← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سابعاً بيان الخطأ في أسماء الرواة: قد يقع الخطأ في اسم راوٍ ما من رواة الحديث في أحد المصنفات، ويُكشف هذا الخطأ عن طريق تخريج الأحاديث والمقارنة والموازنة بين الروايات. فقد أخرج البخاري: «عن الأعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْراً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُاللهِ ابْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ … » (١). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: «وقع في صحيح مسلم بدل عبدالله بن يسار عبد الرحمن بن يسار وبدل أبي الجهيم أبو الجهم مكبراً وكلاهما غلط» (٢). ثامناً ينقل حكم العلماء على الحديث: يخرّج الكرماني الأحاديث التي استدل بها في الشرح، وينقل أقوال العلماء في بيان درجتها. مثال: عند الكلام عن حديث أبي هريرة ﵁، سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ

стр. 177

أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (١). قال الكرماني: «وقد استدل به على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وقيل ليس الوضوء مختصا وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل، محتجا بقوله ﷺ هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، فأجيب بأنه حديث ضعيف وبأنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة» (٢) * * * المبحث الخامس صنعته في المعلقات أولاً تعريف الحديث المعلق لغة واصطلاحاً: أ - لغة: «علق: العين واللام والقاف أصل كبير صحيح يرجع إلى معنى

стр. 178

واحد، وهو أن يناط الشيء بالشيء العالي. ثم يتسع الكلام فيه، والمرجع كله إلى الأصل الذي ذكرناه تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقا. وقد علق به، إذا لزمه. والقياس واحد» (١). ب - اصطلاحاً: هو الحديث الذي سقط من أول سنده راوٍ أو أكثر على التوالي، ولو كان الساقط السند كله (٢). وزاد ابن حجر على التعريف: «معبراً بصيغة لا تقتضي التصريح بالسماع مثل: قال وروى وزاد وذكر أو يُروى ويُذكر ويُقال، وما أشبه ذلك من صيغ الجزم والتمريض» (٣). وفي كلام ابن حجر رد على ابن الصلاح الذي قال: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره، ولا في مثل قوله: «يروى عن فلان، ويذكر عن فلان» وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك بأنه قاله وذكره. وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق ونحوه، لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال، والله أعلم» (٤).

стр. 179

وقال الحافظ ابن حجر كذلك في معرض الرد على ابن الصلاح: «أخْذُه من تعليق الجدار فيه بعد وأما أخذه من تعليق الطلاق وغيره فهو أقرب للسببيه لأنهما معنويان» (١). إذاً يتبين من التعريف أن التعليق يكون: بسقوط راوٍ من أول السند أو أكثر ويُعرف ذلك عن طريق المعاصرة، ومعرفة الطبقات ولوكان الساقط كل رجال السند، «كقولنا: قال رسول الله ﷺ كذا، من دون إسناد يُذكر، أو قال ابن عباس، أو قال عطاء» (٢). أن يُروى بصيغة التمريض، والتضعيف، مثل: رُويَ، وذُكِرَ … كذلك لم يختص المعلق فقط بصيغ التمريض، والتضعيف، بل خصّوا به صيغة الجزم قال النووي: «ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه، ويذكر، ويحكى؛ وشبهها بل خصوا به صيغة الجزم. كقال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى، ولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده» (٣). ثانياً أسباب تعليق الحديث: تنوعت عند أصحاب المصنفات أسباب التعليق، ويمكن حصرها في الآتي:

стр. 180

١ - أن يكون الحديث المُعَلّق ليس من شرط صاحب التصنيف حتى يثبت، ويكون إيراده من قبيل تقوية الاستدلال على موضوع الباب. ٢ - الاختصار في إيراد الحديث، إذ أن الحاجة تدعو إليه (١). ثالثاً حكم الحديث المعلق: الحديث المعلق ضعيف عند العلماء لا يُعمل به؛ بسبب انقطاع السند بحذف بعضه أو حذفه كله، وبالتالي لايُعرف ضبط وعدالة الراوي الساقط، إلا إذا جاء الحديث موصولاً من طريق أخرى، فعندها يجوز العمل به، وهذا الحكم ينطبق على كتب التزمت إخراج الصحيح في مصنفاتها كالبخاري ومسلم، فقد كثرت المعلقات في صحيح البخاري، إلا أنها جاءت موصولة ومسندة من طُرق أخرى كما سيأتي. رابعاً معلقات صحيح البخاري: بلغت الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري «ألف وثلاث مائة وواحد وأربعون حديثا وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرّج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثا» (٢). وقد برع الإمام البخاري ﵀ في إيراد التعليقات في جامعه الصحيح وأكثر منها، وتفنن في وضعها في محلها، وخصوصاً في تراجم الأبواب، مراعياً شرطه الذي التزمه في الصحيح، وفوائد حديثية كثيرة …

стр. 181

خامساً أقسام المعلقات في الجامع الصحيح: وقد تنوعت هذه التعاليق بين الرفع إلى النبي ﷺ ، وإما الوقف على الصحابة الكرام ﵃، وقد قسم العلماء معلقات البخاري إلى قسمين: القسم الأول: ماجاء معلقاً في موضع من الصحيح وموصولاً في موضع آخر منه. القسم الثاني: مالا يوجد فيه إلا معلقاً. ويندرج تحت هذين القسمين، الصيغ التي كان يوردها البخاري: ما علقه بصيغة الجزم، وهي على شرطه مثل: قال فلان، أو روى فلان، أو عن فلان، ويستفاد منها الصحة إلى من علق عنه. ما علقه بصيغة الجزم، ولكن ليس على شرطه، قد يكون حسناً صالحا للحجة. ما علقه بصيغة الجزم، ولكنها ضعيفة بسبب الانقطاع، وليس بسبب قدح في الرجال. ما علقه بصيغة التمريض والتضعيف، عكس صيغة الجزم، مثل: رُويَ عن فلان، أويُذكر، أو يُقال … وهي صحيحة لكن ليست على شرطه، وهي يسيرة جداً، ويذكره البخاري معلقاً بالمعنى. ما علقه بصيغة التمريض وهي حسنة، أقل درجة من السابقة. ما علقه بصيغة التمريض وهي ضعيفة، لا جابر لها (١).

стр. 182

سادساً جواب العلماء على معلقات البخاري: مما تواتر عند القاصي والداني، أن الإمام البخاري ﵀ جمع في كتابه الصحيح ما صح عن رسول الله ﷺ ، وذلك تلبية لرغبة شيخه: (إسحاق بن راهويه) الذي قال: «كنا عند إسحاق بن راهويه فقال لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح» (١). وقد قال البخاري عن صفة الأحاديث التي جمعها في كتابه: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح» (٢). ولما كان الحديث المعلق من أنواع الحديث المنقطع، للجهالة بحال الراوي المحذوف في السند فهو بالتالي من أنواع الحديث الضعيف، قد وُجه النقد للإمام البخاري لإيراده المعلقات في صحيحه، لأنها تخالف شرطه الذي التزم به، فأجاب العلماء على هذه الطعون وفندوها، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتاباً في وصل تعليقات البخاري، أسماه: «تغليق التعليق». فقال فيه مبيناً الأسباب التي دفعت البخاري للتعليق: «إما لتكراره أو لأنه أسند معناه في الباب، ولو من طريق أخرى فنبه عليه بالتعليق اختصارا أو ليبين سماع أحد رواته من شيخه؛ إذا كان موصوفا بالتدليس، أو كان موقوفا لأن

стр. 183

الموقوف ليس من موضوع الكتاب أو كان في رواته من لم يبلغ درجة الضبط والإتقان، أو إن كان ثقة في نفسه فلا يرتقي إلى شرط أبي عبدالله المؤلف في الصحيح فيعلق حديثه تنبيها عليه تارة أصلا، وتارة في المتابعات» (١). وبين ابن حجر كذلك أن الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين، ومن تفاسيرهم للآيات إنما كان يوردها على سبيل التقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل الخلافية، وأن التعاليق أكثر ما جاءت في تراجم الأبواب، وأن المقصود من كتاب البخاري هو الأحاديث الصحيحة المسندة، التي ترجم لها بالمعلق والآثار الموقوفة (٢). وقال ابن الصلاح: «ما كان من ذلك أي المعلقات ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علقه عنه، فقد حكم بصحته عنه … وقال أيضاً عن القسم الثاني: وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم، مثل: روي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو روي عن فلان كذا، أو في الباب عن النبي ﷺ كذا وكذا، فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا. ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه، والله أعلم» (٣). وعلى هذا «فالمعلق مما في البخاري ومسلم ليس من قبيل الضعيف بل هو من قبيل الاختصار والتصرف، وإذا كان بعض المحدثين استعملوا لفظة (رُوي)

стр. 184

وما أشبهها صيغة من صيغ التمريض، فإن ذلك لا يسلم لهم؛ فقد يكون من باب الاختصار فقط؛ إذ أن بناء الفعل للمجهول قد يكون للعلم به، وهذا موجود في كتب النحو، وعليه يُحمل ما جاء في البخاري ومسلم من هذا النوع» (١). ملاحظة: هذا الحكم في المعلقات إذا روى البخاري عن شيوخ شيوخه، ولكن قد يروي البخاري عن شيخه المباشر، بلفظ: قال فلان، بلفظ الجزم، ولم يكن بلفظ السماع فإن هذا يُعد من الصحيح المحمول على السماع، لأن البخاري التقى بشيخه المباشر وسمع منه، وروى عنه غالباً بصيغة السماع في أحاديث أخرى، وهو أدرى بشيخه، وقد يكون الحديث معروف الاتصال من غير جهة البخاري، ولأن هذا اللفظ تلقاه البخاري عن شيخه عرضاً ومناولة. قال أبو جعفر ابن حمدان النيسابوري (٢): «كل ما قال البخاري: «قال لي فلان» فهو عرض ومناولة» (٣). وقال كذلك ابن الصلاح: «إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته،

стр. 185

كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض» (١). وقد مثّل الأستاذ الدكتور نور الدين عتر على هذا فقال: «ومن هذا البيان يتضح خطأ علي بن حزم الظاهري في رده لحديث البخاري قال: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ وَاللهِ مَا كَذَبَنِي سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ … (٢). فزعم ابن حزم أنه وإن رواه البخاري فهو غير صحيح، لأن البخاري قال فيه: «قال هشام بن عمار». فهو منقطع ضعيف، واستروح ابن حزم إلى ذلك من أجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث» (٣). وقد قال ابن الصلاح رداً على ابن حزم: «والبخاري ﵀ قد يفعل ذلك، لكون ذلك الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل

стр. 186

الانقطاع، والله أعلم» (١). وقد قال الكرماني عن هذا الحديث: «المشهور عند المحدثين أنه يقال حدثنا وأخبرنا إذا كان الكلام على سبيل النقل والتحميل، وأما إذا كان على سبيل المذاكرة يقال: قال» (٢). سابعاً [¬*] منهج الكرماني في دراسة معلقات البخاري: نهج الكرماني في شرحه دراسة تعاليق البخاري، بالإجابة عنها تارة، وبيان أسبابها تارة أخرى، رادّاً للشبهة عن الصحيح ومدافعاً عنه، وقد بذل الجهد والوسع في ذلك، فخرج بأجوبة مقنعة مستنداً في ذلك على أقوال المحدثين. وقد تبين للباحث عناية الكرماني في المعلقات بالأمور الآتية: ١ - بيان صيغ البخاري في التعليق (الجزم والتمريض وما يتبعهما ويدل عليهما). ٢ - ذكر أسباب التعليق عند البخاري. ٣ - بيان الفوائد من تعليقات البخاري. ٤ - وصل التعاليق، وتخريجها. ١ - بيان صيغ البخاري في التعليق: أ - صيغة الجزم: مر سابقاً أن البخاري كان يتحرى الدقة في إطلاق الألفاظ، إذ أن لكل

стр. 187

لفظ مدلول وخصوصا صيغ التحمّل والأداء، قال ابن حجر: «وقد اعتنى البخاري ﵀ باعتبار هاتين الصيغتين يعني الجزم والتمريض وإعطائهما حكمهما في صحيحه فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه بجزم مراعيا ما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وورعه وعلى هذا فيحمل قوله ما أدخلت في الجامع إلا ما صح أي مما سقت إسناده والله تعالى أعلم» (١). وقد بيّن ابن الصلاح أن صيغة الجزم يسُتفاد منها الصحة على من علّق عليه، ولم يفت الكرماني أن ينبه لهذا فقال ناقلاً عن النووي: «قال العلماء إذا كان الحديث ضعيفاً لا يقال فيه قال لأنه من صيغ الجزم بل يقال: حُكِيَ أو قيل أو يقال بصيغة التمريض وقد اعتنى البخاري وهذا مما يزيدك معرفة للفرق في صحيحه فيقول تارة بلفظ الجزم، وأخرى بلفظ التمريض وهذا مما يزيدك اعتقادا في جلالته وتحقيقه» (٢). مثاله: قال البخاري في: بابٌ الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسٍ «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى: «باب: الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ … » (٣). قال الكرماني: «قوله: «وكتب» هذا تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته» (٤).

стр. 188

ومن ذلك: قال البخاري: «باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَىْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نفسه» (١). قال الكرماني: «وهذا تعليق من البخاري يقصد وقال ربيعة بصيغة الجزم الدالة على أنه من تصحيحات التعليق لا من تمريضاتها» (٢). ومن ذلك قال البخاري: «وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ … وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ اللهُ أَعْلَمُ» (٣). قال الكرماني: «قوله «الله أعلم» فإن قلت هذا يستعمل في مقام التردد، ولفظ نعم حيث قال أولا يدل على الجزم، قلت: جزم به حيث سمعه مرفوعاً إلى النبي ﷺ وحيث كان خبر الواحد غير مفيد لليقين؛ أظهر للتردد فيه أو حصل له بعد الجزم، تردد أو لا يلزم أن يكون استعماله للتردد والله أعلم» (٤). ب - اجتماع صيغتي الجزم والتمريض: قد يروي البخاري تعليقاً تارة بصيغة الجزم، وأخرى بصيغة التمريض، قال البخاري في كتاب: الغسل «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كَانَتْ بَنُو

стр. 189

إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً … فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْباً بِالْحَجَرِ» (١). ثم ساق البخاري بعده تعليقاً بصيغة التمريض عن أبي هريرة: «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ» (٢). قال الكرماني: «قوله (وعن أبي هريرة) هذا تعليق، فإن قلت لم قال أولا قال أبو هريرة وثانياً عن أبي هريرة. قلت إشارة إلى أن الأول تعليق بصيغة التصحيح لما فيه من الجزم، والثاني تعليق بصيغة التمريض» (٣). ومثله: قال البخاري: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّباً. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ … وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ» (٤). قال الكرماني: «قوله: «ويذكر عن الحسن» أي البصري. فإن قلت فلم قال فيما علق عن إبراهيم وعن ابن أبي مليكة بلفظ: قال وفيما علق عن الحسن بلفظ: يذكر. قلت ليشعر بأن قوله: ما ثبت عنده صحيح الإسناد لأنه قال هو

стр. 190

صيغة الجزم، وصريح الحكم بأنه صدر منه ومثله يسمى تعليقاً بصيغة التصحيح بخلاف يُذكر فإنه لا جزم فيه فيُعلم أن فيه ضعفاً ومثله تعليق بصيغة التمريض» (١). ومن صنيع البخاري: تقديم الحديث الموقوف المعلق المروي بصيغة الجزم، على الحديث المرفوع المعلق المروي بصيغة التمريض. مثاله: «وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ» (٢). قال الكرماني: «فإن قلت فذكْرُ عمر يكون مكررا، قلت فيه فوائد الأولى أنه تعليق بصيغة التصحيح أي وقال عمر وهذا بصيغة التمريض أي ويُروى عن عمرو، وهو بدون الزيادة وهذا معها، وهو غير مرفوع إلى النبي ﷺ وهذا مرفوع إليه ومع هذا فالصحيح هو الأول» (٣). ومن ذلك ما قاله ابن الصلاح: «أن صيغة الجزم يسُتفاد منها الصحة على من علّق عليه، ولا يدل على صحة كل الإسناد» (٤) روى البخاري في صحيحه:

стр. 191

«وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ».» (١). قال الكرماني: «قال الحاكم أبو عبدالله بهز (٢) كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة، ولا متابع له فيها وقال الخطيب حدث عنه الزهري، ومحمد بن عبدالله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة وحكيم تابعي ثقة ومعاوية قال صاحب الكمال أنه صحابي وظاهر لفظ البخاري أيضاً مشعر بذلك» (٣). وقال ابن حجر في الفتح: «فالإسناد إلى بهز صحيح ولهذا جزم به البخاري وأما بهز وأبوه فليسا من شرطه ولهذا لما علق في النكاح شيئا من حديث

стр. 192

جد بهز لم يجزم به بل قال ويذكر عن معاوية بن حيدة (١) فعرف من هذا أن مجرد جزمه بالتعليق لا يدل على صحة الإسناد إلا إلى من علق عنه وأما ما فوقه فلا يدل» (٢). إذاً ألفاظ الجزم: قال، نعم، وكتب، وقال لي فلان … ، وألفاظ التمريض: الله أعلم، يُذكر، يُروى، يُقال … ٢ - ذكر أسباب التعليق عند البخاري: أثناء تتبع واستقراء الكرماني لمعلقات البخاري، كان يذكر أسباب التعليق ويدلل عليها ويناقشها، مما يدل على نظره الثاقب، وصنعته الحديثية المميزة، فمن هذه الأسباب: أ - ما يتعلق بالراوي: ١ - عدم إدراك البخاري لزمن الراوي الذي يروي عنه: من شرط الاتصال في السند اللقاء والمعاصرة بين الراوي ومن روى عنه هذا شرط البخاري في صحيحه وعند غيره إمكان اللقاء، أما إذا لم يتم اللقاء، أو لم يدرك الراوي زمن الذي روى عنه فإنه لا مجال لاتصال السند، فلذلك كان من عادة المصنفين الدقة في تحري لفظ التلقي والأداء، فإن كان التلقي يفيد الاتصال، عبروا عنه بصيغة تفيد السماع، وإن كان غير ذلك عبروا عنه بصيغة

стр. 193

التعليق والانقطاع. مثاله: قال البخاري: «قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِي … » (١). قال الكرماني: «قوله: (قال مالك) أعلم أنه لم يدرك زمن مالك فهذا تعليق منه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه» (٢). ومنه: ما رواه في كتاب الوضوء فقال: «وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ … » (٣). قال الكرماني: «وذكره البخاري تعليقا لأنه لم يدرك زمانه» (٤). ومنه ما أخرجه في كتاب: الحيض، قال: «تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ» (٥). قال الكرماني: «قوله (خالد) أي ابن عبدالله الواسطي أبو الهيثم الطحان … مات بواسط سنة اثنتين وثمانين ومائة وهذا تعليق لأنه لم يدرك عصره» (٦). ومن ذلك: أخرج البخاري في كتاب التهجد، «وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ

стр. 194

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ هُرْمُزَ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ … » (١). قال الكرماني: «قوله: وقال الليث، تعليق من البخاري لأنه لم يدرك عصره» (٢). ومن ذلك قال محمد بن إسماعيل البخاري: «وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ » (٣). قال الكرماني: «وذكر البخاري رواية إسمعيل متابعة واستشهادا لتقوية ما تقدم وهذا تعليق عن البخاري لأنه لم يدركه إذ هو إسمعيل بن علي وهو مات في عام ولادة البخاري سنة أربع وتسعين ومائة» (٤). ٢ - ما كان بسبب علة في الراوي: كأن يكون الحديث الذي رواه الراوي ليس على شرط البخاري. مثاله: «باب قَوْلِ النَّبِيُّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».» (٥). قال الكرماني: «ولم يذكر البخاري إسناد هذا الحديث، لأن راوي هذا من طريق تميم الداري، وهو أشهر طرقه سهيل بن أبي صالح وليس سهيل من

стр. 195

شرطه» (١). ومثله: «وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (٢) قال الكرماني ناقلاً عن الحاكم: «كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة، ولا متابع له فيها» (٣) فالإسناد إلى بهز صحيح، أما بهز وأبوه ليسا من شرط البخاري. ب - كون الحديث موصولاً من رواية أخرى: من عادة الإمام البخاري في التعليق، أن يروي الحديث معلقاً تارة، وتارة موصولاً في صحيحه، وقد يكون موصولاً في غيره، وله في ذلك أغراض وفوائد شتى. من ذلك: قال البخاري: «قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ … » (٤). قال الإمام الكرماني: «ومثل هذا أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحدا أو

стр. 196

أكثر، يسمّى تعليقاً ولا يذكره البخاري إلاّ إذا كان مسنداً عنده، إما بالإسناد المتقدّم كأنّه قال حدثنا يحي ابن بكير حدّثنا الليث عن عقيل أنّه قال ابن شهاب أو بإسناد آخر وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفا من جهة الثقات كونه مذكورا في مواضع أخر أو نحوه» (١). ومنه قال البخاري: «وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ فَانْصَرَفَ … » (٢) قال الكرماني: «قوله «قال أبو أسامة» أي حماد وههنا ذكره البخاري تعليقا وثمت ذكره مسنداً» (٣). ومن ذلك: «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ» (٤). قال الكرماني: «قوله: قال النبي ﷺ (هذا تعليق من البخاري وتقدم إسناده في الباب المتقدم عليه» (٥). ومنه قال أبو عبدالله البخاري: «وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ

стр. 197

بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ … » (١) قال الكرماني: «ولفظ (يذكر) تعليق تمريض وأسنده أبو داود (٢) وزاد فضحك رسول الله ﷺ من ذلك» (٣). ج - يعلق البخاري الحديث على حسب تلقي الراوي: قد يروي الراوي الحديث مرة موصولاً، ومرة منقطعاً أو مرسلاً، فيذكر البخاري رواية الوصل، ورواية الانقطاع. مثاله قال البخاري: «وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ … قَالَ أَبُو عَبْداللهِ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا» (٤). قال الإمام الكرماني: «فإن قلت لم علق البخاري عنه أولاً وأسند آخراً

стр. 198

قلت لعله سمع أولاً مرسلاً وآخراً مسنداً فنقله كما سمعه» (١). د - يعلق البخاري الحديث للاختلاف في صحته: مثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى لَهُ وِلَايَةً وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قَالَ هُوَ … » (٢). قال الكرماني: «واختلف أهل الحديث في صحته ولهذا ذكر البخاري في التعليق بصيغة التمريض» (٣). بالإضافة إلى لفظ التمريض، قد يشير البخاري إلى وجود نظر في السند، مثاله قال البخاري: «وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ … » (٤). قال الكرماني: «قوله (ويذكر) هذا تعليق بصيغة التمريض ولذلك قال في إسناده نظر» (٥).

стр. 199

هـ - التعليق بسبب نقل الحديث بالمعنى: قال الحافظ ابن حجر: «لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضا لما علم من الخلاف في ذلك» (١). من ذلك قال الإمام البخاري: «باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».» (٢) قال الكرماني: «وهذا الحديث رواه معلقا وهو إما معنى الحديث الذي ذكره بعد الإسناد، فهو من باب نقل الحديث بالمعني، وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر» (٣). ومنه مارواه البخاري: «وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ … » (٤). قال الكرماني: «ويذكر هذا تعليق أيضا ولكنه بصيغة التمريض بخلاف

стр. 200

قال ونحوه فانه تعليق بصيغة التصحيح مجزوما به» (١). وقد ذكر ابن حجر أن هذا التعليق صححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق وشيخه صدقة ثقة، وعقيل لا أعرف راويا عنه غير صدقة ولهذا لم يجزم به المصنف أو لكونه اختصره أو للخلاف في ابن إسحاق» (٢). إلا أن البدر العيني في عمدة القاري اعترض على كلام الكرماني وابن حجر فقال: «قلت: هذا أبعد من تعليل الكرماني، فإن كون الحديث مختصرا لايستلزم أن يذكر بصيغة التمريض، والصواب فيه أن يقال: لأجل الاختلاف في ابن إسحاق» (٣). ٣ - بيان الفوائد من تعليقات البخاري: إن لرواية البخاري للحديث المعلق في الصحيح لها فوائد شتى، يتجلى أهمها في بيان طرق الحديث، وذكر وبيان ما خفي من بعضها، فقد كان من صنيع البخاري أن جعل العلاقة وثيقة بين المعلقات والمتابعات، فمن هذه الفوائد: ١ - فوائد متعلقة بالسند، ٢ فوائد متعلقة بالمتن. ١ - الفوائد المتعلقة بالسند وذلك من خلال: أ - تقوية الإسناد: وذلك عن طريق بيان سماع الراوي من شيخه، إذا كان الراوي موصوفاً

стр. 201

بالتدليس، وذلك عن طريق ورود التصريح بالسماع من طريق أخرى. مثاله: روى البخاري بسنده: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ» (١). قال الإمام الكرماني: «ولما روى قتادة أولا بلفظ عن وهو من المدلسين ذكر ثانياً بلفظ قال أخبرنا الحسن إشعاراً على التصريح بسماعه من الحسن» (٢). ومنه: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو ابْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَساً ح قَالَ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ … » (٣). قال الكرماني مبينا فوائد البخاري من ذكر السند الثاني: «أن سفيان من المدلسين والمدلس لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من طريق آخر فذكر الطريق الثاني المصرح بالسماع فقال قال حدثني عمرو» (٤). ومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ

стр. 202

إِلاَّ اللهُ … » قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ قَالَ أَبَانُ حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ … » (١). قال الكرماني مبيناً فوائد هذا التعليق: «ذكر البخاري عنه تعليقاً أي أبان وهو أبو يزيد البصري العطار لعدم تلاقيهما وذكره متابعة لا تأصلاً، إما لضعفه أو لغيره، وإما لضعف شيخه ونحوه، … واعلم أن فيه فوائد. الأولى: ما في سائر المتابعات من التقوية والثانية: ما في ذكر الإيمان بدل الخير والثالثة بيان الاحتجاج به لأن قتادة مدلس (٢) لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعن وقد وقع في الرواية الأولى عنه وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال عن أنس فإذا ثبت من رواية أبان عنه التحديث والسماع إذ قال: حدثنا أنس علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها وعلى هذا يحمل ما في الصحيحين من هذا النوع» (٣). أي أن الرواية الأولى جاء فيها: «حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ» وجاء في التعليق من رواية أبان التصريح بالسماع، بقوله: «حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ». ومثله: قال البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة «دَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى ابْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا … وَقَالَ حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ» (٤).

стр. 203

قال الكرماني: «والظاهر أنه تعليق أي قول حبان وذكره البخارى لأن قتادة من المدلسين وروى أولا عنه بلفظ عن أنس فأراد أن يقويه بالرواية عنه بلفظ حدثنا أنس» (١). ومن ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ … وَعَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْداً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ» (٢). قال الكرماني: «وعن الزهري تعليق وغرضه منه بيان أن الزهري رواه بطريق السماع أيضاً كما روى معنعناً في الإسناد الأول» (٣). ومنه روى البخاري: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ … وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » (٤). قال الكرماني: «ولما كان قتادة مدلسا قوي الإسناد الأول بهذا حيث قال سمع أنسا إذ فيه التصريح بسماعه» (٥).

стр. 204

ومن ذلك ما رواه البخاري: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ … وقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَقَالَ عَائِذًا بِاللهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ» (١). قال الكرماني مبيناً فائدة التعليق: «وحيث قال البخاري قال فلان فيه إشارة إلى أنه أخذه مذاكرة لا تحديثا وتحميلا وأراد بذكره ههنا التصريح بسماع سعيد عن قتادة عن أنس» (٢). إذاً إيراد البخاري للمعلق بالأمثلة السابقة من أجل إثبات سماع قتادة الموصوف بالتدليس ولا تذهب عنه هذه الصفة إلا بإثبات السماع. وقد يكون التعليق من أجل بيان متابعة الراوي، والإشارة إلى الفرق بين الألفاظ، ومثاله ما رواه البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا النَّضْر قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ … تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ الْوُضُوءُ» (٣). قال الكرماني: «ولفظ لم يقل كلام البخاري، وهو تعليق قطعاً لأنه لم يدركهما وغرضه أنهما يتابعان أيضاً في هذا الإسناد عن شعبة لكنهما لم يذكرا لفظ

стр. 205

الوضوء، قالا فعليك فقط بحذف المبتدأ، وجاز ذلك لقيام القرينة عليه والمقدر عند القرينة كالملفوظ» (١). ب - بيان طرق الحديث ومافيها من فوائد إسنادية: من المعلوم أن ورود طرق أخرى للحديث ولوتعليقاً يزيل إشكالات كثيرة عنه في السند والمتن معاً. من ذلك بيان اسم الراوي الذي أُبهم، قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … ». وقَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَاللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ». وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِاللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » (٢). بيّن الكرماني أن: روايته عن أبي معاوية على سبيل التعليق لأنه لم يدركه لذلك لم يقل حدثنا أو أخبرنا، وقد ساقه للمتابعة والتقوية. وراعى أيضاً دقيقة حيث قال في طريق أبي معاوية: سمعت عبدالله وفي طريق عبد الأعلى عن عبدالله إشعاراً بالفرق بينهما ولا يخفى أن الأول أولى.

стр. 206

واعلم أن عامراً في التعليقين هو الشعبي المذكور، كما أن عبدالله فيهما هو عبدالله بن عمرو المذكور» (١). فبين في التعليق الثاني أن عبدالله الذي أُبهم في رواية عبد الأعلى هو عبدالله ابن عمروٍ الذي بُيّن في رواية أبي معاوية (٢). كما أزالت رواية التعليق الأولى، والثانية الخلاف في اسم الشعبي وقد يُظن أنه غير المقصود إذ ورد اسمه بالرواية الأولى المسندة الموصولة ب (الشعبي) وورد في الأخريين أنه: (عامر) فعرف أنه عامر الشعبي لا سواه. ٢ - الفوائد المتعلقة بالمتن وذلك من خلال: ١ - بيان حقيقة الأمر من فعل النبي ﷺ -: مثاله: قال البخاري: في باب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ: «وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ أَيْضاً مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثاً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ … » (٣). قال الإمام الكرماني: (قوله: أبو عبدالله، أي البخاري وبيّن النبي ﷺ وكذا وتوضأ، كلاهما تعليق منه وكان غرضه من لفظ وبيّن الإشارة إلى أن الأمر

стр. 207

من حيث هو لإيجاد حقيقة المشي المأمور به، لا مقتضيا للمرة ولا للتكرار محتملا لهما، فبيّن النبي ﷺ أن المراد منه المرة حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها؛ إذ لو لم يكن الغرض إلا مرة واحدة لو يجز الاجتزاء بها، والغرض من وتوضأ مرتين وثلاثا الإشارة إلى أن الزيادة عليها مندوب، إليها لأن فعل رسول الله ﷺ يدل على الندب غالبا، إذ لم يكن دليل على الوجوب لكونه بيانا للواجب مثلا» (١). ٢ - إزالة شك الراوي في لفظ الحديث: من ذلك: قال البخاري: «حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ … فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ … قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثنا عَمْرٌو: الحَيَاةِ» (٢) أي شك مالك هل هي: (الحيا) أم (الحياة)؟ قال الكرماني مبينا رواية التعليق لإزالة شك مالك: «ذكره البخاري على سبيل التعليق لأنه لم يدركه ومعناه: قال وهيب حدثنا عمرو عن أبيه عن أبي سعيد بهذا الحديث، وقال فيه نهر الحياة بالهاء، ولم يشك كما شك مالك، وقال بدل من إيمان من خير والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه ويجوز أن يقرأ الحياة بالجر على الحكاية عن لفظ الحديث» (٣).

стр. 208

٣ - تفسير كلمات من متن الحديث: في ذات الحديث بين الكرماني فوائد التعليق من تفسير للكلمات فقال: «قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ قَالَ أَبَانُ حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ»» (١). قال الكرماني: «والثانية أي الفائدة ما في ذكر الإيمان بدل الخير» (٢). وقال في موضع آخر: «وقال بدل من إيمان من خير والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه» (٣). ٤ - وصل التعاليق، وتخريجها: تخريج الحديث المعلق عند البخاري ووصله، له أهمية كبرى في دفع اعتراض المعترضين، ونقد الناقدين، وقد وصل ابن حجر تعليقات البخاري، في كتابه: (تغليق التعليق)، وكان من جهود الإمام الكرماني ﵀ في شرحه يبيّن في بعض الأحيان أماكن وصل المعلقات وتواجدها. من ذلك يبيّن تعليق البخاري مسنداً وموصولاً من الصحيح. مثاله: ما أخرجه البخاري، في كتاب التوحيد: «وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ

стр. 209

رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ … » (١). قال الكرماني: «وهذا التعليق تقدم في أول الزكاة مسندا، لكن ليس فيه لفظ يصعد قال ثمة لا يقبل الله إلا الطيب نعم هو بعينه مسند في صحيح مسلم (٢)» (٣). ومن ذلك يبين تعليق البخاري مسنداً وموصولاً من غير الصحيح: قال البخاري: «وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ … ) (٤). قال الكرماني: «ولفظ (يُذكر) تعليق تمريض أي لأنه لم يروه بصيغة الجزم وأسنده أبو داود وزاد فضحك رسول الله ﷺ من ذلك» (٥).

стр. 210

وتارة يشير إلى بعض الروايات الموصولة من دون الإشارة إلى أماكن تواجدها من ذلك: قال أبو عبدالله البخاري في باب العلم قبل القول والعمل: «قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ» (١). قال الكرماني: «ومن لفظ وأن العلماء إلى ههنا أي إلى لفظ (الجنة) (٢) ثبت عن النبي ﷺ وذكره البخاري تعليقا لأنه ليس بشرطه» (٣). * * * المبحث السادس الإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري تمهيد: من المعلوم والمشهور أن صحيح الإمام أبي عبدالله البخاري أصح الكتب

стр. 211

بعد كتاب الله ، لما عُلم من اشتراط البخاري الصحة في كتابه، ومن دلالة اسم الكتاب «الجامع الصحيح المُسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» (١) وموافقة مضمون الكتاب للتسمية. ومن خلال الاطلاع على سيرة الإمام البخاري الذاتية، وما فيها من قوّة حفظه، وشدة ذكائه، وسعة اطلاعه، وثناء العلماء عليه … نجد أن شخصية كالبخاري مؤهلة لإخراج كتاب يضم بين دفتيه ما صح عن رسول الله ﷺ ، وهذا بشهادة العلماء المنصفين، وتلقي الأمة له بالقبول. «فليس (صحيح البخاري) جهدًا لشخص واحد دون أي إعانة من علماء عصره من شيوخه وأقرانه، بل يكاد يكون جهدًا جماعيَّا. وقد نصَّ أحد قدماء المحدّثين على هذا المنهج الذي كان يتّبعه المحدثون لنقْدِ السنة، فقد قال أبو عبدالله الحاكم في أثناء كلامه عن شروط الحكم على الحديث بالصحّة: «وليس لهذا النوع من العلم عونٌ أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يَخْفَى من علّة الحديث»». «وقال أبو جعفر محمد (٢) بن عمرو العقيلي (٣) لما ألف البخاري كتاب

стр. 212

الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة الا في أربعة أحاديث قال العقيلي والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة» (١). قال الإمام ابن الصلاح: «القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ؛ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم» (٢). هذا وقد استدرك بعض العلماء على البخاري ومسلم، أحاديث حكموا عليها بالضعف، ومن هؤلاء العلماء أبو الحسن علي الدارقطني، في كتاب أسماه: «الإلزامات والتتبع» وهو من أوسع الكتب في هذا الموضوع، ومنهم أبو علي الجياني الغسّاني (٣) في كتابه: «تقييد المهمل، وتمييز المشكل»، وأبو مسعود

стр. 213

إبراهيم الدمشقي، في كتابه: «أطراف الصحيحين». والجامع في منهج نقد هؤلاء الأئمة للصحيحين، أنهم اجتهدوا فأخطأوا، لأنهم بنوا طعنهم ونقدهم على قواعد لبعض المحدثين، تخالف جمهورهم من أهل الفقه والأصول، والأدلة (١). وقد بلغ عدد الأحاديث المنتقدة على الصحيحين مئتان وعشرة أحاديث، اشترك البخاري ومسلم في اثنين وثلاثين منها، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين حديثاً، ومئة حديث لمسلم (٢). وقد تناول العلماء نقد الدارقطني وغيره بالرد والتفنيد، وقد عقد الإمام ابن حجر العسقلاني في هدي الساري فصلاً في الرد على المنتقدين، قال في أوله: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى» (٣). وقال في موضع آخر: «وليست كلها قادحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنه تعسف» (٤). وقال السخاوي: «وتكفل شيخنا يقصد ابن حجر في مقدمة شرح البخاري بما يخصه منه، والنووي في شرح مسلم بما يخصه منه، فكان فيهما مع

стр. 214

تكلف في بعضه إجزاء في الجملة» (١). هذا وإن أكثر الأحاديث المُنتَقدة على البخاري غالبا ما تتعلق بعلوم السند، وأكثرها من مباحث علم العلل، كالاختلاف في عدد الرواة، أو تغيّرهم، والاختلاف في وقف الحديث ورفعه، ووصله وإرساله … وقد قسّم الإمام ابن حجر ﵀ الأحاديث المنتقدة إلى أقسام (٢): القسم الأول: ماتختلف فيه الرواة بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن حصلت الزيادة من صاحب المصنف وانتُقد عليها، فإن هذا مردود لأن الراوي قد يكون سمع بواسطة عن شيخه، وقد يكون سمع عنه مباشرة، وإن كان لم يسمعه من الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من أنواع الضعيف. وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالطريق المزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكاً بيّنا أو صرّح بالسماع إن كان مدلساً من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب: عن صاحب الصحيح أنه إنما أُخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد، أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع؛ لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية

стр. 215

بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوّغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده. القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد. فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد، وإن أمتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد فيُخرّج المصنف الطريق الراجحة ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله والله أعلم. القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية؛ بحيث يتعذر الجمع، أمّا إن كانت الزيادة لا منافاة فيها؛ بحيث تكون كالحديث المستقل، فلا إلا إن وضّح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر. القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة، وليس في هذا الصحيح من
следующие страницы →