← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَبَّاسٍ … » (١). قال الكرماني مبيناً عادة المحدثين في التعامل مع مثل هذه الرموز «واعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة: ثنا مكان حدثنا: وأنا مكان أخبرنا، فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا، ولو ترك لكان مخطئا، لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف» (٢). بيان معنى الحرف: «ح». قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ … » (٣). قال الكرماني: معنى الحاء (ح) التي تكون في وسط السند وبيان الفائدة من ذلك فقال: «ح: أي حاء مهملة مفردة وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الإسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها (ح) مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا … » (٤).

стр. 107

وقال في موضع آخر مبينا طرق الحديث الواحد والواسطة بين الرواة عند حديث قال البخاري: «حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ … ». قال الكرماني: «اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول: الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد، والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة (ح) إشارة إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين … » (١). وقال الكرماني في موضع ثالث: «وأهل المغرب إذا وصلوا اليها أي حرف: الحاء، (ح) يقولون الحديث، وقد كتب جماعة من حفّاظ عراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح، وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط من الاسناد الأول» (٢). وقد أشار الإمام النووي أن هذا الأسلوب يكثر عند الإمام مسلم، ويقل عند الإمام البخاري (٣). حذف «قال» التي تحذف في الخط وتثبت في القراءة: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ

стр. 108

سَأَلَ … » (١). (فيحيى) أي ابن أبي كثير، والتقدير: أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال يُحذف في الخط عند المحدثين. قال الكرماني معلقا على ذلك: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة فكيف جاز دخول الواو بينهما؟ قلت: إشعاراً بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني بكذا وكذا، وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (٢). ٣ - بيان دقة البخاري في قوة الضبط، والمحافظة على لفظ الشيوخ: كان من عادة البخاري المحافظة على لفظ الشيوخ، سواء أكان ذلك في السند كطرق تحمّله للحديث وأدائه … أو في المتن وما فيه من خلاف بين الألفاظ على حسب التلقي. مثال على ذلك: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ … » (٣). قال الكرماني: «قوله (الزهري) بضم الزاي هو ابن شهاب ذكره البخاري في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه، ولذا تارة يقول ابن شهاب وتارة الزهري وتارةً محمد بن مسلم وهذا من جملة ضبطه واحتياطه» (٤).

стр. 109

ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ … » (١). قال الكرماني: «قوله (عثمان) وقال (يعني ابن الأسود) إشعاراً بأن شيخه لم يقل إلا عثمان وإنما ذكر نسبته فهو منه وهذا من جملة الاحتياطات … » (٢). ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيه … » (٣). قال الكرماني: «وهو الشيباني، بفتح المنقطة وسكون التحتانية وبالنون وقال بلفظ هو إشعاراً بأنه ليس من كلام شيخه بل هو تعريف من تلقاء نفسه» (٤). ومثله قال البخاري: «حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … » (٥). قال الكرماني: عن الراوي: «إسماعيل بن إبراهيم» الملقب بابن علية، «وذكره البخاري ثمة بالكنية حيث قال ابن علية وههنا بالاسم، وهذا دليل على

стр. 110

كمال ضبط البخاري وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه رحمه الله تعالى» (١). ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» (٢). وساق البخاري رواية أخرى للحديث فقال: «قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … » (٣). والملاحظ أنه قال في الرواية الأولى: حدثني ابن الأصبهاني، وفي الثانية عبد الرحمن ابن الأصبهاني، قال الكرماني معلقاً على ذلك: (قال أولا ابن الأصبهاني وههنا عبد الرحمن بن الأصبهاني محافظة على لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطاته» (٤). ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ … » (٥).

стр. 111

الملاحظ أن البخاري رحمه الله تعالى عرّف بابن مالك فقال: هو ابن مِغول. قال الكرماني: «ولو لم يقل كلمة هو كان افتراء على شيخه إذ الشيخ لم ينسبه بل قال مالك فقط هذا من جملة احتياط البخاري» (١). ٤ - بيان وتوضيح العطف في الإسناد: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ»، وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا … (٢). بيّن الكرماني العطف على من يعود لمعرفة تسلسل السند فقال: «قوله (وعن أبيه) عطف على المذكور أولا في الإسناد أي قال يعقوب عن أبيه عن صالح عن إسماعيل ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري … » (٣). ٥ - بيان ما يوهم انقطاع الإسناد: «ومنه توضيح العطف في السند يزداد أهمية حيث يُتوهم في السند المعطوف

стр. 112

انقطاع، إذ لابد حينئذٍ من بيان العطف على الوجه الصحيح فمن ذلك قول البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … »، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ» (١) فاللبس حاصل في عطف (حُسين) على ما قبله، فهو يحتمل أن يكون معطوفا على أول السند فيكون معلقاً، أو على شعبة» (٢) قال الكرماني في ذلك: «قوله: (وعن حسين) هو عطف إما على حدثنا مسدد فيكون تعليقاً والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد وإما على شعبة فكأنه قال حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين وإما على قتادة فكأنه قال عن شعبة عن حسين عن قتادة ولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسدداً لم يسمع من الحسين، وروايته عنه إنما هو من باب التعليق على التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة» (٣). وقد رد البدر العيني على قول الكرماني بعد أن نقل كلامه في شرحه فقال: «هذا كله مبني على حكم العقل وليس كذلك، وليس هو بعطف على مسدد، ولا على قتادة، وإنما هو عطف على شعبة» (٤). وقد علل البدر العيني عدم جمع البخاري بينهما في سند واحد فقال: «وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده البخاري معطوفا اختصارا، ولأن شعبة

стр. 113

قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة» (١). إلا أن ابن حجر نقد الكرماني في تأويله هذا، واعتبره من قبيل التجويز العقلي فقال: «وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقا أو معطوفا على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئا من علم الإسناد» (٢). ٦ - بيان الوجه الصحيح للعطف: قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ» (٣). قال الكرماني مبينا مُتعلق قوله عن «عمه»: «فإن قلت لفظ عن عمه يتعلق بابن المسيب، وبعباد كليهما أو بعباد وحده قلت: الظاهر أنه متعلق بهما لأن سعيدا سمع من عبدالله كثيرا وإن احتمل أن يكون بالنسبة إلى سعيد مرسلا، عن رسول الله ﷺ » (٤). ٧ - (بيان ما قد يُوهم استواء ألفاظ طريقي الحديث) (٥): مثل:

стр. 114

قول البخاري: «حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ … » (١). قال الكرماني: «في بعض النسخ وجد قيل حدثنا آدم لفظ ح إشارةً إلى التحويل من الإسناد الأول إلى إسناد آخر وفي بعضها لم يوجد، وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديثن وفي هاتين الروايتين زاد لفظ والناس أجمعين وذكر الناس بعد الوالدين» (٢). وقد بيّن البدر العيني فقال: (أن هناك عطف في الإسنادين أحدهما على الآخر قبل أن يسوق المتن، وهذا يوهم استواءهما، وليس كذلك، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة … ) (٣). «وقد يقرن البخاري بالعطف راويا بآخر في روايتهما عن شيخ لعلة أرادها من تقوية لطريق الحديث، أو غير ذلك» (٤). مثل: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … » (٥). فقد قرن البخاري بين الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، لأن الحسن لم

стр. 115

يصح سماعه من أبي هريرة، وإنما صح سماع ابن سيرين منه فاعتمد عليه، قال الكرماني: «قالوا لم يصح سماع الحسن عن أبي هريرة أقول فعلى هذا التقدير يكون لفظ عن أبي هريرة متعلقاً بمحمد فقط أو يكون مرسلاً» (١). ومنه إضافة لفظة في الإسناد للبيان: «حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ … » (٢). قال الكرماني: «أعلم أن نسخ البخاري كانت في الأصل: سليمان عن شعبة عروة بن أبي الجعد بدون كلمة عن بين عروة وشعبة فألحقت بها على سبيل الإصلاح لفظة «عن» بينهما والصحيح كما كان في الأول إذ ليس المراد أن شعبة يروى عن عروة وأيضاً هو لم يدرك عصره بل المراد أن شعبة قال هو عروة بن أبي الجعد بزيادة لفظة الأب» (٣). ٨ - ومنه لمعرفة العطف الصحيح، لابد من ضبط أواخر الأسماء، وبيان موضع الاسم من الإعراب لزيادة التوضيح) (٤): قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ

стр. 116

أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ … » (١). اختصر الكرماني القول فقال في ضبط إسماعيل بن أبي خالد: «وإسماعيل بفتح اللام لأنه عطف على عبدالله لا على شعبة» (٢). والمعنى في هذا يبينه البدر العيني بقوله: «شعبة فيه يروي عن اثنين: أحدهما: عبدالله بن أبي السفر، والآخر: إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما يرويانه عن الشعبي، ولهذا إسماعيل بفتح اللام عطفا على عبدالله وهو مجرور، وإسماعيل أيضا مجرور جر ما لا ينصرف بالفتحة» (٣). ٩ - بيان الاتصال ودفع ما يُوهم الإرسال: قال البخاري: «وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا فَقَالَ» (٤). قال الكرماني: «قوله (سمعت أبي) فإن قلت: أبوه محمد فروايته عن رسول الله ﷺ مرسل إذ لا بد من توسيط ذكر سعد حتى يصير مسندا متصلا. قلت: لفظ هذا هو إشارة إلى قول سعد فهو متصل» (٥).

стр. 117

ومنه بيان معرفة عود الضمير المتصل في السند، ليزيل الإشكال: قال البخاري: «حَدَّثَنَا عبْدُاللهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ … » (١). بين الكرماني المقصود في الضمير الذي في جدته، حتى يزيل الإشكال فقال: «قوله مُليكة بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية، هي أم سليم مصغر سالم بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالمهملة الانصارية. فإن قلت هي الأم لأنس لا الجدة. قلت: الضمير راجع الى إسحق لا إلى أنس فإنها أم عبدالله ابن أبي أسحق لأنها كانت أولا زوجة مالك بن أنس ثم تزوجها أبو طلحة فولدت له عبدالله» (٢). ومنه توضيح عبارات في السند: قد ترد في السند عبارات لابد من بيان معناها حتى يستقيم الكلام، فكان الكرماني يبينها ويزيل عنها الإشكال مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِي قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ … » (٣). قال البدر العيني: «وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، وهو معنى قوله: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري، برفع الزهري، لأنه فاعل: حدث، و: نا، مفعوله،

стр. 118

والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه: حدثنا» (١). وبين الكرماني الغرض من ذلك فقال: «والغرض من ذكره الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما في غير ذلك وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق» (٢). ومنه: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْداللهِ … » (٣). قال الكرماني مبيناً قوله: «ليس أبو عبيدة ذكره» فقال: «فإن قلت ما الفائدة فيما قال وليس أبو عبيدة ذكره إذ الإسناد بدونه تمام ولا دخل له فيه، قلت غرض أبي إسحق في هذه اللفظة أن يبين أنه لا يروى هذا الحديث عن طريق أبي عبيدة عن عبدالله كما رواه غيره لان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا فأراد دفع وهم من توهم ذلك فنقل البخاري لفظه بعينه» (٤). وكان من عادة البخاري كذلك إذا أورد حديثا بسنده، ثم أورد آخر بعده بنفس السند يقول، وبإسناده كذا وكذا …

стр. 119

مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ» (١). ثم قال بعده مباشرة: «وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (٢). ومعنى بإسناده: «أن الضمير راجع إلى الحديث أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور» (٣). ومن ذلك بيان معنى عبارة: (مثله أو نحوه) في السند، وأقوال العلماء فيها: مثال ذلك أخرج البخاري: «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ» (٤). قال الكرماني: «قال أصحاب علوم الحديث: إذا روى الراوي حديثا بسنده ثم أتبعه بإسناد آخر له وقال: في آخر مثله أونحوه، فهل تجوز رواية لفظ

стр. 120

الحديث الأول بالإسناد الثاني؟ فقال شعبة: لا وقال الثوري نعم. وقال ابن معين: يجوز في مثله ولا يجوز في نحوه» (١). ساق هذه الأقوال الخطيب البغدادي في الكفاية (٢)، واستحسن النووي في شرحه على مسلم قول الخطيب، وأضاف: «أما إذا ذكر الإسناد وطرفاً من المتن، ثم قال: وذكر الحديث، أو قال: واقتص الحديث، أو قال: الحديث أو ما أشبهه، فأراد السامع أن يروى عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على ما ذكره الشيخ ثم يقول: والحديث بطوله كذا ويسوقه إلى آخره فإن أراد أن يرويه مطلقا ولا يفعل ما ذكرناه فهو أولى بالمنع مما سبق في مثله ونحوه، وممن نص على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى الشافعى، وأجازه أبو بكر الإسماعيلى (٣)، بشرط: أن يكون السامع والمسمع عارفين ذلك الحديث» (٤). * * *

стр. 121

المبحث الخامس تقوية الخبر بقول «أشهد» قال محمد بن إسماعيل البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِي ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ … » (١). قال الكرماني مبينا فائدة كلمة «أشهد» في تقوية الخبر والتأكد منه: «أشهد علي النبي ﷺ ذكر بلفظ الشهادة تأكيدا لتحقيقه وبيانا لوثوقه بوقوعه فإن قلت لم استعمل الشهادة بعلي لا باللام. قلت: ذلك أيضا لزيادة التأكيد في وثاقه لأنه يدل علي الاستعلاء بالعلم علي خروجه ﷺ » (٢). ومنه قول البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُهُ أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ … » (٣). قال الكرماني: «قوله (أشهد) بلفظ المضارع الثلاثي لا بلفظ الأمر ولا من الأفعال وذكره تأكيداً للقصة وتحقيقاً لصدقه ومبالغةً فيه» (٤). * * *

стр. 122

المبحث السادس بيان ما أوهم وأشكل في السند قد يرد في بعض الأسانيد عبارات، قد يوهم ظاهرها القدح في صحة الحديث، أو وجود المجهولين في السند، إلا أن العلماء بينوا المراد منها وأزالوا الوهم والشك والإشكال عن الحديث. ١ - بيان عبارة «حدثني الثقة»: روى البخاري في صحيحه: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ مَا يُعْجِلُكَ قُلْتُ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ فَبِكر زَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ قَالَ وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَيْسَ الْكَيْسَ يَا جَابِرُ يَعْنِي الْوَلَدَ» (١). قوله: «وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ» قال الكرماني: «فإن قلت من القائل بهذا قلت الظاهر أنه البخاري أو مسدد، فإن قلت فهذا رواية عن المجهول، قلت إذا ثبت أنه ثقة فلا بأس بعدم العلم باسمه، فإن قلت لِمَ لم يصرّح بالاسم قلت لعله نسيه أو لم يتحققه» (٢).

стр. 123

قال الإمام النووي في التقريب: «وإذا قال: حدثني الثقة أو نحوه لم يكتف به على الصحيح، وقيل يكتفي فإن كان القائل عالماً كفى في حق موافقه في المذهب عند بعض المحققين، وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلاً عند الأكثرين وهو الصحيح، وقيل هو تعديل وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكماً بصحته ولا مخالفته قدح في صحته ولا في راويه، والله أعلم» (١). ٢ - بيان عبارة غير كذوب: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» (٢). بين الكرماني معنى عبارة غير كذوب ناقلاً عن الخطابي (٣): «قال ابن معين القائل وهو غير كذوب هو أبو إسحاق، ومراده أن عبدالله غير كذوب، وليس المراد أن البراء غير كذوب، لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ مثله هذا الكلام. وقال قلت: قوله وهو غير كذوب، لا يوجب تهمة في الراوي حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه بهذا القول، إنما يوجب ذلك إثبات حقيقة الصدق له ليتأكد العلم به أي معناه تقوية الحديث والمبالغة في تمكينه من النفس لا التزكية التي

стр. 124

تكون في مشكوك فيه، وهذا عادتهم فيما يروونه حيث يريدون إيجاب العمل به أو تأكيد العلم فيه كقول أبي هريرة سمعت خليلي الصادق المصدوق وقول ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق، وهذا لا يوجب ظنة كانت فترفع بهذا القول؛ إنما هو نوع ثناء وضرب تأكيد إذا اشتدت العناية بالشئ من القائل به» (١). ثم إن الكرماني بين رد النووي (٢) على الخطابي بقوله: «كلام ابن معين لا وجه له من جهة أخرى أيضاً لأن عبدالله صحابي أيضاً فحكمه حكم البراء في ذلك» (٣). ٣ - بيان عبارة زعم: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا … » (٤). بين الكرماني أن زعم بمعنى قال، لأن الزعم يستعمل في الأمر المحقق ثم نقل عن الخطابي (٥) القول فيها: «ليس قوله زعم على وجه التهمة لكنه لما كان أمرا مختلفا فيه جعل الحكاية عنه بلفظ الزعم وهذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في

стр. 125

أمر يرتاب به أو يختلف فيه» (١). * * * المبحث السابع بيان أصح الأسانيد، ورأي البخاري ذكر علماء الحديث أصح الأسانيد، واختلفوا في أصحها، ويرجع سببه إلى اجتهاداتهم في تفاوت درجات توثيق الرواة، فكل راوٍ وُجدت فيه صفة العدل، والضبط والإتقان كان سنده أصح من غيره. فقالوا في أصح الأسانيد على حسب اجتهاد كل منهم: «قال الحافظ ابن كثير في أصح الأسانيد: «فعن أحمد وإسحق: أصحها: الزهري عن سالم عن أبيه. وقال علي بن المديني والفلاس: أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي. وعن يحيى بن معين: أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود (٢). وعن البخاري، مالك عن نافع عن ابن عمر». وهذا القول نقله الكرماني عن البخاري فقال: «ومذهب البخاري أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن

стр. 126

ابن عمر ويسمى هذا الإسناد بسلسلة الذهب» (١). «وزاد بعضهم: الشافعي عن مالك، إذ هو أجلّ من روي عنه» (٢). (ثم ذكر الكرماني أقوال بعض العلماء في أصح الأسانيد آنفة الذكر) (٣). وقال بعض العلماء لا يمكن الحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقا، بسبب تفاوت نظرة النقاد في جرح الرواة وتعديلهم (٤). وقال السيوطي في ألفيته: والوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ لِمَتْنٍ أَوْ سَنَدْ … بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا أَسَدْ وآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا … لِفَوقِ عَشْرٍ ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ (٥) ومن العلماء من ذكر أصح الأسانيد عن صحابي معيّن أو بلد وأقوام معينين، منها: ١ - أصح الأسانيد عن عائشة ﵂: عبيدالله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة. ٢ - أصح الأسانيد عن عمر: الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن عبدالله بن عباس عن عمر.

стр. 127

٣ - أصح الأسانيد عن أبي هريرة: مالك بن أنس عن أبي الزناد عبدالله ابن ذكوان عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة، وهذا رأي البخاري كما نقله الكرماني (١). ٤ - أصح أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي إذا كان الراوي عن جعفر ثقة. ٥ - أصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. ٦ - أصح أسانيد اليمانيين: معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة. وقيل غير ذلك (٢). * * *

стр. 128

الفصل الثاني منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك المبحث الأول التخريج تعريفه، وفوائده * تعريف التخريج في اللغة والاصطلاح: ١ - تعريف التخريج في اللغة: خَرَجَ خروجاً ومَخْرَجاً. وقد يكون المَخْرَجُ موضع الخروج، وهو نقيض الدخول يقال: خرج مخرجاً حسناً، وهذا مَخْرَجُهُ، والمخرج موضع الخروج، والاستخراج، كالاستنباط (١). وقال ابن منظور: «الفرق بين الخروج والوصل أن الخروج أشد بروزا عن حرف الروي واكتنافا من الوصل لأنه بعده، ولذلك سمي خروجا لأنه برز وخرج عن حرف الروي» (٢). فيكون المعنى اللغوي للتخريج هو الإبراز والإظهار، والاستخراج ..

стр. 129

«ومنه قول المحدثين عن حديث ما: أخرجه البخاري، بمعنى أبرزه للناس وأظهره لهم ببيان مخرجه؛ وهم رجال إسناده الذين خرج الحديث عن طريقهم» (١). ٢ - التخريج في اصطلاح المحدثين: قال السخاوي: «والتخريج إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما … » (٢). ويطلق عند المحدثين كذلك بمعنى إبراز الحديث وإظهاره للناس، ومنه قول ابن الصلاح عند كلامه عن طريقة العلماء في تصنيف الحديث: «إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه، وغيرها» (٣). ويراد به: «الدلالة على مصدر الأحاديث وعزوها» … ومنه قول المناوي في شرحه لقول السيوطي في مقدمة الجامع الصغير: اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين» (٤).

стр. 130

إلا أن العلماء المعاصرين عرفوه بقولهم: «عزو الحديث إلى مصادره الأصلية المسندة، فإن تعذرت فإلى الفرعية المسندة، فإن تعذرت فإلى الناقلة عنها بأسانيدها، مع بيان مرتبة الحديث غالباً» (١). ومن هنا يتظهر العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي «فمادة خرج يدور أحد معانيها على النفاذ عن الشيء الذي يلزم منه الظهور والبروز، فمن هنا تتضح مناسبة المعنى اللغوي للمعنى الاصطلاحي» (٢). * فوائد التخريج: ١ - التعرف على مكان وجود الحديث من مصادره الأصلية. ٢ - معرفة درجة الحديث إذ أن بعض المصنفين كالترمذي يحكمون على الحديث. ٣ - معرفة طرق الحديث، والمتابعات، والشواهد التي يمكن أن يتقوى بها الحديث إن كان ضعيفاً. ٤ - معرفة علل الحديث أوما فيه من شذوذ بعد جمع طرقه والمقارنة بينها.

стр. 131

٥ - معرفة سبب ورود الحديث، ومعنى الغريب التي تذكر في روايات أخرى. ٦ - بالتخريج يستطيع الباحث أن يجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد وبالتالي إعطاء البحث حقه من الأدلة من الحديث (١). * * * المبحث الثاني عدد أحاديث صحيح البخاري فقد ذكر علماء الحديث أن عدد الأحاديث في صحيح البخاري: «سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالمكررة، ومن دون المكرر بلغت أربعة آلاف حديث، مع آثار الصحابة والتابعين، مع عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين» (٢). على خلاف في عدد الأحاديث في الصحيح على حسب طريق البخاري فهذا الذي ذُكر من أن إجمالي الأحاديث في البخاري بلغت: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، على حسب رواية الفربري، وفي رواية حماد فدونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة رواية إبراهيم بنِ مَعْقلٍ) (٣).

стр. 132

وقال ابن حجر: «فجميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حررته وأتقنته سبعة آلاف وثلاث مائة وسبعة وتسعون حديثا فقد زاد على ما ذكروه مائة حديث واثنان وعشرون حديثا على أنني لا أدعي العصمة ولا السلامة من السهو … » (١). فحاصل الخلاف على حسب رواية شيوخ البخاري، وعلى حسب المكرر والمعلق والمختصر … بين عادّ له أو لا. وعلى غير عادة الإمام مسلم، من جمع روايات الحديث الواحد في مكان واحد، نهج البخاري إلى عكس ذلك من تفريق الروايات في صحيحه، وله في ذلك أسباب تدل على صنعته الحديثية المميزة، قال ابن حجر في هدي الساري (٢) عنها وأذكر أهمها: ١ - إخراج الحديث عن حد الغرابة، إذ أنه يخرّج الحديث عن صحابي، ثم يورده عن صحابي آخر وفي هذا فائدة زائدة. ٢ - احتواء الحديث على معانٍ متغايرة، فيورده في كل باب من غير طريق الأولى. ٣ - نقل الأحاديث كما وردته والمحافظة على لفظ الشيوخ، بين من رواها تامة، ومن رواها مختصرة. ٤ - تعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وترجح لديه الوصل، أو الرفع وبين أن لا تأثير للإرسال أو الوقف.

стр. 133

٥ - إخراج حديث زاد فيه بعض الرواة رجلا في الإسناد، ونقصه آخر فيورده على الوجهين، حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر، ثم لقيَ الآخر فحدثه به، فيرويه البخاري على الوجهين. ٦ - وقد يروي الحديث معنعناً، ثم يرويه من طريق آخر فيه التصريح بالسماع. هذا وقد اهتم الكرماني في شرحه بالتخريج بكل أنواعه: أولاً: تخريج أحاديث صحيح البخاري. ثانياً: تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة. * * * المبحث الثالث تخريج أحاديث صحيح البخاري فبين أماكن تكرارها وتواجدها، وميّز ما بينها من فروق، مع ذكر الفوائد والأسباب الداعية لذلك. من ذلك: ١ - بيان مواضع أحاديث صحيح البخاري وبيان سر التكرار: بين العلماء أسرار تكرار الحديث عند البخاري قال ابن حجر ناقلاً عن الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (١):

стр. 134

«اعلم أن البخاري ﵀ كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يُورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يُورده من طريق أخرى لمعانٍ نذكرها والله أعلم بمراده منها، فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يُورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يُخرج الحديث عن حد الغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة، وهلم جرا إلى مشايخه فيَعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة» (١). ثم إن الأحاديث التي كررها البخاري كما هي سنداً ومتناً قليلة جداً، وعن غير قصد منه، قال ابن حجر في هدي الساري: «ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندا ومتنا في موضعين أو أكثر إلا نادرا فقد عني بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعا» (٢).

стр. 135

وقد تنوع صنيع الكرماني في ذلك فتارة يذكر الأبواب التي مرّ فيها الحديث، من دون أن يتطرق لذكر السند والمتن مثال على ذلك: قال البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ ابْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَهَبْنَا … » (١) وهو حديث الشفاعة الطويل. قال الكرماني: مبينا وموضحا الأبواب التي ذكرت هذا الحديث عند البخاري مشيراً إلى التطويل والاختصار في صنيع البخاري. «وهذا الحديث مخرّج في الجامع أكثر من اثني عشر موضعا، في الصلاة في باب فضل السجود وفي الزكاة في باب: من سأل الناس تكثرا، وفي كتاب الأنبياء في باب: نوح وفي باب إبراهيم ﵉، وفي كتاب: التفسير في باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وفي باب: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وفي باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وفي باب: الصراط وفي باب: صفة الجنة والنار وفي كتاب: التوحيد وفي باب: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وفي باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وفي هذا الموضع وغيره لكن في بعضها ذكره مطولا وفي بعضها مختصرا» (٢). ومثله: قال البخاري في حديث الإسراء: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لَيْلَةَ

стр. 136

أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ … » (١). قال الكرماني: «والحديث مخرّج مطولاً ومختصراً أكثر من عشر مرات أولها في كتاب الصلاة، (باب كلام الرب مع أهل الجنة)» (٢). ومن ذلك: ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ النَّبِي ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مرتين أوثلاثاً» (٣). فقال الكرماني مبينا مواضع الحديث في الصحيح، ومنبها على بعض الفروق: «هذا الإسناد والحديث بعينهما تقدما في باب: من رفع صوته بالعلم، وفي باب: من أعاد الحديث ثلاثاً في كتاب: العلم لا تفاوت بينه وبينهما إلا في الراوي الأول، فإنه موسى ههنا وثمة في الباب الأول أبو النعمان وفي الباب الثاني مسدد» (٤). ٢ - تكرار الحديث لبيان قصد الراوي ومطابقة الترجمة التي أرادها البخاري: مثاله: قال البخاري: في باب إطعام الطعام من الإسلام: حَدَّثَنَا عَمْرُو

стр. 137

ابْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (١). ثم كرر البخاري الحديث بسند آخر في باب إفشاء السلام من الإسلام «حَدَّثنا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍ … مثله» (٢). فقال الكرماني عن تكرار الحديث بعينه: «فإن قلت الحديث بعينه هو المتقدم فلم ذكره مكرراً. قلت: ذكره ثمة للاستدلال على أن الإطعام من الإسلام وههنا للاستدلال على أن السلام منه. فإن قلت كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا باب الإطعام والسلام من الإسلام بأن يدخلهما في سلك واحد ويتم المطلوب. قلت لعل عمرو بن خالد ذكره في معرض بيان أن الإطعام منه وقتيبة في بيان أن السلام منه فلذلك ميزهما مضيفاً إلى كل راو ما قصده في روايته والله أعلم» (٣). ٣ - التكرار من أجل تقوية سند الحديث: منه: بيان أن: السماع أقوى من العنعنة.

стр. 138

مثاله: أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، قال: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ ابْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِي أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ … » (١). ثم كرر البخاري الحديث مباشرة بعد الرواية الأولى في مكان واحد فقال: «وَعَنِ الزُّهْرِي عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ عَنِ النَّبِي ﷺ مِثْلَهُ» (٢). فقال الكرماني مبيناً هدف البخاري من ذلك: «فإن قلتَ ما الفائدة في تكرار هذا الإسناد وهو بعينه عن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب عن النبي ﷺ ؟ قلت: الأول: بلفظ عن أبي أيوب وأن النبي ﷺ ، وهذا بلفظ ما سمعت أبا أيوب وعن النبي ﷺ والسماع أقوى من العنعنة وعن أقوى من أن» (٣). ومنه: قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا

стр. 139

دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ … » (١) وساق بعده البخاري مباشرة رواية لكن بسند: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَني عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ بِهَذَا» (٢). فقال الكرماني: «الغرض من هذا الطريق يقصد طريق محمد بن المثنى التي فيها لفظ السماع بيان التقوية لأنها هي المرتبة العليا لعدم احتمال الواسطة بخلاف الإسناد السابق وهو قال رسول الله ﷺ فإنه محتمل للواسطة» (٣). ومثله: تصريح راو مدلس بالسماع، والدقة في اللفظ، أخرج البخاري فقال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيِّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ … » وبعده قال: «قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (٤). قال الكرماني: «الغرض من ذكر هذا الإسناد يقصد الثاني الذي فيه لفظ سمعت التقوية وهذا اللفظ أيضا لأن الأعمش مدلس وعنعنة المدلس لاتعتبر إلا إذا علم سماعه فأراد التصريح بالسماع إذا الإسناد الأول معنعن، وقال ثمة حدثني محمد بن المثني وقال هنا قال ابن المثني إشارة الى رعاية الفرق الذي بينهما ولا يخفي أن «قال» أحط درجة من حدث» (٥).

стр. 140

وبين الكرماني الفرق بين لفظي التحديث: «كما راعى أيضا ثمة الفرق بين حدثني وحدثنا (١) حيث أفرد في بعض وجمع في آخر فتأمل» (٢) وذلك لبيان اختلاف مجالس السماع. قال عبدالله بن وهب: «إذا قلت: «حدثني» فهو ما سمعته من العالم وحدي، وإذا قلت: «حدثنا» فهو ما سمعته مع الجماعة، وإذا قلت: «أخبرني» فهو ما قرأت على المحدث، وإذا قلت «أخبرنا» فهو ما قرئ على المحدث وأنا أسمع قال الخطيب: هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم» (٣). ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِي فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ … » (٤).

стр. 141

قال الكرماني مبينا قوة الرواية الثانية: «الأول روى فيه حميد بلفظ عن أبي صالح وأن أبا سعيد، والثاني روى بلفظ قال أبو صالح ورأيت أبا سعيد والثاني أقوى» (١). ٤ - التكرار لدواعي تقطيع الحديث واختصاره: لجأ البخاري في صحيحه، لتقطيع الحديث واختصاره، للحاجة إلى ذلك. تعريف اختصار الحديث: وهو حذف بعضه والاقتصار في الرواية على بعضه (٢). وقد أجاد الكرماني في ذلك وسماه: «خرماً»، والخرم في اللغة: قال ابن منظور: «الخرم: مصدر قولك خَرَمَ الخَرَزَة يخرِمها، بالكسر خَرْماً وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ وقال اللَّيْثُ: خَرِمَ أَنفُه يَخْرَمُ خَرَماً، وَهُوَ قَطْعٌ فِي الوَتَرَةِ وَفِي الناشِرتَيْنِ أَوْ فِي طَرَفٍ الأَرْنَبة لَا يَبْلُغُ الجَدْعَ» (٣). فالخرم من معانيه في اللغة القطع، وهو ما وافق المعنى الاصطلاحي من قطع الحديث واختصاره. واختصار الحديث، له أنواع فقد يروي الراوي الحديث وينقله مختصرا، فيقطّعه ويأخذ منه موطن الشاهد الذي يريد، بينما يرويه غيره تاماً، مما يؤدي إلى تعدد صور روايات الحديث، وهو حديث واحد، فلا يُظن أن هذا من قبيل

стр. 142

اضطراب المتن، إذ أن الاضطراب تكون الروايات فيه متساوية لايمكن الجمع بينها، مما يُشعر بعدم ضبط الراوي. وقد جاء عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: (قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد» (١). فيُفهم من كلام ابن سيرين أن الرواة منذ الصدر الأول كانوا يتصرفون في الحديث فيختصرونه أو يرونه بالمعنى (٢). وكان الكرماني يشير إلى اختصار الحديث عند البخاري ويبين سبب ذلك: مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ … » (٣). ذكر الكرماني (٤) أن في إسناد هذا الحديث بين البخاري والزهري ثلاثة رجال وهم: إِبْرَاهِيمُ ابْنُ حَمْزَةَ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وصَالِحٍ بن كيسان. وفي الرواية الأخرى بين البخاري والزهري رجلان، والرواية هي:

стр. 143

«حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ … » (١). والرجلان هما: أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وشُعَيْبٌ. ثم بين الكرماني ممن وقع القطع والخرم فقال: «فإن قلت فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري؛ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر» (٢). ثم بين سبب الخرم فقال: «فإن قلت فلم يقع الخرم. قلت: لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصاراً وتقريباً لفهم المراد والله تعالى أعلم» (٣).

стр. 144

مثال ثانٍ: قال البخاري: «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ» (١). فبيّن الكرماني أن هذا الحديث مخروم بمعنى مُقطّع حيث قال: «لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال: قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا إلى آخره … وقد خُرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ» (٢). ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ» (٣). قال الكرماني: «وثبت في الصحيح: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا،

стр. 145

والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات (١)، فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾» (٢). ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في كتاب الرقائق: «حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (٣). قال الكرماني: «فإن قلت هذا مُشكل لأن نصف الحديث يبقى بدون الإسناد، ثم أن النصف مبهم أهو الأول أم الآخر، قلت: اعتمد على ما ذكر في كتاب الأطعمة (٤) من طريق يوسف بن على المروزي، وهو قريب من نصف هذا
следующие страницы →