← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال الكرماني مبينا قوة الرواية الثانية: «الأول روى فيه حميد بلفظ عن أبي صالح وأن أبا سعيد، والثاني روى بلفظ قال أبو صالح ورأيت أبا سعيد والثاني أقوى» (١). ٤ - التكرار لدواعي تقطيع الحديث واختصاره: لجأ البخاري في صحيحه، لتقطيع الحديث واختصاره، للحاجة إلى ذلك. تعريف اختصار الحديث: وهو حذف بعضه والاقتصار في الرواية على بعضه (٢). وقد أجاد الكرماني في ذلك وسماه: «خرماً»، والخرم في اللغة: قال ابن منظور: «الخرم: مصدر قولك خَرَمَ الخَرَزَة يخرِمها، بالكسر خَرْماً وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ وقال اللَّيْثُ: خَرِمَ أَنفُه يَخْرَمُ خَرَماً، وَهُوَ قَطْعٌ فِي الوَتَرَةِ وَفِي الناشِرتَيْنِ أَوْ فِي طَرَفٍ الأَرْنَبة لَا يَبْلُغُ الجَدْعَ» (٣). فالخرم من معانيه في اللغة القطع، وهو ما وافق المعنى الاصطلاحي من قطع الحديث واختصاره. واختصار الحديث، له أنواع فقد يروي الراوي الحديث وينقله مختصرا، فيقطّعه ويأخذ منه موطن الشاهد الذي يريد، بينما يرويه غيره تاماً، مما يؤدي إلى تعدد صور روايات الحديث، وهو حديث واحد، فلا يُظن أن هذا من قبيل

стр. 142

اضطراب المتن، إذ أن الاضطراب تكون الروايات فيه متساوية لايمكن الجمع بينها، مما يُشعر بعدم ضبط الراوي. وقد جاء عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: (قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد» (١). فيُفهم من كلام ابن سيرين أن الرواة منذ الصدر الأول كانوا يتصرفون في الحديث فيختصرونه أو يرونه بالمعنى (٢). وكان الكرماني يشير إلى اختصار الحديث عند البخاري ويبين سبب ذلك: مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ … » (٣). ذكر الكرماني (٤) أن في إسناد هذا الحديث بين البخاري والزهري ثلاثة رجال وهم: إِبْرَاهِيمُ ابْنُ حَمْزَةَ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وصَالِحٍ بن كيسان. وفي الرواية الأخرى بين البخاري والزهري رجلان، والرواية هي:

стр. 143

«حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ … » (١). والرجلان هما: أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وشُعَيْبٌ. ثم بين الكرماني ممن وقع القطع والخرم فقال: «فإن قلت فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري؛ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر» (٢). ثم بين سبب الخرم فقال: «فإن قلت فلم يقع الخرم. قلت: لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصاراً وتقريباً لفهم المراد والله تعالى أعلم» (٣).

стр. 144

مثال ثانٍ: قال البخاري: «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ» (١). فبيّن الكرماني أن هذا الحديث مخروم بمعنى مُقطّع حيث قال: «لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال: قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا إلى آخره … وقد خُرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ» (٢). ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ» (٣). قال الكرماني: «وثبت في الصحيح: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا،

стр. 145

والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات (١)، فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾» (٢). ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في كتاب الرقائق: «حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (٣). قال الكرماني: «فإن قلت هذا مُشكل لأن نصف الحديث يبقى بدون الإسناد، ثم أن النصف مبهم أهو الأول أم الآخر، قلت: اعتمد على ما ذكر في كتاب الأطعمة (٤) من طريق يوسف بن على المروزي، وهو قريب من نصف هذا

стр. 146

الحديث فلعل البخاري أراد بالنصف المذكور بأبي نُعيم ما لم يذكره، ثمة فيصير الكل مسندا ببعضه بطريق يوسف والبعض الآخر بطريق أبي نُعيم قال صاحب التلويح ذكر الحديث في الاستئذان (١) مختصرًا وكان هذا هو النصف» (٢) وقد رجح بعض العلماء كلام الكرماني أن الحديث مروي في كتاب الأطعمة: والجواب الصحيح أنه روي في موضع آخر في أول كتاب الأطعمة «أنه سأل عمر عن معنى آية، فأجابه ولم يدخله بيته» (٣). ٥ - التكرار للاختلاف في رجال الإسناد: قد يكرر البخاري الحديث، وغرضه من ذلك بيان أن بعض رجال الإسناد يختلفون عن بعض، وعن اختلاف في متن الحديث. مثاله: أخرج البخاري في باب: إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد، «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ» (٤).

стр. 147

ثم كرر الحديث في الكتاب نفسه، ولكن في باب: الصلاة على الخمرة، «حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ» (١). ففي الحديث الأول شيخ البخاري المباشر هو: أبو الحسن بن مسرهد الأسدي البصري، وفي الحديث الثاني شيخه المباشر هو: أو الوليد الطيالسي، قال الكرماني معلقاً على تكرار البخاري للحديث: «قلت بعض رجال الاسناد مختلف، ثم أن لم يكن مختلفا فغرض البخاري في أمثاله بيان مقاصد شيوخه عند نقلهم الحديث، واختلاف استخراجاتهم الأحكام المذكورة منه، وذكر كل منهم الحديث في معرض مقصود غير مقصود الأخر» (٢). * * * المبحث الرابع تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة كما أن الكرماني يعنى بأحاديث الشرح من كتب الرواية المصنفة المعتمدة، وخصوصا صحيح الإمام مسلم، وكتب السنن … ، ويقارن بين أسانيدها وألفاظها ويناقشها مما يدل على خبرته في هذا الفن، وسعة اطلاعه، وكان الكرماني في بعض الأحيان يشير إلى التخريج بقوله: «رواه». وقد تبين للباحث أن الكرماني كان يخرّج أحاديث الشرح لعدة أمور

стр. 148

أهمها: أولاً: الاهتمام بالمتابعات، والشواهد. ثانياً: بيان طرق الحديث. ثالثاً: بيان المقصود من الحديث بحمل الروايات على بعضها. رابعاً: تخريج أحاديث لها علاقة بالترجمة، والأبواب. خامساً: بيان المجمل من رواية البخاري، عن طريق رواية أخرى. سادساً: التنبيه على الزيادات، والمقارنة بين الألفاظ. سابعاً: بيان الخطأ في أسماء الرواة. ثامناً: ينقل حكم العلماء على الحديث. المبحث الخامس صنعته في المعلقات. المبحث السادس الإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري. المبحث السابع بيان اللطائف الإسنادية. * * * أولاً الاهتمام بالمتابعات، والشواهد: القسم الأول: المتابعات. القسم الثاني: الشواهد. تعد المتابعات والشواهد من أهم الأمور التي يُعضد بها الحديث؛ إن كان فيه ما يخلُّ بصحته بسبب الانقطاع في سنده، كالإرسال والإعضال، أو وجود مجهول لم يُسمَّ … فجاءت المتابعة للحديث من طريق أخرى ترفع درجته، من

стр. 149

المردود إلى المقبول، وتُفيد رُجحان القوي … وقد اعتنى البخاري في صحيحه بهذا الجانب المهم. تعريف المتابعة في اللغة: وتابع بين الأمور متابعة وتباعا: واتر ووالى؛ وتابعته على كذا متابعة وتباعا (١)، وقال الهروي: «يُقَال تَابع فلَان كَلَامه وَهُوَ تبيع الْكَلَام إِذا أحكمه» (٢). المتابعة في اصطلاح المحدثين: أن يوافق راوي الحديث على ما رواه من قبل راو آخر فيرويه عن شيخه أو عمن فوقه (٣). وقد عرّف الكرماني المتابعة بقوله: «هي أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه» (٤). وقد بين العلماء فائدة المتابعة: «وفائدة المتابعة: رفع الغرابة في ذلك الموضوع الذي حصلت فيه الموافقة من الإسناد، وفيه تقوية الحديث من ذلك الطريق، بحسب قوة المتابع» (٥). فالمتابعة ترفع الحديث الضعيف إلى الحسن، وترفعه إلى درجة الصحيح لغيره. «إذا كان راوي المتابعة عدلاً خفيف الضبط وحديثه حسن أو دونه بقليل، فإن

стр. 150

هذه المتابعة ترفع الحديث المتابَع إلى الحسن لغيره، أما إذا كان راوي المتابعة عدلا تام الضبط، وحديثه صحيحاً فترفعُ هذه المتابعة الحديث المتابَع إلى الصحيح لغيره» (١)، وقد ذكر الكرماني في شرحه في أكثر من موضع أن فائدة المتابعة هي التقوية (٢). ولذلك ليست كل متابعة صالحة للاعتبار، ولا يُقوّى بها الحديث، قال ابن الصلاح: «قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرناهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به» (٣). قال الكرماني: «قوله: (تابعه عبدالله) أي التنيسي شيخ البخاري المذكور وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة والبخاري ﵀ قد أكثر ذكر المتابعة في صحيحه فينبغي أن يتحفظ بمعناها» (٤). وقد ذكر العلماء أن المتابعة نوعان: المتابعة التامة: هي التي تحصل للراوي نفسه بأن يروي حديثه راو آخر عن شيخه (٥).

стр. 151

وقد بين الكرماني ذلك بقوله: «وإذا كان أحد الراويين رفيقاً للآخر من أول الإسناد إلى آخره يسمى بالمتابعة التامة» (١). فشرط المتابعة التامة: أن يشترك راويان بالحديث عن الشيخ نفسه من بداية السند (٢). المتابعة الناقصة أو (القاصرة): هي التي تحصل لشيخ الراوي أو لشيخ شيخه أو من فوقه (٣). وقد أشار الكرماني إلى ذلك بقوله: «وإذا كان رفيقا له لا من الأول يسمى بالمتابعة الناقصة، ثم بيّن حال تسمية الراوي في النوعين ثم النوعان ربّما يسمّى المتابع عليه فيهما وربّما لا يسمّى» (٤). وقال الكرماني في شرح الحديث نفسه: «واعلم أيضا أن المتابعة التامة تشبه بوجه بما ذكره الحاكم أن شرط البخاري أن يرويه الصحابي المشهور له راويان (٥) .....................

стр. 152

وأن المتابعة الناقصة تشبه أن تكون من باب التعليق أيضا» (١). وقد ذكر الكرماني اعتناء البخاري في صحيحه بالمتابعات، وأنواعها، … فقال في حديث السيدة عائشة ﵂: «حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ … وفي آخره قال البخاري: وتَابَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَاَل يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ (٢)» (٣).

стр. 153

وقد ذكر الكرماني المتابعة الحاصلة في هذا السند فقال: «والحاصل أن البخاري سمع الحديث بهذا الإسناد إلى رسول الله ﷺ عن يحيى ثم ثبت عنده بذلك الإسناد أيضا عن عبدالله» (١). وقد بين الكرماني أن هذا الحديث حوى نوعي المتابعة فقال: «وتابعه هلال ابن رداد عن الزهري) هو أهون نوعي المتابعة؛ لأنه سمى المتابع عليه وهو الزهري فيعلم بالضرورة أن مراده أن هلالا تابع الرواي عن الزهري، وهو عقيل بخلاف النوع الأول منها وهو قوله: تابعه عبدالله إذ لم يسمّ المتابع عليه، وهو الليث وقد وقع في هذا الحديث للبخاري المتابعة التامّة والناقصة ولم يسمّ المتابع عليه في الأول وسمّاه في الثانية» (٢). ومثله: قال البخاري: حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ هِرَقْلَ … رَوَاهُ صَالِحُ ابْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ» (٣). قال الكرماني قوله: (رواه صالح بن كيسان، ويونس ومعمر عن الزهري) يعني هؤلاء الثلاثة تابعوا ووافقوا شعيباً في رواية هذا الحديث عن الزهري ومثله يسمى بالمتابعة وفائدتها التقوية والتأكيد والترجيح بكثرة الرواة وهذا هو المتابعة المقيدة لأنه سمّي المتَابع عليه وهو الزهري ولو لم يسمّ لكان النوع الآخر

стр. 154

من المتابعة أي المطلقة» (١). وقد بيّن الكرماني أوجه الاحتمال في اللفظ فقال: «اعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور أيضاً كأنه قال أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهري وأن يروى عنهم بطريقٍ آخر كما أن الزهري أيضاً يحتمل في روايته للثلاثة أن يروى عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس وأن يروى لهم عن غيره والله أعلم. هذا ما يحتمله اللفظ وإن كان الظاهر اتحاد الإسناد» (٢). وقد شمل جهد الكرماني في متابعات البخاري بيان الأمور الآتية: أولاً توضيح وبيان عبارات البخاري في متابعاته: ١ - ضرورة وفوائد معرفة طبقات الرواة ومراتبهم: قد يظهر جليا عود الضمير في المتابعة إذا سُمّي المُتابع، ولكن إذا لم يُسمَّ فعندئذٍ لابد من معرفة طبقات الرواة ومراتبهم، إذ أن لمعرفة طبقات الرواة ومراتبهم فوائد كثيرة، وخصوصاً في مايتعلق بسند الحديث، كتمييز ثبوت السماع بين راويين، وتمييز الانقطاع في الإسناد، ومعرفة تواريخ وفاة الرواة، وكشف الغلط والكذب، والأمنُ مِنْ تداخل المتشابهينَ في اسم، أو كنية … (٣).

стр. 155

وتظهر الفائدة كذلك من خلال قول السخاوي: «الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك كما بيناه في المتفق والمفترق، وإمكان الاطلاع على تبين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة، وبينه وبين التاريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التاريخ بالحوادث والطبقات، بما إذا كان في البدريين مثلا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدهالاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة» (١). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: «ومما يحتاج إليه المعتني بصحيح البخاري فائدة يُنبه عليها وهو أنه تارة يقول: تابعه مالك عن أيوب وتارة يقول: تابعه مالك ولا يزيد، فإذا قال مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك عن أيوب فهذا ظاهر، وأما إذا اقتصر على تابعه مالك فلا يُعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم» (٢). المقصود من هذا الكلام أن البخاري يروي المتابعة بقوله: «تابعه»، وأحيانا يقول: «رواه»، وأحياناً يقول: «وقال»، فمرة يسمّ المتابِع بكسر الباء قوله: «تابعه مالك عن أيوب»، ومرة يذكره باسمه من دون كنيته أولقبه، قوله: «تابعه مالك»، قال الكرماني: «وأقول على هذا فلا يعلم أنّ عبدالله يروي عن الليث أو عن غيره بخلاف التقرير الأول إلا أن يقال علم ذلك من معرفة الطبقات والمراتب» (٣).

стр. 156

٢ - بيان العطف في المتابعة، ومرجع الضمير: قد يرجع الضمير في اللغة لأقرب مذكور، وقد لا يرجع إليه إذا دلت القرينة على ذلك، وقد تُوهم العبارة المقصود من مرجع الضمير في سياق الكلام لمن ليس عنده مُكنة في ذلك، لذلك لم يفت الكرماني توضيح مقصد البخاري. وقد أتى بأمثلة كثيرة على ذلك منها قال البخاري: «حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا … تَابَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ» (١). قال الكرماني: «والضمير في تابعه عائد إلى يحيى بن بكير، عبدالله تابع يحيى في رواية هذا الحديث فرواه عبدالله عن الليث كما رواه عنه يحيى» (٢). ومنها: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَلِيٍ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً … تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ» (٣). قال الكرماني: «وضمير تابعه راجع إلى روح لا إلى أحمد لأنه في مرتبته لا في مرتبة أحمد» (٤).

стр. 157

وقال الكرماني مبينا الفرق بين الروايتين: «وعوف في الإسناد الأول روى عن محمد والحسن وههنا عن محمد فقط وفي الأول كان الواسطة بين البخاري وبينه رجلين وههنا يحتمل كونهما رجلاً واحداً» (١). والملاحظ أن البخاري قدّم رواية: «الْمَنْجُوفِيُّ» «خماسية السند» فيها علو معنوي على متابعة: «عثمان»، «رباعية السند» فيها علو مطلق، وقد علل البدر العيني ذلك في عمدة القاري بقوله: «ثم البخاري ﵁، إن كان سمع هذا الحديث من عثمان هذا فهو له أعلى بدرجة. لأنه من روايته رباعي، ومن رواية المنجوفي خماسي، فإن قلت: فلم ذكر رواية عثمان؟ قلت: لأن رواية المنجوفي موصولة وهي أشد إتقانا من رواية عثمان. فان قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى ذكر متابعة عثمان؟ قلت: لأجل التنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين لأن عوفا ربما كان ذكره، وربما كان حذفه مرة، فأثبت الحسن» (٢). وقد قال ابن المبارك: «ليس جودة الحديث في قرب الإسناد ولكن جودة الحديث صحة الرجال» (٣). ومنها ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبَانُ عَنْ يَحْيَى».

стр. 158

قال الكرماني: «ويحيى (هو ابن أبي كثير أحد الأعلام وذكر هذه المتابعة تعليق من البخارى ومرجع الضمير في تابعه هو شيبان» (١). ومنها ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ … تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ» (٢). قال الكرماني: «وتابعه أي تابع هؤلاء الأربعة الليث في الرواية عن نافع» (٣). ٣ - بيان الفرق بين «تابعه»، و «رواه»: مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ» (٤). قال الكرماني: «فإن قلت لمَ قال أولاً تابعه وثانياً ورواه؟ قلت: لم يقل وتابعه الأوزاعي إما لأنه لم ينقل لفظ الحديث بعينه بل رواه بمعناه؛ إذ المفهوم من المتابعة الإتيان بمثله على وجهه بلا تفاوت والرواية أعم من ذلك وإما لأنه

стр. 159

يكون موهماً بأنه تابع عثمان أيضاً وليس كذلك، إذ لا واسطة فيه بين الأوزاعي والزهري، وإما للتفنن في الكلام أو لغير ذلك» (١). ويذكر الكرماني تغليب جانب الرواية على المتابعة، فيذكر لفظ «رواه» دون «تابعه». مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ … وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ» (٢). قال الكرماني: «فإن قلت لم قال رواه ولم يقل تابعه؟ قلت: الرواية أعم منها فلعله لم يروها متابعة» (٣). ٤ - بيان الفرق بين «قال» و «تابعه»: أخرج البخاري في كتاب الغسل: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا … ثم قال: تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ» (٤).

стр. 160

قال الكرماني: «فإن قلت لم قال تابعه عمرو، وقال موسى ولم يسلك فيهما طريقاً واحداً؟ قلت: المتابعة أقوى لأن القول أعم من الذكر على سبيل النقل والتحميل، أو من الذكر على سبيل المحاورة والمذاكرة، فأراد الإشعار بذلك واعلم أنه يحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق» (١). ٥ - بيان حدود المتابعة: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً … تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَّا بَعْدُ. تَابَعَهُ الْعَدَنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ فِي أَمَّا بَعْدُ» (٢). قال الكرماني: «قوله: في أما بعد أي تابعه في مجرد كلمة؛ أما بعد لا في تمام الحديث» (٣). ومن ذلك: أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِاللهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ … تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ

стр. 161

وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ» (١). قال الكرماني: «قوله (في الستر) أي تابعا سفيان في لفظ سترت النبي ﷺ لا في تمام الحديث» (٢). ثانياً بيان أحوال رواة المتابعات: قال ابن الصلاح: «اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به».» (٣) وقد أشار الكرماني إلى ذلك في شرحه (٤)، ونبه على متابعات الضعفاء في صحيح البخاري فذكر منها: «حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ أَنَساً قَالَ ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ «مَنْ لَقِيَ … » (٥). قال الكرماني: «فإن قلت لفظ ذُكر يقتضي أن يكون هذا تعليقا من أنس ولما لم يكن الذكر له معلوما كان من باب الرواية عن المجهول فهل هو قادح في

стр. 162

الحديث؟ قلت: التعليق لا ينافي الصحة إذا كان المتن ثابتاً من طريق أخر وكذا الجهالة إذ معلوم إن أنساً لا يروي إلا عن العدل سواء رواه عن الصحابي، أو غيره وفي الجملة يحتمل في المتابعات والشواهد مالا يحتمل في الأصول» (١). يعني أن الاحتجاج بالمتابعة يُتساهل في حال راويها، فيجوز أن يكون راوي المتابعة ضعيفا، إلا أنه ممن ينجبر حديثه، يقول ابن الصلاح: «قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به» (٢). ومن ذلك مارواه البخاري: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ» (٣). قال الكرماني: «فإن قلت قد تُكُلّم في إبراهيم؟، قال عياش: إبراهيم عن يحيى ليس بشيء، وقال النسائي إبراهيم ليس بالقوي قلت: يُحتمل في المتابعات ما لا يُحتمل في الأصول» (٤). ومن ذلك ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ

стр. 163

عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ … » (١). قال الكرماني على ما في بعض النسخ (٢)، والروايات: «قوله «عن امرأة» والمراد بها هند المذكورة وفي بعضها هند بدل امرأة، فإن قلت شرط البخاري على ما اشتهر أن تكون شيوخه مشاهير ولا أقل من أن يكون مجهولا فكيف روى لها، قلت: يحتمل في المتابعات مالا يحتمل في الأصول، وهنا ذكر ومتابعة أو ليست مجهولة إذ الرواية السابقة قرينة مُعينة مُعرّفة لها» (٣). القسم الثاني: الشواهد: الشاهد في اللغة: المشاهدة: المعاينة. وشهده شُهوداً: أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ، والشاهِدُ والشَّهيدُ: الْحَاضِر (٤).

стр. 164

الشاهد في الاصطلاح: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي (١). مثّل الكرماني للشاهد ما رواه البخاري: «باب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ. وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ الْقَبْرَ الْقَبْرَ. وَلَمْ يَأمُرْهُ بِالإِعَادَةِ» (٢). قال الكرماني: «فالترجمة مشتملة على مسألتين الأولى اتخاذ المساجد في مكان القبور، والثانية اتخاذها بين القبور، ففي الأولى لا يبقى لصورة القبر أثر وفي الثانية، بخلافها والحديث الثاني شاهد للأولى كما أن الأثر المنقول عن عمر شاهد للثانية» (٣). فحديث: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ» ترويه أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ (٤) والحديث الثاني مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وكلا

стр. 165

الحديثين احتوى على نفس المعنى. وقد نهج الكرماني نهج الترمذي في الإشارة إلى أحاديث الباب، كقوله: وفي الباب … ، ويريد الكرماني سرد شواهد للحديث بقوله هذا. من ذلك ما أخرجه البخاري: «قَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ» (١). قال الكرماني: «وفي الباب بيان طهارة النخامة والبزاق، والتبرك بالفضلات الطاهرة، والتعظيم لرسول الله ﷺ غاية التعظيم» (٢). ثانياً بيان طرق الحديث: قال البخاري: «حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ ابْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ … » (٣). قال الكرماني: ينقل طريقاً ثانية للحديث عند البخاري فقال: «قد ذكر البخاري هذا الحديث من رواية شعبة في كتاب الأدب فقال: حدثني عبد الرحمن حدثنا بهن حدثنا شعبة، حدثنا ابن عثمان بن عبدالله» والرواية هي: «وحَدَّثَنِي

стр. 166

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِاللهِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي … » (١). ثم بين الكرماني (٢) أن عند مسلم طريق ثالثة، فقال: «وقد خرّجه مسلم في مسنده عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة عن أيوب» قلت وهي: قال مسلم: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، … » (٣) والملاحظ أن روايتي البخاري ذُكر فيها: «حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ» أما رواية مسلم ذكر اسمه فقال: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ» فكان ذكر الروايات والطرق مفيدًا لمعرفة اسم الراوي. ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ … » (٤) قال الكرماني (٥) مبيناً الطرق التي أخرجها مسلم في صحيحه:

стр. 167

وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة (١)، وأيضا عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة بمثله (٢)، وروى عن زياد بالتحتانية ابن سعد عن ثابت الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «شر الطعام طعام الوليمة يمنع من يأتيها ويدعى اليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣). ومن ذلك بيان الفرق في عدد الرجال بين طرق الحديث: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ … وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِراً ﵁» (٤). قال الكرماني: «واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر، والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما،

стр. 168

وسليمان ذكر واسطة مجهولاً» (١). ثالثاً بيان المقصود من الحديث بحمل الروايات على بعضها: قد لا يظهر المقصود والمعنى من رواية واحدة، ولا يمكن فهمه إلا بالاستعانة برواية أخرى حتى يتضح المعنى، ويظهر المقصود، قال ابن حجر ﵀: «المتعيّن على من يتكلم على الأحاديث، أن يجمع طرقها ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق، ويشرحها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث» (٢). مثاله: حديث أنس ﵁ قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا (٣) المدينة … وفيه قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ» قال الكرماني: «فإن قلت ما الذي دل على كفرهم ومن أين استُفيد ذلك؟ قلت: عُلِم من الطرق الأخرى روى مسلم في صحيحه (٤)، وكذا

стр. 169

الترمذي (١) أنهم ارتدوا عن الإسلام» (٢). ومنه: الاستعانة بتخريج رواية أخرى للحديث، لتمييز كلام النبي ﷺ ، عن كلام الصحابي. حديث البخاري، وفيه … «أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (٣). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: «كل ما بعد «يقول» بتمامه كلام رسول الله ﷺ وجاء مبينا في رواية النسائي أن كله كلامه (٤). رابعاً تخريج أحاديث لها علاقة بالترجمة، والأبواب: من عادة الكرماني أن يخرّج أحاديث لها علاقة بالترجمة والأبواب، ولو

стр. 170

كانت من غير الصحيح، قال الكرماني (١) شارحاً ترجمة البخاري: «بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. رواه الترمذي في صحيحه» (٢). ومثله: قال البخاري: «بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» قال الكرماني (٣) مستدلا على تسمية باب البخاري بتخريج حديث في الترمذي: «وفيه عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ … » (٤). خامساً بيان المجمل من رواية البخاري، عن طريق رواية أخرى: مثاله: ما أخرجه البخاري: «عَنْ شَقِيقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُاللهِ لَقَدْ تَعَلَّمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَامَ عَبْدُاللهِ وَدَخَلَ

стр. 171

مَعَهُ عَلْقَمَةُ وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَألِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ حم الدُّ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ» (١). قال الكرماني مبينا اسم السور كاملة في رواية أخرى للحديث، غير أن رأي ابن مسعود في المفصل مخالف لرأي الجمهور «وتأليف ابن مسعود مخالف للتأليف المشهور إذ ليس شيء من الحواميم في المفصل على المشهور، وجاء في سنن أبي داود (٢) بيان هذه العشرين وهي الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في أخرى والطور والذاريات ثم الواقعة ونون ثم سأل سائل والنازعات ثم التطفيف وعبس ثم المدثر والمزمل ثم هل أتى ولا أقسم وكذا عم والمرسلات وكذا الدخان والتكوير» (٣). سادساً التنبيه على الزيادات، والمقارنة بين الألفاظ: عمد الكرماني إلى التخريج للتنبيه على زيادة الألفاظ وللمقارنة بين متون الأحاديث، وعلى من انفرد من أصحاب المصنفات بالزيادة: مثاله: أخرج البخاري: عن «أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ».

стр. 172

قال الكرماني مبينا الفرق بين بول الغلام والجارية مستدلاً بحديث أخرجه الترمذي، وأبو داود منبهاً على الزيادة عند أبي داود فقال: «وقد جاء الحديث صريحا في الفرق بينهما قال النبي ﷺ : يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) وزاد أبو داود ما لم يطعم». ومنه: قال البخاري في حديث السلام على رسول الله ﷺ : «فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله … » قال الكرماني ناقلاً عن البيضاوي (٣) في تحفة الأبرار: «وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلا وزاد المباركات وأخر لله فتكون صفات» (٤). ومثله: في حديث المسيح الدجال «إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» قال الكرماني مقارناً بين الألفاظ: «وجاء في آخر صحيح مسلم في رواية أعور العين اليسرى» (٥).

стр. 173

ولم يكتفِ الكرماني بالمقارنة بين الألفاظ، والتنبيه على الزيادة فيها، بل يعقّب على العلماء الذين حصروا الزيادة عند صاحب مصنف دون غيره. مثاله: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (١). قال الكرماني: «وقال أبو عيسى الترمذي لفظ من المسلمين انفرد بها مالكن دون سائر أصحاب نافع، وليس كما قال إذ وافقه فيها عمر بن نافع كما يروى، ووافقه الضحاك بن عثمان أيضا ذكره مسلم في صحيحه» (٢). ومثله: حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً … » قال الكرماني مبيناً الفرق بين روايات الحديث: «قوله: (وستون) كذا هنا وثبت في رواية صحيح مسلم وسبعون جزما (٣) وفي رواية أخرى بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك (٤) وروى أبو داود والترمذي بضع

стр. 174

وسبعون بلا شك (١). ومثله: أخرج البخاري في صحيحه: «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ … » (٢) قال الكرماني مقارناً بين الألفاظ: «واعلم أنه وقع هنا وفى صحيح مسلم (٣) أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر وفى الموطأ (٤) أنها الظهر والعصر». وهناك أمثلة أخرى عن بيان الكرماني الفروق بين الألفاظ قوله: «وفي كتاب الترمذي الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السفرة الكرام البررة وقال هو حسن صحيح» (٥). وقد يقارن الكرماني في ألفاظ الروايات المتشابهة، في السند والمتن، من أحاديث الصحيح، ويبين الاختلاف في شيوخ البخاري المباشرين، مثاله:

стр. 175

قتال البخاري ﵀ في باب: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ: «حَدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار» (١). فقد روى البخاري هذا الحديث عن غير شيخه سليمان، بل عن محمد بن المثنى، فقال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (٢). فقال الكرماني معلقا على ذلك: «فإن قلت قد سبق هذا الحديث بعينه فما فائدة التكرار؟ قلت: لم يسبق بعينه بل بينهما تفاوت، وهو أنه ذكر ثمة بلفظ المضارع في المواضع الثلاثة، بلفظ: المرء ويقذف وهنا بلفظ الماضي في الثلاثة وبلفظ عبداً ويلقى وبزيادة بعد إذ أنقذه الله، فاختلف بعض الألفاظ مع اختلاف في الرواة أيضاً إذ شيخ البخاري ثمة محمد بن المثنى وههنا سليمان وهلم جرا» (٣).

стр. 176

سابعاً بيان الخطأ في أسماء الرواة: قد يقع الخطأ في اسم راوٍ ما من رواة الحديث في أحد المصنفات، ويُكشف هذا الخطأ عن طريق تخريج الأحاديث والمقارنة والموازنة بين الروايات. فقد أخرج البخاري: «عن الأعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْراً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُاللهِ ابْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ … » (١). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: «وقع في صحيح مسلم بدل عبدالله بن يسار عبد الرحمن بن يسار وبدل أبي الجهيم أبو الجهم مكبراً وكلاهما غلط» (٢). ثامناً ينقل حكم العلماء على الحديث: يخرّج الكرماني الأحاديث التي استدل بها في الشرح، وينقل أقوال العلماء في بيان درجتها. مثال: عند الكلام عن حديث أبي هريرة ﵁، سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ

стр. 177

أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (١). قال الكرماني: «وقد استدل به على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وقيل ليس الوضوء مختصا وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل، محتجا بقوله ﷺ هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، فأجيب بأنه حديث ضعيف وبأنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة» (٢) * * * المبحث الخامس صنعته في المعلقات أولاً تعريف الحديث المعلق لغة واصطلاحاً: أ - لغة: «علق: العين واللام والقاف أصل كبير صحيح يرجع إلى معنى

стр. 178

واحد، وهو أن يناط الشيء بالشيء العالي. ثم يتسع الكلام فيه، والمرجع كله إلى الأصل الذي ذكرناه تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقا. وقد علق به، إذا لزمه. والقياس واحد» (١). ب - اصطلاحاً: هو الحديث الذي سقط من أول سنده راوٍ أو أكثر على التوالي، ولو كان الساقط السند كله (٢). وزاد ابن حجر على التعريف: «معبراً بصيغة لا تقتضي التصريح بالسماع مثل: قال وروى وزاد وذكر أو يُروى ويُذكر ويُقال، وما أشبه ذلك من صيغ الجزم والتمريض» (٣). وفي كلام ابن حجر رد على ابن الصلاح الذي قال: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره، ولا في مثل قوله: «يروى عن فلان، ويذكر عن فلان» وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك بأنه قاله وذكره. وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق ونحوه، لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال، والله أعلم» (٤).

стр. 179

وقال الحافظ ابن حجر كذلك في معرض الرد على ابن الصلاح: «أخْذُه من تعليق الجدار فيه بعد وأما أخذه من تعليق الطلاق وغيره فهو أقرب للسببيه لأنهما معنويان» (١). إذاً يتبين من التعريف أن التعليق يكون: بسقوط راوٍ من أول السند أو أكثر ويُعرف ذلك عن طريق المعاصرة، ومعرفة الطبقات ولوكان الساقط كل رجال السند، «كقولنا: قال رسول الله ﷺ كذا، من دون إسناد يُذكر، أو قال ابن عباس، أو قال عطاء» (٢). أن يُروى بصيغة التمريض، والتضعيف، مثل: رُويَ، وذُكِرَ … كذلك لم يختص المعلق فقط بصيغ التمريض، والتضعيف، بل خصّوا به صيغة الجزم قال النووي: «ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه، ويذكر، ويحكى؛ وشبهها بل خصوا به صيغة الجزم. كقال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى، ولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده» (٣). ثانياً أسباب تعليق الحديث: تنوعت عند أصحاب المصنفات أسباب التعليق، ويمكن حصرها في الآتي:

стр. 180

١ - أن يكون الحديث المُعَلّق ليس من شرط صاحب التصنيف حتى يثبت، ويكون إيراده من قبيل تقوية الاستدلال على موضوع الباب. ٢ - الاختصار في إيراد الحديث، إذ أن الحاجة تدعو إليه (١). ثالثاً حكم الحديث المعلق: الحديث المعلق ضعيف عند العلماء لا يُعمل به؛ بسبب انقطاع السند بحذف بعضه أو حذفه كله، وبالتالي لايُعرف ضبط وعدالة الراوي الساقط، إلا إذا جاء الحديث موصولاً من طريق أخرى، فعندها يجوز العمل به، وهذا الحكم ينطبق على كتب التزمت إخراج الصحيح في مصنفاتها كالبخاري ومسلم، فقد كثرت المعلقات في صحيح البخاري، إلا أنها جاءت موصولة ومسندة من طُرق أخرى كما سيأتي. رابعاً معلقات صحيح البخاري: بلغت الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري «ألف وثلاث مائة وواحد وأربعون حديثا وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرّج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثا» (٢). وقد برع الإمام البخاري ﵀ في إيراد التعليقات في جامعه الصحيح وأكثر منها، وتفنن في وضعها في محلها، وخصوصاً في تراجم الأبواب، مراعياً شرطه الذي التزمه في الصحيح، وفوائد حديثية كثيرة …
следующие страницы →