← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الصحيحين إذا أمكن رد الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها» (١). ومن هذا النوع: ما أخرجه البخاري «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَاتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» (٢). والانتقاد الذي وُجّه للبخاري في هذا الحديث: أن رواية مالك مخالفة لرواية الثقات في لفظة (قباء) والمحفوظ من رواية غيره لفظة (العوالي) بدل (قباء). وقد أعلَّ هذه الرواية الدارقطني إذ قال: «أخرجا جميعاً أي البخاري ومسلم حديث مالك عن الزهري عن أنس: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء. وهذا مما يعتد به مالك لأنه رفعه، وقال فيه: وخالفه عدد كثير منهم صالح بن كيسان وشعيب وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد والليث بن سعد ومعمر وابن أبي ذئب وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أخي الزهري والنعمان وأبو أويس وعبد الرحمن بن إسحاق، وقد أخرجا قول من خالف مالكاً أيضاً» (٣). وأعلها النسائي (٤) ونقل الكرماني إعلال الحديث نقلا عن التيمي بتفرد

стр. 247

مالك بلفظة قباء (١) من دون أن يرد على هذا الإشكال. إلا أن العلماء أجابوا عن ذلك قال بن عبد البر: «وقول مالك عندهم إلى قباء وهْمٌ لا شك فيه ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب هذا، إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة وأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال وعشرة ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة وقباء» (٢). وقال ابن حجر: «والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي (٣)، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة» (٤) وقد أحسن البدر العيني في الرد على إعلال هذه الرواية وأجاب بالآتي: ١ - إن مالكاً لم بتفرد بروايته، بل تابعه بلفظه ابن أبي ذئب. ٢ - ولا يمكن الجزم والقطع أن الوهم موجه إلى مالك، لأنه وارد أن

стр. 248

يكون ممن دونه، فقد يكون من الزهري حين حدث به مالك، وقال ابن بطال: روى خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: إلى العوالي، كما قاله الجماعة، فهذا يدل على أن الوهم فيه ممن دون مالك. ورُدّ على ذلك بأن مالكا أثبته في (الموطأ) باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد عنه شاذة. ٣ - ثم مال العيني للجمع بين الروايتين ووفق بينهما، ورفَعَ الإشكال، فقال: ومع هذا كله فقباء من العوالي، فلعل مالكا رأى في رواية الزهري إجمالا وفسرها بقباء، فعلى هذا لا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد فافهم (١). * * * المبحث السابع بيان اللطائف الإسنادية * معنى اللطائف وعناية العلماء بها: قال علماء اللغة: شيء لطيف، ليس بجاف، ولطفت بفلان: رفقت به، ولطف الشيء بالضم يلطف لطافة، أي صغُر ودق، فهو لطيف (٢). إذاً كل ما كان رقيقاً، ودقيقاً، وصغيراً، ينطبق عليه معنى اللطف. أما علماء الاصطلاح لم يعرّفوا مصطلح اللطائف الإسنادية تعريفاً خاصاً

стр. 249

مستقلاً فيما أعلم وبما اطلعت عليه إلا أنه يُفهم من كلامهم في تعريفها: هي الغرائب والفرائد والنكات والمستظرفات، والمسائل التي تقع في أسانيد الأحاديث. وقد اعتنى المحدثون باللطائف الإسنادية عناية بالغة، وقام شُرّاح الحديث بذكرها في شروحهم، ونبهوا عليها، لما لها من أهمية كبيرة في علوم السند، في معرفة كيفية تحمّل الحديث، ومعرفة ضبط أسماء الرواة، كرواية أهل بلد واحد عن بعضهم، إذ أن أهل البلد الواحد يعرفون أسماء بعضهم البعض أكثر من غيرهم، ومعرفة بيان سماع الراوي من شيخه، ومعرفة بعض العلل الواردة في السند. وقد صُنّف في اللطائف الإسنادية مصنفات خاصة منها «ما روى الصحابة عن التابعين للخطيب البغدادي» وله رواية الأبناء عن آبائهم «ورواية الأباء عن أبنائهم» وكتاب: «الإخوة لأبي المطرف القرطبي» (١) وكتاب: «مارواه الكبار عن الصغار للحافظ أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن المنجنيقي البغدادي الوراق (٢)» وكتاب: «رواية الأبناء عن آبائهم لأبي نصر

стр. 250

عبيدالله بن سعيد السجزي الوائلي» (١) وغيرها من الكتب (٢). وتتنوع هذه اللطائف بين من قَصَرها على بعض الأنواع التي مر ذكرها في أسماء المؤلفات وزاد عليها قليلاً، ومنهم من توسع فيها كما فعل: محمد بن الأصبهاني المديني، في كتابه: «اللطائف من دقائق المعارف في علوم الحفاظ الأعارف» فقد بلغت اللطائف في كتابه تسع عشرة نوع، وقد أتى بأمثلة عن كل نوع من كتب السنة المختلفة. وقد ذكر العراقي في ألفيته أنواع اللطائف الإسنادية وهي: رواية الأكابر عن الأصاغر. رواية الأقران. رواية الأخوة والأخوات. رواية الآباء عن الأبناء. رواية الأبناء عن الآباء (٣).

стр. 251

منهج الكرماني في ذكر اللطائف الإسنادية: وقد اعتنى الإمام الكرماني ﵀ في شرحه باللطائف الإسنادية، وكان يشير إلى بعضها ويبين نوعها فمن ذلك: ١ - رواية الأكابر عن الأصاغر: وهي أن يروي كبير القدر والسن عمّن دونه في المقدار (١). وقد ذكر العلماء فائدة هذا النوع، قال ابن الصلاح: «ومن الفائدة فيه أن لايتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل من الراوي، نظرا إلى أن الأغلب كون المروي عنه كذلك، فيجهل بذلك منزلتهما» (٢). مثاله: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا … وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ» (٣). قال الكرماني: «وصالح هو ابن كيسان (٤) المدني وروايته عن الزهري من رواية الأكابر عن الأصاغر لأنه أسن من الزهري» (٥).

стр. 252

ومثله: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ … » (١). قال الكرماني: «واجتمع في إسناد طرفتان إحداهما رواية الأكابر عن الأصاغر والأخرى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض» (٢). ويدخل تحت رواية الأكابر عن الأصاغر، رواية الصحابي عن التابعي، مثاله قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاه قَالَ حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَست … » (٣). قال الكرماني: «وهذا من رواية الصحابي عن التابعي لأن سهلا صحابي ومروان تابعي» (٤). ومما يندرج تحت رواية الأكابر عن الأصاغر: السابق واللاحق: هو أن يشترك في الرواية عن الراوي راويان: أحدهما متقدم الوفاة، والآخر متأخر في الوفاة، بينهما أمد بعيد، فيحصل في وقت

стр. 253

وفاتيهما تبايناً شديداً (١). وفائدته: تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب، ودفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، والأمن من ظن سقوط شيء في إسناد المتأخر، وتفقه الطالب في معرفة العالي والنازل (٢). وقد نبه الكرماني أثناء ترجمته على ذلك: مثاله: «سليمان أبو أيوب بن حرب، ولد سنة (١٤٠ هـ)، ومات سنة: (٢٢٤ هـ) قال الكرماني في ترجمته: «قال الخطي يُحدث عنه يحيى القطان، وأبو خليفة أي الفضل بن الحباب الجمحي (٣) وبين وفاتيهما مائة وسبع سنين توفي القطان سنة ثمان وتسعين ومائة وأبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة» (٤). ومن ذلك: «حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي البصري أبو إسماعيل الأزرق» (٥) قال الكرماني: «وحدث عنه أبو الهيثم والثوري وبين وفاتيهما مائة سنة فأكثر» (٦).

стр. 254

ومثله: «بهز بن حكيم ابن معاوية القشيري» قال الكرماني في ترجمته: «وقال الخطيب حدث عنه الزهري ومحمد بن عبدالله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة» (١). ٢ - رواية الأقران (المدبج): «القرين من الرواة: من يجتمع مع الراوي الآخر في الطبقة أو الشيوخ والتلاميذ» (٢). وقد يروي القرينان بعضهم عن بعض كعائشة وأبي هريرة، وهو المدبج. وغير المدبج: رواية أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه مثل رواية: رواية سليمان التيمي عن مسعرولم يروِ مسعر عن التيمي. ويدخل في رواية الأقران عن بعضهم رواية صحابي عن صحابي، مثاله: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ حَدَّثَتْهَا عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعاً يَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ … » (٣). فقد اجتمع في هذا الإسناد ثلاث صحابيات وهنّ: (زينب بنت جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت أبي سلمة).

стр. 255

ومن ذلك أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً … » (١). فقد بيّن الكرماني أن هذا السند من قبيل رواية صحابي عن صحابي، إذ أن عبدالله بن عمر، وعامر بن ربيعة صحابيان جليلان (٢) ومن ذلك رواية أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت ﵄ (٣)، ورواية أنس عن زيد ﵁ (٤)، ورواية ابن عباس عن أبي طلحة ﵃ (٥)، وحديث أنس عن أبي موسى الأشعري ﵃ (٦). ومن فائدة هذا النوع ألا يتوهم الناظر أن ذكر أحد المتقارنين وقع في السند خطأ، وألا يفهم أن «عن» خطأ (٧). مثاله: أخرج البخاري في كتاب: بدء الوحي، حديث «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا

стр. 256

الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ … » (١). قال الكرماني: (اعلم أن في هذا الإسناد لطيفة وهو: أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي يعضهم عن بعض، وهم يحيى ومحمد وعلقمة، وقد يقع ما هو ألطف منه وهو ما عن أربعة من التابعين» (٢). ومن هذا القبيل، ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ … » (٣). في هذا الحديث وقع عدة لطائف «أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته أئمة أجلّاء ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي زيد بن أسلم عن عطاء». وهو مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه الأربعة (٤). ٣ - رواية أهل بلد عن بعضهم: من اللطائف الإسنادية أن لايروي الراوي إلا عن أهل بلده، لذلك نجد عبارات عند أهل الجرح والتعديل قولهم في الراوي، ثقة إن روى عن أهل بلده، وضعيف عن غيرهم، أو ثقة إن روى عن أهل الشام (٥).

стр. 257

وقد أكثر الكرماني في شرحه من الإشارة لهذا النوع: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (١). قال الكرماني: «ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون» (٢). ومنه: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ … » (٣). قال الكرماني: «في هذا الإسناد لطيفة وهو أن رواته كلهم مصريون وهذا من الغرائب لأنه في غاية القلة ويزداد قلة باعتبار جلالتهم لأنهم كانوا كلهم أئمة جلة» (٤). ومن ذلك: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ ابْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ … » (٥).

стр. 258

قال الكرماني: «ورجال الأسناد كلهم كوفيون ولفظ: سمعت مشعر ببطلان ما يقولون: من عدم تصحيح سماعه (١) من النبي ﷺ » (٢). «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي … » (٣). قال الكرماني: «في الإسناد لطيفتان كلهم كوفيون وفيهم تابعيون ثلاثة يروى بعضهم عن بعض» (٤). وقد يبين الكرماني أن أكثر رجال السند من بلد معين وينبه على المُستثنى منهم، من ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، قَالَ … » (٥).

стр. 259

قال الكرماني: «واعلم أن هذا الإسناد من الطرف، إذ رواته مكيون قرشيون إلا عبيدالله فإنه كوفي» (١). ٤ - رواية الأقارب عن بعضهم البعض: قد يجتمع في سند الحديث الواحد أقارب رووا عن بعضهم البعض، مثاله: قال البخاري: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِاللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ … فإسماعيل الأصبحي ابن أخت الإمام مالك، (وهو شيخه وخاله) روى عن عمه سهيل ابن مالك (وهو نافع بن مالك ابن أبي عامر المدني)، عن أبيه (وهومالك بن أبي عامر)، فصارت رواية إسماعيل: عن خاله عن عمه عن أبيه (٢). ومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَانُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ … » (٣).

стр. 260

فهشام هو: ابن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني أبو المنذر وفاطمة هي: بنت المنذر بن الزبير ابن العوام زوجة هشام ابن عروة بن الزبير المذكور. وأسماء هي: بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير بن العوام أخت عائشة ﵂ وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، وأسماء هي جدة فاطمة بنت المنذر (١) والسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق أخت أسماء. قلت وقد يكون من اللطائف: الإسناد العالي، ومنه: ثلاثيات البخاري، والنازل ومنه: تساعي البخاري وهو حديث واحد عنده (٢). ومنها: رواية الراوي عن شيخه بواسطة وبدونها. ومنه إذا ورد حديث بإسناد إلى النبي ﷺ ، تأتي رواية أخرى بإسناد مختلف لكن عن ذات الصحابي الذي في الرواية الأولى.

стр. 261

ومن اللطائف ما وقع في إسناد البخاري من اجتماع من قالوا بالقدر، روى أحدهم عن الآخر، وهما: «شبل بن عبّاد المكي القاري، يروي عن عبدالله ابن أبي نَجيح يسار الثقفي». والحديث هو: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ … » (١). ومن اللطائف أن يكون السند مسلسلا على صفة أو حالة واحدة، كأن يكون الإسناد كله من الشاميين أو المصريين … أوأن يكون أحد رواة الحديث مُسلسلاً بكنيته لا باسمه. مثاله قال البخاري: «وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي بُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ وَاللهِ مَا كَذَبَنِي سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ … » (٢).

стр. 262

قال الكرماني: «واعلم أن هذا الإسناد من الطرائف لأن الرجال كلهم شاميون فهو مسلسل الشامية» (١). أو أن يكون الإسناد مسلسلا بلفظ التحديث (٢) وقد يتفق أن تتشابه أسماء الرواة في كل السند عدا الصحابي أشار الكرماني إلى ذلك، إلى سند مسلسل بالمحمديين. قال البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ … » (٣). أو أن يكون الحديث قد رواه كل واحد من رواته رواه عن والده، مثاله: قاله البخاري: «حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ … » (٤). قال الكرماني: (قوله: جده أي جد سعد، وهو عبد الرحمن والحديث

стр. 263

مسلسل بالأبوة؛ إذ هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، روى كل واحد منهم عن أبيه» (١). * * *

стр. 264

الفصل الثالث منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة تمهيد: التعريف بالراوي ومكانته الراوي: «هو من تلقّى الحديث وأداه بصيغة من صيغ الأداء» (١). من المعروف أن رجال سند الحديث هم المُعوّل عليهم في قبول الحديث أو رده، لذلك نالت معرفة أحوالهم عناية فائقة عند العلماء، فقد أُفردت مصنفات كثيرة للتعريف بهم، وبكل ما يتعلق بهم من ضبط للأسماء والألقاب والكُنى، ومعرفة المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، وما قيل فيهم من جرح أو تعديل … وقد ظهرت عناية الكرماني أثناء شرحه بترجمة الرواة، قال في مقدمة شرحه أنه تعرض: «لأسماء الرجال وتعجيم ألفاظها وتوضيح ملتبسها، وتكشيف مشتبهها وتبيين مختلفها، وتحقيق مؤتلفها وأنسابهم وألقابهم وبلادهم ووفياتهم إلى آخر تراجمهم» (٢). وكان من عادة الكرماني في بعض الأحايين يكرر اسم الراوي ويُعيد

стр. 265

ضبط اسمه، وهذا مما انتُقد عليه، إلا أنه بيّن سبب ذلك في مقدمة شرحه أن الناس عندما راحوا يقرأون في صحيح البخاري اشتبهت: «عليهم أكثر الأسماء مثل: ابن بكير هل هو مصغّر، أو مكبّر حتى كادوا يتركون قراءته، لذلك فصار هذا أيضا مضافاً إلى ما كنت قصدته من الزيادة على التوضيح في قسم الأسماء، لاسيما وقد صار هذا الفن مهجورًا في أكثر الأمصار، وليس للعقل فيه دخل ولا للقياس فيه اعتبار» (١) فكان تكراره لضبط الاسم والنسب واللقب … من أجل أن يعْلق في الأذهان والله أعلم. إلا أنه كان يكرر غير ضبط الاسم، فكان ينبه على الأسماء المشتركة بين الرجال والنساء، حتى لا يقع الالتباس، فقد بيّن في ترجمة: «جويرية» وفي لفظ «أسماء» بيّن أنهما «من الأعلام المشتركة بين الذكور والإناث» (٢) وقد كرر هذا كثيراً. فمن خلال البحث تبيّن منهج الكرماني في التعريف بالرواة وترجمتهم ويظهر هذا في عدة أمور. * * * المبحث الأول ذكر ما يتعلق باسم الراوي ١ - ضبط اسم الراوي: إن أول عمل يقوم به الكرماني بالنسبة للرواة هو التعريف بالراوي، إذ

стр. 266

لابد من معرفة الاسم بشكله الصحيح قبل معرفة الأمور الأخرى فيذكر اسم الراوي مضبوطاً بالحركات. قال في ترجمة الصحابي الجليل: «زيد بن خالد الجُهَني بضم الجيم، وفتح الهاء، وبالنون» (١). وقال في ترجمة: علقمة بن وقاص الليثي: «عَلقمة: فهو بفتح العين المهملة، والوقّاص بتشديد القاف، والليثي: بالياء المثناة من تحت والثاء المثلثة» (٢). ٢ - بيان الاختلاف في ضبط الأسماء: ويشير الكرماني إلى اختلاف العلماء في ضبط بعض الأسماء، تبعا للغات أهل البلد، قال في ترجمة: (سَمُرة بن جُندب) ناقلاً عن الغساني: «ومنهم من يقول سمرة تكون الميم تخفيفاً نحو عضد في عضد وهي لغة أهل الحجاز وبنو تميم يقولون بضمها» (٣). ومن ذلك تخفيف حرف اللام من «سلام» في الراوي: (محمد بن سلام) قال الكرماني: «بتخفيف اللام وهو الصحيح الذى عليه الاعتماد، ولم يذكر جمهور المحققين غيره وذكر بعضهم أن التشديد: لحن وادّعى صاحب المطالع (٤)

стр. 267

أن التشديد هو رواية الأكثر (١) فقيل إنها مخالفة للمشهور إلا أن يريد رواية أكثر شيوخه» (٢). وقال في ترجمة عبدالله بن أبي السّفَر: «عبدالله ابن أبي السَّفَر) بفتح السين والفاء سعيد بن يُحمد الهمداني الكوفي. قال النووي: يُحمد بضم الياء وفتح الميم والحافظ بضم الياء وكسر الميم» (٣). ٣ - ضبط الاسم من الناحية الصرفية: ولا يخلو صنيع الكرماني أحياناً من ضبط الاسم من الجانب الصرفي، منها ما كان على صيغة اسم الفاعل، قال في ترجمة نُعيم المُجمِر: «اسم فاعل من الإجمار على الأشهر وفي بعضها التجمير العدوي المدني» (٤) وقال في السائب بن يزيد: «اسم فاعل من السيب بالمهملة وبالتحتانية وبالموحدة» (٥). ومنها ما كان على صيغة اسم المفعول، قال في ترجمة، مُعافى ابن عمران: «ومعافى، اسم مفعول من المعافاة بالمهملة والفاء» (٦).

стр. 268

أو ما جاء على وزن الفعل مثل: «يَعْلى على وزن يحيى» (١) وما كان على وزن المؤنث: «وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير وجدتها أسماء على وزن حمراء» (٢). ٤ - بيان معنى الاسم: ويشير كذلك إلى معنى الاسم مثل قوله في: «ربعي بن حِراش» فقال في معنى اسمه: «والربعي بحسب اللغة المنسوب إلى الربع والحراش جمع الحرش وهو الأثر» (٣) «نُفيع تصغير من النفع» (٤)، «وأبو عُبيدة مصغر العبدة» (٥). ويذكر الصفة وضدها في الراوي، مثل: «أبو الخير ضد الشر» (٦)، و «الضحاك ضد البكّاء» (٧)، «وحرب ضد الصلح» (٨)، و «و يحيى أي ابن أبي كثير ضد القليل» (٩) «سليمان بن يسار ضد اليمين» (١٠) ولعل صنيعهم هذا

стр. 269

لضبط الاسم ولو سقطت منه النقط بسبب النساخ، أوبسبب التصحيف والتحريف. ويذكر مرادف الاسم مثل «الليثي مرادف الأسد» (١) «و (أبو الغيث) مرادف المطر اسمه سالم مولى ابن مطيع القرشي» (٢). ويبيّن سبب الاسم فقال في: (مسروق بن الأجدع) (مسروق وسمي به لأنه سرق في صغره ثم وجدوه فغلب عليه ذلك» (٣). ٥ - بيان من وافق اسمه اسم أبيه: قد يحدث أن يوافق اسم الراوي اسم أبيه، وقد اعتنى العلماء بهذا الفن، وبينوه حتى لا يقع اللبس في سند الحديث، وقد صنّف أبو الفتح الأُزدي (٤) كتاباً: فيمن وافق اسمه اسم أبيه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين. وقد أشار الكرماني في شرحه لبعض الرواة التي حصلت موافقة في أسمائهم وأسماء آبائهم قال في ترجمة: عبدالله بن عبدالله بن جبر: «بلفظ المكبر فى

стр. 270

اسمه واسم أبيه» (١). ٦ - بيان الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث: هناك من أسماء الرواة مايشترك فيه الرجال والنساء، وقد بينها الكرماني، وأشار إليها، مثل اسم: «أمية» بصيغة التصغير «جويرية» مصغر الجارية بالجيم، و «عبدالله بن محمد بن أسماء» و «زُهرة بن مَعْبَد» بضم الزاي وسكون الهاء، بيّن أنها من الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث (٢). ٧ - التنبيه على الأسماء المُختلف فيها وذكر الراجح: اهتم الكرماني بالتنبيه على الأسماء المُختلف فيها، ويحقق في الأسماء المختلف فيها ويذكر الراجح منها، ويعوّل على رأي الأكثرية ومثال ذلك ما قاله في ترجمة الصحابي الجليل «أبو هريرة» ﵁، فقال: «اختُلِف في اسمه واسم أبيه، على نحو ثلاثين قولاً أصحها عند الأكثر، عبد الرحمن ابن صخر الدوسي» (٣). وقال في ترجمة أبي ثعلبة الخُشني ﵁: «وأبو ثعلبة: بلفظ الحيوان المشهور الخُشني بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية وبالنون في اسمه واسم أبيه اختلاف والأكثر على أنه جُرْهُم بضم الجيم والهاء وسكون الراء ابن ناشر بالنون وكسر المعجمة» (٤).

стр. 271

وإن كان للراوي أكثر من اسم ذكر الراجح، وعبّر عن المرجوح بلفظ: «قيل» مثاله قال الكرماني في ترجمة: أبو حُميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي المدني: «وقيل اسمه المنذر بسكون النون وكسر المعجمة» (١). وقال في ترجمة: عبد الرحمن بن اللتبية «بضم اللام وسكون الفوقانية أو فتحها وكسر الموحدة وشدة التحتانية، ومنهم من يقول بضم الهمزة بدل اللام ففيه أربعة أوجه والأصح: أنه باللام وبسكون المثناة الفوقانية فإنها نسبة على بني لتب قبيلة معروفة» (٢). ٨ - ذكر الأسماء المفردة: والأسماء المفردة: «وهي التي لم يشارك من يسمى بشيء منها غيره فيها» (٣). والأفراد على أقسام: ١ - الرواة الذين لم يشترك معهم أحد في الاسم: وقد ذكر الكرماني بعضا منهم: قال في: «ورقاء» ابن عمر اليشكري الكوفي أبو بشر، «وهو من أفراد

стр. 272

الأسماء» (١). وقال في سِيدان الباهلي البصري: «وهو من أفراد الأسماء غريب» (٢). ٢ - الرواة الذين لم يشاركهم أحد في الاسم عند البخاري: منهم: عمرو بن خالد بن فروخ الحراني، قال الكرماني ناقلا عن الغساني: «ليس في شيوخ البخاري عمر بن خالد وإنما هو عمرو بن خالد بالواو في جميع الكتاب» (٣). ٣ - الرواة الذين انفرد البخاري بالرواية عنهم: هناك من الرواة من انفرد البخاري بالرواية عنهم دون مسلم، كما لمسلم رواة انفرد بالرواية عنهم دون البخاري، وقد بيّن ابن حجر ﵀ عدد الرواة الذين انفرد بهما كلا الشيخين عن الآخر فقال: «أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا. المتكلم فيهم بالضعف (نحو من ثمانين رجلا)، والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا. المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلا على

стр. 273

الضعف من كتاب البخاري» (١). فكان من منهج الكرماني أنه يشير أحيانا إلى الرواة الذين أخرج لهم البخاري في صحيحه دون الإمام مسلم قال عن: (محمد بن سنان أبو بكر العوقي) (٢)، تفرد به تفرد به البخاري (٣). وكذلك قال عن محمد بن زياد الألهاني (٤)، أنه من الرواة الذين تفرد بهم البخاري عن مسلم (٥). وهناك من الرواة من أخرج لهم البخاري في جامعه الصحيح أحاديث مسندة، ومعلقة وغيرها، وكان الكرماني يشير إلى الراوي الذي أخرج له البخاري حديثاً واحداً مُسنداّ كما قال عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (٦). ٤ - أفراد الصحيحين البخاري ومسلم: أمثال: «زُبَيد أبو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الكريم اليامي»، وليس في الصحيح زبيدب المثناة المكررة تصغير زيد أخي عمرو عادة (٧).

стр. 274

وأمثال: «أبي جمرة، بالجيم والراء، ابن عمران بن عصام بن ضبيعة الضبعي، قال الكرماني: «قالوا ليس في الصحيحين جمرة ولا أبو جمرة بالجيم خلا هذا، وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يكنى أبا جمرة سواه فهو من الأفراد» (١). وقال في ترجمة أبي حُصين ناقلا عن الغساني: «لا أعلم في الصحيحين من اسمه حصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حصين غير هذا الرجل، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة» (٢). ٩ - التنبيه على الخطأ، والاشتباه، والتصحيف في أسماء الرواة: مهما بلغت قوة الضبط عند العلماء، فإن الوقوع في الخطأ في ضبط أسمائهم وارد، أو الاشتباه بها وإبدال بعض الأسماء ببعض، وذلك لكثرة الرواة، وتشابه كثير من الأسماء، والألقاب واختلاف اللهجات في النطق بالأسماء … قال الإمام مسلم: «فليس من ناقل خبر، وحامل أثر من السلف الماضين الى زماننا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقانا لما يحفظ، وينقل إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (٣). قال الإمام أحمد: «ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال» (٤).

стр. 275

وقيل للإمام مالك إنك تُخطىْ في أسماء الرجال فقال: «هكذاحفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ» (١). وقد نبّه الكرماني على ذلك مما قد يقع الخطأ فيه: وقد يقع التصحيف في أسماء الرواة، والتصحيف هو: «تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها» (٢). وقد يُطلق التصحيف على التحريف، والعكس صحيح، كما يُفهم من كلام الصنعاني، ومال إلى هذا الرأي السخاوي، والشيخ طاهر الجزائري، وغيرهم (٣). وسببه الأخذ من بطون الكتب، وسبيل السلامة منه أن يأخذ المتلقي أسماء الرجال من أفواههم (٤). وقد نبه الإمام الكرماني على التصحيف الذي قد يقع في أسماء الرواة، قال في ترجمة: «جعفر أبو بشر» «وفي بعض النسخ يونس بدله وهو تصحيف من الناسخ» (٥).

стр. 276

وقال في: «محمد بن حِمْيَر» «و محمد بن حمير، بكسر المهملة وإسكان الميم، وفتح التحتانية وبالراء. قال الغساني في بعض النسخ حمير بضم المهملة وفتح الميم وهو تصحيف» (١). وينبه الكرماني على أن بعض الأسماء يُحذف منه أحد حروفه تخفيفاً، فلا يُظن هذا أنه من التصحيف، فقال عند ترجمة ميمونة بنت الحارث، «والحارث بالمثلثة وقد يكتب بدون الألف تخفيفاً» (٢). * * * المبحث الثاني ذكر ما يتعلق بلقب الراوي وكنيته ونسبه ١ - تعريف اللقب: أن يدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب، وتجيء مدحاً وهو قليل، مثل: (الصديق، والصادق)، أو ذماً وهو الغالب، ويقع نسبة لحرفة أو عاهة (٣). وقال الجرجاني: «ما يسمى به الإنسان بعد اسمه العلم؛ من لفظ يدل على المدح أو الذم، لمعنى فيه» (٤). ٢ - تعريف الكنية في اللغة: مصدر كنى بِهِ عَنْ كَذَا يكني أَوْ يكنو إِذا

стр. 277

تكلم بِشَيْء يسْتَدلّ بِهِ على غَيره، ويقال: اكْتَنى فلان بكذا. وفلان يُكْنى بأبي عبدالله (١). وما اتفق عليه أهل العربية هو: ما صُدّر بأب أو أم، أو ابن أو بنت (٢). وقد بيّن الكرماني أن ما أشعر بمدح أو ذم فهو اللقب، وإمّا أن يُصدّر بنحو الأب والأم وهو الكنية، وأتى بمثال عن سيدنا محمد ﷺ أن اسمه محمد، وكنيته أبو قاسم، ولقبه رسول الله ﷺ ، أو سيد المرسلين مثلاً (٣). ٣ - أهمية علم الكنى والألقاب: قد يحصل الإشكال بين الاسم والكنية، وبين الكنية واللقب، لأنه قد يُصدّر الاسم بأب ك «أبو بكر» وك «أم كلثوم» فيكون الاسم أبو بكر، والكنية أبو عبد الرحمان. وقد تتعدد الأسماء والألقاب، والكنى لذات الشخص، فيذكر الراوي مرة في كنية أو لقب غير المعروف بهما، أو أن الراوي يُذكر في السند بلقبه دون اسمه، فيُظن أنه اسمه، وقد وقع هذا عند بعض المحدثين «كعلي بن المديني وعبد الرحمن بن يوسف بن خراش وأبي أحمد بن عدي؛ إذ فرقوا بين عبدالله بن أبي صالح أخي سهيل وبين عباد بن أبي صالح، وجعلوهما اثنين، وليس عباد

стр. 278

بأخ لعبدالله» (١). وهناك من لا يُعرف إلا باسمه دون كنيته، والعكس صحيح، وهناك من اسمه كنيته فيدخل الإشكال ويُظن أن الراوي غير المقصود. فمعرفة الأسماء والكنى والألقاب ترفع ظن الواحد جماعة (٢)، وقال ابن كثير عن فائدة علم الألقاب: «وفائدة هذا العلم لا يظن أن هذا اللقب لغير صاحب الاسم» (٣). وقد قال ابن الصلاح عن فائدة علم الكُنى: «وهذا فن مطلوب، لم يزل أهل العلم بالحديث يعنون به ويتحفظونه ويتطارحونه فيما بينهم ويتنقصون من جهله» (٤). وقد قسّم ابن الصلاح أصحاب الكنى إلى عشرة ضروب (٥). ولأهمية هذا الفن وخطورة الجهل فيه، صُنّفت فيه مصنفات كثيرة منها كتاب: «الأسامي والكنى» لأبي أحمد الحاكم (٦)، وكتاب: «نزهة الألباب في

стр. 279

الألقاب» لابن حجر العسقلاني، وغيرها. وقد ظهرت عناية الكرماني بألقاب الرواة وكناهم في شرحه، من ذلك ما قاله في ترجمة» «أبو بحر بن قيس التميمي البصري التابعي، قالوا اسمه الضحاك وقيل صخر والأحنف لقبه» (١). وقال عن: «محمد بن حرب» «محمد بن حرب، هو الأبرش أي الذي فيه نكت صغار تخالف سائر لونه» (٢). ويذكر سبب لقب الراوي، فقد قال في الراوي: محمد بن جعفر أبو عبدالله الهُذلي، الملقب ب (غُنْدَر) «والغندرة التشغيب، وأهل الحجاز يسمون المشغب غُندرًا، وسبب تسميته به أن ابن جُريج قدم البصرة فاجتمع الناس عليه، فحدّث بحديث عن الحسن وأنكر الناس عليه وكان محمد يُكثر الشغب عليه فقال اسكت يا غُنْدَر» (٣). ومن ذلك ما قاله عن «محمد بن ميمون السكري» «وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه وقيل لأنه كان يحمل السكر في كمه» (٤). ومن ذلك ما قاله في ترجمة «محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب

стр. 280

الهامشي … المعروف بالباقر، سُمى به لأنه بقر العلم أي شقه بحيث عرف حقائقه» (١). وقال في «نُعيم المُجْمَر» (وسمي به لأنه كان يجمر المسجد أي يبخره بالعود ونحوه» (٢). وغير ذلك من الأمثلة التي بيّن فيها أسباب الألقاب. وقد يُطلق على الراوي لقبا على خلاف ظاهره ومُراده وكان الكرماني يشير إلى ذلك ويبينه، من ذلك ما قاله في ترجمة: «يزيد بن صهيب الملقب بالفقير» «قيل شكا فقار ظهره فقالوا الفقير» (٣). وقال في: «محمد بن الفضل السدوسي البصري» «المعروف بعارم، وهو لقب له رديء لأن العارم الشرير المفسد وكان ﵁ بعيداً منه، لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر بهن روى عنه الذهلي وقال كان بعيداً من العرامة» (٤). فائدة: هل يجوز ذكر الراوي بلقبه؟ نقل الكرماني أقوال العلماء في ذلك فقال: «قال العلماء يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لاإنقاصه، وجوّزوا ذلك كما

стр. 281

جوزوا جرحهم للحاجة» (١). وقد قال العلماء أن هناك أموراً ليست من الغيبة، «وقد حصر بعضهم ما لا يعد غيبة في ستة أشياء ونظمها في قوله: القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ … متظلمٍ ومعرفٍ ومحذّرِ ولمظهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومن … طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ (٢) ويندرج التعريف بالرواة وذكرهم بألقابهم تحت هذه الأمور الست، ويجوز ذكر الإنسان بلقبه، للتعريف، لأن هناك من الناس من لايُعرف إلا بلقبه (٣). كما ظهرت عناية الكرماني بالتعريف بكنى الرواة مثال ذلك، قال عن عوف ابن أبي جميلة: «كنيته أبو سهل» (٤)، وقال عن «جعفر بن أبي طالب ﵁» «وكنيته أبو عبدالله» (٥)، وقال عن: «عمروبن دينار» «وكنيته أبو محمد» (٦). وكان من منهج الإمام الكرماني الإشارة لكل مايتعلق بالكنية من ذلك:

стр. 282

بيان من وافق اسمه كنيته: ومن كانوا من هذا النوع قليلون (١)، وقد نبّه الكرماني على من وافق اسمه كنيته، قال في أبي كبشة: «اسمه كنيته» (٢) وقال عن: «أبو عبيدة بن عبدالله: «وقال أبو زرعة (٣) اسمه وكنيته (٤) واحد» (٥). بيان من غلبت عليه كنيته: ويشير الكرماني إلى من غلبت عليه كنيته قال في ترجمة أبو حُميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي «غلبت عليه كنيته» (٦). وقال في أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب الخزرجى الصحابي الجليل «ممن غلبت عليه كنيته» (٧). وممن غلبت عليه كنيته، الصحابي الجليل: «عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري» ابن أم مكتوم، قال الكرماني «وهو مشهور بالكنية

стр. 283

كأمه ﵁» (١). وهناك من كان كنيته كاسم جده وكنيته مثل الصحابي االجليل: أسعد بن سهل بن حنيف أبو أمامة، قال الكرماني: «سماه النبي ﷺ أسعد وكناه أبا أمامة باسم جده لأمه وكنيته» (٢) أي أسعد بن زرارة، جد أسعد بن سهل، وكنية أسعد بن زرارة أبو أمامة (٣). وكما أن لبعض الأسماء مالايشترك فيها أحد، كذلك الألقاب فقد قال الكرماني عن: «نصر ابن عمران الضبعي وكنيته أبو جمرة» (٤)، «وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يُكْنى أبا جمرة سواه فهو من الأفراد» (٥). ٤ - العناية بأنساب الرواة: تعريف النسب: النسب في اللغة: يعني القرابة، (أي قرابة الدم والقُرْبَى في الرحم)، وقيل: النسبة مصدر الانتساب، وقال ابن السكيت: ويكون من قبل الأم والأب، وقال اللبي: النسب معروف وهو أن تذكر الرجل فتقول: هو فلان

стр. 284

ابن فلان، وقد يُنسب الرجل إلى قبيلة أو بلد أو صناعة (١). عُرف عن العرب في جاهليتهم العناية بالأنساب، فكانوا يحفظونها ويعلموها لأولادهم، وجاء الإسلام وأقرهم عليها، أخرج الترمذي في سننه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ» (٢). وقد صُنفت مصنفات كثيرة في هذا العلم، ومن أهم هذه المصنفات، كتاب: «الأنساب»، لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني، وكتاب: «اللباب في تهذيب الأنساب» لأبي الحسن الأثير ابن الجزري، وكتاب: «أنساب المحدثين» لمحب الدين محمد بن محمود بن النجار البغدادي (٣). وقد أولى الإمام الكرماني عنايته بذكر أنساب الرواة، على اختلاف أنواعها، وتنقسم إلى عدة أمور: ١ - يذكر نسب الراوي: من المعروف عند العلماء أن هناك من الرواة من يُنسب لأبيه، ومنهم من يُنسب لأمه، ومنهم لقبيلته … ، وقد يقع الإشكال في ضبط اسم الراوي، ولا يُعرف بعدها من روى الحديث.

стр. 285

فقد كان الكرماني يهتم بذكر أنساب الرواة، وينبه على الإشكال إن وقع. مثال على ذلك: قال البخاري: «أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ … ». فعبدالله ابن بن مالك بن بحينة (١)، وهو ممن يُنسب لأمه قال الكرماني: «و (بحينة) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتانية وبالنون اسم أم عبدالله فهو منسوب الى الوالدين أسلما قديما وصحب النبي ﷺ وكان ناسكا فاضلا يصوم الدهر مات زمن معاوية. ثم ينقل الكرماني عن النووي: الصواب في أن ينون الملك ويكتب ابن بالألف لأن ابن بحينة ليس صفة لمالك بل صفة لعبدالله لأن عبدالله اسم أبيه مالك واسم أمه بحينة فبحينة امرأة مالك وأم عبدالله فليس الابن واقعا بين علمين متناسلين» (٢). ثم بين النووي الفائدة من ذلك فقال: «ولو قرئ بإضافة مالك إلى بن فسد المعنى واقتضى أن يكون مالك ابناً لبحينة وهذا غلط وإنما هو زوجها». وقد بين البخاري في التاريخ الكبير فقال: «وقال بعضهم: مالك ابن
следующие страницы →