٢ - ينقل اختلاف علماء الجرح والتعديل في الراوي الواحد:
من المعروف عند علماء الجرح والتعديل أن للتعديل مراتب ودرجات، وكذلك الجرح، ولكل درجة لها مدلولها الخاص بالراوي، وقد تختلف أقوال العلماء في الراوي الواحد وذلك لأسباب عدة منها اختلاف اجتهادهم، وحكمهم على الرجال بين متشدد ومتساهل ومعتدل (١) …
«ولم يكونوا معصومين رحمهم الله تعالى؛ ولكن كانوا يغلب على غالبهم الورع والدقة والأمانة والنَّصَفَة، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى، والعصمة
لنبيه ﷺ ، بفضل الله عليه. وصدرت منهم هذه الألفاظ قبل توحد المصطلحات الحديثية واستقرارها الذي يمكن تحديده تقريبًا بالقرن الرابع وما بعده. كان الحافظ الناقد منهم يقولها في الراوي بحسب ما يتراءى له من حاله؛ تبعًا لمعرفته بأحاديثه ونقده مروياته، وتبينه فيه؛ يقول قوةَ العدالة والضبط أو الضعف
стр. 352
فيهما» (١).
ومن الأمثلة على ذلك يذكر الكرماني أقوال العلماء في ترجمة: «عدي بن ثابت» «قال أحمد بن حنبل هو ثقة وقال أبو حاتم صدوق» (٢).
٣ - ذكر مايتعلق بعدالة الراوي:
من ذلك:
١ - التنبيه على عدالة الصحابة ﵃ -:
أجمع العلماء على عدالة الصحابة ﵃ أجمعين، ولا يُحتاج للسؤال عنهم، لأنها ثابتة بعديل الله لهم في القرآن، وتزكية الرسول ﷺ لهم (٣).
وقد كان الكرماني رحمه الله تعالى ينص على ذلك في أثناء شرحه، إذا ورد اسم صحابي في الحديث وجُهل اسمه فإن هذا لا يضر لأن الصحابة كلهم عدول.
مثال على ذلك، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب: الحج،
«عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُاللهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ
стр. 353
رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (١).
فعبارة سيدنا عبدالله بن عمر بلغني هل تقوم بها الحجة أم أنها من قبيل المجهول؟ قال الكرماني: «أن الظاهر من هذا البلاغ لايرويه إلا عن صحابي آخر، والصحابة كلهم عدول» (٢).
ومثله:
قال البخاري: «حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي … » (٣).
فقول ابن المسَيَّب أنه كان يُحدث عن أصحاب النبي ﷺ ، لايعد هذا من الرواية عن المجاهيل، ولا ينقدح الإسناد بسببه، وذلك لأن الصحابة كلهم عدول (٤).
٢ - التنبيه على من رُمي ببدعة:
المبتدع: هو من اعتقد بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ ،
لا بمعاندة بل بنوع شبهة (٥).
стр. 354
حكم رواية المبتدع:
وقد قسم العلماء البدعة إلى أقسام، وعلى وفقها يُقبل الراوي أو يُرد:
١ - أن تكون بدعته مُفَسِّقة أو مُكَفِّرة؛ فهذا رَدُّوا روايته.
٢ - ومَن كانت فيه بدعة غير مُفَسِّقة أو مُكَفِّرة، وإنما تأولوا قوله بدليل. قال ابن الصلاح: «اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يُكَفَّر في بدعته؛ فمنهم من رد روايته مطلقًا؛ لأنه فاسق ببدعته، وكما استوى في الكفر المتأوِّل وغير المتأوِّل؛ يستوي في الفسق المتأول وغير المتأول. ومنهم من قبل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن لا يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه؛ سواء أكان داعية إلى بدعته أو لم يكن، وعزا بعضهم هذا إلى الشافعي لقوله: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية (١) من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم وقال قوم: «تُقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إذا كان داعية، وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء» (٢).
стр. 355
وقال اللكنوي عند نقله لبعض الأقوال في قبول رواية المبتدع أو ردها: «وقيل: إنما تقبل أي رواية المبتدع إذا كانت بدعته صغرى، وإن كانت كبرى؛ فلا تُقبل؛ فتُقبل رواية أرباب التشيّع بالمعنى المشهور في عرف المتقدمين (١)؛
وهو اعتقاد تفضيل عَلِيٍّ على عثمان ﵄، أو اعتقاد أنَّ عليًّا أفضلُ الخلق بعد رسول الله ﷺ ، وأنه مصيب في حروبه كلها، ومخالفها مُخطاء، وبهذا نُسب جمع من أهل الكوفة المتقدمين إلى التشيُّع» (٢).
وقال الكرماني: «اعلم أن المبتدع إذا وجدت فيه سائر شروط الرواية تقبل روايته، قال الإمام مسلم في صحيحه (٣) الواجب أن يتقي من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع فقيد بلفظ المعاندين وقال النووي في شرحه (٤) وقع في الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير
стр. 356
الدعاة إلى بدعتهم ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاستدلال بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار» (١).
وكان منهج الكرماني عند ترجمة الرواة، أن يبين مذهبهم العَقَدي، فكان ينبّه على القائلين بمذهب القَدَر، ومن كانوا من الخوارج والشيعة، والمرجئة.
فالرواة الذين قال عنهم أنهم من القدرية هم:
«١ هشام الدستوائي عبدالله الثقفي ابن أبي نَجيح عبدالله بن عمرو ابن الحجاج البصري، عبد العزيز بن أبي سلمة، شبل ابن عبادة، ثور بن يزيد الكلاعي، عبد الرحمن بن إسحاق القرشي» (٢).
وقال عن: «عمران بن حطّان السدوسي» أنه من الخوارج (٣) وهو الخارجي الوحيد الذي أخرج له البخاري في صحيحه.
وقد قال ابن حجر معللاً إخراج البخاري لعمران بن حطان في صحيحه: «قلت ذكر أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل عن محمد بن بشر العبدي الموصلي قال لم يمت عمران بن حطان حتى رجع عن رأي الخوارج، هذا أحسن ما يعذر به عن تخريج البخاري له» (٤).
стр. 357
وقال عن: «عوف ابن أبي جميلة» «كان يتشيع» (١) «عدي بن ثابت الخطيم الخطمي» «كان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم» (٢).
وقال عن: «عبّاد بن العوام الواسطي» «ثقة صدوق وعن أحمد أنه مضطرب الحديث وقال محمد بن سعد كان يتشيع» (٣).
وقال عن: «إبراهيم بن يزيد التيمي» (قال يحيى هو ثقة مرجئ قتله الحجاج وهو تابعي عابد» (٤).
وقد أجاب العلماء على إخراج البخاري في صحيحه للرواة المبتدعة قال ابن حجر: «واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك، وعدم الاعتداد به إلا بحق وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط» (٥).
وعند ترجمة ابن حجر ﵀ ل: «ثور بن زيد الديلي» وكان يرى رأي الخوارج: «عن مالك أنه سئل كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن زيد وذكر غيرهما وكانوا يرون القدر فقال كانوا لأن يخروا من السماء إلى الأرض
стр. 358
أسهل عليهم من أن يكذبوا» (١).
وقال بعض العلماء في سبب قبول رواية البخاري لرواية الخوارج «والخوارج وهم أشد الناس بدعة لأنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحصول الظن بخبرهم قال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج» (٢).
والظاهر أن قبول البخاري للرواة المبتدعة هم الذين لا يدعون لبدعتهم، وعُرف عنهم الصدق والضبط، أو من كان على بدعة ثم رجع عنها كما علل ابن حجر لرواية البخاري عن عمران بن حطان الخارجي ومن حيث الجملة فهذا الأمر لا يطعن بالصحيح.
٣ - بيان الراوي المدلس:
المُدلس: هو من لم يُسم مَنْ حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به (٣).
وحكم الراوي المدلس عند العلماء يختلف من راوٍ لآخر، فإن كان التدليس نادراً أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة، أو يصرح به بالسماع من طريق آخر
стр. 359
فهو مقبول عندهم (١).
حكم الرواة المدلسين في الصحيحين:
في صحيح البخاري رواة قال عنهم العلماء أنهم موصوفون بالتدليس، منهم: قتادة بن دِعامة السّدوسي، وسفيان بن عيينة، قال عنه ابن حجر «ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات» (٢).
وقال أبو الفتح الأزدي: «والتدليس على ضربين، فإن كان تدليسا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول: حدثني فلان، أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير مليء، والأعمش إذا سألته: عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي، وابن عيينة، إذا وقفته، قال: عن ابن جريج، ومعمر، ونظرائهما، فهذا الفرق بين التدليسين» (٣).
وقال النووي: «ما كان فى الصحيحين عند المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وقد جاء كثير منه فى الصحيح
стр. 360
بالطريقتين جميعا» (١).
وقال الكرماني: «معنعنات الصحيحين كلها مقبولة، محمولة على السماع والاتصال من طريق أخرى، سواء استُشهد وتُوبع عليها أم لا» (٢).
وكان موقف الإمام الكرماني من الرواة المدلسين عند البخاري، أنه تارة ينقل توثيق العلماء فيهم من دون تعرضه لذكر أن الراوي كان مدلساً، كما قال في ترجمة: «سليمان بن مهران» (٣)، و «حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ» (٤)، و «محمد بن مسلم أبو الزبير» (٥) والظاهر أنه اكتفى بتوثيق العلماء لهم، وأن معنعنات الصحيح مقبولة محمولة على الاتصال.
وينقل أحياناً آراء العلماء فيهم، مع وصفهم بالتدليس.
من ذلك ما قاله عن: «عمر بن علي المُقَدَّمي» «قال ابن سعد كان عمر ثقة ويدلس تدليساً شديداً … قال عثمان لم يكونوا ينقمون منه غير التدليس ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا» (٦).
стр. 361
ثم قال الكرماني معللاً أخذ البخاري عن المدلسين في صحيحه: «وأقول وما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى» (١).
وقال مبيناً ضعف عنعنة: «هُشيم بن بشير» «إذ قيل إنه مدلس، مع أن معنعنات الصحيحين كلها مقبولة، محمولة على السماع والاتصال من طريق أخرى، سواء استُشهد وتوبع عليها أم لا» (٢).
٤ - يذكر أقوال العلماء في الراوي ما كان متعلقاً بضبطه وإتقانه:
بيان اختلال ضبط الراوي:
من ذلك ما قيل في ترجمة: «فُليح ابن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي المدني أبو يحيى واسمه عبدالملك» «قال أبو حاتم (٣) وابن معين إنه ليس بالقوى وقال ابن عدى لا بأس به (٤)، وقد اعتمده البخاري وروى له مسلم وأبو داود والترمذي» (٥).
ومما يقوي الرجال وإن قيل فيهم بعض المقال أن يروي لهم أصحاب مصنفات اشترط أصحابها الصحة كالبخاري ومسلم، وفُليح ابن سليمان
стр. 362
اعتمده البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، قال الحاكم أبو عبدالله: «اتفاق الشيخين عليه أي فُليح بن سليمان يقوي أمره» (١).
وقال عن: «سعيد المُقبري» «وقال ابن سعد هو ثقة كثير الحديث، لكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين» (٢).
ويذكر ما كان من الراوي قبل اختلاطه، وأنه لايؤثر على صحة الرواية، كما قال عن زهير أبي معاوية وأن روايته عن أبي إسحق «عمرو بن عبدالله السَبيعي» قبل الاختلاط (٣).
ويذكر ما كان من تفرد الراوي ومخالفته فقال عن: «شريك بن عبدالله بن أبي نمر» «كثير التفرد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة» (٤).
стр. 363
بيان ضعف الراوي عن شيخ معين دون غيره:
ومن دقة علماء الجرح والتعديل أنهم كانوا يبينوا أن الضعف وارد في الراوي إذا روى عن شيخ معين، أما إن روى عن غيره فهو ثقة.
مثال ذلك: قال ابن حجر في تقريب التهذيب: «يزيد ابن إبراهيم التُسْتري … أبو سعيد ثقة ثبت إلا في روايته عن قتادة ففيها لين» (١).
وقد نهج الكرماني هذا النهج في نقله عن علماء الجرح والتعديل فقال في ترجمة: «قَبيصة بن عُقبة» مبيناً خلاف العلماء في توثيقه «قالوا سمع من سفيان صغيراً فلم يضبط منه كما هو حقه فهو حجة إلا فيما روي عن سفيان» (٢).
وقال في: «سليمان ابن كثير العبدري»، و «سليمان بن حسين الواسطي» «قال النسائي ليس به بأس إلا في الزهري» (٣).
* * *
المبحث السادس
رواة صحيح البخاري وأقوال العلماء فيهم
* تمهيد:
أجمع العلماء على توثيق رواة الصحيحين، حتى في الرواة الذين لم يُذكر فيهم جرح أو تعديل، وأخرج لهم الإمامان البخاري ومسلم فهذا دلالة على
стр. 364
ثقتهم (١) وقد عرّف العلماء الثقة بقولهم: هو الجامع بين وصف العدالة والضبط (٢).
وقال الإمام ابن دقيق العيد (٣): «كان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه وهكذا يعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما» (٤).
وقد قسم العلماء رواة من أخرج له الشيخان، أو أحدهما على قسمين: أحدهما: ما احتجا به في الأصول.
وثانيهما: من خرجا له متابعة وشهادة واعتبارا (٥).
стр. 365
وقال ابن حجر رحمه الله تعالى عن القسم الأول: «ينبغي لكل منصف أن يعلم: أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذُكر فيهما، هذا إذا خُرّج له في الأصول» (١).
ومع هذا التوثيق لرواة الصحيح، إلا أنهم لم يسلموا من النقد والطعن، إلا أن العلماء ردوا على هذه الطعون، وفندوها.
قال ابن حجر عن القسم الثاني، مبيناً أسباب الطعن، وأنه ليس كل طعن معتبر: «فأمّا إن خَرَّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعناً فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام؛ فلا يقبل إلا مُبين السبب مفسراً بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا، أو في ضبطه لخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح» (٢).
وهذه القاعدة «أنه يُحتمل في المتابعات مالا يُحتمل في الأصول» سار عليها الكرماني في شرحه، في أكثر من موضع (٣).
стр. 366
وقال الزيلعي (١) معللاً إخراج البخاري ومسلم لرواة تُكلم فيهم: «صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما تُوبع عليه، وظهرت شواهده، وعُلم أن له أصلاً، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات» (٢).
وقد عقد ابن حجر رحمه الله تعالى، فصلاً كاملاً في هدي الساري، عن أسماء من طُعن فيهم من رجال صحيح البخاري، مع الإجابة عن هذه الطعون، وبيان من أخرج له البخاري في الأصول، ومن أخرج له في المتابعات والشواهد (٣).
وكان منهج الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه أنه كان يترجم لكل الرواة، ولم يذكر الرواة المطعون فيهم إلا قليلا، وذلك لأنه قال في مقدمة شرحه: «اعلم أن صحيح البخاري لا حاجة له في بيان حاله، إلى تعديل رجاله. لأنه ينقسم إلى قسمين: رجال بينه وبين رسول الله ﷺ ، واتفاق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار …
ويذكر الكرماني أنه كان يصحح أسماء الرواة ويضبطها، لا للتعديل
стр. 367
والتجريح أو التصنيف والتصحيح …
والقسم الثاني: ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر» (١).
وهذه بعض الأمثلة التي تعرض لها الكرماني عن الرواة المطعون فيهم:
١ - أبان أبو يزيد البصري العطار.
قال الكرماني في ترجمته: «ذكر البخاري عنه تعليقاً لعدم تلاقيهما، وذكره متابعة لا تأصلاً إما لضعفه أو لغيره، وإما لضعف شيخه ونحوه، وأما مسلم فقد روى له في الأصول» (٢).
وقال ابن حجر في ترجمته: «قال أحمد: «ثبت في كل المشائخ»، وقال بن معين: «ثقة كان القطان يروي عنه وكان أحب إليه من همام، وهمام أحب إلي»، وقال النسائي: ثقة» (٣).
٢ - الحسن بن عمارة: وهو الْحسن بن عمَارَة بن مضرب أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي مولى بجيلة، قال شعبة كذاب، وقال غيره متروك (٤).
وقد تُوّهم أن البخاري روى عن الحسن بن عمارة في صحيحه، إلا أن
стр. 368
السياق لا يدل عليه، أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَيَّ يُحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَاراً يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. قَالَ سُفْيَانُ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ … » (١).
قال الكرماني: «فإن قلت الحسن بن عمارة كاذب مُكذب، فكيف جاز النقل عنه؟ قلت: ما أثبت شيء بقوله من هذا الحديث مع احتمال أنه قال ذلك بناء على ظنه» (٢).
وقال ابن حجر: «لم يقصد البخاري الرواية عن الحسن بن عمارة ولاالاستشهاد به بل أراد بسياقه ذلك أن يبين أنه لم يحفظ الإسناد الذي حدثه به عروة ومما يدل على أن البخاري لم يقصد تخريج الحديث الأول أنه أخرج هذا في أثناء أحاديث عدة في فضل الخيل» (٣).
٣ - عكرمة أبو عبدالله مولى ابن عباس، المفسر، الهاشمي المدني، اتُهم بالكذب، «كان ينتحل رأي الصُّفريَّة (٤) قال أبو بكر: سمعت مصعب بن عبدالله
стр. 369
يقول كان عكرمة يرى رأي الخوارج وادعى على بن عباس أنه كان يراه» (١).
وقال ابن حجر عن عكرمة: «لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة» (٢).
وقد نقل الكرماني في ترجمته أقوال العلماء فيه، وبين من وثّقه، ومن جرحه: «قال محمد بن سعد كان كثير العلم بحرًا من البحور، ولكن يتكلم الناس فيه وكان ذلك لأنه يرى رأى الخوارج، وقال يحي بن معين: إذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام.
وقال البخاري ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة وقال أبو أحمد بن
стр. 370
عدى: لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم، وقال البيهقي روى له البخاري دون مسلم وقيل لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك قال عكرمة» (١).
نتيجة المبحث: لم يتناول الكرماني الكلام عن كل الرجال الذين انتُقدوا على البخاري، ولعله كان يختصر الكلام في شرحه، أو أنه كان يكتفي برواية البخاري ومسلم عنهم، إشارة إلى توثيقهم.
* * *
стр. 371
الباب الثالث
منهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه وفيه
* الفصل الأول: منهج الكرماني في تراجم الأبواب.
* الفصل الثاني: منهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح.
стр. 372
الباب الثالث
منهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه وفيه
الفصل الأول
منهج الكرماني في تراجم الأبواب
المبحث الأول
تمهيد
إن مميزات صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى كثيرة، منها ما يتعلق بالضبط والإتقان، وشروط الحديث الصحيح … ، ومنها ما يتعلق بحسن التبويب والترتيب، والإبداع في الصنعة الفقهية التي أودعها في أسماء الكتب والأبواب في صحيحه، حتى قيل أن فقه الإمام البخاري في تراجمه (١).
وإن تنوّع، وانتقاء التراجم والأبواب، من الآيات والأحاديث، وفتاوى الصحابة والتابعين، تدل على سعة علم البخاري واطلاعه.
وقد أثنى العلماء على تراجم البخاري قال ابن حجر في مقدمة شرحه: «وكذلك الجهة العظمى الموجبة لتقديمه يعني صحيح البخاري وهي
стр. 373
ما ضمَّنَه أبوابَه من التراجم التي حيّرت الأفكار وادهشت العقولَ والأبصار» (١).
وقال الإمام القسطلاني واصفاً تلك التراجم، ومثنياً على البخاري: «وأما بيان موضوعه وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال، فاعلم أنه رحمه الله تعالى قد التزم مع صحة الأحاديث استنباطَ الفوائد الفقهية، والنُّكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة، فرقها في أبوابه بحسب المناسبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السُبل الوسيعة» (٢).
كما أن العلماء بينوا مقصد البخاري من تراجمه المتنوعة، قال ابن حجر قال قال الزين بن المنير «من أمعن النَّظر في تراجم هذا الكتاب، وما أودعه فيها من أسرار المقاصد، استبعد أن يُغفِل أو يُهمِل، أو يضعَ لفظاً بغير معنى، أو يرسمَ في الباب خبراً يكون غيرُه به أقعد، وأولى، وإنما قصد بذكر ما لم يترجم به أن يقررَ أن المفقودَ إذا وُجد الأكملُ منه أو الأنقص شرعَ الجبران» (٣).
وقد اعتنى العلماء بتراجم الإمام البخاري في صحيحه، وأفردوا المصنفات الكثيرة في ذلك:
منها:
١ - المُتواري على تراجم البخاري، لزين الدين أبي الحسن علي بن محمد
стр. 374
ابن المُنِير (ت ٦٩٥).
٢ - تُرجمان التراجم لأبي عبدالله محمد بن رشيد السَّبتي (ت ٧٢١ هـ).
٣ - فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة، محمد منصور بن حَمَامة السجِلْماسي.
٤ - شرح تراجم أبواب البخاري للشاه ولي الله الدهلوي (ت ٨٢٨ هـ).
٥ - الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح، د. نور الدين عتر (١) وغيرها من الكتب.
وقد قسّم العلماء التراجم من حيث الجملة إلى أربعة أقسام:
تراجم ظاهرة، وتراجم استنباطية، وتراجم مرسلة، وتراجم مفردة.
قال د. نور الدين عتر:
«فأما التَّرَاجِمُ الظَّاهِرَةُ: وهي التي تطابق الأحاديث التي تخرج تحتها مطابقة واضحة جلية، دون حاجة للفكر والنظر.
ثَانِيًا التَّرَاجِمُ الاسْتِنْبَاطِيَّةُ: وهي التي تدرك مطابقتها لمضمون الباب بوجه من البحث والتفكير القريب أو البعيد.
ثَالِثًا التَّرَاجِمُ المُرْسَلَةُ: وهي التي اكتفي فيها بلفظ (باب)، ولم يُعَنْوِنْ بشيء يدل على المضمون بل ترك ذلك العنوان.
стр. 375
رَابِعًا التَّرَاجِمُ المُفْرَدَةُ: وهي تراجم لا يُخْرِجُ البخاري فيها شَيْئًا من الحديث للدلالة عليها» (١).
وقد بيّن الشاه ولي الله الدهلوي أقسام التراجم وأتى ببعض الصور والأمثلة (٢).
أن يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، لمسألة بدت له.
يترجم لمذهب ذهب إليه ذاهب قبله، ويذكر في الباب مايدل عليه فيقول في الباب كذا.
يترجم بمسألة اختلف فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله قوله «باب خروج النساء إلى البراز» جمع فيه حديثين مختلفين.
ويترجم عند تعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه تطبيق بينها يحمل كل واحد محملا فيترجم بذلك المحمل إشارة إلى التطبيق.
ومنها قد يجمعُ في الباب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعْلِم ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه،
стр. 376
وجاء الباب الآخر برأسه ولكن قوله «باب» هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ «تنبيه» أو لفظ فائدة أو لفظ وقف.
منها أنه قد يكتب لفظ باب مكان قول المحدثين وبهذا الإسناد وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين.
ومنها أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، أو بما كاد يذهب إليه بعضهم أو بحديث لم يثبت عنده ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك.
ومنها أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث.
منها أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع (١).
وقد نالت التراجم حظاً وافراً من شرّاح الحديث بالاعتناء بها، وبيان مناسبة الترجمة لما قبلها وما بعدها، وبيان الغرض من الترجمة …
فقد قال الإمام الكرماني في مقدمة شرحه: «وبينت مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه
стр. 377
الفحول البوازل (١) في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار فتركوها واعتذروا عنها بأعذار» (٢).
* * *
المبحث الثاني
بيان مناسبات تراجم البخاري بأنواعها
كما أن علم المناسبة في القرآن الكريم علم يبحث في المعاني الرابطة بين الآيات بعضها ببعض، وبين السور بعضها ببعض، حتى تعرف علل ترتيب أجزاء القرآن الكريم (٣).
كذلك علم المناسبات في التراجم يُراد به معرفة الروابط بين عنواين كتب صحيح البخاري، وبين أبوابها المتتالية، والمتفرقة، والمناسبة بين الترجمة وحديث الباب …
وقد كان ترتيب أحاديث الصحيحين، والسنن، مرتباً على حسب عنواين الكتب، وينزل تحت الكتاب الباب، وكان هذا الترتيب اجتهادياً من صاحب المُصنّف، وكان يتحرى المناسبة، والرابط الذي يربط بين الكتب، والأبواب … ،
стр. 378
فمنها ما هو ظاهر للعيان، وجلي، ومنها ما هو بحاجة إلى بيان؛ كشف عنه العلماء من شُرّاح الحديث، وغيرهم.
فقد نهج الكرماني في شرحه، لبيان ذلك، وفق ما أوصله اجتهاده إليه فمن هذه الأمور التي ذكرها الكرماني:
أولاً بيان مناسبات عناوين كتب صحيح البخاري، مع بعضها البعض:
قال الكرماني مُثنياً على عمل البخاري في بيان مناسبة عناوين كتبه في الصحيح، وحسن ترتيبها «اعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب، ومحاسنه كثيرة، منها: أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصيام، قاصداً الاعتناء بالترتيب، الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أي حديث بُني الإسلام على خمس الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام» (١).
ثم بيّن الكرماني سر التقديم في الحديث: «فإن قلت فما سر التقديم في الحديث؟ قلت: قدّم الإيمان لأنه ملاك الأمر كله، وأصله إذ الباقي مبني عليه مشروط به، وبه النجاة في الدارين ثم الصلاة لأنها عماد الدين، وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، ويقتل تاركها على الأصح ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة الصلاة في أكثر من موضع، أو لأنها قنطرة الإسلام، أو لاعتناء الشارع بها لذكرها أكثر من غيرها من الصوم والحج، في
стр. 379
الكتاب والسنة أو لشمولها المكلف وغيره، كما هو مذهب أكثر العلماء ثم الحج للتغليظات الواردة فيه نحو ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحو «فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» (١) أو لعدم سقوطه بالبدل لوجوب الإتيان به إما مباشرةً وإما استنابة بخلاف الصوم … » (٢).
وبين سر تقديم كتاب: «بدء الوحي، على كتاب: «الإيمان» فقال: «وأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة» (٣).
وقال ناقلاً عن أبي عبدالله التيمي الأصفهاني: «واعلم أنه لما كان كتابه معقودا على أخبار الرسول ﷺ طلب تصديره بأول شأن الرسالة والوحي ولم يرد أن يقدم عليه الخطبة» (٤).
وقال الكرماني كذلك مبيناً سبب توسط كتاب «العلم»، بين كتابي «الإيمان»، و «الصلاة» «إنما قدّم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده، لأن
стр. 380
مدار تلك الكتب كلها على العلم. فإن قلت لم يقدم على الكتاب الإيمان. قلت: لأن الإيمان أول واجب على المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها وكيف لا وهو مبدأ كل خير علماً وعملاً ومنشأ كل كمال دق وجل» (١).
وقال في موضع آخر عن سر تقديم كتاب: «الإيمان» على كتاب: «العلم» «أنه ميز الأجناس بالكتب، والأنواع بالأبواب، إشعاراً بما به الاشتراك وبما به الامتياز بين الأحاديث» (٢).
ومن ذلك بيان سبب تقديم كتاب الوضوء على ما بعده: «والصلاة مقدمة على سائر العبادات لأنها أفضلها ولأنها تتكرر في كل يوم خمس مرات، وهي متوقفة على الوضوء فلهذا قدّم كتاب الوضوء على سائر الكتب الأحكامية» (٣).
وكان الكرماني يذكر من نقد تسمية الأبواب، وترتيب البخاري للأحاديث، في الباب الواحد، ويرد عليه، كما نقل كلام، إسماعيل أبو عبدالله التيمي الأصبهاني: «واعلم أنه لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن؛ لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا بيان كيفية بدء الوحي، وكان ينبغي أن لا يُقدم عليه بعقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحُسن، وكذا حديث ابن عباس ﵄ كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ»، (٤) لا على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم القارئ والسامع إذا قرأ
стр. 381
الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا على فهم القارئ» (١).
فقال الكرماني رداً عليه: «أقول ليس قوله: لكان أحسن مسلما لأنا
لا نُسّلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي؛ إذ يعلم بما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المنام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه، ثم ما فر هو عنه لازم عليه على هذا التقريب أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه أيضا.
وكذا حديث ابن العباس مُسلماً إذ فيه بيان حال الرسول ﷺ ، ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي، والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل
ما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي، وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد من الباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا كل حديث منه، فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة» (٢).
ثانياً بيان مناسبة عنوان الباب لعنوان الكتاب:
قد يُظن للوهلة الأولى أنه لا رابط بين اسم الكتاب واسم الباب، لأن الكتاب يتكلم عن موضوع، والباب عن موضوع آخر، فينبه الكرماني على أن هناك رابط يربط بينهما، مستعيناً بالقرائن والأدلة على ذلك.
مثاله: بيان مناسبة باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، لكتاب: الإيمان، قال
стр. 382
الكرماني: «وأما مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان؛ أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض» (١).
ومن ذلك ذكر البخاري في كتاب: العلم، باب من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة، فقال الكرماني مبيناً وجه المناسبة بين عنوان الكتاب والباب: «فإن قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم. قلت: من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم، وفي الحديث أن السنة الجلوس علي وضع الحلقة، وللداخل أن يجلس حيث ينتهي إليه المجلس، وأن لا يزاحم الجلاّس إن لم يجد فرجة وأن الإعراض عن مجلس العلم مذموم … » (٢).
ومن ذلك بيان مناسبة كتاب: الوضوء، لباب السواك، قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه مناسبة الباب للكتاب، قلت: من جهة أنه من سنن الوضوء، أو أنه من باب النظافة» (٣).
ومثله بيان مناسبة كتاب: الصيد والذبائح، لباب: المسك، «فإن قلت
ما وجه مناسبة الباب بالكتاب قلت كون المسك فضلة الظبي وهو مما يصاد» (٤).
ومن ذلك ذكر البخاري في كتاب: «اللباس» باب: حَمْلِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
стр. 383
قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه مناسبة الباب بالكتاب قلت الغرض منه الجلوس على لباس الدابة وإن تعدد أشخاص الراكبين عليها والتصريح بلفظ القطيفة (١) في الحديث السابق مشعر بذلك» (٢).
قلت وقول الكرماني، والتصريح بلفظ القطيفة … ، يدل على أن أحاديث الباب كلها متعلقة ببعضها البعض، وتربط بينها أمور عدة.
ومنه بيان مناسبة كتاب: الاستئذان، باب: طُولِ النَّجْوَى، قال الكرماني: «من جهة أن مشروعيته الاستئذان، هو لئلا يطلع الأجنبي على أحوال داخل البيت، أو أن المناجاة لا تكون إلا في البيوت والمواضع الخاصة الخالية، فذكره على سبيل التبعية للاستئذان» (٣).
ومن ذلك بيان مناسبة بَاب: صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ
وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، لكتاب: الكفارات، قال الكرماني: «قلت: كفارة اليمين فيها إطعام عشرة أمداد، لعشرة مساكين، وكفارة الوقاع إطعام ستين مسكينا ستين مدا، وفي كفارة الحلف إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين» (٤).
стр. 384
ثانياً بيان مناسبة الآية لعنوان الكتاب:
من عادة الإمام البخاري، أن يُصَدّر الكتاب بآية من القرآن الكريم، مناسبة لعنوان الكتاب مثال على ذلك:
كتاب المرضى، مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه مناسبة الآية بالكتاب إذ معناها
من يعمل سيئة يجزيها يوم القيامة، قلت: اللفظ أعم من يوم القيامة فيتناول الجزاء في الدنيا بأن يكون مرضه عقوبة لتلك المعصية فيغفر له بسبب ذلك المرض» (١).
وقال الكرماني عن عادة الإمام البخاري في ذلك: «أنه إذا ذكر آية مناسبة للمقصود يذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية ثبت عنده من تفسيره على سبيل التبعية» (٢).
حتى أنه يذكر تفسيرا لبعض ألفاظ القرآن يناسب ترجمة الباب، قال الكرماني: «اعلم أن عادة البخاري أنه يذكر بعض تفسير ألفاظ القرآن المناسب لترجمة الباب وللحديث الذي فيه تكثيراً للفوائد وإن كان بينهما مناسبة بعيدة مثاله: فقد قال البخاري في كتاب الجنائز في باب: موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، قال: يخرجون من الأجداث، الأجداث: القبور بعثرت
стр. 385
أثيرت، بعثرت حوضي: أي جعلت أسفله أعلاه، ألا يفاض الإسراع، وهو يفسر الآية: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون» (١).
ثالثاً بيان مناسبة الآية لعنوان الباب:
ومن عادة البخاري كذلك أن يُصَدّر الباب بآية من القرآن الكريم، لرابط أو أكثر يربط بينهما قال الكرماني: «وذكر البخاري الآية الكريمة لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها» (٢).
قلت فإن كانت الآية واضحة في تعلقها بالباب، يسكت عنها الكرماني ولا يذكر وجه المناسبة، أما إذا أشكلت فيبين ذلك.
مثال: قال البخاري: «باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) إِلَى قَوْلِهِ (الْكَافِرِينَ) … قال الكرماني ناقلا عن شارح التراجم (٣) ابن المنيّر: «وجه مطابقة الترجمة للآية؛ أن الأذى بعد الصدقة يبطلها، فكيف بالأذى المقارن لها، وذلك أن الغال تصدق بمال مغصوب، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه، فكان أولى
стр. 386
بالإبطال» (١).
ومن ذلك: قال في كتاب الرقائق:
بَاب فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾.
قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه مناسبة الآية الأولى للترجمة
قلت صدرها وهو قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أو عجزها وهو
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أو ذكر لمناسبة قوله تعالى «وما هو بمزحزحه» إذ في تلك الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والله أعلم» (٢).
ثالثاً ذكر المناسبة بين البابين المتتاليين:
يذكر الكرماني بيان المناسبة بين الأبواب المتتالية، وقد فعل هذا في عدة مواضع في شرحه، إلا أنه لم يتابع ذلك إلى آخر شرحه، ومن أمثلة ذلك:
стр. 387
قال الكرماني: «فإن قلت هل لترتيب الكتاب أي كتاب
الإيمان وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم
لا، قلت: مناسبة تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان، وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع من غير هذه المناسبة والله أعلم» (١).
رابعاً ذكر المناسبة بين باب وأبواب متعددة سبقته:
قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه الجمع بين ما في الباب من كراهة الصلاة أو تحريمها، ويقصد الكرماني هنا جمع من الأبواب المتتالية تكلمت عن موضوع واحد وهو كراهة الصلاة وتحريمها (٢) وبين ما في باب من صلى وقدامه نار أو شئ مما يعبد من جواز الصلاة وعدم كراهتها؟
قلت: التماثيل حكمها غير حكم سائر المعبودات؛ لأنها من أنفسها منكرات؛ إذ الصور محرمة سواء أكانت تعبد أم لا، بخلاف النار مثلاً فإن عبادتها محرمة، أو لأن التماثيل شاغلة عن الحضور في الصلاة، كما سبق في باب إذا صلى في ثوب له أعلام أن رسول الله ﷺ قال اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني عن صلاتي. وقال: كنت أنظر إلى علمها وأخاف أن تفتنني بخلاف غيرها.
стр. 388
قال ابن بطال: (١) لا معارضة بين البابين لأنها كانت بغير الاختيار،
وما في هذا الباب كقول عمر إنا لا ندخل كنائسكم فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إلى ذلك» (٢).
ومن ذلك: بيان المناسبة بين باب: (باب الاستجمار وترا) وبين أبواب الوضوء.
قال الكرماني: «ولما كان الاستجمار مقدماً في الوجود على الاستنثار، كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب» (٣).
خامساً نقد ترتيب الأبواب:
ومن العجيب أن الكرماني انتقد صنيع البخاري في ترتيب بعض الأبواب، إذا لا مناسبة في ترتيبها، وقد أثنى العلماء على البخاري، في تراجمه وحسن ترتيبها، وتبويبها، وقالوا أن فقه البخاري في تراجمه، والأعجب من ذلك أن الكرماني نفسه أثنى على البخاري في كثير من الأماكن في حسن ترتيبه وصنيعه في التراجم (٤). فلذلك تنوّع نقد الكرماني للبخاري إيجاباً وسلباً.
стр. 389
إلا أن الكرماني كان نقده الإيجابي، أكثر من نقده السلبي على تبويب وترجمة البخاري.
أولاً نقد الكرماني الإيجابي:
لقد أثنى الكرماني على الإمام البخاري رحمه لله تعالى على صنيع البخاري على ترتيبه للأبواب فقال: «اعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب، ومحاسنه كثيرة، منها: أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصيام، قاصداً الاعتناء بالترتيب، الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أي حديث بُني الإسلام على خمس الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام» (١).
فمن الأمثلة على ذلك:
فقد قال مُثنيا على صنيع البخاري في ترتيب الأبواب، من جعل باب: غزوة أنْمار بين باب غزوة بني المصطلق، وبين باب حديث الإفك: «فإن قلت فلم أدرج بينها أي غزوة بني المصطلق وبين حديث الإفك غزوة أنمار قلت لاهتمام البخاري بترتيب الأبواب أو لاحظ التعلق الذي بين الغزوتين» (٢).
стр. 390
وقال كذلك رداً على من انتقد ترتيب الأبواب، وأن ورود حديث
ما غير مناسب للباب الذي ذُكر فيه، كما قال في حديث: «عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَاسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ … ».
أورد البخاري هذا الحديث، في بَاب: احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ، وموضوعه في الباب الذي قبله وهو: بَاب فِي الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فقال الكرماني معللاً ذلك: «فإن قلت: هذا الفرع مع ما بعده إلى آخر الباب ومع الحديث الذي قبله، موضعه المناسب قبل باب: احتيال العامل لأنه من بقية مسائل الشفعة، وتوسيط ذلك الباب بينها أجنبي، قلت: لعله من جملة تصرفات النقلة عن الأصل، ولعله كان في الحاشية ونحوها فنقلوه إلى غير مكانه، أو باعتبار أنه لما جعل الترجمة مشتركة بينهما حيث قال «باب في الهبة والشفعة» فلم يفرق بين مسائلها» (١).
وقد يزيل الشك عن صنيع البخاري من تسمية بابيين، قد يُظن أنهما واحد، من ذلك قوله باب من أدرك من الصلاة ركعة، ما الفرق بينه وبين الباب الذي قبله، باب من أدرك من الفجر ركعة، «الأول: فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة وهذا فيمن أدرك من نفس الصلاة ركعة» (٢).