عمران مع قطع النظر عن حكم البسملة وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها» (١).
وكان يعبر عن رأي السادة الشافعية بقوله ومذهبنا (٢)، وبقوله مذهب أصحابنا (٣)، وتارة يقول: قال أصحابنا الشافعية (٤)، أو إذا أراد أن ينقل عن علماء المذهب الشافعي يقول: قال بعض أصحابنا (٥).
وكان من منهج الكرماني رحمه الله تعالى يعرض أقوال العلماء في المعنى المقصود من الحديث، ثم يُرجّح أحياناً مايراه أقوى، مثاله:
أخرج البخاري: «عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي
يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (٦).
قال الكرماني: «و (البرد) بفتح الراء هو أيضا هو حب الغمام. فإن قلت
стр. 457
الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر ذلك.
فنقل أقوال العلماء في المعنى أن ذلك هو للمبالغة في التطهير وهو قول محيي السنة، أو أنهما مبالغة في التطهير وأن والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما إستعمال فكان ضرب المثل بهما أوكد، وهو قول الخطابي، أو أن أنواع هذه المطهرات من السماء لايمكن الحصول على الطهارة الكاملة إلا بأحدها لأن المغفرة أنواع، فطهرني يارب من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث، وهو قول التوربشتي، أو أن ذكر الثلج والبَردَ بعد الماء، هو طلب شمول الرحمة بعد المغفرة، وهو قول الطيبي.
ثم رجح الكرماني فقال أن الأقرب أن الخطايا موجبة لنار جهنم، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالماء، وبالغ في استعمال ما هو أبرد من الماء على الترتيب الثلج ثم البَرَد لجموده (١).
٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية:
كما أن الإمام الكرماني رحمه الله تعالى كان يستدل بالقواعد الفقهية في عرضه للآراء الفقهية
تعريف القاعدة الفقهية: بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة» (٢).
стр. 458
من ذلك في حديث: «عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ … » (١).
فبيّن الكرماني في قاعدة ارتكاب أخف الضررين في قول النبي ﷺ دعوه: «وفيه دفع أعظم الضررين (٢) باحتمال أخفهما، وقال العلماء كان قول النبي ﷺ دعوه لمصلحتين إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتضرر به، وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية أن التّنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة في المسجد» (٣).
ومن ذلك قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) (٤) في استثناء
стр. 459
النبي ﷺ ، شجر الإذخر إذ جعله النبي ﷺ حلالاً بقطعه من مكة لعدم استغناء الناس عنه، قال الكرماني: «لما علم أنه محتاج إليه استثنى بحكم الضرورات تبيح المحظورات» (١).
ومن ذلك العمل بقاعدة: (إذا ضاق الأمراتسع) (٢) القول في الذبابة التي علق برجليها النجاسة ثم وقعت على ثوب الرجل، قال الكرماني: «وقال سفيان الثوري لم نجد في أمر الماء إلا السعة وقال الربيع بن سليمان: وسئل الشافعي عن الذبابة تقع في النتن ثم تطير وتقع على ثوب الرجل، فقال: يجوز أن يكون في طيرانها ماييبّس ما برجلها فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع» (٣).
ومنه العمل بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) (٤)، في حديث: «عَنْ عَبَّادِ
стр. 460
ابْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ» (١).
قال الكرماني قوله: «وشيئا أي وسوسة في بطلان الوضوء وحاصله أن يقين الطهارة لا يزول بالشك بل يزول بيقين الحدث» (٢).
وهناك قواعد فقهية كان الكرماني يلتزمها في شرحها وإن لم يسميها، ولكنّ السياق يدل عليها، مثل قاعدة، (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (٣) وذلك عند الكلام عن ثبوت شهر رمضان وتعذرت رؤية الهلال فيصار إلى التقدير، قال الكرماني: «واختلفوا في هذا التقرير فقيل: معناه قدّروا عدد
الشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوما إذ الأصل بقاء الشهر، وهذا هو المرضي
عند الجمهور وقيل قدّروا له منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون، فقالوا هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم والوجه
стр. 461
هو الأول» (١).
٤ - يعرض أقوال الفقهاء من غير الأئمة الأربعة:
يذكر الكرماني أحياناً أقوال الظاهرية، ويرد عليهم من ذلك عند الكلام عن حكم من صلى في ديار ثمود وهو غير باك، قال الكرماني ناقلاً عن ابن بطال:
«هذا هو من جهة التشاؤم بالبقعة التي نزل بها سخط وقد تشاءم ﷺ بالبقعة التي نام عن الصلاة فيها ورحل عنها ثم صلى، فكراهته الصلاة في موضع الخسف أولى لا أن إباحته ﷺ الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء واعتبار، وزعم الظاهرية أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك فعليه سجود السهو، إن كان ساهياً، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته (٢)، قال وهذا خلف من القول إذ ليس في الحديث ما يدل على فساد صلاة من لم يبك وإنما فيه خوف نزول العذاب
стр. 462
به» (١).
ومن ذلك: عند الكلام عن حكم البول في الماء الراكد، ينقل عن العلماء قول الظاهرية في المسألة فيقول: «وقالوا ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر الحديث إلا داود الظاهري؛ فإنه قال النهي مختص بالبول والغائط، ليس كالبول ومختص ببول نفسه وجائز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره! وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء وجرى إليه (٢) وهذا من أقبح ما نقل عنه في الحمل على الظاهر!» (٣).
كما أن الكرماني كان يرد على بعض أهل الفِرَق كالشيعة في مذهبهم الفقهي، فعند الكلام عن نكاح المتعة قال الكرماني: «والعجب من الشيعة أنهم يُجوّزون نكاح المتعة وراوي النهي (٤) عنها علي رضي الله تعالى عنه» (٥).
стр. 463
كما أنه يذكر رأي الخوارج الفقهي، فقال عن طائفة منهم أنهم يوجبون على الحائض قضاء الصلاة وقت الحيض خلاف الإجماع (١)، وعدم جواز المسح على الخفين لأن القرآن لم يقل به، كما هو رأي الشيعة الذين يقولون أن علياً ﵁ امتنع منه (٢).
وقد بيّن الكرماني اتفاق علماء السنة (٣) على سنية واستحباب المسح على الخفين، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام.
ومن منهج الإمام الكرماني رحمه الله تعالى أنه كان يبين رأي هذه الفِرق العَقدي ويرد عليهم من منظور أهل السنة.
٥ - بيان عقيدة الأشاعرة:
كما مرّ في ترجمة الإمام الكرماني أنه على مذهب أهل السنة «الأشاعرة» فقد قال في ترجمة الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري «والشيخ أبو الحسن الأشعري الذي هو إمام أهل السنة من نسله» (٤).
من منهج الكرماني رحمه الله تعالى، أنه كان يقرر مذهب الأشاعرة، في عدة أمور منها:
стр. 464
أولاً عند تعريفه للعقل فقال: «والعقل هو عند أبي الحسن الأشعري العلم ببعض الضروريات الذي هو مناط التكليف» (١).
ثانياً تنزيه المولى عن المكان، والحركة والنزول:
كما أن الكرماني رحمه الله تعالى، ينفي الجهة والمكان لله ، فقد قال في حديث: «عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (٢).
فعند شرحه لعبارة: «إن الله أنكحني في السماء» قال الكرماني معلقاً وموضحاً ما قد يُوهم فهم المقصود: «فإن قلت في السماء قلت: ما المقصود منه إذ الله تعالى منزه عن المكان والجهة قلت: جهة العلو أشرف فيضاف إليه إشارة إلى علو الذات، والصفات وليس ذلك باعتبار أنه محله أو جهته؛ تعالى الله عنه علوا كبيرا» (٣).
وقال في حديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ
стр. 465
يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (١).
قد يوهم هذا الحديث المكان والحركة والنزول لله فقال الكرماني دافعاً هذا الاعتقاد والتصور: «قلت: الحديث من المتشبهات ولابد من التأويل إذ البراهين القاطعة دلت على تنزيهه عنه فالمراد نزول ملك الرحمة ونحوه أو من التفويض» (٢).
ثالثاً دفع ما أوهم التشبيه والجسمية لله -:
كما أنّ الكرماني كان يدفع كل ما أوهم التشبيه والجسمية لله مثاله حديث: «عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ قَالَ ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللهَ
لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» (٣).
قال الكرماني: «ولما كان منزها عن الجسمية والحدقة ونحوها لابد من الصرف إلى ما يليق به» (٤).
فموقفه من المتشابهات وما أوهم التشبيه والتمثيل ماقاله كذلك: «إما أن يفوض، وإما أن يؤول بأن المراد رفعته واعتلاؤه ذاتا وصفة، لاجهة ومكانا،
стр. 466
وكذا وصف الكلام بالصعود إليه لأن الكلام عرض فالمراد الملائكة الصاعدون إليه» (١).
ومن ذلك ما جاء في باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ.
قال الكرماني: ماهو وجه إطلاق الشخص على الله ، فنقل عن الخطابي أن الشخص لا يكون إلا جسماً، ويسمى شخصاً من كان له شخوص وارتفاع، ويجب أن ينزه االله عن هذه اللفظة، وهي من تصحيف الراوي، ولا سيما أنها لم ترد في الروايات الأخرى، لأن بعض الرواة أرسل الكلام على بديهة الطبع، من غير تأمل وتنزيل له على المعنى الأخص به، ثم أن عبيدالله منفرد به لم يُتابع عليه (٢).
إلا أن الكرماني رد على الخطابي فقال: لا حاجة إلى تخطئة الرواة والثقاة، بل حكمه: حكم سائر المتشابهات، فإمّا أن يُفوّض وإمّا أن يُؤوّل بلازمه وهو العالي؛ لأن الشاخص عالٍ مرتفع، أو هو من باب: إطلاق الخاص وإرادة العام، كالشيء الذي هو منصوص به في الروايات، وقيل معناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى» (٣).
قلت: لعل الخطابي أصاب أن الراوي تصرف في اللفظ من غير دراية في مؤداه، ولا سيما أنه لم يُتابع عليه فعبيدالله بن عمر قد تَفرَّد به عن عبدالملك، ولم يتابع عليه.
стр. 467
والكرماني مال إلى التفويض أو التأويل بما يليق بجلال الله وتنزيهه عن النقص والتشبيه.
رابعاً بيان أن المؤثر في الأشياء هو الله -:
كما بيّن الكرماني مسألة التأثير في الأشياء، إذلامؤثر في الوجود إلا الله ، إذ أن ابن عباس ﵄ نسب الإضحاك والإبكاء لله ، «وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى».
والناس في قضية التأثير ينقسمون إلى أربعة فِرق الأولى: تعتقد أن النار أو السكين مثلاً تؤثر بطبعها وذاتها، والثانية: تعتقد أن النار أو السكين مثلاً تؤثر بقوة جعلها الله فيها، والثالثة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله لكنها تعتقد وجود التلازم بين النار والسكين مثلا وبين آثارهما، والرابعة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله وتعتقد إمكان التخلف بين النار أو السكين مثلا وبين آثارهما، فقد توجد النار ولا يوجد الإحراق فالتخلف وارد، وقد يحدث الأكل ولا يوجد الشبع، وهذا هو الاعتقاد الصحيح (١).
خامساً بيان رؤية الله يوم القيامة:
كما بيبين الكرماني معتقد الأشاعرة في رؤية الله يوم القيامة، فقال:
«لا يشترط فيها خروج الشعاع ولا انطباع صورة المرئي في الحدقة، ولا مواجهة ولا مقابلة، ولا رفع الحجب، فيجوز أن يكون الله مرئياً لنا يوم القيامة إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة» (٢).
стр. 468
يقول الإمام الباقلاني: «ويجب أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه ، من حيث العقل، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفاً لهم وتفضلا، لوعد الله تعالى لهم بذلك.
والدليل على جوازها من حيث العقل: سؤال موسى ﵇، حيث قال «رب أرني أنظر إليك»، ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل، ويدل عليه أيضاً: أنه موجود، والموجود يصح أن يرى».
ثم بين الباقلاني حقيقة الرؤية فقال: «فكذلك الناظر إليه في الجنة لا يشك أن الذي يراه بلا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحديد، وهذا كما يقول القائل: أعرف صدقك كما أعرف النهار، ورأيت زيداً كما رأيت الشمس» (١).
«أي لا يُشترط عند أهل السنة اتصال شعاع ولا مقابلة ولا قربة ولاجهته، إنما هذه أمور عادية يجوز تخلقها ووقوع لرؤية بدونها كما وقع علمنا به إذ كل منهما إدراك» (٢).
كما أن الكرماني قرر عدة أمور من عقيدة أهل السنة.
١ - أن الجنة دار المتقين، وأن النار التي هي عقاب دار الآخرة مخلوقة اليوم (٣).
стр. 469
٢ - الإجماع على أن المسلم لا يكفر بالقتل، أو بأي معصية أخرى (١).
٣ - أن الله تعالى قد علم أحوال الخلق قبل خلقهم وعلم آجالهم وأرزاقهم وسبق علمه فيهم بالسعادة والشقاوة (٢).
٤ - العاصي والفاسق لا يُخلّد في النار (٣).
٥ - إثبات الكرامة للأولياء (٤).
٦ - إثبات عذاب القبر (٥).
٧ - لايجب على الله شيء وبناء عليه: «لا يثبت بالفعل ثواب ولا عقاب بل ثوبتهما بالشريعة حتى لو عذب الله جميع المؤمنين كان عدلا، ولو أدخلهم الجنة فهو فضل لا يجب عليه شيء، وكذا لو أدخل الكافرين الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر بأنه لا يفعل بل يغفر للمؤمن ويعذب الكافر» (٦).
٨ - أفعال العباد مخلوقة لله تعالى (٧).
٦ - الرد على أهل الفِرق في العقيدة:
وكان الكرماني في معرض شرحه للأحاديث يرد على الفِرق المبتدعة
стр. 470
كالخوارج، والمعتزلة والشيعة.
فقال معرفاً بالخوارج ناقلاً عن الشهرستاني: «كل من خرج على الإمام الحق فهو خارجي» (١). ثم نقل عن الفقهاء قولهم في الخوارج: «الخوارج غير الباغية، وهم الذين خالفوا الإمام بتأويل باطل ظنا، والخوارج خالفوا لا بتأويل أو بتأويل باطل قطعا، وقيل هم طائفة من المبتدعة لهم مقالات خاصة مثل تكفير العبد بالكبيرة، وجواز كون الإمام من غير قريش سموا به لخروجهم على الناس بمقالاتهم» (٢).
ويبين صفتهم ويذكر انهم المقصودين من حديث، كما أخرج البخاري: « … قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ» فقال: «يريد أنهم يخرجون من طاعة الأئمة وهذا نعت الخوارج الذين لا يدينون للأئمة ويخرجون عليهم» (٣).
ومعتقد أهل السنة والجماعة أن الكبائر يغفرها الله بالتوبة الصادقة،
стр. 471
وشفاعة سيدنا محمد ﷺ ، وأنه لا خلود في النار للموحدين من أمة سيدنا
محمد ﷺ «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : شَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (١).
وحديث الشفاعة المعروف الذي فيه يأتي الناس إلى الأنبياء لطلب الشفاعة … فيعتذرون عن ذلك، حتى يأتون النبي ﷺ ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا … وفيه. فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ: سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ … » (٢).
والكبيرة كما عرفها الكرماني: «كل معصية وقيل كل ذنب ختمه الله بالنار، أو لعنة أو غضب أو عذاب» (٣).
وقيل هي: «الكبيرة: كل معصية تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، أو كل ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، أو ما فيه حد أو
стр. 472
غير ذلك» (١).
ففي هذه الأحاديث رد على الخوارج الذين قالوا بتكفير أهل الكبائر، وأنهم في النار خالدين فيها! والمعتزلة (٢) الذين قالوا: أصحاب الكبائر هم بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر (٣).
وقد بين الكرماني أن غرض البخاري من باب: «المعاصي من أمر الجاهلية. ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلابالشرك» فقال: «وغرض البخاري فيه الرد على الخوارج في قوله: المذنب من المؤمنين لا يخلد في النار كما دل عليه الآية ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ والمراد به من مات على الذنوب، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له. أقول وفي ثبوت غرض البخاري من الرد عليهم دغدغة إذ
стр. 473
لا نزاع في أن الصغيرة لا يكفر صاحبها» (١).
ومع كل هذه الصفات التي فيهم، نبّه الكرماني أنهم غير خارجين عن دائرة الإسلام بالاتفاق، (٢) وبيّن حجة من كفّرهم (٣)، في حديث رسول الله ﷺ «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (٤).
وبين رأي المعتزلة في أن المعصية تُحبط العمل على خلاف عندهم (٥) وأن الأجر الزائد عن العمل هو فضل فقط (٦)، وأهل السنة يقولون أن الكل هو فضل من رب العزة (٧).
كما أن الكرماني رد على المعتزلة في عدة أمور في مخالفتهم لأهل السنة والجماعة (٨).
٧ - بيان رأي الإمام البخاري الفقهي:
كان الإمام البخاري له مذهبه الفقهي له فيه اجتهاده، قال الإمام
стр. 474
الكشميري رحمه الله تعالى: «البخاري عندي سلك مسلك الاجتهاد ولم يقلد أحدا في كتابه، بل حكم بما حكم به فهمه» (١) وقد دلت تراجمه في صحيحه على فقهه وسعة اطلاعه، وله آراء وافق فيها أصحاب المذاهب الأربعة، أو أنه وافق فيها بعض علماء المذهب، وآراء خالفهم فيها.
«أما البخاري فكان في الفقه أكثر عمقا وغوصا، وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غواص في الفقه والاستنباط، بما لا يقل عن الاجتهاد المطلق، لكن على طريقة الفقهاء المحدثين النابهين … وهذا كتابه شاهد صدق على ذلك، حيث يستنبط فيه الحكم من الأدلة، ويتبع الدليل دون التزام مذهب من المذاهب، والأمثلة التي ضمها بحثنا عن فقهه وما أوجزنا من القول في عمق تراجمهم وتنوع طرق استنباطه، يدل على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين، وليس مقلدا لمذهب ما كما يدعي بعض أتباع المذاهب» (٢).
وإن كان بعض العلماء قال أن البخاري شافعي المذهب، أو أن فقهه مُستمد من فقه الإمام الشافعي، قال ابن حجر عن فقه البخاري: «وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة من الشافعي وأبي عبيد (٣) وأمثالهما» (٤).
стр. 475
وكان منهج الكرماني أن يذكر مذهب الإمام البخاري الذي اختاره، فمن ذلك ما قاله في ترجم أحد الأبواب: باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ قال الكرماني: «وظاهر الترجمة يشعر بأن مذهب البخارى أيضا أن وقتها إلى النصف فقط ولهذا لم يذكر حديثا يدل على امتداد وقتها إلى الصبح» (١).
ومن مذهبه أيضاً:
لابأس للجنب أن يقرأ القرآن (٢).
جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن (٣).
جواز تطويل القيام في الاعتدال بذكر الأدعية فيه سواء كان دعاء قنوت أو غيره (٤).
جواز إعطاء الزكاة للفقراء أينما كانوا (٥).
جواز صوم النفل من دون تبييت النية (٦).
لا طلاق قبل النكاح (٧).
стр. 476
أن الحرمة في الرضاع تثبت برضعة واحدة (١).
٨ - بيان بعض الفوائد الفقهية:
اهتم الكرماني بإيراد بعض الفوائد الفقهية، واللطائف، في ثنايا شرحه منها على سبيل المثال:
مراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه (٢).
جواز الحلف من غير استحلاف وأنه لا كراهة فيه لتعظيم أمر أو تحذير منه (٣).
جواز أخذ الأجرة على التعليم (٤).
ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه (٥).
الوضوء من خصائص هذه الأمة (٦).
اليوم عند أهل الشرع من وقت طلوع الفجر لا من وقت طلوع الشمس (٧).
جواز الاجتهاد في المسائل الفروعية والاختلاف فيها (٨).
стр. 477
٩ - بيان بعض اللطائف الواردة في المتن:
كان من عادة الكرماني رحمه الله تعالى يذكر اللطائف والمعاني الدقيقة، والنكت المتنوعة في الشرح مثال على ذلك:
من عظيم اللطائف، التي أوردها الكرماني في شرحه، أنه في الحديث الأول من الجامع الصحيح، وقبل أن يُترجم لرجال البخاري، أراد الكرماني أن يَشْرف كتابه بنسب سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، فذكر النسب الشريف (١) ثم شرع في الشرح.
قلت: وهذا من عظيم الأدب مع رسول الله ﷺ ، وبراعة في الاستهلال، وذوق ومحبة واتباع …
وفي حديث: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».
قال الكرماني ناقلاً عن النووي: «هذا بيان لقاعدة مهمة وهو أن ما أريد به وجه الله ثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ النفس من لذة أو غيرها ولهذا مثّل النبي ﷺ بوضع اللقمة في فم الزوجة، ومعلوم أنه غالباً يكون الحظ النفس والشهوة واستمالة قلبها، فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملاً أخروياً إذا أريد به
وجه الله فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى وهو مباعد للحظوظ
стр. 478
النفسانية» (١).
يقول عند حديث عن عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) (٢).
ينقل عن الخطابي فيقول: «وفي هذا آية من آيات نبويته ﷺ ومعجزة من معجزاته. وقد قيل: إن هذا أبلغ في الإعجاز من تفجير الماء من الحجر لموسى صلوات الله عليه، لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم» (٣).
ومن ذلك حديث: عن عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ … ).
قال الكرماني مشيرا إلى لطيفة في قوله ﷺ : (كلكم) فقال: «فإن قلت إذا لم يكن للرجل أهل ولا سيد ولا أب ولم يكن إماما فعلام رعايته؟ قلت: على أصدقائه وأصحاب معاشرته. فإن قلت إذا كان كل منا راعيا فمن الرعية؟ قلت: أعضاء نفسه وجوارحه وقواه وحواسه، والراعي يكون مرعيا باعتبار آخر ككون الشخص مرعيا للإمام راعيا لأهله أو الخطاب خاص بأصحاب
стр. 479
التصرفات ومن تحت نظره وما عليه إصلاح حاله» (١).
ومن ذلك في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، المُفتَرى عليه، عَنْ جَابِرِ ابْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁، فَعَزَلَهُ … وفيه: قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ، اللهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ … » (٢).
قال الكرماني: «فان قلت كيف جاز لسعد أن يدعو على أخيه المسلم وإن جاز فلم لم يكتف بدعوة واحدة؟ قلت: جاز لأنه كان مظلوما بالافتراء، وأما التثليث فلأنه أيضا ثلّث في نفي الفضائل عنه، سيما الثلاث التي هي أصل الفضائل وأمهات الكمالات يعني الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية حيث قال لا يسير، والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية حيث قال لا يقسم، والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال لا يعدل، وراعي أمرا آخر في الدعاء وهو: أنه قابل كل ما نسب اليه التقصير مما يتعلق بالنفس والمال والدين، ممثله فدعا عليه بما يتعلق بالنفس وهو طول العمر والمال وهو الفقر والدين والوقوع في الفتن» (٣).
كما أن الكرماني كان يشير للأحاديث التي عليها مدار الإسلام (٤).
стр. 480
ومن المعاني الدقيقة التي ذكرها الكرماني في حديث سيدنا عمر ﵁ الذي أورده البخاري في باب: التناوب في العلم.
وذكر فيه: «فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ «لَا». فَقُلْتُ اللهُ أَكْبَرُ» (١).
قال الكرماني: «قوله: أمر عظيم، أراد اعتزال الرسول ﷺ عن الأزواج.
стр. 481
فإن قلت ما العظمة فيه؟ قلت: كونه مظنة للطلاق، وهو عظيم لاسيما بالنسبة إلي عمر، فإن ابنته إحدي زوجاته … وقوله: «الله أكبر» فإن قلت هذا الكلام في أمثال هذه المقامات يدل علي التعجب، فما ذلك ههنا؟ قلت: كأن الأنصاري ظن الاعتزال طلاقاً أو ناشئاً عن الطلاق، فأخبر عمر بالطلاق بحسب ظنه فتعجب منه بلفظ الله أكبر» (١).
* * *
المبحث الرابع
الاهتمام بالقواعد الأصولية (٢)
من المعلوم أنه لا ينفك علم الفقه عن علم الأصول، إذ أن الثاني هو
стр. 482
مفتاح الأول في طريقة الاستنباط والاستدلال من النص القرآني أو الحديث النبوي، وقد أبدى الكرماني في شرحه اهتمامه في المسائل والقضايا الأصولية، فكان يستدل عليها ويناقشها ويعرض أقوال العلماء فيها، فمن أهمها:
١ - بيان الحكم التكليفي:
عرّف الكرماني الحكم التكليفي بقوله ناقلاً عن الأصوليين: «الحكم هو إسناد أمر إلى آخر إثباتًا أو نفيًا (١) وفي اصطلاح الأصوليين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (٢)».
وقال علماء الأصول أنه ينقسم إلى خمسة أقسام، وهي: الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم (٣) ومن العلماء من جعلها سبعة، وزاد الصحيح
стр. 483
والباطل (١).
«وعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرض، والواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام: المحرم، والمكروه تحريما، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها (٢).
إلا أن الحنفية قالوا: إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام (٣).
وقد بيّن الكرماني بعض أنواع الحكم التكليفي في شرحه عند بعض المسائل الفقهية، كمسألة (السواك عند كل صلاة) قال الكرماني: «وقد استدل الأصوليون به على أن المندوب ليس مأمورا به» (٤).
ويبين رأي الحنفية والجمهور كذلك في حكم زكاة الفطر، قال الكرماني: «ومعنى فرض قدر وقال أبو حنيفة واجبة (٥) ليست بفريضة بناء على مذهبه في الفرق بين الفرض والواجب (٦) ..................................
стр. 484
.....
والجمهور (١) على أنها فريضة لأن المفهوم بحسب عرف الشرع من لفظ فرض ذلك ولا يجوز للراوي أن يعبر بالفرض على المندوب مع علمه بالفرق بينهما» (٢).
ومن ذلك يبين حكم الكراهة بين كراهة التحريم والتنزيه على رأي الحنفية، حديث عن السيدة عائشة أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
فيبين الكرماني هل الحرمة هي للتصوير، أم لاتخاذ القبور مساجد؟
стр. 485
«قلت المذمة قد تكون على التصوير لا على الاتخاذ ولئن سلمنا فالمراد من الترجمة اتخاذ قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم من الصالحين، فالحاصل أن تعلقه بالأولى من حيث إنه موافق لمفهوم حديث لعن الله اليهود، وبالثانية من حيث إن بناء المسجد في القبور مشعر بالصلاة فيها، فإن قلت فيلزم حرمة الصلاة فيها؛ لقوله أولئك شرار الخلق والمدعي الكراهة قلت إن أريد بالكراهة كراهة التحريم فلا إشكال فيه، وإن أريد كراهة التنزه فنختص المذمة بالتصوير، فإن قلت التصوير معصية ولا يصير المؤمن بالمعاصي كافراً وشراراً الخلق هم الكفرة، قلت هم أيضاً كفرة لأنهم كانوا يصورونه ويعبدونه كالأصنام» (١).
وقال عند: «(باب ما يكره من النياحة على الميت) أي كراهة التحريم» (٢).
٢ - الإجماع:
والإجماع هو: «الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحَل والعقْد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع» (٣) وقد عرّفه الكرماني كذلك بنحو من هذا التعريف (٤).
وقد نقل الكرماني في بعض المسائل الفقهية المجمع عليها، وكان يذكر من شذّ وخالف الإجماع منها: (أنه لا يجب على الحائض والنفساء قضاء الصلاة):
стр. 486
فقال: «وهذا الحديث (١) أصيل في إجماع المسلمين أن الحائض لا تقضي الصلاة ولا خلاف بين الأئمة (٢) فيه إلا لطائفة من الخوارج … ثم نقل عن النووي الإجماع في ذلك» (٣).
(أن صلاة العيد قبل الخطبة): قال الكرماني: «وأما الصلاة قبل الخطبة فهو إجماع من العلماء قديما وحديثا إلا ما كان من بني أمية» (٤).
ثم إن الكرماني ينقل الخلاف في إجماع أهل المدينة دون غيرهم، وذلك عند ما قاله البخاري: «بَاب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا كَانَ بِهَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ
стр. 487
وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ» (١).
قال الكرماني: «فاتفاق مجتهدي الحرمين دون غيرهم ليس بإجماع عند الجمهور، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: إجماع أهل المدينة حجة (٢) وعبارة البخاري مشعرة بأن اتفاق أهل الحرمين كليهما إجماع» (٣).
قلت: لعل الكرماني يشير إلى أن مذهب البخاري في الإجماع يوافق رأي المالكية، من أن إجماع أهل المدينة حجة.
وأحياناً يشير الكرماني إلى الإجماع السكوتي وهو: وهو أن يقولَ بعض المجتهدين في المسألة قولاً أو يعمل على وفقها، ويسكت الباقون بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار» (٤).
وقد وقع خلاف بين الأصوليين على حجية الإجماع السكوتي، فقال الشافعية والظاهرية بعدم حجيته، وقال الحنفية والمالكية وأحمد: إنه حجة (٥).
ومن الأمثلة التي ساقها الكرماني عن الإجماع السكوتي مسألة:
(زيادة النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء في عهد عثمان ﵁) قال
стр. 488
الكرماني: «فإن قلت كيف شرع، قلت: باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا» (١).
ومن ذلك بيان (حكم سجود التلاوة هل هو واجب أم مندوب؟):
أخرج البخاري حديث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أنه: «قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁» وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ» (٢).
قال الكرماني قوله «(فلا إثم عليه) دليل صريح في عدم الوجوب (٣)، وهذا كله بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وكان إجماعاً سكوتياً على ذلك وكذا لفظ (ولم يفرض) دليل آخر، فإن قلت الحنفي قائل بعدم الفرضية إذ
стр. 489
الفرض عنده غير الواجب. قلت: هذا اصطلاح جديد لم تكن الصحابة يتخاطبون به» (١).
٣ - القياس:
والقياس هو تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعةبينهما (٢).
وقد ذكر الكرماني مسألة القياس في شرحه في عدة مواضع منها:
حديث: «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (٣).
قال الكرماني: «واقضوا الله أي اقضوا حق الله، فالله أحق بوفاء حقه من غيره، وفيه جواز القياس وأن الحج الواجب كالدين الواجب يقضى وإن لم يوص به … وقال أي الكرماني في موضع آخر عند الحديث نفسه، وما فيه يدل على صحة القياس وأنه ليس مذموما … وفي الباب دليل على وقوع القياس منه ﷺ » (٤).
стр. 490
في حديث: «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا» (١).
فبين الكرماني جواز الدخول على المرأة مع من يحشمها كالزوجة والنساء الثقات قياساً على المُحرم لاتحاد العلة بينهما، فقال: «فإن قلت: قد جوّز الفقهاء أيضا الدخول عليها مع من يحتشمها كالزوجة والنسوة الثقات قلت: ثبت بالقياس على المحرم إذ العلة الأمن من الوقوع في الفتنة، وبالنظر إلى العلة عمم الشافعي (٢) الحكم في جواز سفر المرأة في كل صورة تأمن على نفسها على أحد أقواله» (٣).
٤ - النسخ:
تعريفه: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه (٤).
وقديقع النسخ في المصادرالشرعية، كنسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن (٥)، ..........................
стр. 491
ونسخ القرآن بالسنة وفيه اختلاف (١).
وقد استدل الكرماني ﵀ على جواز النسخ في حكم الصلاة خلف الإمام بالنسبة للقيام أو القعود، قال الكرماني ناقلاً عن الخطابي: «وأما قوله ﵇ وإن صلى قاعدا فصار قعودا فهذا أمر قد اختُلفوا فيه فذهب الأكثرون الى أنه منسوخ بإمامة رسول الله ﷺ فى آخر صلاة صلاها في مرضه أمَّ بهم فيها
стр. 492
قاعدا والناس من وراءه قيام، وذهب غير واحد من أصحاب الحديث إلى أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ، منهم أحمد بن حنبل وزعموا أن حديث إمامته ﷺ في مرضه مختلف فيه، هل كان الإمام رسول الله ﷺ أو أبو بكر.
قال: والنسخ أصح والأصول تشهد أن كل من أطلق عبادة بالصفة التي وجبت عليه في الأصل لم يجز له تركها إلا أن يعجز عنها» (١).
٥ - حكم الاجتهاد في زمن النبي ﷺ -:
ومن المسائل الأصولية التي ناقشها الكرماني في شرحه، هل يجوز للصحابة أن يجتهدوا والنبي ﷺ بينهم؟
قال الكرماني: «وفي قصة عمار (٢) جواز الاجتهاد في زمن الرسول ﷺ وقد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال أصحها يجوز الاجتهاد في زمنه بحضرته وغير حضرته والثاني لا يجوز بحال والثالث لا يجوز بحضرته فقط» (٣).
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى مبيناً الخلاف في هذه المسألة: «وأن
стр. 493
شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة؛ فنرسم فيه مسألتين:
مسألة اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول ﵇.
فمنعه قوم وأجازه قوم، وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي ﷺ .
والذين جوّزوا منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله ﷺ . ثم اختلف المجوّزون في وقوعه والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالإذن أو السكوت؛ لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة. وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا» (١).
وقد استدل الكرماني في شرحه على بعض أنواع النسخ بالنسبة للمصادر الشرعية كنسخ السنة بالقرآن (٢) ونسخ السنة بالسنة (٣).
كما أن الكرماني استدل بشرع من قبلنا في شرحه (٤) والعرف (٥).
стр. 494
وقد ذكر الكرماني بعض المسائل الأصولية منها على سبيل المثال:
إذا روى الصحابي حديثاً هل يكون أولى بتأويله من غيره؟
فقالت طائفة أن الصحابي هو أولى بتأويله، لأنه أعرف بمخرجه، وسببه، وقال غيرهم لا يلزم بتأويله إذا لم يصب التأويل) (١).
أن المخاطِب بكسر الطاء داخل تحت عموم متعلق خطابه أمرا أو نهيا أوخبرا (٢)، وهي قضية خلافية، منهم من قال أن الخطاب يشمله، ومنهم من قال لايشمله إلا إذا اقتضت القرينة ذلك، ودل السياق عليه (٣).
جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة، وذلك لأن ثم تدل على التراخي (٤).
المطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حُمل المطلق علي المقيد (٥).
اللفظ إذا كان له مفهومان شرعي ولغوي يقدم الشرعي عليه (٦).
* * *
стр. 495
المبحث الخامس
مختلف الحديث ومشكله
أولاً تعريف مختلف الحديث:
أ - لغة: يقال تخَالف الأمْران وَاخْتلفَا وكل مَا لم يتساوَ فقد اختلف وتخالف وهما خِلْفان أَي مُخْتَلِفَانِ، أي لم يَتَّفقا (١).
ب - اصطلاحاً: وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما (٢).
ثانياً تعريف المُشْكِل:
أ - لغةً: المختلط والملتبس، يُقال: أشكل الأمر التبس، وأشبه وتشابه (٣) وقال الهروي: وقد أشكل الأمر إذا اشتبه عليك لدخوله شكل غيره واشتباهه عليك للمماثلة (٤).
ب - اصطلاحاً: هو حديث مقبول أُخرج في الكتب المعتبرة ولكنه عُورض بقاطع من عقل أو حس أو علم، أو أمر مقرر في الدين ويُمكن تخريجه (٥).