← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قلبه احترازًا من المنافق، فإن قلت المشرك والمنافق لا سعادة لهما وأفعل التفضيل يدل علي الشركة، قلت: الأفعل بمعني الفعيل، يعني سعيد الناس … أو هو بمعناه الحقيقي المشهور في التفضيل بحسب المراتب أي هو: أسعد بمن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، والدليل علي إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد كما في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. الكشاف: فإن قلت هلّا اقتصر علي قوله فإنه آثم، وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمها ولا يتكلم بها، ولما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التأكيد أبصَرتُه عَينيّ، وسَمعتْ أُذني، أو تقول عُلم عدم السعادة لهما من الدلائل الخارجية الدالة بالتصريح عليه» (١). سادساً ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن: وقد يكون المعنى الظاهر غير مراد، ويترجح المراد بقرينة تدل عليه، وقد بين الكرماني ذلك عند حديث: «عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ … » (٢).

стр. 422

قال الكرماني مبينا معنى الإيلاء الوارد في الحديث فقال: «لا يريد به المعنى الفقهي بل المعنى اللغوي وهو الحلف، فإن قلت إذا كان للفظ معنى شرعي، ومعنى لغوي، يقدم الشرعي على اللغوي، (١) قلت: إذا لم يكن ثمة قرينة صارفة عن إرادة معناه الشرعي والقرينة كونها شهرا واحدا» (٢). ويبين الكرماني كذلك مايصرف الكلام عن حقيقته كذلك بالدلائل الدالة عليه، مثاله: ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (٣). فهل لفظ الصدقة الوارد في الحديث يأخذ أحكام الصدقات، فيحرم على الأزواج أن يُنفقوا على زوجاتهم الهاشميات (٤) أم لا؟

стр. 423

فبين الكرماني أن لفظ الصدقة مجازيا، وقد صُرف اللفظ عن معناه الحقيقي، بقرينة الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها» (١). ومن القرائن التي يستعين بها الكرماني لمعرفة المراد من اللفظ، هو المقابلة، والمقابلة «هي: أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر، وبين ضديهما» (٢). مثال ذلك ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَامَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَاذَنَ قَالُوا كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» (٣). قال الكرماني: «و (الأيم) من لا زوج لها بكرا أو ثيبا (٤) لكن المراد منها هنا الثيب بقرينة المقابلة للبكر» (٥). * * *

стр. 424

المبحث الثاني العناية بمسائل اللغة العربية اهتم الكرماني رحمه الله تعالى بمسائل اللغة العربية، في شرحه للبخاري، إذ لا يُتصور فهم الحديث، واستنباط الأحكام من دون معرفة علوم العربية، من نحو وصرف، وبلاغة … وقد تبين من خلال التتبع والاستقراء اهتمام الكرماني بعلوم اللغة بما يأتي: أولاً شرح المفردات وضبطها: قال الكرماني في بيان معنى الصَلصَلة «بفتح الصادين صوت كل شيء مُصوّت كصوت السلسلة، وقيل هو الصوت المُتَدَارك ومثل هو حال أي يأتيني مشابهاً صوته صلصلة الجرس» (١). ومن ذلك: بيان معنى الكلمات على حسب ضبط الكلمة، وجواز أكثر من وجه في ضبطها مثل: قول السيدة عائشة رضي الله: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ … فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ … » (٢). قال الكرماني: «قوله: الجَهْد يُروى فيه فتح الجيم وضمها، ونصب الدال ورفعها، ومعناه الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد» (٣).

стр. 425

ونجد الدقة عند الكرماني في بيانه للألفاظ التي قد تتشابه بالمعنى، مثال ذلك: «والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو، أنه زوال عن الحافظة والمدركة، والسهو: زوال عن الحافظة فقط، ثم الفرق بين السهو والخطأ: أنه ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه والخطأ لا يتنبه له» (١). ومن ذلك: قال في بيان معنى: (الْوَرْسُ) «بفتح الواو وسكون الراء وبالمهملة نبت أصفر تصبغ به الثياب» (٢). ثانياً ذكر التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن والإشارة وبيان الصواب: كان الكرماني يشير إلى التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن مع بيان الصواب، وكان يستدل على ذلك من السياق والمعنى، والاستعانة بالروايات الأخرى، مثاله: حديث فرض الاصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، من ذلك حديث: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ … وفيه ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ … » (٣). فوقع الخلاف في لفظ: (حبايل) أنه محرف عن: جُنابذ، واستدل الكرماني على ذلك بقول العلماء فقال: «قوله: «حبايل» جمع الحبالة بالحاء المهملة وبالموحدة أي عقود اللؤلؤ.

стр. 426

قال الخطابي وغيره: إنه تصحيف والصواب جُنابذ جمع الجُنبذ بضم الجيم وسكون النون، وبالموحدة المضمومة وبالمنقطة ما ارتفع من الشئ واستدار كالقبة، والعامة تقول بفتح الموحدة والظاهر أنه فارسي معرب) (١). وقد وردت عند البخاري التصريح في رواية أخرى الجنابذ (٢). وقال ابن الأثير: «فإن صحت الرواية فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة، وحبالة جمع حبل، وهو جمع على غير قياس» (٣). اذا فمعنى القباب يتم المعنى به أكثر من الحبائل ولا سيما أن التصريح بالجنابذ ورد في الرواية الأخرى. ومن ذلك حديث: «عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ … وفيه: كُنْتُ أَقُولُ أي المنافق مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ … ». قال الكرماني: قال الخطابي: «هكذا يرويه المحدثون وهو غلط والصواب إتليت على وزن أفعلت من قولك ما ألوته أي: ما استطعته ويقال لا آلو كذا أي: لا أستطيعه كأنه قال لا دريت ولا استطعته» (٤). وأضاف الخطابي وجها آخر فقال: «وفيه وجه آخر: وهو أن يقال: ولا أَتْلَيْت به، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله: أي لا يكون لها أولاد تتلوها، أي

стр. 427

تتبعها» (١). ثالثاً الاهتمام بالمسائل النحوية: لقد أُوتيَ النبي ﷺ جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد، فنجد في كلامه ﷺ ماعرفته العرب في لغتها من المسائل النحوية المختلفة، ولا ينفك علم الحديث عن علم اللغة العربية، قال الحافظ السيوطي: «وعلم الحديث واللغة أخوان يجريان من واد واحد» (٢) وقد أولى الكرماني اهتمامه بمسائل اللغة في أمور كثيرة أذكر بعضاً منها: ١ - بيان الأوجه الإعرابيّة: يذكر الكرماني أوجه الإعراب المختلفة في الكلمة، مثال ذلك أخرج البخاري في باب: إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ، من حديث جابر بن عبدالله ﵄ «قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٣). قال الكرماني: «إلا اثنا عشر وفي بعضها اثني عشر، فإن قلت الاستثناء مفرغ فيجب رفعه لأن إعرابه على حسب العامل، قلت: ليس مفرغا إذ هو مستثنى من ضمير «بفي» العائد إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب، أو يقال

стр. 428

أن اثني عشر أعطى له حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر، إذ الأصل فيه البناء لتضمنه الحرف، أو المستثنى محذوف وتقديره ما بقي أحد إلا عدد كانوا اثني عشر رجلا» (١). ومن ذلك أخرج البخاري تعليقاً: «وَيُذْكَرُ عَنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ … » (٢). قال الكرماني مبيناً أوجه الإعراب في: «بيعَ المسلم نصب على أنه مصدر من غير فعله، لأن البيع والشراء متقاربان، ويجوز الرفع على كونه خبر المبتدأ المحذوف، و «المسلم» الثاني منصوب بوقوع فعل البيع عليه» (٣). ومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ … » (٤). ذكر الكرماني الأقوال في إعراب (نساء المسلمات) فقال: «فيه ثلاثة أوجه: نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة، وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، ولابد عند البصريين من تقدير نحو: يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المسلمات، وقيل تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال هؤلاء رجال القوم أي أفاضلهم، والثاني رفعهما على معنى يا أيها النساء المسلمات، والثالث

стр. 429

رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على المحل نحو يا زيد العاقل بنصب العاقل» (١). ٢ - تقدير المحذوف في الإعراب: مثاله: عند إعرب (إلى ما هاجر إليه) «إمّا أن يكون متعلقا بالهجرة والخبر محذوف، أي هجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة، وإما أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت، وأدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط. فإن قلت المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة في الإخبار؟ قلت: لا اتحاد إذ الخبر محذوف وهو فلا ثواب له» (٢). ومن ذلك حديث: «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ … » (٣). قال الكرماني في إعراب: «فضالة الإبل مبتدأ خبره محذوف أي ما حكمها أكذلك أم لا وهو من إضافة الصفة الموصوف» (٤).

стр. 430

٣ - الاستثناء: «وهو المخرج تحقيقاً، أو تقديراً من مذكور او متروك ب «إلا» أو ما بمعناها بشرط الفائدة. فإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلا فمنقطع، مقدر الوقوع بعد «لكن» عند البصريين، وبعد «سوى» عند الكوفيين» (١). وقد تعرض الكرماني في الكواكب الدراري للاستثناء بنوعيه، من ذلك حديث «إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (٢). قال الكرماني مبيناً آراء العلماء في هذا الاستثناء: «واختلف العلماء في هذا الاستثناء فقال الشافعي ﵀ وغيره ممن يقول لا نلزم النوافل بالشروع أنه استثناء منقطع تنكيرهن لكن التطوع خير لك، وقال من شرع في تطوع يُستحب له إتمامه ولا يجب بل يجوز قطعه (٣)، وقال آخرون (٤) استثناء متصل ويقولون تلزم النوافل بالشروع ويستدلون بهذا الحديث وبقوله: تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع» (٥).

стр. 431

ومن ذلك: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ بَاب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ» (١). قال الكرماني قوله: «إلا الفرائض استثناء منقطع أي لكن الفرائض لم تكن تُصلي على الراحلة، فإن قلت: لم لا يكون متصلا لأن الليل أيضا له فريضتان المغرب والعشاء، ويراد بالجمع إتيان إما حقيقة وإما مجازا قلت: المراد استثناء فريضة الليل فقط، إذ لا تصلى فريضة أصلا على الراحلة ليلية أو نهارية» (٢). ٤ - المتعدي: هو: «المتعدّي هو الذي لا يعقل إلّا بمتعلّق غير الفاعل نحو: ضرب زيد، فإنّ فهمه يتوقف على شيء يتعلّق به ضرب الضّارب» (٣). مثّل الكرماني لذلك في حديث: «أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا … ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ … » (٤). قال الكرماني: «فإن كَذَبَني أي نقل إلى الكذب وقال لي خلاف الواقع،

стр. 432

التيمي: كَذَبَ يتعدّى على مفعولين، يُقال كَذَبَني الحديث وكذا نظيره صَدَقَ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ وهما من غرائب الألفاظ ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين» (١). وقال الكرماني مبيناً رأي العلماء في: (مظلمة) «بكسر اللام. الجوهري يُقال أظلم الليل، وقال الفراء ظلم الليل بالكسر وأظلم بمعنى ويقول ضاءت النار وأضاءت مثله وأضاءته يتعدى ولا يتعدّى. الزمخشري: أضاء إما متعد بمعنى نور، وإما غير متعد بمعنى لمع، وأظلم يُحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر وأن يكون متعدياً» (٢). ٥ - الاهتمام بأدوات الإعراب المختلفة: مثل بَيْنَا، «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا» (٣) قال الكرماني في بيان الأداة: (بَيْنَا)، «أصله بين فأُشبعت الفتحة فصارت ألفاً، وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة الإسمية، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرّدا من كلمة المفاجأة، وإلاّ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى، وقيل اقتضى جواباً لأنه ظرف متضمن المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا، خلافا للأصمعي والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع» (٤).

стр. 433

ومن ذلك رويدك، في حديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ … » (١). قال الكرماني: «رويدك اسم فعل بمعنى أمهل، والكاف حرف للخطاب ليس منصوبا ولا مجرورا» (٢). ومن ذلك بيان اسم الفعل (مَهْ) ومثاله في حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ ، «دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ «مَنْ هَذِهِ». قَالَتْ فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ … » (٣). قال الكرماني: «مه: الجوهري هي كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به الفعل ومعناه اكفف فإن وُصلت نونته، فقلت مهٍ مهٍ يقال مهمهت به أي زجرته، التيمي: إذا دخله التنوين كان نكرة، وإذا حُذف كان معرفة، وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة، فالمعرفة غير منون والنكرة منون» (٤). رابعاً الاهتمام بالصرف: بيّن الكرماني في شرحه بعض المسائل الصرفية، كالجمع، وميزان الفعل، والممنوع من الصرف، والمنسوب، وغيرها.

стр. 434

١ - الاهتمام بالجمع: مثال ذلك، قال في جمع: «قمص جمع القميص نحو رغيف ورغف ويجمع أيضاً على قمصان وأقمصة» (١) وقال في جمع: حكيم (حكماء)، وقال في جمع: فقيه (فقهاء) (٢). وهناك أمثلة كثيرة نبه فيها الكرماني على الجموع (٣). كما أن الكرماني نبه على شواذّ الجمع، وهي الجموع التي «جاءت على خلاف القياس الذي ينبغي أن يجئ عليه الجموع» (٤). قال البخاري: «بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ». قال الكرماني في جمع: (سنين) «قوله سنين جمع للسنة، وفيه شذوذان تغيير مفرده من الفتح إلى الكسر، وكونه غير علم عاقل، وحكمه أيضا مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاث أوجه أن يُعرب كالمسلمين وأن يُجعل نونه متعقب الإعراب منونا وغير منون منصرفا وغير منصرف» (٥). وقال كذلك في جمع: (رهط). «رهطا أي جماعة وأصله الجماعة دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم

стр. 435

امرأة وقيل دون الأربعين، والجمع أرهاط وأرهط» (١). ومن منهج الكرماني أنه كان يبين أقوال العلماء في بعض المسائل التي فيها جواز الانتقال عن أصل القاعدة. مثال ذلك: قد يُستعمل جمع القلة في موضع جمع الكثرة والعكس صحيح، ففي حديث الوضوء «ثلاث مرات» وفي لفظ «ثلاث مرار» فجاء به بصيغة جمع الكثرة ومرة بجمع القلة. قال الكرماني: «فإن قلت حكم العدد من ثلاثة إلى عشرة أن يضاف إلى جمع القلة فلم أضيف إلى جمع الكثرة مع وجود القلة وهو مرات؟ قلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل منهما مكان الآخر (٢) كقوله تعالى ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾» (٣). ٢ - بيان ميزان الفعل: اهتم الكرماني رحمه الله تعالى ببيان الميزان الصرفي للأفعال، مثال ذلك حديث: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ ﴿وِطَاءً﴾ قَالَ مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ

стр. 436

أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا» (١). قال الكرماني: «وِطاء بكسر الواو وبالهمزة بعد الألف على وزن فعال، ظاهر أنه بمعنى المواطأة، وبفتح الواو وسكون الطاء بمعنى الموَاطْأة غير قياسي» (٢). ٣ - بيان الممنوع من الصرف: الممنوع من الصرف: «وهو اسم معرب لا يدخله تنوين التمكين، ويجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، إلا إذا أضيف أو أدخلته أل فإنه يجر بالكسرة» (٣). مثاله: قال الكرماني في اسم: (جبريل) ﵇، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة (٤)» (٥). وإن كان الاسم يحتمل المنع من الصرف وعدمه يذكره الكرماني، وينقل آراء العلماء في ذلك مثال ذلك اسم المكان (مِنى) «الجوهري: مِني مقصور موضع بمكة وهو مذكر يصرف، فإن قلت هو علم للبقعة فيكون غير منصرف، قلت لما استعمل منصرفا فاعلم أنهم جعلوه علما للمكان، النووي: فيه لغتان

стр. 437

الصرف والمنع ولهذا يكتب بالألف والياء الأجود صرفها وكتائبها بالألف سميت بها لما يمني بها من الدماء أي يراق» (١). وذكر الكرماني كذلك ما يجوز فيه المنع من الصرف من عدمه مثل: هند، وعفان، وذوي طُوى، وقباء (٢). خامساً الاهتمام بالبلاغة: كثيرة هي الأمور البلاغية التي اهتم بها الكرماني، قال في مقدمة شرحه: «وتعرّضت لبيان خواصّ التراكيب، بحسب علم المعاني وإظهار أنواع التصرفات البيانية، من المجاز والاستعارة، والكناية والإشارة، إلى ما يُستفاد منها من القواعد الكلامية» (٣). ١ - المجاز: «والمجاز مَأْخُوذ من جَازَ الشَّيْء يجوزه أَي تعداه، وهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير الْمَوْضُوع لَهُ لمناسبة بَينهمَا سَوَاء قَامَت قرينَة دَالَّة على عدم إِرَادَة الْمَوْضُوع لَهُ أَوْ لَا» (٤). وتارة يُبين الكرماني ﵀ أن المقصود من اللفظ المعنى المجازي، وليس

стр. 438

المعنى الحقيقي للفظ، من ذلك: أخرج البخاري في باب: من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة: «أنّ رسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ … «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (١). قال الكرماني في قوله: «فآوى إلى الله) واعلم أن الإيواء وهو الإنزال عندك لا يُتصور في حق الله تعالى، وكذلك الاستحياء لأنه تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يغم به، وكذا الإعراض لأنه التفات إلي جهة أخري فهي مجازاة عن لوازمها كإرادة إيصال الخير اللازمة للإيواء وترك العقاب، للاستحياء والإذلال للأعراض ونحو ذلك والقاعدة الكلية في هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها على ظواهرها أن يُراد بها غاياتها ولوازمها. فإن قلت ما العلاقة بين المعني الحقيقي والمعني المجازي. قلت اللزوم. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت: العقل إذ لا يتصور عقلا صدورها عن الله تعالى … فإن قلت هذا من أي نوع من المجاز. قلت من باب المشاكلة (٢)» (٣).

стр. 439

ومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُاللهِ ﵁ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (١) قال الكرماني: «وإطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز، إذ المراد لازمه وهو إرادة إيصال العذاب» (٢). ٢ - الكناية: الكناية التَّوْرِيَةُ عن الشيء بأن يُعبَّر عنه بغيرِ اسمه، لضرب من الاستحسان، نحوَ قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، كنى به عن قَضاء الحَاجة، إذ كان أكْلُ الطعام سببًا لذلك (٣). مثال على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] قال الكرماني: «فإن قلت: هذا الكلام من أي الأساليب إذ النسيان ممتنع على الله ؟ قلت: هو من أسلوب التجوّز أطلق الملزوم وأراد اللازم، إذ نسيان الشيء مستلزم لتركه. فإن قلت لم ما قلت إنه كناية، قلت: لأن شرط الكناية إمكان إرادة معناه الأصلي، وهنا ممتنع وشرطه أيضا المساواة في الملزوم وههما الترك، ليس مستلزما للنسيان إذ يكون الترك بالعمد هذا عند أهل المعاني، وأما عند الأصولي فالكناية أيضا نوع من المجاز» (٤).

стр. 440

ومن ذلك حديث: «عن أبي هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ» (١). قال الكرماني مبيناً معنى فتح أبواب السماء، وغلق أبواب جهنم: «فتح أبواب السماء كناية من تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول و (غلق أبواب جهنم) كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات» (٢). ٣ - الحصر: وهو القصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمّا عداه (٣). وقد ذكر الكرماني الحصر في شرحه في حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤) قال الكرماني: «هذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين، أي لا عمل إلا بالنية فقيل لأن الأعمال جمع محكي باللام مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر

стр. 441

إذ معناه كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية، وإلا فلا يصدق كل عمل بالنية وأما إنما فلا تفيد إلا التأكيد وعليه بعض الأصوليين» (١). ثم ذكر الكرماني الخلاف فيه هل هو بالمنطوق، أم بالمفهوم؟ «وقيل إنما للحصر فقيل إنما إفادته له بالمنطوق، وقيل بالمفهوم ووجهه بأن إنّ للإثبات وما للنفي فيجب الجمع بينهما، وليس كلاهما متوجهين إلى المذكور، ولا إلى غير المذكور بل الإثبات متوجه إلى المذكور، والنفي إلى غير المذكور إذ لا قائل بالعكس اتفاقا» (٢). ومن ذلك حديث السيدة عائشة ﵂: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ» (٣). قال الكرماني ناقلاً عن العلماء الحصر في قول السيدة عائشة ﵂ «مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ» قال الطيبي (٤): «هذا الحصر غاية من اللطف؛ لأنها أخبرت أنها

стр. 442

إذا كانت في غاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا يغيرها عن كمال المحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها، وإنما عبّرت عن الترك بالهجران لتدل به على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها. وقال الشاعر: إني لأمنحُكَ الصُدودَ وإنني … قَسَماً إليكَ مع الصُّدودِ لأَمّيَلُ (١)» (٢) * * * المبحث الثالث منهج الكرماني في تناول الأحكام الفقهية يظهر اهتمام الكرماني في شرحه بالأحكام الفقهية، وعرض أدلتها ومناقشتها، مستدلاً بأقوال الفقهاء والأصوليين، مما يدل على سعة علمه واطلاعه ليس في علم الحديث فحسب بل في كل علوم الشريعة، ويُعد الإمام الكرماني رحمه الله تعالى من الفقهاء، فقد نقل عن الكرماني من أصحاب المصنفات في الفقه الشافعي الذين جاءوا من بعده نقلوا عنه من شرحه أمثال: نهاية المحتاج إلى شرح

стр. 443

المنهاج (١)، لشمس الدين الرملي (٢)، وفتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (٣)، لسليمان بن عمر الأزهري المعروف بالجمل (٤) وكذلك: تحفة الحبيب على شرح الخطيب، حاشية البجيرمي (٥) على الخطيب (٦) وغيرها من المصنفات.

стр. 444

ويتلخص منهج الكرماني في تناوله للأحكام الفقهية بما يأتي: ١ - عرض الأقوال في المسألة الفقهية وأدلة الفقهاء عليها. ٢ - منهجه في ترجيح الأقوال. ٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية. ٤ - يعرض أقوال الفقهاء من غير الأئمة الأربعة. ٥ - بيان عقيدة الأشاعرة. ٦ - الرد على أهل الفِرق في العقيدة. ٧ - بيان رأي الإمام البخاري الفقهي. ٨ - بيان بعض الفوائد الفقهية. ٩ - بيان بعض اللطائف الواردة في المتن. ١ - عرض الأقوال في المسألة الفقهية: بعد أن يُنهي الإمام الكرماني كلامه فيما يتعلق بالسند، وغريب الحديث يبدأ بعرض أقوال الفقهاء المستنبطة من الحديث فتارة يعرض الأقوال في المسألة وينسبها إلى أصحابها من دون أن يرجح بينها وذلك عند نقله لأقوال العلماء في عدد الرضعات المحرمات «قال مالك (١) وأصحاب أبي حنيفة (٢) ﵃ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، وداود (٣) وأبو ثور أقله ثلاث رضعات،

стр. 445

والشافعي (١) وأحمد (٢) خمس رضعات وقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما أُنزل علي رسول الله ﷺ عشر رضعات يُحرمن فنُسخت بخمس رضعات (٣)». ومرة ينقل الكرماني، قول أحد الفقهاء في حكم مسألة ما من دون أن يزيد عليه من ذلك القول في مسألة فك الضفيرة عند الاغتسال من الجنابة قال الكرماني ناقلا عن ابن بطال المالكي القول في المسألة «قال ابن بطال (٤): اختلفوا في نقض المرأة شعرها للاغتسال، فرويَ عن ابن عمر أنه كان يأمر النساء بالنقض، وقال طاووس تنقض الحائض لا الجنب، وقال الجمهور (٥) ليس عليها النقض مطلقاً، والمرأة إذا أوصلت الماء إلى أصول شعرها وعمته بالغسل أنها قد أدت ما عليها، وحجتهم حديث أم سلمة أنها قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث

стр. 446

حثيات (١)، وحديث عائشة أصح إسناداً غير أن العمل عند الفقهاء على حديث أم سلمة، وجمع حمّاد بين الحديثين فقال: إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول الشعر أجزأ عنها، وإن كانت ترى أنه لم يصب فلتنقضه» (٢). وقد اعتاد الفقهاء أن يقولوا عن حديث ما أنه أصل في مسألة كذا، أو العمدة في المسألة الفلانية، وقد ذكر الكرماني أن حديث أنصبة الزكاة، «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٣). وقال أنه أصل في بيان مقادير الزكاة، وراح يذكر الحكم الفقهي في مقاديرالزكاة، المتفق عليه عند الفقهاء فقال: «وهذا الحديث أصل في بيان مقادير أنصبة الأموال التي تجب فيها الزكاة، فنصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الإبل خمسة ونصاب الحبوب والثمار التي توسق ستون صاعاً» (٤).

стр. 447

٢ - منهجه في ترجيح الأقوال: وتارة يبّين المسألة الفقهية ويقارن بين أقوال الفقهاء مرجحاً من كان دليله أقوى من ذلك كما فعل في أقوال العلماء في مسألة ترتيب أعمال يوم النحر بالنسبة للحاج. قال الكرماني: «واختلف العلماء في ترتيب هذه الأربعة على الترتيب المذكور، في أنه سنة لا شيء في تركه، أو واجب يتعلق الدم بتركه، إلى الأول ذهب الشافعي (١) رحمه الله تعالى، وأحمد (٢) وإلى الثاني ذهب مالك (٣) وأبو حنيفة (٤)؛ وأولو قوله لا حرج على رفع الإثم دون الفدية، والصحيح عدم الوجوب إذ لا حرج معناه لا شيء عليك مطلقاً من الإثم لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية وقد صرح في بعض الروايات بتقديم الحلق على الرمي» (٥). ويؤكد الكرماني أدلة الفقهاء فيما اتفقوا وأجمعوا عليه، مبيناً وجه الاستدلال، من الدليل والقرائن وحسن الاستنباط وذلك في مسألة غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء، في حديث ابن عمر ﵄ وفيه: «فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً» (٦).

стр. 448

فقال ناقلا عن محيي السنة البغوي: «وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وأقول وجه الاستدلال به أن الوعيد بالنار لعدم طهارتها، ولو كان المسح كافيًا لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار، أو لأن من قال بالمسح قال بالوجوب مسح الأعقاب فدل على أن المراد الغسل، وإنما قال يمسح إشارة إلى تقليل استعمال الماء فيه وعدم الإسباغ، أو أراد بالمسح الغسل لما روى عن أبي زيد الأنصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلاً ومنه يقال مسح الله ما بك أي غسل عنك وطهرك» (١). ثم يُكمل الكرماني ترجيح غسل الرجلين، بدليل التأويل، واللغة، وما نقله الصحابة عن النبي ﷺ في ذلك. «فإن قلت ظاهرة القرآن ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالخفض يدل على وجوب المسح عليهما. قلت: قراءة الجر تعارض قراءة النصب فلا بد من تأويل وتأويل الجر بأنه على المجاورة، كقولهم جُحر ضَب خرب أولى من تأويل النصب بأنه محمول على محل الجار والمجرور لأنه الموافق للسنة الثابتة الشائعة فيجب المصير إليه، وأخصر الاستدلالات عليه أن جميع من وصف وضوء رسول الله ﷺ في مواطن متعددة متفقون على غسل الرجلين» (٢). وقد يبيّن الكرماني مراد الفقهاء من مسألة ما بالاستشهاد لها من حديث

стр. 449

آخر كما بين الحكم في مسألة الأكل في آواني الكفار: «فإن قلت قال الفقهاء: يجوز استعمال أوانيهم بعد الغسل بلا كراهة؛ سواء وجد غيرها أم لا، وهذا يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها (١) قلت: المراد النهي في الآنية التي كانوا يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وإنما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنجاسة، ومراد الفقهاء أواني الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات غالباً وذكره أبو داود (٢) في سننه صريحاً» (٣). ومن القرائن التي كان يستشهد بها الكرماني في ترجيح الأقوال، هي تفسير الراوي للحديث، أو بيان لفظة منه، لأنه أدرى بها، قال أبو الحسن الآمدي (٤)، وهو يتكلم عن الترجيحات العائدة إلى أمر خارج: « … الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه يكون مرجحا

стр. 450

على ما ليس كذلك؛ لأن الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه» (١). مثاله، أخرج البخاري: (عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» (٢). قال الكرماني: «واختفوا في المراد منه، فقال الشافعي: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وهو ما فسر به ابن عمر، وقيل هو بيع ولد ولد الناقة وهذا أقرب لفظا، لكن الأول أقوى؛ لأنه تفسير الراوي وهو أعرف به، قال المحققون تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر» (٣). فقول ابن عمر وهو تفسير الراوي (كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) وهو الذي رجحه الشافعي. ومن ذلك ترجيح تفسير الراوي في معنى القزع، «وهو أن يحلق رأس الصبي ويترك في مواضع منه الشعر متفرقا» (٤). ومن القرائن التي كان يعتمدها في ترجيح الأقوال هو: زيادة الثقة، مثاله:

стр. 451

أخرج البخاري: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لأَيُّوبَ، فَقَالَ: إِلاَّ الإِقَامَةَ» (١). قال الكرماني مرجحاً إفراد الإقامة: «فقال إلا الإقامة أي زاد في آخر الحديث هذا الاستثناء. قال المالكية: عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحت زيادة أيوب، وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة جاز أن يكون ذلك في وقت ما، ثم ترك العمل به أهل المدينة على الآخر الذي استقر الأمر عليه. والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجة، مع أنه معارض بعمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها» (٢). الحاصل أن الحديث ذكر أن الإقامة تكون وتراً، إلا لفظ قد قامت الصلاة فإنه يكرره مرتين للزيادة التي ذكرها أيوب: إلا الإقامة. يقول الإمام الخطابي في معالم السنن عن إفراد الإقامة: «وهو مذهب أكثر علماء الأمصار، وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام، واليمن وديار مصر ونواحي المغرب إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام. وهو قول الحسن البصري ومكحول، والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل

стр. 452

وإسحاق بن راهويه وغيرهم» (١). ومن القرائن التي يستدل بها الكرماني في مناقشة الآراء الفقهية وترجيح بعضها على بعض هو مخالفة الراوي لما رواه (٢). فذهب الحنفية إلى أن القول قول الراوي، وذهب غيرهم أن العمل بالخبر، وترك مخالفة الراوي (٣). مثاله: أخرج البخاري: «عن عائشة ﵂ قالت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت ما تأول عثمان» (٤). بين الكرماني أن الحنفية استدلوا من حديث السيدة عائشة ﵂، على وجوب قصر صلاة المسافر (٥)، فرد عليهم وقال: «لا دلالة فيه لأنهم لو كان

стр. 453

الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة ﵂ إتمامها ثم أنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو (أن تقصروا من الصلاة) الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التنقيص ثم إن الحديث مخصص بالمغرب والصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها ثم إن راوية الحديث عائشة وقد خالفت روايتها وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (١). ومن منهج الكرماني كذلك أنه كان يرد على من ضعّف قول الشافعي، من غير الشافعية من ذلك (حكم الصلاة في مرابض الغنم) في حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ» (٢). قال الكرماني ناقلاً عن ابن بطال المالكي: «قال ابن بطال: قال الشافعي لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليماً من أبوالها وأبعارها (٣)، قال وهذا الحديث حجة على الشافعي (٤) لأن قول أنس كان يصلي في المرابض لم يخص مكاناً من مكان، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من الأبوال والأبعار فدلَّ على أن الأبوال والأبعار طاهرة (٥).

стр. 454

أقول أي الكرماني ليس حجة عليه لأن عدم السلامة منهما ظاهر، والأصل الطهارة وقد تقرر في موضعه أن الأصل والظاهر إذا تعارضا تقدم الأصل، ثم إنه لم يدل على عدم الحائل بين المصلي وبين الأرض، فقد يفرش عليها نحو السجادة ثم يصلي عليها، أو أن نجاستها ووجوب احتراز المصلي عن النجاسة معلومة من دليل آخر» (١). وأوحياناً يبيّن أن الحديث حجة على من خالفه الرأي، من ذلك عند الكلام عن الحكم في: (بداية وقت العصر) قال البخاري: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ» (٢) قال الكرماني: «قال النووي (٣): كان رسول الله ﷺ يعجل فى كونها أول وقتها ولعل تأخيرهم لكونهم كانوا أهل أعمال فى زروعهم وحوائطهم فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت.

стр. 455

قال وهذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل الشاء مثليه (١)» (٢). وكان الكرماني رحمه الله تعالى يُبيّن أدلة الشافعية وحجتهم في المسألة، مختصراً القول في المسألة بعد عرض أقوال الأئمة، من ذلك بيان حكم البسملة هي من الفاتحة أم لا؟ في حديث النبي ﷺ : «عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (٣). قال الكرماني: «واستدل به مالك وغيره (٤) ممن يقول أن البسملة ليست من الفاتحة وأوّله الشافعي بأن معناه كانوا يبتدئون الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السور، فالمراد بيان السورة ابتُدئ بها، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون بسم الله إذ هو كما يقال قرأت البقرة وآل عمران، ويُراد السورة التي يُذكر فها البقرة وآل

стр. 456

عمران مع قطع النظر عن حكم البسملة وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها» (١). وكان يعبر عن رأي السادة الشافعية بقوله ومذهبنا (٢)، وبقوله مذهب أصحابنا (٣)، وتارة يقول: قال أصحابنا الشافعية (٤)، أو إذا أراد أن ينقل عن علماء المذهب الشافعي يقول: قال بعض أصحابنا (٥). وكان من منهج الكرماني رحمه الله تعالى يعرض أقوال العلماء في المعنى المقصود من الحديث، ثم يُرجّح أحياناً مايراه أقوى، مثاله: أخرج البخاري: «عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (٦). قال الكرماني: «و (البرد) بفتح الراء هو أيضا هو حب الغمام. فإن قلت

стр. 457

الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر ذلك. فنقل أقوال العلماء في المعنى أن ذلك هو للمبالغة في التطهير وهو قول محيي السنة، أو أنهما مبالغة في التطهير وأن والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما إستعمال فكان ضرب المثل بهما أوكد، وهو قول الخطابي، أو أن أنواع هذه المطهرات من السماء لايمكن الحصول على الطهارة الكاملة إلا بأحدها لأن المغفرة أنواع، فطهرني يارب من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث، وهو قول التوربشتي، أو أن ذكر الثلج والبَردَ بعد الماء، هو طلب شمول الرحمة بعد المغفرة، وهو قول الطيبي. ثم رجح الكرماني فقال أن الأقرب أن الخطايا موجبة لنار جهنم، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالماء، وبالغ في استعمال ما هو أبرد من الماء على الترتيب الثلج ثم البَرَد لجموده (١). ٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية: كما أن الإمام الكرماني رحمه الله تعالى كان يستدل بالقواعد الفقهية في عرضه للآراء الفقهية تعريف القاعدة الفقهية: بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة» (٢).

стр. 458

من ذلك في حديث: «عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ … » (١). فبيّن الكرماني في قاعدة ارتكاب أخف الضررين في قول النبي ﷺ دعوه: «وفيه دفع أعظم الضررين (٢) باحتمال أخفهما، وقال العلماء كان قول النبي ﷺ دعوه لمصلحتين إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتضرر به، وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية أن التّنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة في المسجد» (٣). ومن ذلك قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) (٤) في استثناء

стр. 459

النبي ﷺ ، شجر الإذخر إذ جعله النبي ﷺ حلالاً بقطعه من مكة لعدم استغناء الناس عنه، قال الكرماني: «لما علم أنه محتاج إليه استثنى بحكم الضرورات تبيح المحظورات» (١). ومن ذلك العمل بقاعدة: (إذا ضاق الأمراتسع) (٢) القول في الذبابة التي علق برجليها النجاسة ثم وقعت على ثوب الرجل، قال الكرماني: «وقال سفيان الثوري لم نجد في أمر الماء إلا السعة وقال الربيع بن سليمان: وسئل الشافعي عن الذبابة تقع في النتن ثم تطير وتقع على ثوب الرجل، فقال: يجوز أن يكون في طيرانها ماييبّس ما برجلها فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع» (٣). ومنه العمل بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) (٤)، في حديث: «عَنْ عَبَّادِ

стр. 460

ابْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ» (١). قال الكرماني قوله: «وشيئا أي وسوسة في بطلان الوضوء وحاصله أن يقين الطهارة لا يزول بالشك بل يزول بيقين الحدث» (٢). وهناك قواعد فقهية كان الكرماني يلتزمها في شرحها وإن لم يسميها، ولكنّ السياق يدل عليها، مثل قاعدة، (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (٣) وذلك عند الكلام عن ثبوت شهر رمضان وتعذرت رؤية الهلال فيصار إلى التقدير، قال الكرماني: «واختلفوا في هذا التقرير فقيل: معناه قدّروا عدد الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوما إذ الأصل بقاء الشهر، وهذا هو المرضي عند الجمهور وقيل قدّروا له منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون، فقالوا هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم والوجه
следующие страницы →