← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ونسخ القرآن بالسنة وفيه اختلاف (١). وقد استدل الكرماني ﵀ على جواز النسخ في حكم الصلاة خلف الإمام بالنسبة للقيام أو القعود، قال الكرماني ناقلاً عن الخطابي: «وأما قوله ﵇ وإن صلى قاعدا فصار قعودا فهذا أمر قد اختُلفوا فيه فذهب الأكثرون الى أنه منسوخ بإمامة رسول الله ﷺ فى آخر صلاة صلاها في مرضه أمَّ بهم فيها

стр. 492

قاعدا والناس من وراءه قيام، وذهب غير واحد من أصحاب الحديث إلى أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ، منهم أحمد بن حنبل وزعموا أن حديث إمامته ﷺ في مرضه مختلف فيه، هل كان الإمام رسول الله ﷺ أو أبو بكر. قال: والنسخ أصح والأصول تشهد أن كل من أطلق عبادة بالصفة التي وجبت عليه في الأصل لم يجز له تركها إلا أن يعجز عنها» (١). ٥ - حكم الاجتهاد في زمن النبي ﷺ -: ومن المسائل الأصولية التي ناقشها الكرماني في شرحه، هل يجوز للصحابة أن يجتهدوا والنبي ﷺ بينهم؟ قال الكرماني: «وفي قصة عمار (٢) جواز الاجتهاد في زمن الرسول ﷺ وقد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال أصحها يجوز الاجتهاد في زمنه بحضرته وغير حضرته والثاني لا يجوز بحال والثالث لا يجوز بحضرته فقط» (٣). يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى مبيناً الخلاف في هذه المسألة: «وأن

стр. 493

شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة؛ فنرسم فيه مسألتين: مسألة اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول ﵇. فمنعه قوم وأجازه قوم، وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي ﷺ . والذين جوّزوا منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله ﷺ . ثم اختلف المجوّزون في وقوعه والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالإذن أو السكوت؛ لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة. وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا» (١). وقد استدل الكرماني في شرحه على بعض أنواع النسخ بالنسبة للمصادر الشرعية كنسخ السنة بالقرآن (٢) ونسخ السنة بالسنة (٣). كما أن الكرماني استدل بشرع من قبلنا في شرحه (٤) والعرف (٥).

стр. 494

وقد ذكر الكرماني بعض المسائل الأصولية منها على سبيل المثال: إذا روى الصحابي حديثاً هل يكون أولى بتأويله من غيره؟ فقالت طائفة أن الصحابي هو أولى بتأويله، لأنه أعرف بمخرجه، وسببه، وقال غيرهم لا يلزم بتأويله إذا لم يصب التأويل) (١). أن المخاطِب بكسر الطاء داخل تحت عموم متعلق خطابه أمرا أو نهيا أوخبرا (٢)، وهي قضية خلافية، منهم من قال أن الخطاب يشمله، ومنهم من قال لايشمله إلا إذا اقتضت القرينة ذلك، ودل السياق عليه (٣). جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة، وذلك لأن ثم تدل على التراخي (٤). المطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حُمل المطلق علي المقيد (٥). اللفظ إذا كان له مفهومان شرعي ولغوي يقدم الشرعي عليه (٦). * * *

стр. 495

المبحث الخامس مختلف الحديث ومشكله أولاً تعريف مختلف الحديث: أ - لغة: يقال تخَالف الأمْران وَاخْتلفَا وكل مَا لم يتساوَ فقد اختلف وتخالف وهما خِلْفان أَي مُخْتَلِفَانِ، أي لم يَتَّفقا (١). ب - اصطلاحاً: وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما (٢). ثانياً تعريف المُشْكِل: أ - لغةً: المختلط والملتبس، يُقال: أشكل الأمر التبس، وأشبه وتشابه (٣) وقال الهروي: وقد أشكل الأمر إذا اشتبه عليك لدخوله شكل غيره واشتباهه عليك للمماثلة (٤). ب - اصطلاحاً: هو حديث مقبول أُخرج في الكتب المعتبرة ولكنه عُورض بقاطع من عقل أو حس أو علم، أو أمر مقرر في الدين ويُمكن تخريجه (٥).

стр. 496

ثانياً الفرق بين مُختلف الحديث ومُشكله: بعض العلماء يرى أن المُشكل والمُختلف بمعنى واحد (١) فقد سوّى بينهما كل من الطحاوي (٢)، وابن فورك (٣) (٤). وبعض العلماء فرق بينهما وجعلوا مشكل الحديث أعم من مختلفه «الحق أن بين المختلف والمشكل فرقا في الاصطلاح. فمختلف الحديث يكون بوجود تعارض: تضاد أو تناقض بين حديثين أو أكثر. وأما مشكل الحديث فهو أعم من ذلك فقد يكون سببه وجود تعارض بين

стр. 497

حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه كون الحديث مشكلا في معناه لمخالفته في الظاهر للقرآن مثلا أو لاستحالة معناه أو لمخالفته لحقيقة من الحقائق المتعلقة بالأمور الكونية التي كشفت عنها العلوم والمعارف الحديثة كعلم الفلك، أو الطب، أو علم سنن الله الكونية، وهو ما يسمى في لسان الناس: علم الطبيعة» (١). ثالثاً أهمية علم مختلف الحديث ومشكله: لقد اهتم العلماء بهذا الفن وذلك لأن بعض الأحاديث تحتاج إلى توضيح وبيان، وأن التعارض لا يمكن أن يكون بين أحاديث رسول الله ﷺ إلا من حيث الظاهر فقط، مادام أن هذه الأحاديث صحيحة. قال الإمام الخطابي: «فكل خبرين عُلم أن النبي ﷺ تكلم بهما؛ فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمراً ونهياً وإباحةً وحظراً، أو يوجب كون أحدهما صدقاً والآخر كذباً إن كانا خبرين، والنبي ﷺ مُنزّهٌ عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكلٌ مثبت للنبوة» (٢). وقال النووي عن أهمية علم مختلف الحديث: «هذا من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف» (٣). وقال ابن حزم: «وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف

стр. 498

النصوص وأغمضه وأصعبه» (١). وقد اهتم العلماء بهذا الفن، وجمعوا بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض قال محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: «لا أعرف أنه رُوي عن النبي ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما» (٢). رابعاً منهج الكرماني في مختلف الحديث: كان الكرماني يتعامل مع الأحاديث المُختلف فيها أن يوفق بينها ما استطاع، باذلاً الجهد في ذلك من خلال: ١ - التوفيق والتلفيق جمعاً بين الأحاديث: قرر علماء الأصول أنه عند التعارض بين الأدلة، يُصار إلى ما أمكن، وقرروا القاعدة في ذلك: (الإعمال أولى من الإهمال) (٣)، وقال الشوكاني (٤):

стр. 499

«ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه، ولم يجز المصير إلى الترجيح» (١)، وقال الإمام القرافي (٢): «وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر» (٣). وذلك على عدة أوجه منها: أ - التوفيق بين المعاني ب - اختلاف الأحوال والمقامات. ت - تعدد الحادثة. ث حفظ الرواة وضبطهم واطلاعهم.

стр. 500

ج - حمل المطلق على المقيد. ح - تخصيص العام. خ نفي اعتبار مفهوم العدد. أ - التوفيق بين المعاني: كان من منهج الكرماني ﵀ الميل إلى التوفيق بين الحديثين والأخذ بكلايهما دون ترك أحدهما، فيجمع بين الأدلة، ويجتهد رأيه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض بوجه يراه مناسباً. مثاله: حديث السيدة خديجة ﵂ « … كَلاَّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ … » (١). قال الكرماني: «وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرأ وليس بمعارض لقوله: (احثوا في وجوه المادحين التراب» (٢) إذ هو فيما مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل» (٣). ومن ذلك حديث أخرجه البخاري في باب: كيف يُقبض العلم، «عَنْ

стр. 501

عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوساً جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّو» (١). قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه التوفيق بين هذا الحديث وهو الذي مر في باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وهو لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتي يأتي أمر الله (٢) وأمثاله: قلت: هذا بعد إتيان أمر الله إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع دون بعض، ففي غير بيت المقدس مثلاً إن فسرناه به فيكون محمولاً علي التخصيص جمعاً بين الأدلة» (٣). ومن ذلك حديث: «عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ» (٤). قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه التوفيق بينه وبين ما ذكر في كتاب الرقائق أن عائشة قالت فكلته (٥)، تعني وهو مشعر بأن الكيل سبب البركة؟

стр. 502

قلت: البركة عند البيع وعدمها عند النفقة وسببها ظاهر» (١). ومن ذلك حديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (٢). بين الكرماني أن البخاري استدل على تسمية الباب (باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) فقال ناقلاً عن شارح التراجم: «ولعل مراده جواز التشبيك مطلقا لأنه إذا جاز فعله في المسجد ففي غيره أولى بالجواز وقد يجاب بأنه كان لحكمة تمثيل تعاضد المؤمنين وتناصرهم بذلك فمثل المعنى بالصورة لزيادة التبيين (٣) ثم بين الكرماني إزاحة الإشكال عما أوهم التعارض فقال: فإن قيل قد جاء في الحديث الآخر (٤) أنه يشعر بجوازه في غير تمثيل. قلنا: لعله كان لإراحة الأصابع كما هو المعتاد، لا على وجه العبث فيفيد أنه هذا كأن التشبيك لغرض صحيح جاز بخلاف العبث» (٥).

стр. 503

ومن ذلك أخرج البخاري: «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ … » (١). في هذه الرواية أن الرجل مر على الأنصار في صلاة العصر، ووقع التعارض مع هذه الرواية ماورد في الصحيح كذلك من حديث عبدالله بن عمر ﵄: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» (٢). فجمع الكرماني بين الأحاديث وبين أن لا منافاة بين الروايتين فقال: «لأن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون فى نفس المدينة فى صلاة العصر، ثم وصل الى أهل قباء فى صبح اليوم الثانى لأنهم كانوا خارجين عن المدينة، لأن قباء من جملة سوادها وفى حكم بساتينها» (٣).

стр. 504

ومال بعض العلماء إلى ترجيح رواية صلاة الصبح «لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس، وأهملت في بعض الروايات حديث البراء، وعينت بالعصر في بعض الطرق. قال: فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين. قلت: الأول هو الصواب، وقد قال النووي: لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح» (١). حتى إن الكرماني يأتي برواية من غير صحيح البخاري ويوفق بينها وبين ما في البخاري مما يُوهم التعارض، مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن الإسلام، وأنه سيلزم الفرائض فقال له ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (٢). قال الكرماني: «وقد جاء في بعض الروايات (أفلح وأبيه إن صدق) (٣) وقد يسئل عن التوفيق بينه وبين حديث (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (٤) والجواب أن وأبيه ليس حلفاً؛ وإنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدين بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد الحقيقة لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله، وقيل أنه كان قبل النهي عن الحلف بالآباء» (٥).

стр. 505

ومن ذلك حديث: «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ (١) قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئاً» (٢). فبين الكرماني (٣) أن المقصود من كلام أم عطية أن الكدرة ووالصفرة لا تعني شيئا في غير أيام الحيض، أما إن كان في أثناء الحيض فهو تابع له (٤)، وهو ما وفّق فيه بين حديث أم عطية وحديث عائشة رضي لله عنها: «حتى ترى القصة البيضاء (٥)» دليل أنهما عند إدبار الحيض من بقايا الحيض، وحديث «ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئا» (٦).

стр. 506

وقد يقوم الكرماني بالتوفيق بين ألفاظ الحديث الواحد، مما يُوهم الإشكال، وذلك عن طريق اللغة والإعراب، مثاله: «عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ … » (١). قال الكرماني: «قوله: (كنت أقعد) فإن قلت: كنت ماض، وأقعد إما للحال، أو الاستقبال فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: أقعدُ حكاية عن الحال الماضية، فهو ماض وذُكر بلفظ الحال استحضاراً لتلك الصورة للحاضرين» (٢). ب - اختلاف الأحوال والمقامات: قد تتعدد الأحوال والمقامات في حديث رسول الله ﷺ ، ويتنوع الخطاب، فيجيب ﷺ عن أسئلة واحدة بأجوبة متعددة، مراعياً أحوال السائلين، فيُعطي كل واحد مسألته وحاجته، وهذا من أساليب دعوته ﵊. مثاله: قال البخاري: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (٣).

стр. 507

قال الكرماني: «فإن قلت جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون (١) فما وجه التوفيق بينهما؟ قلت: كان الجوابان في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل بحق السائل، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام وتكبر فأجابهما على حسب حالهما، أو عَلِم ﷺ أن السائل الأول سأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول سأل عما يدفع المضار والثاني عما يجلب المنافع، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلامة لسلامة اللسان» (٢). ومن ذلك حديث: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ قَالَ «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (٣). قال الكرماني: «فإن قلت: تقدم أن إطعام الطعام (٤) خير أعمال الإسلام، وأن أفضل أعماله أيضا أن يسلم المسلمون منه، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها (٥)، وغير ذلك فما وجه التوفيق بينهما؟ قلت: أجاب رسول الله ﷺ لكل

стр. 508

بما يوافق غرضه أو بما يليق به أو بالوقت وقد يقول القائل خير الأشياء كذا ولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال، ولو أحد دون واحد، ولقد تعاضدت النصوص على فضل الصلاة على الصدقة، ثم إن تجددت حال تقتضى مواساة مضطر تكون الصدقة أفضل وهلم جرا» (١). وقال في موضع آخر عند حديث «أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ … » (٢). فذكر أن هناك أشياء قدمها النبي ﷺ في الأفضلية في غير هذه الرواية، وحذف بعضها فأجاب الكرماني عن ذلك فقال: «قال العلماء: اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما لهم الحاجة إليه دون ما لم تدع حاجتهم إليه، أو ذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك ما علموه» (٣). من ذلك حديث: «عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (٤). قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه خيريته؟ ومن يُعلى كلمة الله ويجاهد بين

стр. 509

يدي رسول الله ﷺ ويأتي بسائر الأعمال الصالحات كان هو أفضل قلت: المقامات مختلفة لابد من اعتبارها كما أنه عُلم أن أهل المجلس اللائق بحالهم التحريض على التعلم والعلم، أو المراد خير المتعلمين من كان تعليمه في القرآن لا غيره، إذ خير الكلام كلام الله تعالى، فكذلك خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، أو المراد خيرية خاصة من الجهة ولا يلزم أفضليتهم مطلقاً» (١). ت - تعدد الحادثة: قد تتعدد الحادثة وتتشابه في زمن رسول الله ﷺ مع الاختلاف في بعض مجرياتها … فيوهم هذا الاختلاف والتعارض أن يكون سببه هو: الاضطراب، أو سوء حفظ الرواة، إلا أنه يكون من قبيل حمل الروايات على تعدد الحادثة والواقعة، وهذا يُزيل عنها إشكال التعارض. مثاله: أخرج البخاري: «عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ» (٢). فقد صح في روايات أخرى أن عدد الصحابة كان يزيد عن ثمانين (٣)، وفي

стр. 510

رواية أنهم زهاء ثلاثمئة (١)، وتارة أنهم سبعون (٢) وتارة خمس عشرة مائة (٣). والجواب على ذلك أن حادثة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ كانت متعددة وليس مرة واحدة (٤). وقد يُشكل هذا أن جميع الروايات التي فيها خلاف في العدد قد رواها سيدنا أنس ﵁، وهذا لا يمنع من تعدد الحادثة، ولا سيما إذا كان سيدنا أنس ﵁ خادماً للنبي ﷺ ملازماً له، قال السيوطي: «قال العلماء هما قضيتان جرتا في وقتين ورواهما جميعا أنس» (٥). كما أن تعدد هذه الحادثة، ورد من غير حديث أنس ﵁، قال النووي: «في هذه الأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وتكثير الطعام، هذه كلها معجزات ظاهرات وُجدت من رسول الله ﷺ في مواطن مختلفة، وعلى أحوال متغايرة، وبلغ مجموعها التواتر، وأما تكثير الماء فقد صح من رواية أنس وابن مسعود وجابر وعمران بن الحصين وكذا تكثير الطعام وُجد منه ﷺ في مواطن

стр. 511

مختلفة وعلى أحوال كثيرة وصفات متنوعة» (١). ج - اختلاف صور فعل النبي ﷺ -: قد يفعل النبي ﷺ الفعل الواحد على صور وطرق مختلفة، فتتعدد الرويات في ذلك، ويرجع ذلك للحال التي يكون عليها ﷺ ، من مرض وصحة، أو لبيان الجواز والتعليم لأمته ﷺ من أن الأمر فيه سعة، فيكون العبد مخيّراً بين صور الاختلاف المنقولة عنه ﷺ … ولا يظنن أحد أن هذا الاختلاف سببه الاضطراب، أو سوء حفظ الرواة واختلاط الأمر عليهم. على سبيل المثال: فقد ورد عن السيدة عائشة ﵂ رويات عدة تنقل فيها صلاة النبي ﷺ في الليل، وهذه الروايات فيها اختلاف في عدد الركعات، أو الكيفية المنقولة عنه ﷺ ، منها: أخرج البخاري في صحيحه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل السيدة عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (٢).

стр. 512

وأخرج البخاري كذلك: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» (١). وورد عن الزهري عن عروة أن السيدة عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَاسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَاتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ» (٢). ووردت صور غير ذلك عن السيدة عائشة ﵂ (٣). وقد أجاب العلماء عن ذلك: «أن صلاة النبي ﷺ كانت مرة من دون صلاة الفجر، ومرة معها، ومرة كان يصلي الوتر بعد النوم … » (٤). قال الإمام النووي: «وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل هو منها وقيل من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بأحد عشرة هو الأغلب، وباقي

стр. 513

رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة كما جاء في حديث حذيفة وبن مسعود أو لنوم أو عذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن، كما قالت فلما أسن صلى سبع ركعات أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواه زيد بن خالد وروتها عائشة بعدها هذا في مسلم وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة أو تعد إحداهما وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة وحذفتها تارة» (١). وقال القاضي عياض: «ولا خلاف أنه ليس فى ذلك حدٌّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الفضائل والرغائب التى كلما زيد فيها زيد فى الأجر والفضل، وإنما الخلاف فى فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه» (٢). د - حفظ الرواة وضبطهم واطلاعهم: من المعلوم أن رواة الحديث ليسو على درجة واحدة في الحفظ والضبط والإتقان، وإنما تتفاوت قدراتهم في التحمّل والأداء، فيقع التباين والاختلاف فيما رووه من الأحاديث. مثاله: حديث عن طلحة بن عبيدالله قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّاسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي

стр. 514

الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (١). بيّن الكرماني أن هذه الرواية لم تأتِ على ذكر الحج وذلك لأنه لم يُفرض، أو أن السائل لايجب عليه الحج، وفي بعض الروايات لايوجد فيها ذكر الصوم، وفي بعضها لايوجد فيها ذكر الزكاة، وفي بعضها ذُكر صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس فتتفاوت هذه الروايات في خصال الإيمان زيادة ونقصاً (٢). فبين الكرماني السبب في ذلك فقال: «وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط؛ فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح؛ لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة، والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قُبلت وحملت ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد وإن كانت مغايرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح (٣)

стр. 515

ولأصحاب الحديث فيه تفاصيل» (١). ومن ذلك حديث ووصية النبي ﷺ لوفد عبد القيس « … فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ» (٢). فالحديث لم يذكر صيام رمضان والمقام مقام بيان وتفصيل في أركان الإسلام المفروضة آنذاك، والصيام منها، قال الكرماني: «فما السبب فى تركه ههنا والحال أنه كان واجبا حينئذ لأن وفادتهم كانت عام الفتح وإيجاب الصيام فى السنة الثانية من الهجرة قلت: قال ابن الصلاح: (٣) وأما عدم ذكر الصوم فيه فهو إغفال من الراوى، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ ؛ بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم فى الضبط والحفظ» (٤). وقد يكون ما أوهم التعارض سببه عدم اطلاع راوٍ على مارواه الآخر، من ذلك حديث السيدة عائشة ﵂: «قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ

стр. 516

الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» (١). فإن قول السيدة عائشة ﵂ هذا يخالف الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ لصلاة الضحى، منها «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ» (٢). فقال الكرماني مبيناً ذلك: «وسبب عدم رؤيتها أنه ﷺ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في النادر؛ لكونه أكثر النهار في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه فإنها كان لها يوم من تسعة أيام وثمانية، أو المراد ما داوم عليها فيكون نفياً للمداومة لا أصلها» (٣). وقد رد الكرماني على من لم يرَ صلاة الضحى محتجاً بحديث السيدة عائشة ﵂: «قال ابن بطال (٤) أخذ قوم بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى، وقالوا إن الصلاة التي صلّاها رسول الله ﷺ يوم الفتح ثمان ركعات إنما كانت لأجل الفتح وهي سنة الفتح. وهذا التأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن النبي ﷺ ، وليس في حديث عائشة نفيها لأنها أخبرت بما علمت، ولم تقل لم يصلها بل قالت

стр. 517

ما رأيت ومعناه ما رأيته معلناً بها، وإن كان مذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها لئلا يروها واجبة» (١). ويدرج تحت ضبط الرواة (زيادة الثقة) التي جعلها الكرماني من مسائل التوفيق في الأحاديث التي أوهمت الاختلاف والإشكال، مثاله: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ» (٢). قال الكرماني: «فإن قلت ما التلفيق بينه وبين رواية عائشة (٣) قلت: زيادة الثقة مقبولة، فيُحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين (٤). فإن قلت الزيادة في رواية عائشة حيث أثبتت غسل الرجلين، قلت: مراد المحدثين بزيادة الثقة الزيادة في اللفظ وقال بعضهم كان رسول الله ﷺ يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين لا لأجل الجنابة، ويحتمل أن يقال أنه

стр. 518

ما كانا في وقتين مختلفين فلا منافاة بينهما» (١). هـ - حمل المطلق على المقيد: معناه: معناه بيان المقيد للمطلق، أو تقييد المطلق بالمقيد (٢). مثاله حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ» (٣). في الحديث ورد صلاة النبي ﷺ في مرابض الغنم مطلقاً، ثم قيّدها ببناء المسجد، أجاب الكرماني عن ذلك: «والغرض أنه قال أولاً مطلقاً وثانياً مقيداً بقيد بناء المسجد، وإذا ورد مطلقاً ومقيداً سواء تقدم المطلق أو تأخر، يُحمل المطلق على المقيد عملاً بالدليلين، والمراد من المسجد مسجد رسول الله ﷺ » (٤). ومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ» (٥) قال الكرماني: «فإن قلت لا يُعلم من الحديث مزج الماء في إحدى الغسلات بالتراب فمن أين حكم به؟ قلت: الأحاديث الأخرى الدالة عليه (٦)، وهذا الحيث وإن كان مطلقا يقيد بذلك؛ لأن

стр. 519

المطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حُمل المطلق عليه عملا بالدليلين» (١). ومن أمثلة حمل المطلق على المقيد التي استدل بها الكرماني ما أخرجه البخاري: «عن أَنَس بْن مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ» (٢). وحديث: «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ» (٣). قال الكرماني: «فإن قلت: كيف التوفيق بينه وبين حديث هشام إذا اغتسل من الجنابة غسل يده. قلت: ذلك مندوب وهذا جائز وقد يقال هذا مطلق وذاك مقيد فيحمل المطلق على المقيد فيحكم بالندب» (٤). أي أن حديث أنس مطلق، وحديث عائشة مقيد، فيحمل حديث أنس على حديث عائشة. و - تخصيص العام: يأتي بمعنى: «إذا عُقّب اللفظ العام باستثناء أو تقييد بصيغة أو حكم

стр. 520

خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه» (١). يبين الكرماني طريقة للتوفيق بين الأحاديث وهي: «أن الخاص إذا عارض العام يُخصصه) مثاله حديث: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ، قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ» (٢). فيبين الكرماني وجه الجمع بين هذا الحديث والحديث الذي قبله: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ» (٣). قال الكرماني: «قلت: هذا خاص بأذان المغرب وإقامته، وذلك عام والخاص إذا عارض العام يُخصصه عند الشافعية (٤)، سواء علم تأخره أم

стр. 521

لا فالمراد بقوله كل أذانين غير أذاني المغرب» (١). ز - نفي اعتبار مفهوم العدد: يقصد بمفهوم العدد: تقييد الخطاب بعدد مخصوص وتعليق الحكم به، فيدل على نفي الحكم عما عدا ذلك العدد زائدا أو ناقصا (٢). وهو حجة عند الإمام مالك والشافعي وأحمد، ومن قال بالممفهوم، ومنعه المعتزلة وآخرون (٣). وقد يدل الدليل والقرينة من سياق الكلام، أو من خارجه عن العدد على أنه مقصود بذاته لا غير كقوله تعالى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أو قد يدل على على عدم نفي الزائد، أو أن مفهمومه غير مقصود إذا جاء للمبالغة مثلاً، يقول علاء الدين الصالحي (٤): «فائدة: محل الخلاف في ذلك في عدد لم

стр. 522

يقصد به التكثير كالألف والسبعين، ونحوهما مما يستعمل في لغة العرب للمبالغة. قال ابن فورك وغيره: فإن قولهم العدد نصوص إنما هو حيث لا قرينة تدل على إرادة المبالغة، نحو: جئتك ألف مرة فلم أجدك. قال: وبذلك يعلم ضعف الاحتجاج بقوله ﷺ لما نزل: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] «لأزيدن على السبعين»، فعمل رسول الله ﷺ بالمفهوم فيه، وذلك من أشهر حجج المعتبرين لمفهوم العدد» (١). وكان الإمام الكرماني رحمه الله تعالى يوفق ويجمع بين الأحاديث عن طريق مفهوم عدم اعتبار العدد. مثاله: حديث النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن فضل صلاة الجماعة: «عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً … » (٢). وقد ورد في رواية أخرى عند البخاري فيها اختلاف في عدد الدرجات، «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٣). فأجاب الكرماني عن ذلك من عدة وجوه فقال: «أحدهما: أنه لا منافاة

стр. 523

بينهما إذ ذكر القليل لا ينفي الكثير لأن مفهوم العدد لا اعتبار له، وثانيها: أن يكون أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بها، وثالثها: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلى بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها، وخشوعها وكثرة جماعتها وشرف البقعة ونحوها» (١). ومثله: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَاسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَانُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (٢). في هذا الحديث يُخبر ﷺ أن ثابت بن قيس من أهل الجنة، وهو لا ينافي حديث العشرة المبشرين بالجنة، أخرج الترمذي في سننه: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، حَدَّثَهُ فِي نَفَرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: عَشَرَةٌ فِي الجَنَّةِ: أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: فَعَدَّ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةَ وَسَكَتَ عَنِ العَاشِرِ، فَقَالَ القَوْمُ: نَنْشُدُكَ اللهَ يَا أَبَا الأَعْوَرِ مَنِ العَاشِرُ؟ قَالَ: نَشَدْتُمُونِي بِاللهِ، أَبُو الأَعْوَرِ فِي الجَنَّةِ.

стр. 524

أَبُو الأَعْوَرِ هُوَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ» (١). قال الكرماني: «فإن قلتَ هذا صريح في أنه من أهل الجنة أي ثابت بن قيس فما معنى قولهم العشرة المبشرة بالجنة؟ قلت: مفهوم العدد لا اعتبار له، لا ينتفي الزائد، والمقصود من العشرة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ بلفظ بشره بالجنة، أو المبشرون بدفعة واحدة في مجلس واحد، ولابد من التأويل بالإجماع، إذ بالإجماع أزواج الرسول وفاطمة والحسنان ونحوهم من أهل الجنة» (٢). ٢ - الترجيح: تعريف الترجيح: «تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن» (٣). مذهب الجمهور يقدم الترجيح على النسخ، خلافا للحنفية الذين قالوا يُقدم النسخ على الترجيح (٤). وقد عد الإمام الكرماني على ترجيح بعض الأحاديث على بعض عند تعذر الجمع بينها، من ذلك ترجيح ما في الصحيح على ما في غيره، وذلك عن طريق استدلاله بأقوال العلماء في الحكم على الحديث الذي أوهم المخالفة.

стр. 525

مثاله قال البخاري: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعاً» (١). فبعد أن ساق الكرماني أقوال العلماء في هذه المسألة بيّن ما يعارضه فقال: «ما روى أنه ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة (٢). قلت: حديث الإباحة أصح. فإن قلت مقتضاه الإباحة إذا استعملا جميعاً والتنازع إنما هو فيما إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر. قلت: النجاسات إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه حكمهما سواء فلما كان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه كان وضوؤه بعده من فضلها كذلك بناء على أن حكم القبلية والمعية واحد. النووي: (٣) أجاب العلماء عن حديث النهي بأجوبة أولها أنه ضعيف ضعّفه البخاري وغيره ثانيها: أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط عنها ثالثها أن النهي للاستحباب لا للإيجاب» (٤).

стр. 526

ومن ذلك حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها بشأن الظفائر: «انْقُضِي رَاسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ … » (١) قال الكرماني ناقلاً عن ابن بطال «ما روي عن ابن عمر أنه كان يأمر النساء بالنقض وقال طاووس تنقض الحائض لا الجنب أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها عند الاغتسال من الجنابة، إذا أوصلت الماء إلى أصول الشع، … وحجتهم حديث أم سلمة أنها قالت: «يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات» (٢)، وحديث عائشة أصح إسناداً غير أن العمل عند الفقهاء على حديث أم سلمة، وجمع حماد بين الحديثين فقال إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول الشعر أجزأ عنها وإن كانت ترى أنه لم يصب فلتنقضه» (٣). ومنه حديث: «عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٤). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: قال أبو حنيفة يصح نكاح المحرم استدلالاً بحديث ميمونة وهو رواية ابن عياش وأجيب عنه بأن ميمونة نفسها روت أنه تزوجها حلالا قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما (٥)

стр. 527

وهي أعرف بالقضية من ابن عباس؛ لتعلقها بها وبأن المراد من المُحرم أنه في الحرم، ويقال لمن قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً أي: في حرم المدينة، وبأن فعله معارض بقوله: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» (١) وإذا تعارضا يُرجح القول بأن ذلك من خصائصه ﵊» (٢). وتارة يعمد الكرماني إلى ترجيح رواية على رواية، إذا ظهرت له قرينة كالإثبات ففيه زيادة علم، مثال قال البخاري: «عن مجاهد أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالاً قَائِماً بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلَالاً فَقُلْتُ أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ

стр. 528

قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» (١). ويعارضه حديث ابن عباس «قَالَ لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (٢). فبين الكرماني أن حديث ابن عباس مرسل، لأنه لم يثبت أنه دخل الكعبة مع النبي ﷺ فيقدّم عليه حديث بلال ﵁ … وقال في موضع آخر ناقلاً عن النووي: «قال وأجمع أهل الحديث باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه» (٣). وقاعدة تقديم المثبت على النافي هي قاعدة معروفة عند الأصولييين، حتى إنهم مثّلوا بحديث صلاة النبي ﷺ في الكعبة، من عدمها، استدلالا بكلا الحديثين «ويقدم الخبر المثبت «على النافي»، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال ﵁ صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها، لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها» (٤).

стр. 529

إلا أن الكرماني مع ترجيحه هذا لم يخلو كلامه من التوفيق بين المعاني بسبب ورود حديث آخر في صحيح مسلم وهو: «عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ» (١). فعلل تعليلا حسناً ناقلا عن النووي: «وأما نفي من نفى كأسامة فسببه: أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو؛ فاشتغل هو أيضا بالدعاء فى ناحية من نواحى البيت، والرسول ﷺ فى ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي ﷺ ، فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبُعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه» (٢). إلا أن هناك في مسلم كذلك مايُفيد أن أسامة ﵁ يُثبت صلاة النبي ﷺ في جوف الكعبة: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: «جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى» (٣).

стр. 530

فقال الكرماني ما يوفق بين الأحاديث فقال: «وقال بعض العلماء يحُتمل أنه ﷺ دخل البيت مرتين، مرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل، فلم تتضاد الأخبار والله أعلم» (١). ٣ - الحكم بالنسخ: إذا تعذّر الجمع بين الروايات أو ترجيح رواية على أخرى بإحدى القرائن، يُصار إلى النسخ. و تعريف النسخ: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (٢). وعلم الناسخ والمنسوخ علم مهم لا يعرفه كل أحد، وقد أعجز العلماء. قال الزهري: «أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه» (٣). ويُروى أن سيدناعلي ﵁ مرّ على قاضٍ فقال له: «فقال له: هل تعلم الناسخ من المنسوخ، قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت» (٤). وقال ابن الصلاح: «إذا تضادّ حديثان فإما أن يظهر كون أحدهما ناسخا
следующие страницы →