى إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ والمعنى ذلك أقرب من أن لا تعولوا أي لا تجوروا ولا تميلوا.
والذي يؤخذ من مجموع نصوص القرآن والسنة أن الزوج يعتبر آثما إذا تزوج على امرأته لمجرد الإضرار بها (٣) قال تعالى ﴿وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ .
стр. 592
بنوه وبناته ﷺ .
стр. 593
-ولدت خديجة لرسول الله ﷺ ولده كلهم إلا إبراهيم الذي ولد بالمدينة فإنه من مارية القبطية من قرية حفن من كورة أنصاء وقد أهداها المقوقس عظيم القبط إلى النبي ﷺ وأهدى معها أختها سيرين وهي التي وهبها رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت.
وأكبر ولد له زينب. ثم رقية. ثم فاطمة. ثم أم كلثوم ثم ولد له في الإسلام عبد الله (وهو الطيب والطاهر) وهؤلاء كلهم من خديجة ومات القاسم عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي "قد انقطع ولده فهو أبتر" فأنزل الله تعالى: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ وعبد الله آخر الأولاد من خديجة.
أما إبراهيم فولد له سنة ثمان ومات وهو ابن ستة عشر شهرا وقيل ثمانية عشر في سنة عشر من الهجرة.
أما بناته زينب أبو العاص بن الربيع بن العزى بن عبد شمس وهو ابن خالتها وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأمها وأبيها. وفاطمة تزوجها علي بن أبي طالب ﵁. ورقية وأم كلثوم تزوجهما عثمان بن عفان. وتوفيت رقية يوم بدر في رمضان سنة اثنتين من الهجرة وتوفيت أم كلثوم سنة تسع من الهجرة. فالبنات أربع والبنون ثلاثة.
стр. 594
صفته ﷺ .
стр. 595
-كان رسول الله ﷺ أبيض مشرباً بحمرة واسع الجبين. عظيم الرأس من غير إفراط حسن الجسم. عظيم الجبهة دقيق الحاجبين مقرونهما كانت الفرجة التي بين حاجبيه يسيرة لا تبين إلا لمن دقق النظر. أهدب الأشفار. أدعج العينين (١) أقنى الأنف (٢) واضح الخدين ليس فيهما نتوء ولا ارتفاع. كث اللحية (كثير شعرها) اسودها عرقه في وجهه. واسع الفم من غير إفراط، والعرب تمدح به لدلالة السعة على الصاحة، مفلّج الثنايا "متفرقها" قوي الأسنان ضخم الكراديس "رؤوس العظام" غليظ الكتفين واسعهما ناعمهما غليظ الأصابع من غير قصر ولا خشونة واسع الصدر. غليظ القدمين سبابة قدمه أطول من الوسطى. اشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر. ولم يكن بالطويل ولا القصير وهو إلى الطول أقرب. شعره وسط بين الجعودة والبسوطة. نقي الثوب لين الكلام. حسن الصوت قوية. لا يقول هجراً. ولا ينطق هذراً. يخاطب كل إنسان على قدر عقله. يكلم كل قبيلة بما تعرفه. واسع الإطلاع بلغات العرب إذا فرح غض طرفه. ما رؤى ضاحكاً إنما كان يبتسم وكان يضحك منه نادراً ولم يقهقه. ما تثاءب قط. وما احتلم قط. ليس بمسترخي البدن. سهل الخلق. لين الجانب. ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح. وكان يمزح ولا يقول إلا حقاً. يقابل السيئة بالحسنة يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه. لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق والمسألة. لا يقطع على أحد حديثه. ولا يتكلم في غير حاجة. يعظم النعمة وإن دقت. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها وإنما يغضب إذا تعرض للحق بشيء. ويكرم كريم كل قوم يوليه عليهم ويتفقد أصحابه ويسأل عنهم فإن كان غائباً دعا له وإن كان شاهداً زاره وإن كان مريضاً عاده. وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس. من جالسه أو نادمه لحاجة صابرة حتى يكون هو المنصرف عنه. من سأله حاجة لم يرده إلا بها. عنده الناس في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء. لا ترفع فيه الأصوات ولا يتنازعون عند الحديث. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. وقد قال ﷺ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكان أشد الناس خشية وخوفاً من الله. ما ضرب بيده الشريفة امرأة ولا خادما من أهله. حلمه يسبق غضبه ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. وأسخى الناس كفا وأشدهم حياء يحب الفأل الحسن ويغير الاسم القبيح بالحسن. يشاور أصحابه في الأمر وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه ولم يشافه أحداً بمكروه بمازح صبيان أصحابه ويجلسهم في حجره ويقعدون في صدره الشريف فيقبلهم ويلتزمهم. يشهد الجنائز ويقبل عذر المعتذر. ما وضع أحد فمه في أذنه إلا استمر صاغيا له حتى يفرغ من حديثه ويذهب. وما أرسل أحد بيده فيرسل يده ﷺ منه حتى يكون الآخر هو الذي يرسلها. يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة لم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه. يكرم من يدخل عليه وربما بسط له رداءه وآثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه إن أبى. ويدعو أصحابه بأحب أسمائهم ويكنيهم ولا يجلس إليه أحد وهو يصلى إلا خفف صلاته وسأله عن حالته فإذا فرغ عاد إلى صلاته. كان يركب الحمار وربما ركبه عريانا ويردف خلفه وكان يجلس على الأرض ويحب السواك ويكتحل بالأثمد عند النوم ثلاثا في كل عين وحج على رحل رث عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم وقال اللهم اجعله حجا مبروراً لا رياء فيه ولا سمعة. يحلب شاته ويخصف نعله ويرقع ثوبه ويخدم نفسه ويقم البيت ما يرى فارغا قط في بيته ويأكل مع الخادم ويحمل بضاعته من السوق ويحب الطيب ويأمر به ويأمر أصحابه بالمشي أمامه. توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على نفقة عياله. ما شبع ثلاثة أيام تباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا. وما أكل خبزاً منخولا وكان يبيت الليالي المتتابعة طاويا. وما أكل على خوان قط إنما كان يأكل على السفرة وربما وضع طعامه على الأرض. لا يجمع في بطنه بين طعامين. إن أكل لحما لم يزد عليه وإن أكل تمراً لم يزد عليه وإن أكل خبزا لم يزد عليه وكان يصلي على الحصير وعلى الفروة المدبوغة وربما نام على الحصير فأثرت في جسده الشريف وكان ينام على شيء من أدم محشو ليفا.
стр. 596
اتباع التعاليم الإسلامية .
стр. 597
-علينا معاشر المسلمين أن نتمسك بالشريعة الإسلامية الغراء ونقتدي بأخلاق رسول الله حتى نصل إلى أوج السعادة في الدارين. وإن من تمعن في كتاب الله يجد أنه حوى مكارم الأخلاق فقد حث على الفضائل والآداب السامية ونهى في جانب والدنايا. ومع ما بلغته المدينة الحديثة في العلوم والآداب فإنها لاتعد شيئا في جانب تعاليم الإسلام النقية الطاهرة. فنحن أحق بالاتصاف بكل فضيلة والأبتعاد عن كل رذيلة من أية أمة أخرى.
لقد قضى المسلمون على مخازي الوثنية وآفات الجاهلية. وفتح الله عليهم وسادوا الأمم ونشروا العلوم بفضل عقيدتهم وبما اتصفوا به من صفات الرجولة والأخلاق القوية التي استفادوها من القرآن الكريم وتعاليم رسول الله.
إن من المخزي أن نرى الآن تدهور الأخلاق وانتشار الفساد والتهاون بأنواعه: تهاونا في إقامة الشعائر الدينية. تهاونا في اكتساب العلوم ومنافسة الأمم. تهاونا في الحقوق الوطنية. تهاونا في الذود عن كرامة الأمة والأسرة.
من المحزم حقا ان نرى فتوراً في الهمم وتقصيرا في الواجبات واستهتاراً بالفضائل وإقداماً على اقتراف الرذائل. ومباهاة بالجرائم والمخازي والفضائح.
هل كان سلفنا الصالح يتركون بلادهم طعمة ونهباً لكل طامع ولا يحركون ساكناً؟ هل كانوا يتخاذلون ويتباغضون ولا يتعاونون؟ هل كانوا لا يشفقون على الضعفاء والمساكين ولا يبرون الأقارب ولا يعودون المرضى ولا يغيثون الملهوفين؟ هل كانوا جامدي الأحساس لا يشعرون بمصائب الناس؟ هل كانوا يكتمون الحق ولا يحاربون الباطل ولا ينصفون المظلوم. ولا يضمدون جراح المكلوم؟ هل كانوا يغفلون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدعون أنهم عاجزون مقهورون لا حول لهم ولا قوة؟ ثم يتركون حبل الأمور على غاربها طمعاً في ربح قليل أو كثير وحباً في المناصب والجاه وتعلقا بزخارف الدنيا الزائلة؟ إنهم لو فعلوا ذلك لما قامت لهم قائمة وما كان لهم ذلك الأثر المجيد في تاريخ الدنيا.
إن الأجانب قد درسوا حالتنا الإجتماعية وما وصلنا إليه من انحطاط وجهالة وخور في العزائم وأخيراً حكموا بأن هذا راجع إلى جوهر ديننا وتعاليمه لينفروا منه يصدونا عنه لئلا ترجع إلى الإسلام شوكته الأولى وعزه القديم. وقد اغتر بكلامهم بعض قصار النظر من المسلمين فعززوا آراءهم وطعنوا على الدين طعنات شتى زاعمين أنهم مصلحون. وهم في الحقيقة مفسدون يخربون بيوتهم بأيديهم. وباليتهم وقفوا عند هذا الحد بل حللوا المحرمات ونشروا الفساد وروجوا الضلال وتعلقوا بمظاهر المدينة الغريبة من خمور وفجور ولهم وخلاعة وإباحية وما ردوا أن علماء أوربا وعقلاءهم ساخطون ناقمون على انتشار الفساد وقد صرحوا مراراً وتكراراً هذه المساوى منذرة بسقوط الأمم. مؤذنة بخرابها مع أنها الآن في غاية القوة والمنعة.
إلا أن معاول الهدم أقوى أثراً واسرع فعلا من مجهودات المصلحين. فاتقوا الله فيما تكتبون وتخطبون وتصرحون. أقيموا بناء المجد التالد وتزودوا من العلم النافع فإن من العلم ما هو أشد ضرراً من الجهل، ومن لم يفده العلم فقد باء بخسران مبين. ولا تجاروا الناس في أهوائهم طمعاً في الأشتهار بينهم والتقرب إليهم. هذا ما أردت أن أكتبه بشأن ما لاتباع التعاليم الإسلامية من الأهمية وهذه نصيحتي الخالصة للمسلمين عامة.
стр. 598
الإقتداء بأخلاق رسول الله .
стр. 599
-كذلك يجب على المسلمين الإقتداء بأخلاق رسول الله ﷺ لأنه خير قدوة لنا وإنا نورد هنا بعض صفاته التي اكتسبناها من سيرته وننبه على التحلي بها وذلك بغاية الأختصار.
-١- كان رسول الله نقي الثوب.
إن النظافة من الإيمان فالمسلم يجب عليه أن يكون نظيف الثياب والأعضاء. إذ الوضوء فرض والغسل فرض. وقد قال تعالى لرسول الله "وثيابك فطهر". هذا ما يأمرنا به ديننا. وكان النبي ﷺ يعتني بنظافة الظاهر كما يعتني بنظافة الباطن ويحث على استعمال السواك وطهارة الفم والأسنان ويتطيب ويمشط شعر رأسه ولحيته وقيم بيته بنفسه أي يكنسه. والناس الآن يستنكفون من مباشرة نظافة البيت فتأمل.
-٢- لا يقول هجراً ولا ينطق هذراً (١) .
وما أكثر قول الهجر والهذر عندنا. وما أكثر الماجنين والسبابين. فهلا اقتدينا برسول الله وتأدبنا بأدبه في الكتابة والقول وجانبنا الهجر والسب واللعن.
-٣- يتفقد أصحابه ويسأل عنهم.
لا فرق في ذلك بين كبير وصغير. غني وفقير. لكن الناس يخصون الأغنياء بالسؤال عنهم ويتكبر الأغنياء على الفقراء ويتعاظمون عليه ويرون أنهم من طينة غير طينتهم ومن هذا نشأت العدواة والغضاء وتفككت روابط الأسر والأمة.
وقد كان رسول الله مؤلفا للقلوب فيصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق والمسألة ويعود المريض ويشهد الجنائز.
-٥- إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس.
أين هذا الحق الكريم المتواضع من الذين دأبهم التصدر في المجالس بحق وبغير حق وسواء كان المجلس خالياً أم مكتظاً. إن الناس يظنون أن التواضع ضعة وضعف لكن في التواضع رفعة. ولن يسود إنسان بالفظاظة والغلظة.
-٦- كان أسخى الناس كفاً.
وإنا نذكر الناس أن البخيل ممقوت وقد قال بعضهم إن البخل من سوء ظن المرء بالله ولانعلم أن بخيلا أحبه الناس واحترموه
أحسن إلى الناس تستعبد قلبوهم فطالما استعبد الإنسان احسان
-٧- لم ير قط ماداً رجليه بين أصحابه.
لكنا الآن نفعل كل ما يخالف الآداب بلا اكتراث ظناً منا أن ذلك من الحرية لكن الحرية في المجتمع لا تكون من طرف واحد. بل يجب مراعاة احساس الأصدقاء والناس. فالأولاد يجب عليهم التأدب في حضرة آبائهم ومعلميهم وأقرانهم كما أنه على الآخرين مراعاة الأدب معهم للإقتداء بهم ومحبتهم.
-٨- كان يخدم نفسه.
ومن ذلك أنه كان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحمل حاجته ويكنس بيته وهذا اعتماد على النفس. فليؤد كل عمله غير معتمد على غيره ولا مستنكف من العمل مهما كان وإذا كان رسول الله وهو سيد الخلق والمسلمون أطوع إليه من بنانه يكنس بيته بنفسه فهل يستنكف أحد منا مزاولة أي شأن من شؤون الحياة وهل تستنكف سيدة البيت أن تخدم نفسها وزوجها وأولادها ظنا منها أن ذلك مما لا يليق بها لغناها وترفها وحسن هندامها. إن الإعتماد على النفس هو القوة والبطولة والرقي والأستقلال.
-٩- قال ﷺ "إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه".
لما سوى جدث ابنه إبراهيم رأى حجراً في جانب الجدث فجعل يسويه بأصبعه ويقول "إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه فإنه مما يسلى بنفس المصاب"
الإتقان أيها المسلمون الإتقان. فلا تستهينوا بالأعمال ولا يستصغرن أحدكم أمراً مهماً قل شأنه. فالعلم يحتاج إلى الإتقان والصناعة تحتاج إلى الإتقان والتجارة تحتاج إلى الإتقان. والنظام الذي هو أساس الحضارة والعمران ما هو إلا الإتقان؟ وما سوى ذلك فهو إهمال وتقصير يؤديان إلى الإنحاط والأرتباك والخراب.
-١٠- كان رسول الله يستشير أصحابه.
قال تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾ . إن الله أمر رسوله وهو سيد الخلق وأرجح الناس عقلا وأغزرهم علماً وأسدهم رأيا أن يستشير أصحابه ولا ينفرد برأيه. قال الضحاك "أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل" وقال الحسن البصري "أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنياً" فالأستبداد في الرأي مناف للإسلام كما رأيت وهو من علمات الكبر والغطرسة وليس في الاستشارة أي ضعف بل إنها دليل على العقل وبعد النظر والرغبة في الإصلاح والإسلام من مبدئه يقدر فوائد الاستشارة ويعمل بها.
-١١- الثبات على المبدأ.
إن من تصفح سيرة الرسول يتضح له أنه ﷺ لم يتحول عن مبدئه قيد أنملة واحتمل إيذاء المشركين بكل صبر ولم يذق للراحة طعماً في سبيل الدين ولم يقبل ما عرضته عليه قريش من ملك ومال وجاه. فماذا كانت نتيجة ثباته على المبدأ؟
كانت النتيجة أنه هزم المشركين وفتح بلادهم وهدم الأصنام ونشر الإسلام وتوفي بعد أن بلغ رسالات ربه بكل أمانة وبعد أن قام بالواجب عليه خير قيام. فليعتبر المسلمون بنبيهم وليقتدوا به في جميع أمورهم.