← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بالإبطال» (١). ومن ذلك: قال في كتاب الرقائق: بَاب فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾. قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه مناسبة الآية الأولى للترجمة قلت صدرها وهو قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أو عجزها وهو ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أو ذكر لمناسبة قوله تعالى «وما هو بمزحزحه» إذ في تلك الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والله أعلم» (٢). ثالثاً ذكر المناسبة بين البابين المتتاليين: يذكر الكرماني بيان المناسبة بين الأبواب المتتالية، وقد فعل هذا في عدة مواضع في شرحه، إلا أنه لم يتابع ذلك إلى آخر شرحه، ومن أمثلة ذلك:

стр. 387

قال الكرماني: «فإن قلت هل لترتيب الكتاب أي كتاب الإيمان وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم لا، قلت: مناسبة تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان، وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع من غير هذه المناسبة والله أعلم» (١). رابعاً ذكر المناسبة بين باب وأبواب متعددة سبقته: قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه الجمع بين ما في الباب من كراهة الصلاة أو تحريمها، ويقصد الكرماني هنا جمع من الأبواب المتتالية تكلمت عن موضوع واحد وهو كراهة الصلاة وتحريمها (٢) وبين ما في باب من صلى وقدامه نار أو شئ مما يعبد من جواز الصلاة وعدم كراهتها؟ قلت: التماثيل حكمها غير حكم سائر المعبودات؛ لأنها من أنفسها منكرات؛ إذ الصور محرمة سواء أكانت تعبد أم لا، بخلاف النار مثلاً فإن عبادتها محرمة، أو لأن التماثيل شاغلة عن الحضور في الصلاة، كما سبق في باب إذا صلى في ثوب له أعلام أن رسول الله ﷺ قال اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني عن صلاتي. وقال: كنت أنظر إلى علمها وأخاف أن تفتنني بخلاف غيرها.

стр. 388

قال ابن بطال: (١) لا معارضة بين البابين لأنها كانت بغير الاختيار، وما في هذا الباب كقول عمر إنا لا ندخل كنائسكم فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إلى ذلك» (٢). ومن ذلك: بيان المناسبة بين باب: (باب الاستجمار وترا) وبين أبواب الوضوء. قال الكرماني: «ولما كان الاستجمار مقدماً في الوجود على الاستنثار، كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب» (٣). خامساً نقد ترتيب الأبواب: ومن العجيب أن الكرماني انتقد صنيع البخاري في ترتيب بعض الأبواب، إذا لا مناسبة في ترتيبها، وقد أثنى العلماء على البخاري، في تراجمه وحسن ترتيبها، وتبويبها، وقالوا أن فقه البخاري في تراجمه، والأعجب من ذلك أن الكرماني نفسه أثنى على البخاري في كثير من الأماكن في حسن ترتيبه وصنيعه في التراجم (٤). فلذلك تنوّع نقد الكرماني للبخاري إيجاباً وسلباً.

стр. 389

إلا أن الكرماني كان نقده الإيجابي، أكثر من نقده السلبي على تبويب وترجمة البخاري. أولاً نقد الكرماني الإيجابي: لقد أثنى الكرماني على الإمام البخاري رحمه لله تعالى على صنيع البخاري على ترتيبه للأبواب فقال: «اعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب، ومحاسنه كثيرة، منها: أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصيام، قاصداً الاعتناء بالترتيب، الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أي حديث بُني الإسلام على خمس الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام» (١). فمن الأمثلة على ذلك: فقد قال مُثنيا على صنيع البخاري في ترتيب الأبواب، من جعل باب: غزوة أنْمار بين باب غزوة بني المصطلق، وبين باب حديث الإفك: «فإن قلت فلم أدرج بينها أي غزوة بني المصطلق وبين حديث الإفك غزوة أنمار قلت لاهتمام البخاري بترتيب الأبواب أو لاحظ التعلق الذي بين الغزوتين» (٢).

стр. 390

وقال كذلك رداً على من انتقد ترتيب الأبواب، وأن ورود حديث ما غير مناسب للباب الذي ذُكر فيه، كما قال في حديث: «عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَاسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ … ». أورد البخاري هذا الحديث، في بَاب: احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ، وموضوعه في الباب الذي قبله وهو: بَاب فِي الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فقال الكرماني معللاً ذلك: «فإن قلت: هذا الفرع مع ما بعده إلى آخر الباب ومع الحديث الذي قبله، موضعه المناسب قبل باب: احتيال العامل لأنه من بقية مسائل الشفعة، وتوسيط ذلك الباب بينها أجنبي، قلت: لعله من جملة تصرفات النقلة عن الأصل، ولعله كان في الحاشية ونحوها فنقلوه إلى غير مكانه، أو باعتبار أنه لما جعل الترجمة مشتركة بينهما حيث قال «باب في الهبة والشفعة» فلم يفرق بين مسائلها» (١). وقد يزيل الشك عن صنيع البخاري من تسمية بابيين، قد يُظن أنهما واحد، من ذلك قوله باب من أدرك من الصلاة ركعة، ما الفرق بينه وبين الباب الذي قبله، باب من أدرك من الفجر ركعة، «الأول: فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة وهذا فيمن أدرك من نفس الصلاة ركعة» (٢).

стр. 391

وقال الكرماني في موضع يُثني على صنيع البخاري في ترجمته ومناسبتها للأحاديث فقال: «ولله در البخاري وحسن تعقلاته ودقة استنباطه» (١). ثانياً نقد الكرماني السلبي: مثال على ذلك: قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه الترتيب الذي لهذه الأبواب؛ إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، أي أن البخاري قدّم باب غسل الوجه، على باب التسمية ثم إن توسط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء لا يناسب ما عليه الوجود. قلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد» (٢). وقد رد ابن حجر رحمه الله تعالى على انتقاد الكرماني فقال: «والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه، وذكر أنه للوهلة الأولى أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب إلا أنه تبين له غير ذلك. وقد يتلمح أنه ذكر أولا فرض الوضوء كما ذكرت، وأنه شرط لصحة الصلاة ثم فضله، وأنه لا يجب إلا مع التيقن وأن الزيادة فيه على إيصال الماء إلى العضو ليس بشرط، وأن ما زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء

стр. 392

في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأن التسمية مع أوله مشروعة، كما يُشرع الذكر عند دخول الخلاء، فاستطرد من هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه ثم رجع لبيان أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سنة ثم ذكر سنة الاستنثار إشارة إلى الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر … ثم بين أن التقديم والتأخير، في ترتيب البخاري، إنما هو من باب التفنن» (١). قلت: وتعليل ابن حجر لصنيع البخاري حسن، وفيه اجتهاد ومخرج لطيف. وقد يبيّن الكرماني المناسبة بين الأبواب، ومع هذا ينتقد البخاري بأنه لا يهتم بترتيب الأبواب مثاله: قال عن ترتيب البخاري أن قدم باب الاِسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ، على باب: الاستجمار وترا، «لما كان الاستجمار مقدماً في الوجود على الاستنثار كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب، قلت: معظم نظر البخاري إلى نقل الحديث وإلى ما يتعلق بتصحيحه غير مهتم بتحسين الوضع وترتيب الأبواب لأن أمره سهل» (٢). قلت: إن قول الكرماني أن اهتمام البخاري كان في نقل الحديث وتصحيحه، من دون الاهتمام بترتيب الأبواب، هو مخالف لأقوال العلماء، وشهادتهم في حسن التبويب والترتيب عند البخاري. وقد ينقد الكرماني الإمام البخاري في معنى كلمة، ويبين أنه ليست

стр. 393

المقصودة أو أنها ليست في محلها مثاله: فقد بوّب البخاري فقال: سُورَةُ يُوسُفَ وَقَالَ فُضَيْلٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مُتَّكَأً﴾. الْأُتْرُجُّ قَالَ فُضَيْلٌ الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا قَالَ كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (١). قال الكرماني منتقداً البخاري: «واعلم أن البخاري يريد أن بين أن المتكأ في قوله تعالى ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ اسم مفعول من الاتكاء وليس هو متكأ بمعنى الأترج ولا بمعنى طرف الفرج فجاء فيها بعبارات معجرفة» (٢). وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه «لا مانع أن يكون المتكأ مشتركا بين الأترج وطرف البظر والبظر بفتح الموحدة وسكون الظاء المشالة موضع الختان من المرأة وقيل البظراء التي لا تحبس بولها … وقد رد على الكرماني بنقده البخاري فقال: فوقع في أشد مما أنكره فإنها إساءة على مثل هذا الإمام الذي لا يليق لمن يتصدى لشرح كلامه وقد ذكر جماعة من أهل اللغة أن البظر في الأصل يطلق على ماله طرف من الجسد كالثدي» (٣).

стр. 394

سادساً ذكر المناسبة بين الحديث وترجمة الباب: وقد ظهرت عناية الإمام الكرماني ببيان مناسبة الحديث لترجمة الباب، وأولى اهتمامه فيها أكثر من غيرها في قسم العناية بتراجم الأبواب. ومن خلال الاستقراء والتتبع ذكر العلماء بعض عادات الإمام البخاري في طريقة تعامله مع تراجم الأبواب، قال الكرماني: «وهنا ننبهك على قاعدة كلية فاعلمها، وذلك أن البخاري ﵀ كثيرا ما يترجم الأبواب، ولا يذكر في ذلك حديثا أصلا، أو لا يذكر ما ترجم الباب عليه، قال بعض شيوخنا من حفاظ الشام: سببه أن البخاري بوّب الأبواب وترجم التراجم أولا، ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج، فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى الدار الآخرة، وقال بعض العراقيين عمل ذلك اختيارا وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم عليه، والله أعلم فيحتمل أن تكون الترجمة منها» (١). قلت ولعل قول بعض العراقيين أن عمل البخاري ذلك اختياراً هو أوجه وأقرب، ويقويه نقل ابن حجر عن أبي محمد بن أبي جمرة، في مدحه للصحيح فقال: «الجهة العظمى الموجبة لتقديمه وهي ما ضمنه أبوابه من التراجم التي حيّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم، أوجب عِظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن

стр. 395

عبد القدوس بن همام قال: شهدت عدة مشايخ يقولون حوّل البخاري تراجم جامعه يعني بيضها بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين» (١). ويؤيده ما قاله د. نور الدين عتر، بعد الاستقراء أن البخاري رحمه الله تعالى كان يتعمّد هذا ويتخذه منهجاً، وهو ما يُسمّى بالتراجم المرسلة فقال: أ أن العنوان (بَابٌ) يستعمل على وجهين من التناسب: ١ - أن يكون مضمون الباب مُتَّصِلاً بالباب السابق مُكَمِّلاً له، فيفصل لفائدة زائدة في مضمونه، فيكون بمنزلة الفصل من السابق. ٢ - والكثير الغالب أن يكون ضمن الباب فائدة تتصل بأصل الموضوع الذي عَنْوَنَ لَهُ (بأبواب) ويكون قد ذكره عقبه لهذه الملابسة (٢). كما أن البخاري ﵀، كان يترجم بالآيات والأحاديث التي ليست على شرطه، وبالمعلقات، وفتاوى الصحابة والتابعين، فلم يكن يُعجزه عن انتقاء تراجم تخص الباب، وهو الذي اختار صحيحه من بين ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة. وكان من عادة البخاري أن يستدل على ترجمة الباب، بأي شيء يراه مناسباً، قال الكرماني: «عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها أو أثر عن الصحابة أو قول للعلماء» (٣).

стр. 396

وهذه المناسبات قسمها العلماء إلى قسمين: ظاهرة وخفية (استنباطية). قال ابن حجر: «أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا، وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلا … » (١). بمعنى أنه لا تريد مزيد جهد في معرفة الاستدلال بها، فدلالة العنوان على مضمون الحديث واضحة. ومن الأمثلة الظاهرة التي بينها الكرماني كذلك: ما يكون عنوان الباب مطابقا لما في الحديث، وقد يكون في جزء منه، وقد يكون في بعض أحاديث الباب لا كلها، وقد تكون الترجمة مأخوذة من أكثر من حديث. مثال لمطابقة الترجمة للحديث: «باب لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). قال الكرماني: «قال شارح التراجم: وجه مطابقة الترجمة للآية أن الأذى بعد الصدقة يبطلها؛ فكيف بالأذى المقارن لها، وذلك أن الغال تصدق بمال مغصوب، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه، فكان أولى بالإبطال» (٢).

стр. 397

ومثله قال البخاري: بَاب لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ، وساق بعده حديث النعمان ابن بشير ﵁ قال: «قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (١) بين الكرماني أنه من التراجم الظاهرة والمطابقة (٢). قال البخاري: «باب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ» وساق في هذا الباب حديث عثمان بن عفان: «قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٣). قال الكرماني: «فإن قُلت ما وجه مناسبته بالترجمة؟ قلتُ: هو مناسب لجزء من الترجمة إذ هو يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد، نعم لا يدل على الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره. ثم يقرر الكرماني قاعدة عند البخاري فيقول ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دلَّ البعض

стр. 398

على البعض بحيث يدل في كل ما في الباب على كل الترجمة، لصح التعبير بها» (١). وقد يكون أخذ البخاري لترجمة الباب من أكثر من حديث. من ذلك في باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ وَافَقْتُ رَبيِّ فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى … (٢). فقد بين الكرماني أن دلالة الحديث تدل على الجزء الأول منهما أي قول البخاري ماجاء في القبلة وأن الحديث التالي «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» (٣). يدل على باقي الترجمة أي وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ. «فأول ما فى الباب وآخره يدل على كل الترجمة على سبيل التوزيع وأما كيفية الدلالة فعلى قول من فسر مقام ابراهيم بالكعبة فظاهر، وأما على قول من

стр. 399

قال هو الحرم كله فيقال إن من للتبعيض» (١). - ومن عادة البخاري أنه إذاكان في الباب حديث دال على الترجمة ذكره ويتبعه أيضا بذكر ما يناسب وإن لم يتعلق بالترجمة. مثاله: بوّب البخاري فقال: «باب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ». ثم ساق حديثاً: «أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ قَالَ أَنَسٌ ﵁، فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ثُمَّ قَالَ: لَمَّا سَلَّمَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢). قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه دلالة الحديث على إيجاب التكبير؟ قلت: هو دليل على الجزء الثاني من الترجمة؛ لأن لفظ إذا صلى قائما متناول لكون الافتتاح أيضا في حال القيام، فكأنه قال إذا افتتح الإمام بالصلاة قائما فافتتحوا أنتم أيضا قائمين إلا أن يقال الواو بمعنى مع، والغرض بيان إيجاب التكبير عند افتتاح الصلاة، يعني لا يقوم مقامه التسبيح والتهلل فحينئذ دلالته على الترجمة مشكل وقد يقال عادة البخاري أنه إذا كان في الباب حديث دال على الترجمة ذكره ويتبعه أيضا بذكر ما يناسب وإن لم يتعلق بالترجمة» (٣). * * *

стр. 400

المبحث الثالث الإجابة عن المناسبات الخفية (الاستنباطية) وهذا هو القسم الثاني من أقسام المناسبات، ليست كل التراجم واضحة المعنى، فهناك تراجم بحاجة لتوضيح وبيان، وهذه المناسبات استنبطها العلماء لموافقتها لمضمون الباب ولو من ناحية بعيدة. قال ابن حجر: «لكنه جرى أي البخاري على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها، ويريد بذلك شحذ الأذهان والبعث على كثرة الاستحضار» (١). وقال القسطلاني (٢): «وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به، ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه» (٣). ومن الأمثلة على ذلك: «بَاب: الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ» ساق البخاري حديثاً

стр. 401

بعده: «عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» (١). قال الكرماني مبيناً وجه المناسبة: «فإن قلت كيف يدل على ترجمة وهو أنه العشر الأوسط قلت: هذا مطلق والروايات الأخر مقيدة بالأوسط، فيحمل المطلق عليه أو الغالب أنه لا يفهم من إطلاق العشرين إلا عشرين يوما متوالية فيلزم اعتكاف العشر الأوسط ضرورة» (٢). ومنه: بَاب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. أورد البخاري فيه حديثاً: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَاذَنْ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ» (٣). بين الكرماني وجه المطابقة: «فإن قلت: الحديث أثبت التغني بالقرآن فلِم ترجم الباب بقوله من لم يتغن بصورة النفى؟ قلت: إما باعتبار ما رُوي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال من لم يتغن بالقرآن فليس منا، فأراد الإشارة إلى ذلك الحديث، ولما لم يكن بشرطه لم يذكره وإما باعتبار مفهومه» (٤).

стр. 402

ومن ذلك «باب وما لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ». أورد البخاري فيه حديثاً قد تخفى مناسبته للترجمة وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ وَكَانَ نَخْلًا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ» (١). فبين الكرماني وجه المطابقة بين الحديث والترجمة فقال: «وأما وجه مطابقة الحديث للترجمة فمن جهة أن المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم لقول عمر: لا جناح على من وَلِيَه أن يأكل بالمعروف» (٢). ومن ذلك «بَاب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا». ساق البخاري حديث مهاجر أم قيس «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (٣).

стр. 403

في الظاهر قد يُرى أن لا مناسبة واضحة بين الباب والحديث فأجاب الكرماني عن ذلك: «قال صاحب شارح التراجم: وجه مطابقة الحديث لترك الحيل أن مهاجر أم قيس جعل الهجرة حيلة في تزويج أم قيس» (١). قال البخاري: باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ. وساق بعده حديث، قالت السيدة عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِماً يَنْضَخُ طِيباً» (٢). قال الكرماني: «فإن قلت: دلالة هذا الحديث على الترجمة ظاهرة إذ يتعذر في ساعة واحدة المباشرة والغسل إحدى عشرة مرة فما وجه دلالة الحديث السابق عليها. قلت هو مطلق يحمل على هذا المقيد أو دل عليها من حيث العادة إذ الغالب أنه يتعسر في ليلة واحدة مثل ذلك» (٣). وقد يخفى جزء من الترجمة لا كلها، فيبينها الكرماني من ذلك: «بَاب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾». أورد البخاري حديثا بعد الترجمة «عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» (٤).

стр. 404

قال الكرماني: «وأما مناسبته للترجمة فقال شارح التراجم: وأما مطابقة الخبر لها فلأن الحلف باللات لهو شُغل عن الحلف بالحق فيكون باطلا، قال ووجه مطابقة الآية لها أنه جعل اللهو قائدًا إلى الضلالة صادًا عن سبيل الله تعالى فهو باطل» (١). وإلى غير ذلك من الأمثلة في بيان التراجم الخفية. * * *

стр. 405

الفصل الثاني منهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح المبحث الأول غريب الحديث * تمهيد: لم يكن اهتمام شُرّاح الحديث منصباً على علوم السند دون المتن، بل كانوا يتناولون شرح الحديث من كل جوانبه، سنداً، ومتناً، ويستنبطون ما فيه من أحكام فقهية، ويناقشون الآراء ويرجحونها، ويُظهرون غريب الحديث وغامضه … وقد أُلفت المصنفات الكثيرة في بيان غريب الحديث وغامضه، ككتاب: (غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي البستي)، (وغريب الحديث لابن الأثير الجزري) (١) وغيرها من المؤلفات. تعريف علم غريب الحديث (٢): (٢) «هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من

стр. 406

الفهم، لقلة استعمالها» (١). وقال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: «الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل … ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما: أن يراد به بعيدُ المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر. والوجه الآخر: أن يُراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذِّ قبائلِ العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم» (٢). * أهمية معرفة علم غريب الحديث: قال ابن الصلاح: «وهذا فن مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي» (٣).

стр. 407

وقال السخاوي: «وهو من مهمات الفن لتوقف التلفظ ببعض الألفاظ فضلا عن فهمها عليه. وتتأكد العناية به لمن يروي بالمعنى» (١). وقال السخاوي كذلك في موضع آخر وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن حرف من غريب الحديث فقال: «سلوا أصحاب الغريب; فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن، فأخطئ». وقال شعبة في لفظه: (خذوها عن الأصمعي; فإنه أعلم بهذا منا) (٢). وقد تجلى اهتمام الكرماني في شرحه لغريب الحديث، وكان منهجه يتلخص في الأمور الآتية: ١ - شرح الكلمات الغريبة والغامضة. ٢ - الاستدلال بأقوال علماء اللغة والشعر. ٣ - شرح الغريب بالاستعانة بروايات الحديث الأخرى. ٤ - تفسر الحديث بالقرآن الكريم. ٥ - بيان المعنى الحقيقي للألفاظ. ٦ - ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن. أولاً شرح الكلمات الغريبة والغامضة وضبطها: كان من منهج الكرماني أن لا يدع كلمة غريبة إلا وبيّن معناها، وردها إلى أصلها، وبين وزنها، من ذلك في تفسيره لمعنى كلمة: (الوحي) «والوحي أصله

стр. 408

الإعلام في خفاء، وقيل الإعلام بسرعة، وكل ما دلت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي ومن الرؤيا والإلهام، وأوحى ووحي لغتان، والأولى أفصح وبها ورد القرآن … » (١). ومن ذلك ماقاله في حديث: «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا … » (٢). قال الكرماني مبيناً الكلمات الغريبة: «و (الوِكاء) بكسر الواو وبالمد هو الذي يشد به رأس الصرة والكيس ونحوهما (أو قال) شك من زيد. و (الوعاء) هو الظرف. و (العِفاص) بكسر المهملة وبالفاء هو الذي يكون فيه النفقة سواء كان من جلد أو خرقة أو غيرهما» (٣). ومن ذلك حديث النبي ﷺ : «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ … » (٤). قال الكرماني في بيان معنى: (مغبون) مبيناً أصل اشتقاق الكلمة: «هو مشتق إما من الغبن بإسكان الموحدة وهو النقص في البيع، وإما من الغبَن

стр. 409

بفتحها وهو النقص في الرأي، فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غُبن صاحبهما فيهما، أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته» (١). وتارة يذكر اللغات الواردة في الكلمة، ويرجح أكثر اللغات شهرة، مثاله قال في بيان «الفسطاط) بضم الفاء البيت من الشعر وفيه لغات فستاط وفساط بالتشديد وكسر الفاء فيهن» (٢). وتارة يبين وزن الكلمة ويبين معناها، قال في حديث: «قَالَ جُرَيْجٌ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي قَالَ يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ رَاعِي الْغَنَمِ» (٣). قال الكرماني: «بابوس بالموحدتين، والثانية منهما مضمومة، وبضم السين المهملة لأنه منادى معرفة وهو على وزن فاعول، اسم الولد الرضيع، ولو صح الرواية بكسر السين وتنوينها بكون كنية له ومعناه يا أبا الشدة» (٤). وتارة يينقل الكرماني كلام العلماء في ضبط الكلمات ويبين الشائع، ومن دون أن يذكر رأيه، مثال ذلك حديث أنس ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (٥).

стр. 410

قال الكرماني في تفسير وضبط كلمة: (الخُبث) ناقلا عن الخطابي في معالم السنن: «الخبُث بضم الباء جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة، يريد بهما ذكر أن الشياطين وإناثهم وعامة أصحاب الحديث يقولون ساكنة الباء، وهو غلط والصواب ضمها، وأصل الخبث في كلامهم المكروه فان كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار» (١). ثم يبين الكرماني أن هذا الكلام فيه نظر مستدلا بأقوال علماء آخرين قال: «في إيراد الخطابي هذا اللفظ في جملة الألفاظ الملحونة نظر، لأن الخبيث إذا جُمع يجوز أن تسكن الباء للتخفيف، وهذا مستفيض لا يسع أحدا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر (٢)، وقال في شرح السنة (٣) الخبث بالضم جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكر أن الشياطين وإناثهم وبعضهم، يروى بالسكون وقال الخبث الكفر والخبائث الشياطين وقال ابن بطال (٤) الخُبث بالضم يعم الشر والخبائث الشياطين وبالسكون مصدر خبث الشيء يخبث خبثا وقد يجعل اسما» (٥). قلت وقد رد النووي على الخطابي مستدلاً بأقوال علماء اللغة فقال: «وهذا

стр. 411

الذي غلطهم فيه ليس بغلط، ولا يصح إنكاره جواز الإسكان؛ فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما يقال كتب ورسل وعنق وأذن ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف لايمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان، فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم الإمام أبوعبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه» (١). ثانياً الاستدلال بأقوال علماء اللغة والشعر: كان من منهج الكرماني أنه أكثر النقل عن علماء اللغة، والشعر من ذلك: «عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (٢). قال الكرماني ناقلاً عن الجوهري معنى (الغدوة) «الجوهري: الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس» (٣). وينقل عن العلماء معنى (الكلالة) الجوهري: الكَلّ الذي لا ولد لهن ولا والد يقال كلَّ الرجل يَكل كلالةً، الزمخشري: تنطلق الكلالة على ثلاثة على من لم يخلف ولداً، ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والد، من المخلفين وعلى

стр. 412

القرابة من غير جهة الولد والوالد» (١). ومن ذلك حديث: «مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ … » (٢). قال الكرماني: «قوله وهو يعظ أخاه، أي ينصح أخاه والوعظ النصح والتذكير بالعواقب قال ابن فارس (٣) هو التخويف والإنذار وقال الخليل (٤) هو التذكير بالخير فيما يرق القلب (٥)» (٦). ومن ذلك حديث «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ

стр. 413

رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ … » (١). قال الكرماني: «قوله بين ظهرانيهم بفتح الظاء والنون، قال في الفائق: يقال أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم، أي بينهم وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامتهم بينه على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم» (٢). وقد يستدل الكرماني بقول الشعراء للاستلال على معنى الكلمات، مثل (خَرْبَة) «بخَرْبَة بفتح المعجمة وإسكان الراء وبالموحدة على المشهور، ويقال بضم الخاء أيضا، وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل جناية، وقال الخليل هو الفساد في الدين (٣) من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض قال الشاعر: والخارب اللص يحب الخاربا (٤) وقد تجرى الخربة في أكثر الكلام مجرى التهمة، وقيل العيب وقيل بضم الخاء العورة، وبفتحها الفعلة الواحدة من الخرابة وهي اللصوصية» (٥). كما أن الكرماني قام بنقد أصحاب المصنفات في الغريب، ويصحح لهم الكلمة لورودها في لسان العرب، ولسان أفصح الفصحاء ﷺ ، من ذلك

стр. 414

حديث: «عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ: فَلَمَّا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» (١). «والبِضع بكسر الموحدة وجاء فتحها هو ما بين الثلاث والتسع، يقال بِصنع سنين وبضعة عشر رجلا، الجوهري: وإذا جاورت لفظ العشرين ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون (٢) أقول وهذا خطأ منه لأن أفصح الفصحاء ﷺ تكلم به» (٣). ومنه: إطلاق النبي ﷺ لفظ الشجرة على (الثوم) قال الكرماني: «(هذه

стр. 415

الشجرة) فإن قلت الشجر هو ما كان على ساق من النبات، والنجم مالا ساق له (١) كالثوم، فما وجه إطلاق الشجر عليه. قلت: وقد يُطلق كل منهما على الآخر، وتكلم أفصح الفصحاء ﷺ به أقوى الدلائل» (٢). ثالثاً شرح الغريب بالاستعانة بروايات الحديث الأخرى: قد تكون بعض ألفاظ الحديث غامضة غير واضحة، فتأتي مفسرة من رواية أخرى للحديث، فكان الكرماني يستدل بها على معنى الكلمة الغامضة من ذلك: في حديث أن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ «قَالَ «مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ». قَالُوا رَبِيعَةُ … وفيه وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ (٣)» (٤).

стр. 416

قال الكرماني في تفسير كلمة (النَّقِير) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة وجاء تفسيره في صحيح مسلم (١) أنه جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه» (٢). ومن ذلك حديث ابن عباس ﵁: «ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ … » (٣). فالصدقة في الحديث قد يُراد بها الزكاة المفروضة، وقد يُراد بها صدقة التطوع، فقد استدل الكرماني عليها بقوله: «بالصدقة وهي ما يبذل من المال لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع لكن المراد ههنا هو الثاني، فاللام فيه للعهد عنها وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وجاء في الصحيح: تصدقن يا معشر النساء فإني أريتكن أكثر أهل النار (٤) وقيل أمرهن بها لأنه كان وقت حاجة إلي المواساة والصدقة يومئذ كانت أفضل وجوه البر» (٥).

стр. 417

وقد يفسر الكرماني المجمل من الحديث برواية أخرى موضحة ومبينة، من ذلك حديث المَعْرور بن سويد قال: «لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ … » (١). فبين الكرماني أن التعيير المقصود هو ماورد في رواية أخرى عند البخاري في كتاب الأدب: أنه قال كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها (٢). رابعاً تفسر الحديث بالقرآن الكريم: من أجل أنواع التفسير أن يُفسر الحديث بالقرآن الكريم، وكان من منهج الكرماني رحمه الله تعالى يستعين لتفسير الحديث بآيات من القرآن الكريم، ليبين المقصود ويقرب المعنى للأذهان. مثاله: ومن ذلك تقريب المعنى المراد والاستشهاد له بآية، كحديث أسماء ﵂ قالت: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَانُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ. قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأسِهَا، أَي نَعَمْ … » (٣).

стр. 418

قال الكرماني: «أي هي آية أي علامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]» (١). ومنه الاستشهاد بآية في شرح الحديث لتأكيد معناه. كحديث: «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» (٢). استشهد الكرماني أن الحسنة بعشر أمثالها (٣) بآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وواستشهد على قوله: «سبعمائة ضعف، بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]». ومنه بيان االمراد من قوله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ … » (٤). فذكر الكرماني الخلاف بين العلماء في بيان المقصود من: «أهل الكتاب» فقال بعضهم أن اللفظ يجري على عمومه، أو أنهم اهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى، … إلى أن قال: وفي الجملة اللام في الكتاب للعهد، إما عن التوراة والإنجيل، وإما عن الإنجيل قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ

стр. 419

هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ … إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]. ومن ذلك بيان المراد من الحديث، من خلال آية وافقت الحديث في المعنى، ومنه قوله ﷺ : «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ … » (١). فبين الكرماني معنى الانتداب هنا فقال: «ندبه لأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب فههنا كأن الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيله سؤالاً ودعاء له … وبين أقوالاً أخرى في المعنى مستعيناً برواية مسلم التي فيها لفظ: تضمّن الله (٢) وتكفل الله (٣). تكفل الله ومعناه: أوجب تفضلاً أي حقق وحكم أن ينجز له ذلك، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ .. ﴾ [التوبة: ١١١]. خامساً بيان المعنى الحقيقي للألفاظ: قد يرد في الحديث لفظة غامضة، ونرى الكرماني يغوص في بحر المعاني

стр. 420

ليبيّن المقصود منها، وتارة يصل فيها إلى وجوه مُحتملة للمعنى. من ذلك حديث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ في باب: التناوب في طلب العلم، وفيه: «فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِي تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ «لَا». فَقُلْتُ اللهُ أَكْبَرُ» (١). قال الكرماني: «قوله أمر عظيم أراد اعتزال الرسول ﷺ عن الأزواج. فإن قلتَ ما العظمة فيه: قلت كونه مظنة للطلاق، وهو عظيم لاسيما بالنسبة إلي عمر فإن ابنته إحدي زوجاته … قوله (الله أكبر) فإن قلت هذا الكلام في أمثال هذه المقامات يدل علي التعجب، فما ذلك ههنا قلت كأن الأنصاري ظن الإعتزال طلاقاً، أو ناشئاً عن الطلاق فأخبر عمر بالطلاق بحسب ظنه تعجب منه بلفظ الله أكبر» (٢). ومن ذلك حديث «أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ … أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (٣). قال الكرماني: «من قال لا إله إلا الله) احترازاً من المشرك وخالصا من

стр. 421

قلبه احترازًا من المنافق، فإن قلت المشرك والمنافق لا سعادة لهما وأفعل التفضيل يدل علي الشركة، قلت: الأفعل بمعني الفعيل، يعني سعيد الناس … أو هو بمعناه الحقيقي المشهور في التفضيل بحسب المراتب أي هو: أسعد بمن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، والدليل علي إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد كما في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. الكشاف: فإن قلت هلّا اقتصر علي قوله فإنه آثم، وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمها ولا يتكلم بها، ولما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التأكيد أبصَرتُه عَينيّ، وسَمعتْ أُذني، أو تقول عُلم عدم السعادة لهما من الدلائل الخارجية الدالة بالتصريح عليه» (١). سادساً ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن: وقد يكون المعنى الظاهر غير مراد، ويترجح المراد بقرينة تدل عليه، وقد بين الكرماني ذلك عند حديث: «عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ … » (٢).

стр. 422

قال الكرماني مبينا معنى الإيلاء الوارد في الحديث فقال: «لا يريد به المعنى الفقهي بل المعنى اللغوي وهو الحلف، فإن قلت إذا كان للفظ معنى شرعي، ومعنى لغوي، يقدم الشرعي على اللغوي، (١) قلت: إذا لم يكن ثمة قرينة صارفة عن إرادة معناه الشرعي والقرينة كونها شهرا واحدا» (٢). ويبين الكرماني كذلك مايصرف الكلام عن حقيقته كذلك بالدلائل الدالة عليه، مثاله: ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (٣). فهل لفظ الصدقة الوارد في الحديث يأخذ أحكام الصدقات، فيحرم على الأزواج أن يُنفقوا على زوجاتهم الهاشميات (٤) أم لا؟

стр. 423

فبين الكرماني أن لفظ الصدقة مجازيا، وقد صُرف اللفظ عن معناه الحقيقي، بقرينة الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها» (١). ومن القرائن التي يستعين بها الكرماني لمعرفة المراد من اللفظ، هو المقابلة، والمقابلة «هي: أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر، وبين ضديهما» (٢). مثال ذلك ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَامَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَاذَنَ قَالُوا كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» (٣). قال الكرماني: «و (الأيم) من لا زوج لها بكرا أو ثيبا (٤) لكن المراد منها هنا الثيب بقرينة المقابلة للبكر» (٥). * * *

стр. 424

المبحث الثاني العناية بمسائل اللغة العربية اهتم الكرماني رحمه الله تعالى بمسائل اللغة العربية، في شرحه للبخاري، إذ لا يُتصور فهم الحديث، واستنباط الأحكام من دون معرفة علوم العربية، من نحو وصرف، وبلاغة … وقد تبين من خلال التتبع والاستقراء اهتمام الكرماني بعلوم اللغة بما يأتي: أولاً شرح المفردات وضبطها: قال الكرماني في بيان معنى الصَلصَلة «بفتح الصادين صوت كل شيء مُصوّت كصوت السلسلة، وقيل هو الصوت المُتَدَارك ومثل هو حال أي يأتيني مشابهاً صوته صلصلة الجرس» (١). ومن ذلك: بيان معنى الكلمات على حسب ضبط الكلمة، وجواز أكثر من وجه في ضبطها مثل: قول السيدة عائشة رضي الله: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ … فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ … » (٢). قال الكرماني: «قوله: الجَهْد يُروى فيه فتح الجيم وضمها، ونصب الدال ورفعها، ومعناه الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد» (٣).

стр. 425

ونجد الدقة عند الكرماني في بيانه للألفاظ التي قد تتشابه بالمعنى، مثال ذلك: «والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو، أنه زوال عن الحافظة والمدركة، والسهو: زوال عن الحافظة فقط، ثم الفرق بين السهو والخطأ: أنه ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه والخطأ لا يتنبه له» (١). ومن ذلك: قال في بيان معنى: (الْوَرْسُ) «بفتح الواو وسكون الراء وبالمهملة نبت أصفر تصبغ به الثياب» (٢). ثانياً ذكر التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن والإشارة وبيان الصواب: كان الكرماني يشير إلى التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن مع بيان الصواب، وكان يستدل على ذلك من السياق والمعنى، والاستعانة بالروايات الأخرى، مثاله: حديث فرض الاصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، من ذلك حديث: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ … وفيه ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ … » (٣). فوقع الخلاف في لفظ: (حبايل) أنه محرف عن: جُنابذ، واستدل الكرماني على ذلك بقول العلماء فقال: «قوله: «حبايل» جمع الحبالة بالحاء المهملة وبالموحدة أي عقود اللؤلؤ.
следующие страницы →