← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعد كتاب الله ، لما عُلم من اشتراط البخاري الصحة في كتابه، ومن دلالة اسم الكتاب «الجامع الصحيح المُسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» (١) وموافقة مضمون الكتاب للتسمية. ومن خلال الاطلاع على سيرة الإمام البخاري الذاتية، وما فيها من قوّة حفظه، وشدة ذكائه، وسعة اطلاعه، وثناء العلماء عليه … نجد أن شخصية كالبخاري مؤهلة لإخراج كتاب يضم بين دفتيه ما صح عن رسول الله ﷺ ، وهذا بشهادة العلماء المنصفين، وتلقي الأمة له بالقبول. «فليس (صحيح البخاري) جهدًا لشخص واحد دون أي إعانة من علماء عصره من شيوخه وأقرانه، بل يكاد يكون جهدًا جماعيَّا. وقد نصَّ أحد قدماء المحدّثين على هذا المنهج الذي كان يتّبعه المحدثون لنقْدِ السنة، فقد قال أبو عبدالله الحاكم في أثناء كلامه عن شروط الحكم على الحديث بالصحّة: «وليس لهذا النوع من العلم عونٌ أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يَخْفَى من علّة الحديث»». «وقال أبو جعفر محمد (٢) بن عمرو العقيلي (٣) لما ألف البخاري كتاب

стр. 212

الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة الا في أربعة أحاديث قال العقيلي والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة» (١). قال الإمام ابن الصلاح: «القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ؛ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم» (٢). هذا وقد استدرك بعض العلماء على البخاري ومسلم، أحاديث حكموا عليها بالضعف، ومن هؤلاء العلماء أبو الحسن علي الدارقطني، في كتاب أسماه: «الإلزامات والتتبع» وهو من أوسع الكتب في هذا الموضوع، ومنهم أبو علي الجياني الغسّاني (٣) في كتابه: «تقييد المهمل، وتمييز المشكل»، وأبو مسعود

стр. 213

إبراهيم الدمشقي، في كتابه: «أطراف الصحيحين». والجامع في منهج نقد هؤلاء الأئمة للصحيحين، أنهم اجتهدوا فأخطأوا، لأنهم بنوا طعنهم ونقدهم على قواعد لبعض المحدثين، تخالف جمهورهم من أهل الفقه والأصول، والأدلة (١). وقد بلغ عدد الأحاديث المنتقدة على الصحيحين مئتان وعشرة أحاديث، اشترك البخاري ومسلم في اثنين وثلاثين منها، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين حديثاً، ومئة حديث لمسلم (٢). وقد تناول العلماء نقد الدارقطني وغيره بالرد والتفنيد، وقد عقد الإمام ابن حجر العسقلاني في هدي الساري فصلاً في الرد على المنتقدين، قال في أوله: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى» (٣). وقال في موضع آخر: «وليست كلها قادحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنه تعسف» (٤). وقال السخاوي: «وتكفل شيخنا يقصد ابن حجر في مقدمة شرح البخاري بما يخصه منه، والنووي في شرح مسلم بما يخصه منه، فكان فيهما مع

стр. 214

تكلف في بعضه إجزاء في الجملة» (١). هذا وإن أكثر الأحاديث المُنتَقدة على البخاري غالبا ما تتعلق بعلوم السند، وأكثرها من مباحث علم العلل، كالاختلاف في عدد الرواة، أو تغيّرهم، والاختلاف في وقف الحديث ورفعه، ووصله وإرساله … وقد قسّم الإمام ابن حجر ﵀ الأحاديث المنتقدة إلى أقسام (٢): القسم الأول: ماتختلف فيه الرواة بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن حصلت الزيادة من صاحب المصنف وانتُقد عليها، فإن هذا مردود لأن الراوي قد يكون سمع بواسطة عن شيخه، وقد يكون سمع عنه مباشرة، وإن كان لم يسمعه من الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من أنواع الضعيف. وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالطريق المزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكاً بيّنا أو صرّح بالسماع إن كان مدلساً من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب: عن صاحب الصحيح أنه إنما أُخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد، أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع؛ لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية

стр. 215

بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوّغ الرواية بالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده. القسم الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد. فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد، وإن أمتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد فيُخرّج المصنف الطريق الراجحة ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله والله أعلم. القسم الثالث: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية؛ بحيث يتعذر الجمع، أمّا إن كانت الزيادة لا منافاة فيها؛ بحيث تكون كالحديث المستقل، فلا إلا إن وضّح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر. القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة، وليس في هذا الصحيح من

стр. 216

هذا القبيل غير حديثين وهما السابع والثلاثون والثالث والأربعون (١). القسم الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحا ومنه ما لا يؤثر. القسم السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك، أو الترجيح على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين، كما تعرضوا لذلك في الإسناد (٢). موقف الإمام الكرماني من الأحاديث المنتقدة على البخاري: لم يشر الكرماني في مقدمة شرحه إلى الأحاديث المنتقدة على البخاري، وإنما أشار إلى إزالة اللبس والإشكال عن ما يخص السند والمتن بشكل عام، إلا أنه في بعض الأحيان يشير إلى الحديث المُنتَقد، مما استدركه الدارقطني على البخاري، ويرد عليه رداً موجزاً مختصراً، وفي كثير من الأحايين لا يذكر الانتقاد على الحديث ولا يشير إليه، وذلك إما للاختصار، وإما لعدم قناعته بالانتقادات التي وُجهت للبخاري، وإما لانشغاله في الشرح بموضوعات أخرى في علم السند والمتن (٣).

стр. 217

وسأذكر أقسام الإمام ابن حجر ﵀ في الطعون على البخاري، مع الإتيان بالأمثلة من ردود الكرماني إن وُجدت. * القسم الأول ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد: وهذا النوع يخص الانقطاع في السند، وقد عرّف الكرماني الحديث المنقطع بأصله العام: «ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان» (١) على هذا يندرج تحته كل سند حصل فيه انقطاع، وهذا رأي ابن عبد البر فقال في تعريفه: «المنقطع عندي كل مالايتصل سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره» (٢). وقال في موضع آخر يبين فيه تعريف المنقطع المعتمد عند المحدثين: «هو أن يسقط من الإسناد رجل أو يُذكر فيه رجل مبهم» (٣). وقال العلماء في تعريفه: «هو الحديث الذي سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في موضع واحد أو موضع متعددة، بحيث لا يزيد الساقط في كل منها على واحد وألا يكون الساقط في أول السند» (٤).

стр. 218

ومن أمثلة الانتقادات على البخاري بسبب الانقطاع، ما أخرجه في صحيحه: «وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِاللهِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ … » (١). قال الكرماني: «وقال الدارقطني (٢) هذا الإسناد مرسل ولم يلتفت أي الدارقطني إلى قول عبد الرحمن بن عبدالله إلى ما قال سمعت كعباً لأنه عنده وهم، وقال محمد بن يحي الذهلي في «علل حديث الزهري» سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن ابن عبدالله بن كعب قال ولا أظن أن عبد الرحمن سمع من جده كعب شيئاً وإنما سمع من أبيه عبدالله. وأقول لو كان بدل «ابن» كلمة «عن» لصح الاتصال لأن عبد الرحمن سمع من أبيه عبدالله وهو من كعب وكذا لو حذف عبدالله من البين» (٣). وقال بعض العلماء أن عبد الرحمن روى بعض الحديث عن جده كعب فلم يُثبّته لطول الحديث، ولصغر سن عبدالرحمن، وروى الحديث بأكمله عن أبيه وثبّته بعد أن كبُر سِنّه (٤).

стр. 219

ومنه: أخرج البخاري بسنده «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الْفَزَارِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا ثُمَّ ضَحِكَ … » (١). قال الكرماني ناقلاً عن الغساني: «قال الغساني: قال أبو مسعود الدمشقي: سقط بين أبي إسحاق وعبدالله زائدة بن قدامة، أقول: هذا تحكم بلا دليل كيف وقد ثبت سماعه من عبدالله والله أعلم» (٢). قال العلائي في جامع التحصيل: «وذكر أبو بكر بن مردويه الحافظ أنه لم يسمع من أبي طوالة وأن الصواب ما رواه المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي طوالة قلت: وفي ذلك نظر لما تقدم أن البخاري لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء وأبو إسحاق الفزاري ليس بمدلس والله أعلم» (٣). وبين الحافظ ابن حجر نقد أبي مسعود وما أشكل عليه فيه فقال: «وسبب الوهم: من أبي مسعود أن معاوية بن عمرو رواه أيضا عن زائدة عن أبي طوالة، فظن أبو مسعود أنه عند معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة وليس كذلك بل هو عنده عن أبي إسحاق وزائدة معا جمعهما تارة وفرقهما أخرى» (٤). ومن ذلك: أخرج البخاري في صحيحه: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى

стр. 220

أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ … » (١). قال الكرماني معرفاً بالراوي عطاء ناقلاً عن الغساني: «هو الخراساني أي لا ابن أبي رباح، ولا ابن يسار، وقال ابن جريج: أخذه من كتاب عطاء لا من السماع منه» (٢). والحاصل في هذا السند: أن عطاء الخُراساني، لم يثبت له سماع من عبدالله ابن عباس ﵄، بالإضافة أنه ضعيف يخالف شرط البخاري (٣) وأن ابن جُريج أخذ الكتاب من أبيه فنظر فيه، ولم يسمع الحديث من عطاء، كما قال الغسّاني (٤). قال ابن حجر: «أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في تفسيره عن ابن جريج فقال أخبرني عطاء الخرساني عن ابن عباس وقال أبو مسعود ثبت هذا الحديث في تفسير ابن جريج عن عطاء الخرساني عن بن عباس وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخرساني وإنما أخذه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه … وقال الإسماعيلي أخبرت عن علي بن المديني أنه ذكر عن تفسير ابن جريج كلاما معناه أنه كان يقول عن عطاء الخرساني عن ابن عباس فطال على الوراق أن يكتب

стр. 221

الخرساني في كل حديث فتركه فرواه من روى علي أنه عطاء بن أبي رباح» (١). والبخاري ساق رواية ابن جريج مرة ثانية في كتاب: الطلاق، بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ، «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ … » (٢). لكن البدر العيني رجح توهم البخاري من ظنه أن عطاءً الراوي عن ابن عباس عطاء بن أبي رباح فقال «فسبحان من لا يخفى عليه شيء» (٣). والتمس ابن حجر العذر للبخاري فقال: «وهذا مما استعظم على البخاري أن يخفى عليه، لكن الذي قوي عندي أن هذا الحديث بخصوصه عند ابن جريج عن عطاء الخرساني، وعن عطاء بن أبي رباح جميعا ولا يلزم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التحديث بالتفسير أن لا يحدث بهذا الحديث في باب آخر من الأبواب، أو في المذاكرة وإلا فكيف يخفى على البخاري ذلك مع تشدده في شرط الاتصال واعتماده غالبا في العلل على علي بن المديني شيخه، وهو الذي نبه على هذه القصة» (٤). وقال في موضع آخر: «فيحتمل أن يكون هذان الحديثان عن عطاء بن أبي

стр. 222

رباح وعطاء الخرساني جميعا والله أعلم، فهذا جواب إقناعي وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد ولا بد للجواد من كبوة والله المستعان» (١). ومن ذلك أخرج البخاري في كتاب: الغسل «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ. قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ ابْنَ عُبَيْدِاللهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵄ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). نقل ابن حجر عن ابن العربي (٣) أن في الحديث ثلاث علل: الأولى: عدم سماع الحسين بن ذكوان المعلم من يحي، وإنما جاء عن حسين. الثانية: خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً. الثالثة: خولف أبو سلمة فيه أيضاً فرواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفا عن جماعة من الصحابة.

стр. 223

والجواب عن الأولى أن ابن خزيمة والسراج والإسماعيلي وغيرهم رووا الحديث من طريق حسين المعلم، وصرحوا فيه بالإخبار ولفظ السراج بسنده إلى حسين أخبرنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه … وأما الجواب عن الثانية والثالثة فالتعليل المذكور بهما غير قادح لأن رواية حسين مشتملة على الرفع والوقف معا فإذا اشتمل غيرهما على الموقوف فقط كانت هي مشتملة على زيادة لا تنافي الرواية الأخرى فتقبل من الحفاظ وهو كذلك فتبين أن التعليل بذلك ليس بقادح (١). قلت: وقد أخرج مسلم الحديث في صحيحه: «وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ» قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). مع الملاحظة أن مسلماً قال: عن يحيى بن كثير، ولفظ البخاري: قال يحيى. وأما الإمام الكرماني أجاب إجابة مختصرة عن العلة الأولى فقال: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة، فكيف جاز دخول الواو بينهما. قلت: إشعاراً بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني

стр. 224

بكذا وكذا وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (١). ومن الأحاديث التي أعلها الدارقطني بالانقطاع، ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يُلْبَسْ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ» (٢). قال الكرماني ناقلاً عن النووي الرد على الدارقطني: (هذا مما استدركه الدارقطني علي البخاري: وقال أي الدارقطني لم يسمعه أبو عثمان من عمر بل أخبر من كتابه، وهذا الاستدراك باطل فإن الصحيح جواز العمل بالكتاب، وروايته عنه وذلك معدود عندهم في المفضل وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى امرأته وعماله، ويفعلون بما فيها وكتب عمر إليه وفي الجيش خلائق من الصحابة فدل على حصول الاتفاق منهم» (٣). ولعل الدارقطني رجع عن استدراكه هذا، قال ابن حجر: «وقد نبه الدارقطني على أن هذا الحديث أصل في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين قال ذلك بعد أن استدركه عليهما وفي ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليهما والله أعلم» (٤).

стр. 225

* القسم الثاني ماتختلف الرواة فيه بتغيّر رجال بعض الإسناد: من المعروف عند العلماء أن الرواة لا يكونوا على درجة واحدة في الحفظ والإتقان، (منهم من يعتمد الكتاب في الرواية، ومنهم من يروي الحديث بالمعنى، ومنهم من يرويه بنصه ومنهم من يرويه مختصرا، ومنهم من يعتمد على ذاكرته … حيث أن المواهب الطبيعية متفاوتة لذلك قد يقع منهم تغيير وتبديل في بعض رجال السند، وخصوصاً إذا كثر الرواة في مجالس الحديث) (١). فإن وقع هذا يُشعر بعدم ضبط الرواة، وبالتالي يطعن في الحديث، وذلك بشرط أن يكون مخرج الحديث واحد، لأنه إن تعدد مخرج الحديث يتغير رجال الإسناد بعضهم أو كلهم، قال ابن معين: «لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه» (٢). وإذا ما عرفنا المخالفة: «هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثاً ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه. وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحياناً يكون سببه الوهم والغلط، على أن يكون مخرج الحديث واحداً» (٣). فالاختلاف في السند والمتن معاً، ويمكننا أن نقسم الاختلاف على ضربين:

стр. 226

الأول: اختلاف الرواة في السند: وهو أن يختلف الرواة في سند ما زيادة أو نقصانا، بحذف راو، أو إضافته، أو تغيير اسم، أو اختلاف بوصل وإرسال، أو اتصال وانقطاع، أو اختلاف في الجمع والإفراد. الثاني: اختلاف الرواة في المتن: (١) زيادة ونقصانا، أو رفعا ووقفا (٢). أولاً اختلاف الرواة في سند الحديث: من هذا القبيل قد يُختلف في سند الحديث بين الرفع والوقف، أو الوصل والإرسال. ١ - الاختلاف بين الرفع والوقف: قد يحصل خلاف في حديث ما فيرويه بعضهم مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وبعضهم يرويه موقوفاً على الصحابي، فإذا وقع هذا فإن العلماء قالوا: الرأي الأول: الحكم لرواية الرفع لأنها رواية مُثبت، وغيره ساكت، وفيها زيادة علم، والمُثبت مقدم على النافي، وهذا القول قول النووي والعراقي، وهو المُرجح عند أهل الحديث، وهو قول أهل الفقه والأصول (٣). الرأي الثاني: الحكم لمن وقفه، نقله الخطيب عن أكثر أهل الحديث (٤).

стр. 227

الرأي الثالث: أصحاب هذا الرأي قالوا أن الترجيح يدور مع القرينة، وهي رواية الأكثر، وهو المعتمد عند المتأخرين من المحققين (١) فإذا وقف الحديث أكثر الرواة ورفعه واحد يؤخذ بقول من وقفه، لاحتمال أن الغلط وارد ممن رفعه. ومن عادة الإمام البخاري رحمه الله تعالى إيراد أحاديث مرفوعة، ورُويت موقوفة، وهذا من صنعته الحديثية، وهذا ما انتُقد عليه البخاري، ومن هذه الأحاديث التي اختُلف فيها بين الرفع والوقف: قال محمد بن إسماعيل البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا … » (٢). فهذه الرواية موقوفة على الصحابي الجليل ابن عمر ﵁. وأخرجها البخاري في كتاب الفتن موصولة بقوله: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا … » (٣). قال الكرماني مختصراً الإجابة عن رواية الرفع وناقلاً عن النسفي: «قال

стр. 228

النسفي: قال أبو عبدالله هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ إلا أن ابن عون كان يوقفه» (١). فيميل الكرماني إلى القول بترجيح رواية الرفع على الوقف، وإن الوقف كان من ابن عون، وقال البدر العيني: «قال الحميدي: اختلف على ابن عون فيه، فروى عنه مسندا، وروى عنه موقوفا على ابن عمر من قوله، والخلاف إنما وقع من حسين بن الحسن فإنه هو الذي روى الوقف، وأما أزهر السمان وعبيدالله بن عبدالله بن عون فروياه عن ابن عون فروياه عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ … فذكره، وفي رواية: ذكر النبي ﷺ ، وذكر الحديث وقال ابن التين: قال الشيخ أبو الحسن: سقط من سنده ابن عمر عن النبي ﷺ ، وهذا لفظ النبي ﷺ ، لأن مثل هذا لا يدري بالرأي» (٢). فترجح القول برواية الرفع وذلك للقرينة في ذلك وهي أن مثل هذا الكلام لا يُقال بمجرد الرأي، بل لابد أن يكون من كلام النبي ﷺ ، وقد رجح ابن حجر كذلك رواية الرفع لهذه القرينة (٣). ومن الأحاديث التي اختُلف فيها بين الوقف والرفع، ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ

стр. 229

قَالَ يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ … » (١). هذه الرواية موقوفة على سهل بن أبي حَثْمة، وساق البخاري بعدها رواية مرفوعة إلى النبي ﷺ «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » (٢). وقد بين الكرماني أن اعتماد البخاري على الرواية الثانية فقال: «فإن قلت هذا مرسل أي الرواية الأولى قلت: لاشك أنه من مراسيل التابعي ظاهراً لكنه يحتمل أن يكون نوعاً من الاعتماد على الإسناد الذي بعده» (٣). وقال ابن رجب الحنبلي مبينا سبب الإشكال في هذا الحديث: «حاصل الاختلاف في إسناد هذا الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا: أن يزيد بن رومان رواه عن صالح بن خوات، عمن شهد النبي ﷺ يوم ذات الرقاع، ولم يسمه. ورواه القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، واختلف عليه في رفعه ووقفه: فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، فوقفه على سهل.

стр. 230

وقد خرجه البخاري هاهنا من طريق يحيى القطان وابن أبي حازم، عن يحيى الأنصاري. كذلك رواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، فرفعه إلى النبي ﷺ . قال الإمام أحمد: رفعه عبد الرحمن، ويحيى لم يرفعه. ثم قالَ: حسبك. بعبد الرحمن، هو ثقة ثقة ثقة. قيل له: فرواه عن عبد الرحمن غير شعبة؟ قالَ: ما علمت. ثم قال: قد رواه يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ ، فهذا يشد ذاك، يريد: أنه يقوي رفعه» (١). وقال الترمذي: «وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن، وهو مرفوع رفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم» (٢). ٢ - الاختلاف بين الوصل والإرسال: كما هو الحال في وقوع الاختلاف في رفع الرواية ووقفها، يقع في وصلها وإرسالها، وقد وردت أحاديث في صحيح البخاري، اختُلف فيها بين الوصل والإرسال، وهذا ما يجعل الحديث معلولاً، وقد تتبع الدارقطني هذه الأحاديث وغيره من العلماء. وقد وقع الخلاف بين العلماء إذا رُوي الحديث مرة موصولاً ومرة مُرسلاً. القول الأول: رجح جماعة من العلماء رواية الوصل على رواية الإرسال؛

стр. 231

لأنها من قبيل زيادة الثقة، قال الخطيب البغدادي: «الحكم للمسِنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية، فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضا، لأنه قد ينسى فيرسله ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معا عن قصد منه لغرض له فيه» (١). ووافق ابن الصلاح الخطيب في هذا الرأي، وقال: «ما صححه أي الخطيب هو الصحيح في الفقه والأصول» (٢). هذا فيما إذا كان الحديث رواه بعض الرواة موصولاً، ورواه آخرون مرسلاً، أما إذا كان الذي أرسل ووصل هو ذات الراوي، فقال بعض العلماء هو كالحكم السابق بترجيح رواية الوصل على الإرسال وهو قول ابن الصلاح كذلك والبرماوي. وذهب جماعة من العلماء إلى القول أن هذا يُدخل الريبة في المروي، وعدوا ذلك من قبيل الاضطراب في السند (٣).

стр. 232

القول الثاني: ترجيح رواية الإرسال: ينسب هذا القول لأكثر أهل الحديث كما عزاه إليهم الخطيب (١). وقال السخاوي: «فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي. وقيل: إن الإرسال نوع قدح في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل» (٢). القول الثالث: الحكم للأكثر: فإن كان عدد الذي وصلوه أكثر من الذين أرسلوه فيحكم عليه بالوصل، والعكس صحيح، لأن قول الواحد يُخشى عليه الوهم والغلط، فيصار للأكثر (٣). القول الرابع: الحكم للأحفظ: إذا أرسله الأحفظ فهو مرسل، وإن وصله الأحفظ فهو موصول، قال ابن رجب الحنبلي ﵀: «قال ابن رجب وكلام أحمد وغيره من الحفاظ إنما يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضا» (٤). القول الخامس: التماثل بين الروايتين ووجوب التوقف: قال ابن حجر: «المختلفون إما يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم

стр. 233

لافالمتماثلون إما يكون عددهم من الجانبين سواء أو لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيءمن وجوه الترجيح حكم لها» (١). وكان من منهج الكرماني في شرحه أنه يشير إلى الوصل والإرسال في الرويات، من دون تفصيل وكأنه يكتفي بصنعة البخاري ومقصده من إيراد الروايات المتنوعة. ومن الأمثلة على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (٢) أورد البخاري هذه الرواية الموصولة ثم أتبعها بالمرسلة بقوله: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا» (٣). علق الكرماني فقال: «وهذا الطريق مرسل لأن أبا زرعة تابعي لا صحابي

стр. 234

فليس له أن يقول عن النبي ﷺ إلا بطريق الإرسال» (١). ومن ذلك: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَه هذه الرواية من طرق موصولة، ثم أردفها البخاري برواية مرسلة فقال: «قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » (٢). اكتفى الكرماني بالقول أن الرواية مرسلة، لأن عكرمة تابعي وليس صحابي (٣). ومنه قال البخاري: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ … » (٤). بين الكرماني أن هذا الإسناد من مراسيل التابعين، ولكنه علل صنيع البخاري بالاعتماد على الرواية الموصولة بعده (٥) والرواية التالية هي: «حَدَّثَنَا

стр. 235

مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ … » (١). وهناك من الأحاديث التي تختلف في زيادة رواة الحديث ونقصهم، وروايتهم للحديث على أوجه مختلفة مما يوهم الاضطراب. ومن ذلك روى البخاري حديث جابر بن عبدالله ﵁: «حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذاً لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِراً ﵁» (٢). أعلّ الدار قطني هذا الحديث بأنه مضطرب، وذلك بسبب الزياة والنقص في رواة الحديث، وقد رواه بن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري مرسلا عن جابر ورواه معمر عن الزهري عن ابن أبي صغيرة عن جابر ورواه سليمان بن

стр. 236

كثير عن الزهري حدثني من سمع جابرا وهو حديث مضطرب (١). بيّن الكرماني فائدة إيراد الطرق، وأنها لم تغب عن بال البخاري فقال: «واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما وسليمان ذكر واسطة مجهولاً» (٢). وقد رد ابن حجر على من انتقد هذا الحديث بقوله: إمكانية نفي الاضطراب عنه بأنه يُفسر المبهم من سمع جابراً الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، تُحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، ورواية الأوزاعي المرسلة قصر فيها بحذف الواسطة فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه. ثم بيّن ابن حجر سبب إيراد البخاري للروايات وتوجيهها. وسبب إخراج البخاري لرواية الأوزاعي مع انقطاعها، لأن الحديث عنده عن عبدالله بن المبارك عن الليث والأوزاعي جميعا، عن الزهري فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب وأثبته الليث وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه فقبلت زيادة الليث لثقته. وأراد من رواية سليمان بن كثير عن الزهري … إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة وتأكيد رواية الليث بذلك ولم يرها علة توجب اضطرابا … أما رواية معمر وافقه عليها سفيان بن عيينة فرواه عن الزهري عن

стр. 237

ابن أبي صغيرة وقال ثبتني فيه معمر فرجعت روايته إلى رواية معمر (١). فالخلاصة أن السبيل في معرفة الروايات وطرقها: هوالتتبع، واستيعاب كل الروايات، مع ما فيها من قرائن وأدلة. * القسم الثالث ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (٢). قال الكرماني ناقلاً نقد الدارقطني للحديث: «روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي قتادة (٣) ثم نقل الكرماني قول العلماء في ذكر من روى السعاية ممن لم يروها، وقال ابن عبد البر الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (٤) ..........................................

стр. 238

وعن الخطابي (١): بيّن همام أن ذكر السعاية إنما هو من قتادة وقال ابن المنذر هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من نفس الحديث (٢). وقد أخرج البخاري الحديث في موضع آخر: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ … ». «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شَقِيصًا فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ» (٣). قال الكرماني ناقلاً أقوال علماء آخرين وهذا من نوادره أن يتكلم عمن نقد الحديث ويكرره في موضع آخر فقال: «قال الأصيلي وابن العطار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث، أولى ممن ذكرها لأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر، وروى الحديث شعبة وهشام عن قتادة ولم يذكرا فيه

стр. 239

الاستسعاء (١) وأما همام فقد فصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي قتادة» (٢). فالحاصل من أقوال العلماء في هذا الحديث: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها، لأنهم رجحوا أنها مدرجة في سياق المتن وليست منه، ولأنها لم ترد في الروايات الأخرى، وهي من رأي قتادة وفتياه … «وقدروى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت الناس في قتادة فلم يذكرا في الحديث الاستسعاء، مع موافقة همام لهما» (٣). إلا أن الإمام الترمذي رجح كلا الروايتين، بتصريح الإمام البخاري، «وسألت محمدا عن هذا الحديث، يعني حديث السعاية، فقلت أي الروايتين أصح فقال: الحديثان جميعا صحيحان والمعنى فيه قائم وذكر فيه عامتهم عن قتادة «السعاية» إلا شعبة وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية» (٤). ورجح الدكتور نور الدين عتر: «فأشار أي: البخاري إلى ترجيح رواية الزيادة لتقويتها بالمتابعات وعدم منافاة رواية شعبة لها، لأن رواية شعبة

стр. 240

من قبيل اختصار الحديث» (١). * القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضُعّف من الرواة: ذكر ابن حجر أنه ليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين (٢). الحديث الأول: حديث «أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ قَالَ أَبُو عَبْداللهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ اللُّخَيْفُ» (٣). لم يذكر الكرماني الرد على طعن العلماء في هذين الحديثين، إلا أنه أشار إلى أُبَي بن عباس ابن سعد الساعدي الأنصاري أنه ليس لأُبَي في الجامع غير هذا الحديث (٤) وأُبَي قال عنه العلماء أنه ضعيف (٥).

стр. 241

الحديث الثاني: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ … » (١). * القسم الخامس ما حُكم فيه بالوهم على بعض رجاله: والوهم: الوَهْمُ: من خَطَراتِ القَلْبِ، أو مَرْجُوحُ طَرَفَيِ المُتَرَدَّدِ فيه جمع: أوهامٌ، وللقلب وهم. وتوهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن (٢). ومن جملة الانتقادات التي وُجهت لصحيح الإمام البخاري، أنه أخرج في صحيحه لرواة، وصفهم أهل الجرح والتعديل: «بالوهم»، وبعضهم: «بالغلط» مما يؤثر في صفة الضبط التي هي ركيزة أساسية يرتكز عليها الحديث الصحيح، إلا أن الحافظ ابن حجر فصّل الأمر فقال: «وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر: فيما أخرج له إن وجد مرويًا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، عُلِم أن المعتمد أصل الحديث، لا خصوص هذه الطريق وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا

стр. 242

سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال سيء الحفظ أوله أو اهام أوله مناكير وغير ذلك من العبارات فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله» (١). مثاله: أخرج البخاري بسنده: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ، قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِاللهِ وَأُبَيَّ ابْنَ كَعْبٍ ﵄ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). أعل الدارقطني هذا الحديث بالوهم «لأن أبا أيوب لم يسمع هذا من رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من أبي بن كعب، عن النبي ﷺ . قال ذلك هشام ابن عروة: عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب» (٣). إلا أن الكرماني بيّن أن الوهم مدفع بالرواية الثانية، التي ساقها البخاري مباشرة عقب الأولى وهي: «عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ

стр. 243

أَخْبَرني أَبُو أَيُّوبَ قَالَ أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ … » (١). فقال: «فإن قلت: أبو أيوب في هذا الطريق أي الأولى يروي عن رسول الله ﷺ بواسطة أُبَي، وفيما تقدم يروي بدون الواسطة، قلت الحديثان مختلفان في اللفظ والمعنى وأن توافقا في بعض الأحكام مع جواز سماعه من رسول الله ﷺ ومن أُبي كليهما وذكر الواسطة يكون للتقوية ولأغراض أخر» (٢). ومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئاً لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ … » (٣). بيّن الكرماني أن هذا الحديث مما استدركه الدارقطني (٤) على البخاري، بسبب خلاف الرواية فيه عن ابن أبي مُليكة: فرُوي عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم. فقال الكرماني راداً الاستدراك: «وأقول هذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة، فرواه بالوجهين فالاستدراك مُسْتدرك» (٥).

стр. 244

فهذا المثال والذي قبله من المزيد في متصل الأسانيد، وسيأتي الكلام عنه. * القسم السادس وهو القسم الثاني من المخالفة الخاص بالمتن: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك. وقد ينبه الكرماني أحياناً على أن التغيير في ألفاظ المتن بزيادة أو نقصان، قد يكون سببه تصرف الرواة، من اختصار، وما شابه ذلك وليس من قبيل الاختلاف الوارد عن رسول الله ﷺ . مثاله: ومن ذلك حديث ووصية النبي ﷺ لوفد عبد القيس « … فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ» (١). فالحديث لم يذكر صيام رمضان والمقام مقام بيان وتفصيل في أركان الإسلام المفروضة آنذاك، والصيام منها، قال الكرماني: «فما السبب فى تركه ههنا والحال أنه كان واجبا حينئذ لأن وفادتهم كانت عام الفتح وإيجاب الصيام فى السنة الثانية من الهجرة قلت: قال ابن الصلاح: (٢) وأما عدم ذكر الصوم فيه فهو

стр. 245

إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ ؛ بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم فى الضبط والحفظ» (١). ومنه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (٢). فقد نقل الكرماني عن ابن الصلاح (٣) أن ما وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض، هو من تقصير الراوي (٤). وقد يُعلّ الحديث لمخالفة ما يرويه الثقة بلفظة في متن الحديث، مخالفاً الثقات والمحفوظ من روايتهم، وقد يكون الاختلاف في بعض الألفاظ التي يمكن أن تُرد إلى معنى واحد وهو من الانتقادات التي انتُقد بها الإمام البخاري، إلا أن العلماء أجابوا عنها، وردوا شبهة الضعف عنها. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث

стр. 246

الصحيحين إذا أمكن رد الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها» (١). ومن هذا النوع: ما أخرجه البخاري «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَاتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» (٢). والانتقاد الذي وُجّه للبخاري في هذا الحديث: أن رواية مالك مخالفة لرواية الثقات في لفظة (قباء) والمحفوظ من رواية غيره لفظة (العوالي) بدل (قباء). وقد أعلَّ هذه الرواية الدارقطني إذ قال: «أخرجا جميعاً أي البخاري ومسلم حديث مالك عن الزهري عن أنس: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء. وهذا مما يعتد به مالك لأنه رفعه، وقال فيه: وخالفه عدد كثير منهم صالح بن كيسان وشعيب وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد والليث بن سعد ومعمر وابن أبي ذئب وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أخي الزهري والنعمان وأبو أويس وعبد الرحمن بن إسحاق، وقد أخرجا قول من خالف مالكاً أيضاً» (٣). وأعلها النسائي (٤) ونقل الكرماني إعلال الحديث نقلا عن التيمي بتفرد

стр. 247

مالك بلفظة قباء (١) من دون أن يرد على هذا الإشكال. إلا أن العلماء أجابوا عن ذلك قال بن عبد البر: «وقول مالك عندهم إلى قباء وهْمٌ لا شك فيه ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب هذا، إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة وأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال وعشرة ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة وقباء» (٢). وقال ابن حجر: «والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي (٣)، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة» (٤) وقد أحسن البدر العيني في الرد على إعلال هذه الرواية وأجاب بالآتي: ١ - إن مالكاً لم بتفرد بروايته، بل تابعه بلفظه ابن أبي ذئب. ٢ - ولا يمكن الجزم والقطع أن الوهم موجه إلى مالك، لأنه وارد أن

стр. 248

يكون ممن دونه، فقد يكون من الزهري حين حدث به مالك، وقال ابن بطال: روى خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: إلى العوالي، كما قاله الجماعة، فهذا يدل على أن الوهم فيه ممن دون مالك. ورُدّ على ذلك بأن مالكا أثبته في (الموطأ) باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد عنه شاذة. ٣ - ثم مال العيني للجمع بين الروايتين ووفق بينهما، ورفَعَ الإشكال، فقال: ومع هذا كله فقباء من العوالي، فلعل مالكا رأى في رواية الزهري إجمالا وفسرها بقباء، فعلى هذا لا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد فافهم (١). * * * المبحث السابع بيان اللطائف الإسنادية * معنى اللطائف وعناية العلماء بها: قال علماء اللغة: شيء لطيف، ليس بجاف، ولطفت بفلان: رفقت به، ولطف الشيء بالضم يلطف لطافة، أي صغُر ودق، فهو لطيف (٢). إذاً كل ما كان رقيقاً، ودقيقاً، وصغيراً، ينطبق عليه معنى اللطف. أما علماء الاصطلاح لم يعرّفوا مصطلح اللطائف الإسنادية تعريفاً خاصاً

стр. 249

مستقلاً فيما أعلم وبما اطلعت عليه إلا أنه يُفهم من كلامهم في تعريفها: هي الغرائب والفرائد والنكات والمستظرفات، والمسائل التي تقع في أسانيد الأحاديث. وقد اعتنى المحدثون باللطائف الإسنادية عناية بالغة، وقام شُرّاح الحديث بذكرها في شروحهم، ونبهوا عليها، لما لها من أهمية كبيرة في علوم السند، في معرفة كيفية تحمّل الحديث، ومعرفة ضبط أسماء الرواة، كرواية أهل بلد واحد عن بعضهم، إذ أن أهل البلد الواحد يعرفون أسماء بعضهم البعض أكثر من غيرهم، ومعرفة بيان سماع الراوي من شيخه، ومعرفة بعض العلل الواردة في السند. وقد صُنّف في اللطائف الإسنادية مصنفات خاصة منها «ما روى الصحابة عن التابعين للخطيب البغدادي» وله رواية الأبناء عن آبائهم «ورواية الأباء عن أبنائهم» وكتاب: «الإخوة لأبي المطرف القرطبي» (١) وكتاب: «مارواه الكبار عن الصغار للحافظ أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن المنجنيقي البغدادي الوراق (٢)» وكتاب: «رواية الأبناء عن آبائهم لأبي نصر

стр. 250

عبيدالله بن سعيد السجزي الوائلي» (١) وغيرها من الكتب (٢). وتتنوع هذه اللطائف بين من قَصَرها على بعض الأنواع التي مر ذكرها في أسماء المؤلفات وزاد عليها قليلاً، ومنهم من توسع فيها كما فعل: محمد بن الأصبهاني المديني، في كتابه: «اللطائف من دقائق المعارف في علوم الحفاظ الأعارف» فقد بلغت اللطائف في كتابه تسع عشرة نوع، وقد أتى بأمثلة عن كل نوع من كتب السنة المختلفة. وقد ذكر العراقي في ألفيته أنواع اللطائف الإسنادية وهي: رواية الأكابر عن الأصاغر. رواية الأقران. رواية الأخوة والأخوات. رواية الآباء عن الأبناء. رواية الأبناء عن الآباء (٣).
следующие страницы →