يذكر آراء أصحاب الفِرَق، كالخوارج، والشيعة، والمعتزلة ويرد عليهم.
الاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال في شرحه على البخاري وغيرهم.
له مصطلحات تُعرف من خلال سياق الكلام، فمثلاً كلمة رواه أحياناً يقصد بها الصحابي أو التابعي الذي روى الحديث، وأحياناً يقصد بها معنى التخريج.
بعد أن يذكر الأقوال في المسألة، ينقل ما قيل من أقوال غير معتمدة بصيغة التمريض «قيل».
إذا تكرر الحديث يترك أحيانا بعض أجزاء الشرح، ولطائفه، ويذكرها عند ذكر الحديث مرة أخرى، وكثير من الأحيان يمر على الحديث المكرر سريعا، ولا يُعيد الشرح، وخصوصاً في الأجزاء الأخيرة من شرحه.
الإشارة إلى نهاية كتاب وبداية آخر، أو يُنهي الكتاب بقوله: «تم»، أحياناً يختم الكتاب بالدعاء ويكفي به.
عند توثيقه لكلامه يصف من نقل عنهم بأهل كذا … كقوله، قال أهل اللغة، قال أهل البلاغة، قال أهل البيان، قال أهل العلم.
وهناك نقاط كثيرة في تفصيل منهج الكرماني ستظهر بمشيئة الله أثناء البحث.
* * *
стр. 72
المبحث السادس
بعض المآخذ على الكرماني
ويشمل:
١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري:
٢ - اعتراض البرماوي (١) في اللامع الصبيح:
على جلالة قدر علم الإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري، إلا أنه لم يخلُ من انتقادات الأئمة، وذكر ما فيه من ثغرات، وملاحظات، منها ما هو واضح، ومنها ما يُمكن الرد عليه، ورد الشبهة في التوفيق بين قول الكرماني، والمعترض.
فمن الاعتراضات على الكرماني:
١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري:
قال ابن حجر: «وهو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف» (٢) «وفيه أوهام فاحشة وتكرار كثير لا سيما في ضبط أسماء
стр. 73
الرواة» (١).
من هذه الأوهام التي وقع فيها الكرماني وانتقده فيها الحافظ ابن حجر، الوهم في العزو إلى المصادر.
مثاله: قال البخاري: «أَذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ … » (٢).
فالكرماني نقل عن ابن بطال في ضبط كلمة الأذن فقال: «قال ابن بطال: الأدر جمع الآدر،. أقول يعني نحو الحمر والأحمر من الأدرة وهي نفخة الخصيتين وهو غريب شاذ» (٣).
فقال ابن حجر: «ولم أر ذلك في كتاب ابن بطال فليحرر» (٤) وبالفعل هذا الكلام غير موجود في كتاب ابن بطال.
وأكثر من انتقد الكرماني هو ابن حجر، ومن بعض هذه الانتقادات.
الوهم في الراوي المقصود (٥).
غفلة الكرماني عن بعض الروايات، وعدم استحضارها، أدى إلى الوهم في فهم المقصود (٦).
стр. 74
القول بمسألة ما أنه مجمع عليها، والصحيح خلاف ذلك (١).
وغير ذلك من الانتقادات، وقد انتصر البدر العيني الحنفي للكرماني في كتابه عمدة القاري (٢)، ورد بعض انتقادات ابن حجر (٣).
حتى إن البدر العيني الحنفي انتقد الكرماني في نقله لرأي الحنفية، وأن المسألة فيها خلاف بين أئمة المذهب، وليس قولا واحداً كما قال الكرماني (٤).
стр. 75
٢ - اعتراض البرماوي في اللامع الصبيح:
وقال شمس الدين البرماوي، بعد أن أثنى على الكرماني وشرحه: «إلا أنه كرر فيه كثيرا، لا سيما في التراجم والأسماء، فإنه زاد تكريرا، وربما أغلق في بعض العبارة، وأطال بما يمكن أن يشار إليه بأخصر إشارة، وربما قدم ما يحسن تأخيره، وأخر ما يحسن تقديمه وتوفيره، وربما غاير بين أقوال راجعة في المعنى إلى واحد، حتى كاد أن تلتبس في ذلك المقاصد» (١).
إذا تبين أن المآخذ كانت في:
الوهم في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف.
الاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال (٢) في شرحه على البخاري وغيرهم، وهو ما يعزز قول ابن حجر أنه أخذه من الصحف.
وقد انتقد ابن حجر الكرماني بقوله أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب (٣) فقال ابن حجر: «والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى
стр. 76
بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه» (١).
وقد تبين لي أن وهم الكرماني في بعض النقول أنه كان ينقل معنى الكلام، دون أن يأخذه بالحرف، ولعله أخطأ في بعضها، كما أنه إلا في حالات قليلة، يقول بعد النقل: «تم كلامه» (٢) ولا يذكر أين هي نهاية كلام المرجع الذي نقل منه، فهذا قد يؤدي إلى التداخل بين كلامه وكلام المنقول عنه.
التكرار في ضبط أسماء الرواة:
أما عن تكراره لضبط اسم الرواة:
ولعل الكرماني كان يعمد إلى ذلك في أسماء الرواة الذين قد يقع الإشكال في نطق أسمائهم، فتراه يكرر الضبط حتى يعلق في ذهن القاراء الضبط الصحيح مثال على ذلك:
فقد قال في ضبط اسم التابعي: «سعيد بن المسيَّب» (٣) «بفتح الياء على المشهور، وقيل بالكسر وكان يكره فتحها» (٤).
стр. 77
مثال ثانٍ:
كرر ضبط اسم الراوي: «محمد بن جعفر هو أبو عبدالله محمد الهزلي البصري المعروف بغُنْدَر بضم الغين المعجمة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة هو المشهور» (١).
ثم إنه كرر ضبط غُنْدَر في أكثر من عشر مواضع، ويقول: مر في باب ظلم دون ظلم، وتارة يكتفي بالضبط من دون الإحالة، وقد بيّن الكرماني في مقدمته بيان السبب في ذلك: «ولم أبال عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في تعجيم بعض الأسماء التي هي واضحة عند أهل هذا الشأن، لأني قصدت فيه النفع للمبتدئين والمنتهين، والفائدة للمتقدمين والمتأخرين … وذكر أن الناس اشتبهت عليهم أكثر الأسماء، حتى كادوا يتركون قراءة صحيح البخاري» (٢).
أما قول شمس الدين البرماوي، أن الكرماني كان يُطيل في موضع الاختصار، أو أنه يُقدم مايجب تأخيره أو العكس، فلعل هذا وجهة نظر البرماوي ورأيه، إذا أن منهج الكرماني كان أكثره يدور على الاختصار.
قلت: ومن المآخذ على الكرماني كذلك:
الحكم على أسانيد بالانقطاع، وهي موصولة من طرق أخرى، مع العلم أن الكرماني كم من أحاديث مرت قيل عنها أنها مقطوعة أو مرسلة إلا أنه بيّن
стр. 78
أنها موصولة من طرق أخرى وأزال الإشكال إلا أنه ربما غفل عن بعضها كهذا المثال: قال البخاري:
«حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأ تُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» (١).
قال الكرماني: «واعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت أنا أو قال رسول الله ﷺ إن جبريل نزل» (٢).
قال ابن حجر في فتح الباري يرد كلام الكرماني: «قلت هذا لا يسمى منقطعا اصطلاحا وإنما هو مرسل صحابي (٣).
стр. 79
لأنه لم يدرك القصة فاحتمل: أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابي آخر، على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله، ولفظه: فقال عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث» (١) وهو «أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ … وذكر الحديث» (٢).
فبين ابن حجر أن الحديث من قبيل مرسل الصحابي، وأن الرواية الثانية عند البخاري فيها التصريح بالسماع فيزيل الإشكال.
مثال آخر: قال البخاري: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ
стр. 80
لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».» (١).
قال ابن حجر: «قوله عن عبدالله بن أبي قتادة قال أبو عبدالله لا أعلمه إلا عن أبيه انتهى أبو عبدالله هذا هو المصنف، وقع قوله قال أبو عبدالله في رواية المستملي وحده وكأنه وقع عنده، توقف في وصله لكونه كتبه من حفظه أو لغير ذلك، وهو في الأصل موصول لا ريب فيه فقد أخرجه الإسماعيلي عن بن ناجية عن أبي حفص، وهو عمر بن علي شيخ البخاري فيه فقال عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه ولم يشك وأغرب الكرماني فقال إن هذا الإسناد منقطع وإن حكم البخاري بكونه موصولا لأن شيخه لم يروه إلا منقطعا» (٢) كما أن البدر العيني نقد ابن حجر في مواضع عدة في كتابه: «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (٣).
لكن هذه الانتقادات القليلة بجانب الإيجابيات، والمحاسن الكثيرة، تتلاشى مع كثرة النقول والفوائد التي نقلها ابن حجر عن الكرماني في فتح الباري، وغيره كالبدر العيني، والشوكاني، وكل جهد بشري قابل للانتقاد، مهما بلغ فيه صاحبه غاية الجهد، فلذلك نلتمس له العذر.
وبعض المآخذ كانت في نسبة الكرماني لبعض الرواة لبلدان غير بلدانهم،
стр. 81
كما قال في نسبة: «المكي ابن إبراهيم» «المنسوب الى مكة شرفها الله تعالى» (١).
وقد اعترض ابن حجر على ذلك فقال في الاسم: «هو اسم بلفظ النسب وليس بنسب لأنه بلخي» (٢) وقد رد البدر العيني على اعتراض ابن حجر وبيّن أن المراد على صورة النسبة إلى مكة، فقال: «وقد اعترض عليه بعضهم بأن قال: منسوب إلى مكة وليس كذلك، بل هو اسمه، وهو من بلخ قلت: أراد به الكرماني أنه على صورة النسبة إلى مكة ولم يدع أنه منسوب إلى مكة حقيقة» (٣). قلت: وهو من النِسب التي على خلاف ظاهرها.
* * *
стр. 82
الباب الثاني
الصناعة الحديثية عند الكرماني وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة
* الفصل الأول: منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد.
* الفصل الثاني: منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك.
* الفصل الثالث: منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة.
стр. 83
الباب الثاني
منهج الكرماني وصناعته وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة
الفصل الأول
منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد
المبحث الأول
تعريف المنهج، والصناعة الحديثية
١ - تعريف المنهج في اللغة:
النَهْجُ: الطريق الواضح، وكذلك المَنْهَجُ والمِنْهاجُ. وأَنْهَجَ الطريقُ، أي استبانَ وصار نَهْجاً واضحاً بَيِّناً والجمع نهوج، ونهاج (١).
ولم أجد فيما اطلعت عليه من عرّف المنهج تعريفاً اصطلاحياً، غير أنه يُقصد به الطريق الواضح، والعادة، والأسلوب الذي مشى عليه الكرماني في شرحه.
٢ - تعريف الصناعة الحديثية:
يقصد بالصناعة في المعنى العام في علم ما هو التفنن في ذلك الموضوع
стр. 84
والحذاقة، وترك بصمة واضحة فيه، وإظهار وبذل الجهد والطاقة، واستنباط قواعد هذا العلم، والإحاطة به.
وإلى هذا يشير حاجي خليفة: «المنظر الثالث: في أن العلم من جملة الصنائع، لكنه أشرفها واعلم: أن الحذاقة والتفنن في العلم، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول الملكة في الإحاطة بمباديه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله؛ وهذه الملكة هي غير الفهم والملكات كلها جسمانية، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم، فيكون صناعيا، ولذلك كان السند فيه معتبرا، وجميع ما يسمونه علما أو صناعة، فهو عبارة عن ملكة نفسانية، يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما، من جهة ما، بحيث يؤدي إلى الغرض» (١).
وجاء في تعريف الصناعة: «ملكة نفسانية تصدر عنها الأفعال الاختيارية من غير روية، وقيل: المتعلق بكيفية العمل» (٢).
فالمراد بالصناعة الحديثية عند الإمام الكرماني في كتابه، «الكواكب الدراري» هي الفوائد والمصطلحات والمواضيع التي مارسها الكرماني في كتابه بمايتعلق بعلم الحديث رواية ودراية.
وأهل الصنعة الحديثية هم الذين يذبّون عن سنة رسول الله ﷺ ، ويحفظونها من كيد الكائدين المشككين فيها، ويعرفون صحيح الأحاديث من
стр. 85
سقيمها، ويعرفون خفايا عللها سنداً ومتناً، ويتفننون في طريقة عرضها، بما أوتوا من ملكة وموهبة.
قال البيهقي (١): «وقد يَزلُّ الصدوق فيما يكتبه، فيدخل له حديث في حديث، فيصير حديث روي بإسناد ضعيف مركبا على إسناد صحيح، وقد يزل القلم ويخطئ السمع، ويخون الحفظ، فيروي الشاذ من الحديث عن غير قصد، فيعرفه أهل الصنعة الذين قيّضهم الله لحفظ سنن رسوله ﷺ على عباده» (٢).
وقال الإمام مسلم: «واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم» (٣).
إذاً: كل علم مارسه صاحبه وأتقنه وتفنن فيه، حتى أصبح له سجية وحِرفة، عندها يقال أنه: «أدرك الصناعة لهذا العلم».
وهذا ما سنراه عند الإمام الكرماني في ثنايا هذا البحث، من منهج، وصناعة حديثية … إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 86
المبحث الثاني
منهج الكرماني في دراسة أسانيد صحيح البخاري
* تمهيد:
أهمية الإسناد:
من أعظم نعم الله على الأمة المحمدية أن جعلها: «أمة الإسناد»؛ فلا يقبل خبر أو رواية إلا إذا تحققنا من إسنادهما، فلذلك كان الإسناد حامياً وحافظاً لنصوص الشريعة من التحريف والتبديل «فقد كان الإسناد الشرط الأول في كل علم منقول فيها، حتى في الكلمة الواحدة، يتلقاها الخالف عن السالف، واللاحق عن السابق بالإسناد، حتى إذا مَنَّ الله تعالى على الأمة بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظةً من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد، اعتماداً منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين» (١).
وقال شعبة بن الحجاج (٢): «كُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا، فَهُوَ خَلٌّ (٣) .......................................................................
стр. 87
وَبَقْلٌ» (١) كما أن لعبدالله ابن المبارك (٢) كلاماً يدل على أن طلب الإسناد من الدين، إذ قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال: من شاء ما شاء» (٣).
وقال أبو عبدالله الحاكم (٤) معلقاً على قول ابن المبارك: «فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترا».» (٥).
وقال الكرماني: «لما كان الإسناد خصيصة هذه الأمة المباركة ومن جملة
стр. 88
شرفها. فلا بد من اعتباره اقتداء بالسلف. وحفظاً للشرف» (١).
وتعددت تعاريف العلماء بالنسبة للسند فقال البدر بن جماعة (٢): «هو الإخبار عن طريق المتن» (٣)، وقال غيره: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدا عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله … «والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود» (٤).
فلذلك كانت قواعد العلماء في السند وشروطه، ومعرفة أحوال الرواة وصفاتهم، وطريقة تزكيتهم أو جرحهم من علماء جمعوا بين العلم والورع … كانت قواعد، وأسس لم يُسبق إليها من قبل، جعلت منها ميزاناً يُحتكم إليه في صحة الروايات من عدمها.
إنّ طريقة البخاري في انتقاء الأحاديث التي وضعها في صحيحه جعلت منها من حيث الجملة في أعلى درجات الصحة، وجعلت أسانيدها قوية في رجالها (من حيث العدالة والضبط، والاتصال، والخلو من العلة)، وخالية من أي قدح يشوبها، «وتميزت أسانيد صحيح البخاري بقوتها، وخلوها مما يقدح في
стр. 89
صحتها، حتى غدت بيضاء نقية شاهدة بأمانة نقلتها، ودقة تحري رواتها» (١).
وكان من عادة شرّاح الحديث أن درسوا هذه الأسانيد، وجعلوها محط اهتمامهم قال الكرماني مبيناً حال رجال سند البخاري وقد قسّمهم إلى قسمين قسم عدول وهم صحابة النبي ﷺ : «رجال بينه وبين رسول الله ﷺ ، واتفق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار، فما ذكرنا إلا أنسابهم ووفياتهم، ونحو ذلك مما تميل الخواطر إليها وذلك لتكثير الفوائد، وتعزير العوائد، والاستئناس بها، لا للتعديل والتجريح أو التصنيف والتصحيح، وصححنا أسماءهم احترازا الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف» (٢).
وقسم بقية رجال السند من التابعين ومن بعدهم «ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر. ولا إلى الإسناد إليهم» (٣).
وقد ظهرت جهود الكرماني في الاعتناء بأسانيد البخاري والتعليق عليها، وذلك من خلال الآتي:
أولاً ذكر منهج البخاري في رواية الحديث تحملاً وأداءً:
عرف علماء الحديث الرواية فقالوا: «حمل الحديث ونقله وإسناده إلى من عُزي إليه بصيغة من صِيغ الأداء وقواعد هذا الباب تبحث في المنهج العلمي
стр. 90
للرواية في أخذ الراوي للحديث الذي سماه العلماء «التحمّل». ثم في تبليغه الذي أطلقوا عليه: «الأداء». وما ينبغي أن يكون عليه حال التحمل والأداء من الأدب، والإخلاص، والتحري، والإتقان، وذلك يتصل بعلوم الرواة بسبب قوي» (١). وقد قام الإمام الكرماني بمناقشة طرق تحمّل الحديث، وأدائه عند الإمام البخاري، وذلك عند الأدلة التي ساقها البخاري في السن المعتبرة في التحمل والسماع فذكر الكرماني في ذلك.
أهلية التحمل والأداء وشروطهما:
أ - أهلية التحمل:
عرّف العلماء التحمّل بقولهم: «هو نقل الحديث عن الغير بأي طريق من طرق التحمّل الصحيحة المعتبرة وهذا الغير يسمى في عرف المحدثين شيخا» (٢).
شروط التحمّل:
تعددت أقوال العلماء في السن المعتبرة لأهلية تحمّل الحديث، وقد استقر العمل عند علماء الحديث أن السن المعتبرة في سن سماع الصغير هي خمس سنوات، محتجين بما أخرجه البخاري في صحيحه: في باب: متى يصح سماع الصغير «عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» (٣).
стр. 91
وأن العبرة في ذلك ترجع إلى التمييز والضبط، وقال القاضي عياض (١) معلقاً على هذا الحديث: «وقد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود ابن الربيع» (٢).
ولم يكن مذهب الإمام البخاري بعيداً عن رأي علماء الحديث في السن المعتبرة في التحمل فقد أخرج أيضاً في: «باب متى يصح سماع الصغير».
«عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» (٣).
فقد ذكر الكرماني ونقل عن العلماء جواز مرور الصبي الصغير بين يدي المصلي، من دون سترة مستدلين «برواية ابن عباس وإنما تحمّله في الصبا فَعُلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ» (٤) فعُلم من كلام الكرماني أن مذهبه
стр. 92
كمذهب العلماء وهو جواز قبول سماع الصبي في الصغر، بشرط الأداء عند البلوغ، كما نقل الكرماني عن ابن بطال (١) في حديث محمود بن الربيع آنف الذكر قوله: «وفيه جواز سماع الصغير وضبطه السنن وجواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا فيما علموه في حال الصغير» (٢).
وذكر الحافظ ابن الصلاح (٣) (أن السن المعتبرة، هي لمن فهم الخطاب ورد الجواب، وكان مميزا، صحيح السماع وإن لم يبلغ خمساً) (٤).
ب - أهلية الأداء:
الأداء هو: «رواية الحديث للغير، وهذا الغير يعرف عنه المحدثين بطالب الحديث» (٥).
شروط الأداء: بما أن الأداء يختص بنقل الحديث بما تحمّله فشروطه هي ذات الشروط التي تتوفر في الراوي وهي: «الإسلام، والبلوغ والعقل، والسلامة من أسباب الفسق، وخوارم المروءة والضبط» (٦).
стр. 93
طرق التحمّل والأداء:
ذكر علماء الحديث طرق التحمّل، وبينوا أحكامها، ورتبوا درجاتها مع اختلاف بسيط بينهم في عددها هل هي ثمانية، أم سبعة؟ وفي رتبة القراءة على الشيخ هل هي كالسماع؟
إلا أن أكثر العلماء نصوا على أنها ثمانية (١).
وهي كالترتيب الآتي:
١ - السماع، ومن العلماء من سماه «العرض»، ٢ القراءة على الشيخ، ٣ الإجازة، ٤ المناولة، ٥ الكتابة أو المكاتبة، ٦ الإعلام، ٧ الوصية، ٨ الوجادة.
وقد ذكر البخاري في صحيحه بعض طرق التحمل والأداء، وقد ذكر العلماء أن السماع هو: أن يقرأ الشيخ، ويسمع الطالب؛ سواء قرأ الشيخ من حفظه، أو كتابه، وسواء سمع الطالب، وكتب ما سمعه، أو سمع فقط ولم يكتب (٢). وهذه الطريقة هي أرفع وأعلى درجات التحمّل عند الجمهور.
وقد ذكر الكرماني في باب: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ.
«حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ
стр. 94
عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄ … » (١) فعلق الكرماني على ذلك مختصراً فقال: «قال البخاري أولاً: حدثنا يعني عن شيخه عبيدالله في غالب النسخ إذ في بعضها أخبرنا. وثانياً: أخبرنا أي حنظلة ففي الأول الشيخ قرأ وفي الثاني قرأ هو على الشيخ وهذا إذا قلنا بالفرق بين حدثنا وأخبرنا على ما هو المشهور وإلا فهما سواء كما سيأتي» (٢).
إلا أن البخاري لم يصرح بها كما صرح ببعض طرق التحمّل والأداء، وإنما بيّن الطريقة التي يُؤدى فيها عند «باب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا».
وقد ذكر الكرماني الخلاف الحاصل في ألفاظ الأداء بهذه الطريقة وهي: هل يجوز أن يُقال فيما قُرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا؟
فقال: «أي لا تفاوت بينهما كما هو مقتضى اللغة وذهب مسلم الى أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرأ على الشيخ وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل المشرق وقيل هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة» (٣).
стр. 95
ثم ذكر الكرماني رأي الإمام البخاري في عدم اختلافه مع رأي الجمهور فقال: «فإن قلت هل يُعلم من هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك. قلت: حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وغير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق» (١).
وقد قال الحافظ ابن حجر «أنه لا خلاف بين أهل العلم بين قول أخبرنا وأنبأنا من حيث اللغة، أما في الاصطلاح ففيه خلاف، فمن العلماء من استمر على أصل اللغة، ومنهم من رأى الخلاف بينهما» (٢).
وقال الخطيب (٣) في الكفاية: «قال: سمعت أحمد بن صالح، وسئل عن «حدثنا» و «أخبرنا» وأنبأنا «فقال: «حدثنا» أحسن شيء في هذا وأخبرنا دون «حدثنا» وأنبأنا «مثل» أخبرنا» وقد قال بعض أهل العلم بالعربية: هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، وقال غيره: «حدثنا» ونبأنا «أدخل إلى السلامة من التدليس من» أخبرنا «وإنما استعمل من استعمل» أخبرنا «ورعا ونزاهة لأمانتهم، فلم يجعلوها للينها بمنزلة» حدثنا «ونبأنا»، وإن كانت «نبأنا» تحتمل
ما تحتمله «حدثنا» و «أخبرنا»، وبالجملة فإن النية هي الفارقة بين ذلك على الحقيقة» (٤).
стр. 96
هذا ولم يفت الإمام البخاري رحمه الله تعالى، بيان الدقة في أسانيد تنوعت فيها صيغ الأداء، فقال البخاري: «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵄، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ … » (١) قال الكرماني معلقاً على ذلك: «اعلم أن البخاري ﵁ على ما في بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بلفظ السماع والرابع بلفظ الإخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدي في كتاب العلم لا تفاوت بينها» (٢).
كما أن الكرماني يذكر صنيع البخاري، في تنوع أداء الأسانيد فقال معلقاً على قول البخاري: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ … » (٣).
قال الكرماني: «قال أولا حدثنا وثانيا بلفظ أخبرنا وثالثا بكلمة عن ورابعا بلفظ أخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليمها لجواز استعمال الكل أن قلنا
стр. 97
بعدم الفرق بينهما» (١).
٢ - القراءة على الشيخ (العرض):
قال ابن الملقن (٢) يسميها أكثر المحدثين «عرضا» (٣).
وهي: «أن يقرأ الطالب، والشيخ يسمع؛ سواء قرأ الطالب، أو قرأ غيره وهو يسمع، وسواء كانت القراءة من حفظ، أو من كتاب، وسواء كان الشيخ يتبع للقارئ من حفظه، أو أمسك كتابه هو، أو ثقةٌ غيرُهُ» (٤).
قال الكرماني في شرحه لباب: «القراءة والعرض على المحدث».
أن القراءة على الشيخ هو العَرض نفسه، وأن العطف بينهما تفسيري فقال: «العرض تفسير للقراءة ومثله يسمى: العطف التفسيري وجاز العطف لتغايرهما مفهوما وإن اتحدا بحسب الذات، وفائدته الإشعار بأنه جامع لهذين الاسمين» (٥).
وقد نبه الكرماني على المقصود من العرض هنا إذ لايقتصر على القراءة
стр. 98
بالعرض، بل يعمُّ عرض المناولة فقال: «قلت: ما يريد بهذا العرض إذ العرض على قسمين عرض قراءة وعرض مناولة. قلت: عرض المناولة هو أي يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان فأجزت لك روايته عني ونحوه وهنا لا يريد به ذلك بل عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة» (١).
وصيغ الأداء في هذه الطريقة أن يقول قرأتُ على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع، أو حدثنا قراءة عليه (٢).
وقد اختلف العلماء في رتبة هذه الدرجة هل هي كالسماع أم هي مساوية لها أم دونها في الدرجة؟
تنقسم أقوالهم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: منهم من قال هي كالسماع.
الثاني: ومنهم من قال أنها مساوية للسماع.
الثالث: أنه أدنى من السماع، وهذا الرأي رجحه جمهور العلماء ومنهم ابن الصلاح (٣).
стр. 99
ورجح الدكتور نور الدين عتر بالتوفيق بين أقوال العلماء فقال: «ويمكن أن نوفق فنقول برجحان العرض فيما إذا كان الطالب ممن يستطيع إدراك الخطأ فيما يقرأ والشيخ حافظ غاية الحفظ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فالسماع أرجح» (١).
٣ - المناولة:
ذكر الكرماني المناولة عند شرحه لقول البخاري: «باب ما يذكر في المناولة» في: «حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَاباً وَقَالَ «لَا تَقْرَأهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ » (٢) وذكر أنها تنقسم إلى قسمين القسم الأول: المناولة المقرونة بالإجازة، وقد عرفها الكرماني بقوله: «كما أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلا ويقول هذا سماعي فأجزت لك روايته عني.
وهذه حالة محل السماع عند مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري … والصحيح أنه منحط عن درجته وعليه أكثر الأئمة» (٣).
القسم الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة «بأن يناوله أصل سماعه كما تقدم ولا يقول له أجزت لك الرواية عني ولهذا لا تجوز الرواية بها على الصحيح» (٤).
стр. 100
«فهذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها».
وصيغ الأداء بهذه الطريقة أن يقول: «ناولني فلان وأجازني» أو «ناولني مع الإجازة» أو «حدثني فلان بالمناولة» أو «أنبأنا فلان بالمناولة والإجازة» (١).
٤ - الكتابة أو المُكَاتبة: «وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب، وهو غائب شيئا من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك، وهو حاضر. ويلتحق بذلك ما إذا أمر غيره بأن يكتب له ذلك عنه إليه» (٢).
وقد ذكر الكرماني أن المكاتبة كذلك تنقسم إلى قسمين فقال: «وهي أيضا نوعان المقترنة بالإجازة والمجردة عنها والأولى في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقروءة» (٣).
ثم بيّن الكرماني طريق الأداء بها فقال: «وأما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنه تجوز الرواية بها بأن تقول كتب إلى فلان قال حدثنا فلان بكذا وقال بعضهم بجواز حدثنا وأخبرنا فيها» (٤).
* * *
стр. 101
المبحث الثالث
تنبيه مهم من البخاري عن صيغ الأداء والتحمل وتعليق الكرماني
أ - التفريق بين صيغ الجمع والإفراد:
معنى هذا هل يجوز لمن سمع حديثاً وحده، هل يجوز أن يقول حدثنا
بصيغة الجمع ومن سمع من جماعة هل يجوز أن يقول حدثني بصيغة
الإفراد.
قال الحاكم: «والذي أختاره في الرواية، وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظا، وليس معه أحد: حدثني فلان، وما يأخذه عن المحدث لفظا مع غيره: حدثنا فلان، وما قرئ على المحدث بنفسه: أخبرني فلان … » (١).
أخرج البخاري في صحيحه: حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ … (٢).
فذكر الكرماني التنبيه على صيغ الأداء في بعض روايات هذا الحديث عند الحُميدي شيخ البخاري فقال: «قال الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا بين المفرد والجمع، كما قال في الأخبار بلفظ أخبرني مفردا وفي
стр. 102
التحديث بلفظ حدثنا جمعا وقيل بغير ذلك أيضا» (١).
فإشارة الكرماني لذلك فيه بيان لتعدد صيغ البخاري وأمانته في النقل، ودقة ضبطه، وفيه إشارة من الكرماني لبيان الجواز، والاستحباب، وليس للوجوب. وقد ذكر الخطيب في الكفاية الاستحباب (٢).
وقد تكرر هذا كثيراً من البخاري، ليس في صيغ الأداء فحسب بل بكل أجزاء الحديث سنداً ومتناً.
ب - ورود صيغة السؤال في السند من غير تصريح بالجواب:
قال البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا» (٣).
قال الكرماني: «فإن قلت هذا استفهام فكيف دل على ثبوته. قلت: سكوته يدل عرفاً على التصديق، أو أنه مختصر من الحديث الذي هو دال عليه. قال ابن بطال: فإن قيل حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد لأنه لم يقل أن عمر قال نعم، قلنا ذكر البخاري في غير كتاب الصلاة أنه قال نعم فبان بقوله نعم إسناد الحديث» (٤).
стр. 103
نعم ورد التصريح بقول: «نعم» في رواية البخاري الآتية: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو يَا أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا قَالَ نَعَمْ … » (١).
وهذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء، قال الإمام النووي (٢): «وقد جاء في الصحيحين في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة ولا يقول في آخره قال نعم واختلف العلماء في اشتراط قوله: نعم في آخر مثل هذه الصورة، وهي إذا قرأ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو نحوه، والشيخ مصغ له فاهم لما يقرأ غير منكر، فقال بعض الشافعيين وبعض أهل الظاهر لا يصح السماع إلا بها، فإن لم ينطق بها لم يصح السماع، وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول يُستحب قوله نعم ولا يشترط نطقه بشيء بل يصح السماع مع سكوته والحالة هذه اكتفاء بظاهر الحال، فإنه لا يجوز لمكلف أن يُقر على الخطأ في مثل هذه الحالة» (٣).
стр. 104
وكان رأي الكرماني جواز سكوت الشيخ المتيقظ، مع وجود القرينة على ذلك فقال: «وفيه أن القارئ إذا قال للشيخ حدثكم فلان والشيخ يسكت مع قرينة الإجابة كفى» (١) وذلك عند الحديث الذي أخرجه البخاري «حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيدالله أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال لا تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم» (٢).
* * *
المبحث الرابع
شرح سلسلة السند وما فيها من إشكال
كان من منهج الكرماني أنه كان يشرح سلسلة السند ويوضح ما فيها من إشكال، بشكل متوسط أحيانا، ومختصر أحيانا، وذلك للمنهجية التي اعتمدها في كتابه من الاختصار وعدم الإطالة.
سأتناول عمل الكرماني في:
١ - شرح سلسلة السند.
٢ - بيان ما أوهم وأشكل في السند.
١ - شرح سلسلة السند:
علمنا مما سبق أن سلسلة السند هم رواة الحديث الذين نقلوه عن
стр. 105
بعضهم، إلى رسول الله ﷺ ، وقد تعرّض الكرماني لهذه السلسلة بالبيان، والتوضيح، فمن هذه الأمور التي بينها الكرماني:
١ - بيان البخاري تلقيه الحديث الواحد عن أكثر من شيخ، قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِ (ح) وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ … » (١).
قال الكرماني: «واعلم أن البخاري حدث هذا الحديث عن الشيخين عبدالله وبشر كليهما عن عبدالله بن المبارك والشيخ الأول ذكر لعبدالله شيخا واحدا وهو يونس والثاني ذكر له شيخين يونس ومعمرا» (٢).
٢ - بيان معنى الرمز في السند، مثل «ثنا» و «نا» و «وأنا»، و «ح»:
قال الإمام النووي: «غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا: الثاء والنون والألف، وقد تحذف الثاء، ومن أخبرنا: أنا» (٣).
مثال على ذلك:
قال البخاري: «حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
стр. 106
عَبَّاسٍ … » (١).
قال الكرماني مبيناً عادة المحدثين في التعامل مع مثل هذه الرموز «واعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة: ثنا مكان حدثنا: وأنا مكان أخبرنا، فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا، ولو ترك لكان مخطئا، لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف» (٢).
بيان معنى الحرف: «ح».
قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ … » (٣).
قال الكرماني: معنى الحاء (ح) التي تكون في وسط السند وبيان الفائدة من ذلك فقال: «ح: أي حاء مهملة مفردة وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الإسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها (ح) مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا … » (٤).
стр. 107
وقال في موضع آخر مبينا طرق الحديث الواحد والواسطة بين الرواة عند حديث قال البخاري: «حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ … ».
قال الكرماني: «اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول: الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد، والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة (ح) إشارة إلى التحويل حائلاً بين الإسنادين … » (١).
وقال الكرماني في موضع ثالث: «وأهل المغرب إذا وصلوا اليها أي حرف: الحاء، (ح) يقولون الحديث، وقد كتب جماعة من حفّاظ عراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح، وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط من الاسناد الأول» (٢).
وقد أشار الإمام النووي أن هذا الأسلوب يكثر عند الإمام مسلم، ويقل عند الإمام البخاري (٣).
حذف «قال» التي تحذف في الخط وتثبت في القراءة:
قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ
стр. 108
سَأَلَ … » (١).
(فيحيى) أي ابن أبي كثير، والتقدير: أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال يُحذف في الخط عند المحدثين.
قال الكرماني معلقا على ذلك: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة فكيف جاز دخول الواو بينهما؟ قلت: إشعاراً بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني بكذا وكذا، وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (٢).
٣ - بيان دقة البخاري في قوة الضبط، والمحافظة على لفظ الشيوخ:
كان من عادة البخاري المحافظة على لفظ الشيوخ، سواء أكان ذلك في السند كطرق تحمّله للحديث وأدائه … أو في المتن وما فيه من خلاف بين الألفاظ على حسب التلقي.
مثال على ذلك: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ … » (٣).
قال الكرماني: «قوله (الزهري) بضم الزاي هو ابن شهاب ذكره البخاري في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه، ولذا تارة يقول ابن شهاب وتارة الزهري وتارةً محمد بن مسلم وهذا من جملة ضبطه واحتياطه» (٤).
стр. 109
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ … » (١).
قال الكرماني: «قوله (عثمان) وقال (يعني ابن الأسود) إشعاراً بأن شيخه لم يقل إلا عثمان وإنما ذكر نسبته فهو منه وهذا من جملة الاحتياطات … » (٢).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيه … » (٣).
قال الكرماني: «وهو الشيباني، بفتح المنقطة وسكون التحتانية وبالنون وقال بلفظ هو إشعاراً بأنه ليس من كلام شيخه بل هو تعريف من تلقاء نفسه» (٤).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … » (٥).
قال الكرماني: عن الراوي: «إسماعيل بن إبراهيم» الملقب بابن علية، «وذكره البخاري ثمة بالكنية حيث قال ابن علية وههنا بالاسم، وهذا دليل على
стр. 110
كمال ضبط البخاري وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه رحمه الله تعالى» (١).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» (٢).
وساق البخاري رواية أخرى للحديث فقال:
«قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … » (٣).
والملاحظ أنه قال في الرواية الأولى: حدثني ابن الأصبهاني، وفي الثانية عبد الرحمن ابن الأصبهاني، قال الكرماني معلقاً على ذلك: (قال أولا ابن الأصبهاني وههنا عبد الرحمن بن الأصبهاني محافظة على لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطاته» (٤).
ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ … » (٥).