← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومن ذلك حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها بشأن الظفائر: «انْقُضِي رَاسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ … » (١) قال الكرماني ناقلاً عن ابن بطال «ما روي عن ابن عمر أنه كان يأمر النساء بالنقض وقال طاووس تنقض الحائض لا الجنب أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها عند الاغتسال من الجنابة، إذا أوصلت الماء إلى أصول الشع، … وحجتهم حديث أم سلمة أنها قالت: «يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات» (٢)، وحديث عائشة أصح إسناداً غير أن العمل عند الفقهاء على حديث أم سلمة، وجمع حماد بين الحديثين فقال إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول الشعر أجزأ عنها وإن كانت ترى أنه لم يصب فلتنقضه» (٣). ومنه حديث: «عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٤). قال الكرماني ناقلاً عن النووي: قال أبو حنيفة يصح نكاح المحرم استدلالاً بحديث ميمونة وهو رواية ابن عياش وأجيب عنه بأن ميمونة نفسها روت أنه تزوجها حلالا قال الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما (٥)

стр. 527

وهي أعرف بالقضية من ابن عباس؛ لتعلقها بها وبأن المراد من المُحرم أنه في الحرم، ويقال لمن قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً أي: في حرم المدينة، وبأن فعله معارض بقوله: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» (١) وإذا تعارضا يُرجح القول بأن ذلك من خصائصه ﵊» (٢). وتارة يعمد الكرماني إلى ترجيح رواية على رواية، إذا ظهرت له قرينة كالإثبات ففيه زيادة علم، مثال قال البخاري: «عن مجاهد أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالاً قَائِماً بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلَالاً فَقُلْتُ أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ

стр. 528

قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» (١). ويعارضه حديث ابن عباس «قَالَ لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (٢). فبين الكرماني أن حديث ابن عباس مرسل، لأنه لم يثبت أنه دخل الكعبة مع النبي ﷺ فيقدّم عليه حديث بلال ﵁ … وقال في موضع آخر ناقلاً عن النووي: «قال وأجمع أهل الحديث باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه» (٣). وقاعدة تقديم المثبت على النافي هي قاعدة معروفة عند الأصولييين، حتى إنهم مثّلوا بحديث صلاة النبي ﷺ في الكعبة، من عدمها، استدلالا بكلا الحديثين «ويقدم الخبر المثبت «على النافي»، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال ﵁ صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها، لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها» (٤).

стр. 529

إلا أن الكرماني مع ترجيحه هذا لم يخلو كلامه من التوفيق بين المعاني بسبب ورود حديث آخر في صحيح مسلم وهو: «عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ» (١). فعلل تعليلا حسناً ناقلا عن النووي: «وأما نفي من نفى كأسامة فسببه: أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو؛ فاشتغل هو أيضا بالدعاء فى ناحية من نواحى البيت، والرسول ﷺ فى ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي ﷺ ، فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبُعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه» (٢). إلا أن هناك في مسلم كذلك مايُفيد أن أسامة ﵁ يُثبت صلاة النبي ﷺ في جوف الكعبة: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: «جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى» (٣).

стр. 530

فقال الكرماني ما يوفق بين الأحاديث فقال: «وقال بعض العلماء يحُتمل أنه ﷺ دخل البيت مرتين، مرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل، فلم تتضاد الأخبار والله أعلم» (١). ٣ - الحكم بالنسخ: إذا تعذّر الجمع بين الروايات أو ترجيح رواية على أخرى بإحدى القرائن، يُصار إلى النسخ. و تعريف النسخ: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (٢). وعلم الناسخ والمنسوخ علم مهم لا يعرفه كل أحد، وقد أعجز العلماء. قال الزهري: «أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه» (٣). ويُروى أن سيدناعلي ﵁ مرّ على قاضٍ فقال له: «فقال له: هل تعلم الناسخ من المنسوخ، قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت» (٤). وقال ابن الصلاح: «إذا تضادّ حديثان فإما أن يظهر كون أحدهما ناسخا

стр. 531

والآخر منسوخا، فيعمل بالناسخ ويُترك المنسوخ» (١). وقد كان صحابة النبي ﷺ يعملون بالأحدث والمتأخر من حديث رسول الله ﷺ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ» قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ … قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ» (٢). وكان الكرماني (٣) يبين ناسخ الحديث من منسوخه، من ذلك، وجوب الغُسل عند الجماع وإن لم يُنزل، فبيّن قول بعض الصحابة أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، ورجوع بعضهم، وبين الكرماني أن حكم الجماع من دون إنزال يُوجب الغسل، لأنه منسوخ بحديث «إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وَجَبَ الغُسْلُ» (٤). ومنسوخ بحديث: عن عائشة ﵂ عندما سئلت عن موجبات الغسل فقالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (٥).

стр. 532

ومن ذلك: الصيام في السفر في بداية الأمر إلا أنه نُسخ لعدم الصيام «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَاسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. قَالَ الزُّهْرِيُّ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الآخِرُ فَالآخِرُ» (١). قال الكرماني: «يؤخذ أي يجعل الأخر اللاحق ناسخا للأول السابق والصوم في السفر كان أولا والإفطار أخرا» (٢). وقال في موضع آخر: «فقال البخاري إنما يؤخذ بالآخر من فعل رسول الله ﷺ لأنه ناسخ للأول وقد أفطر عند الكديد» (٣). ومن ذلك نسخ النهي عن تخزين لحم الأضحية فوق ثلاث، مبيناً الخلاف في ذلك قال البخاري: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ، فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ «لَا تَاكُلُوا إِلاَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَاللهُ أَعْلَمُ» (٤). قال الكرماني: «قوله: عزيمة أي ليس النهي للتحريم ولا ترك الأكل بعد

стр. 533

الثلاثة واجباً؛ بل كان غرضه أن يصرف شيء منه إلى الناس واختلفوا في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث وأن حكمه باق. وقال الجمهور يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث والنهي منسوخ، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم ليس هذا نسخاً بل كان التحريم لعلة فلما زالت زال الحكم وقيل كان النهي للكراهة لا للتحريم والكراهة باقية إلى اليوم» (١). قلت: منسوخ بحديث أخرجه مسلم، وبوّب مسلم أنه منسوخ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» (٢). ومن خلال الاستقراء والتتبع تبين أن الكرماني لاينبه على بعض الأحاديث المنسوخة، وتراه ينشغل عنها بذكر أقوال الفقهاء، وتارة يميل إلى الاختصار. خامساً منهج الكرماني في مشكل الحديث: كان من منهج الكرماني ﵀ أن يُجيب عن الأحاديث التي ظاهرها الإشكال، ويستعين بآراء العلماء في ذلك. مثال ذلك: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ

стр. 534

وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ … » (١). قال الكرماني عن النووي: «فإن قلت: إن هذا مشكل من حيث أن هذا الشرط يفسد العقد ومن حيث أنها خدعت البائعين حيث شرطت لهم ما لا يحصل، وكيف أذن رسول الله ﷺ لعائشة في ذلك؟ قلت أُوّلَ بأن معناه واشترطي عليهم كقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أو أظهري لهم حكم الولاء أو بأن المراد التوبيخ لهم لأنه ﷺ كان قد بيّن لهم أن هذا الشرط لا يصح، فلما ألحوا في اشتراطه قال ذلك أي لا تبالي به سواء شرطته أم لا، والأصح أنه من خصائص عائشة لا عموم له، والحكم في إذنه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن فعله» (٢). وأحياناً يستعين الكرماني برأي العلماء كلٌ في تخصصه كالأطباء مثلاً إن كان الموضوع له علاقة بالطب. مثال على ذلك: حديث: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْطَةِ

стр. 535

مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (١). فبيّن الكرماني اعتراض البعض من أنه إذا كان الشفاء في الكي فلا معنى للنهي لأنه صار تناقضاً، فأجاب عن ذلك: «قلت: النهي من أجل أنهم كانوا يرون أنه يحسم الداء ويبرئه. فنهى أمته عنه على ذلك الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء من الله تعالى والترجي للبرء بما يحدث الله تعالى من صنيعه أو النهي إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض، وقبل الاضطرار إليه أو إذا كان ألمه زائداً على ألم المرض مع أنه نهى تنزيه لا ينافي الجواز» (٢). ومن ذلك حديث: «أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ «اسْقِهِ عَسَلاً». ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ «اسْقِهِ عَسَلاً». ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ فَعَلْتُ. فَقَالَ «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلاً». فَسَقَاهُ فَبَرَأَ» (٣). يرد الكرماني في هذا الحديث على بعض الملاحدة الذين قالوا أن العسل من مُسهلات البطن، والرجل يشكو من الإسهال، فأجاب: «النووي (٤): اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مُسهّل فكيف يسقي لصاحب الإسهال،

стр. 536

وهذا جهل من المعترض وهو كما قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فإن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، ومنها: الإسهال الحادث من الهيضة، وقد أجمع الأطباء بأن علاجه: بأن تترك الطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت. فيحتمل أن يكون إسهاله من الهيضة فأمره بشرب العسل معاونة إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال، فالمعترض جاهل ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء، بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم، وقد يكون ذلك من باب التبرك، ومن دعائه وحسن أثره، ولا يكون ذلك حكماً عاماً لكل الناس، وقد يكون ذلك خارقاً للعادة من جملة المعجزات» (١). ومنه حديث: «عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، يُسْتَعَطُ (٢) بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ (٣)، وَيُلَدُّ (٤) بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ». بيّن الكرماني معنى: (ذات الجَنب) هو ورم في الغشاء المستبطن للأضلاع، وذكرالكرماني اعتراض بعض الأطباء على المداوة بالعود الهندي فقال: «اعترض عليه بأن الأطباء قالوا: مداواة ذات الجنب به مما فيه من الحرارة الشديدة خطر،

стр. 537

قال ابن سيناء (١): (هو حار في الدرجة الثالثة يابس في الثانية) (٢) فأجيب بأنهم أيضاً قالوا: أنه يستعمل حيث يحتاج إلى جذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره مع أن الشيء الذي هو خارج عن القواعد الطبية داخل في المعجزات» (٣). ومن ذلك حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ أَبَا هِرٍّ الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَاذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا» (٤). بيّن الكرماني أن في هذا الحديث أنه لابد للمدعو من الاستئذان، والحديث الذي قبله على عكسه وهو: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ فَقَالَ

стр. 538

وَاللهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ » (١). فيجيب الكرماني عن هذا الإشكال بقوله: «قال الملهب إذا دعي فأتى مجيبا للدعوة ولم يتراخ المدة أو كان في الموضع المدعو إليه مدعو آخر مأذونًا له فهذا دعاؤه إذنه وإن تراخت ولم يسبقه أحد في الدخول فلا وهذا وجه الجمع بينهما» (٢). * * *

стр. 539

الباب الرابع منهج الكرماني وطريقته في علوم مصطلح الحديث وعلله * الفصل الأول: جهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث. * الفصل الثاني: جهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل.

стр. 540

الباب الرابع منهج الكرماني وطريقته في علوم مصطلح الحديث وعلله الفصل الأول جهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث من منهج الكرماني أنه كان في ثنايا شرحه يذكر الأمور الاصطلاحية، ويعرفها ويناقشها، ويذكر آراء العلماء فيها، وأحياناً يذكر رأيه الشخصي الذي انفرد به عن إجماع العلماء سواء أكان تعريفا اصطلاحياً، أوقول في مسألة ما (١). وفي هذا الفصل أذكر هذه المسائل مع مناقشتها. المبحث الأول معنى الحديث والخبر والأثر والحديث القدسي عند الكرماني ١ - عرف الكرماني الحديث: بأنه ما أُضيف إلى النبي ﷺ دون الصحابة والتابعين» وبين أن موضوعه هو ذات رسول الله ﷺ وحده (٢)، وغايته الفوز

стр. 541

بسعادة الدارين (١). إلا أن التعريف المعتمد عند علماء الاصطلاح هو: «ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي» (٢). وأضاف الحافظ السخاوي غير القول والفعل والتقرير: «حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام» (٣). لأنه على تعريف الكرماني ومن وافقه، لا يدخل الحديث الموقوف والمقطوع تحت مسمى الحديث. ٢ - تعريف الخبر: وقد عرف الكرماني الخبر بقوله: هو «الحديث المروي عن رسول الله ﷺ » (٤). قال ابن حجر: الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث. وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي ﷺ ، والخبر: ما جاء عن غيره (٥).

стр. 542

فلذلك لافرق عند جمهور العلماء بين الخبر والحديث (١). وكان من منهج الكرماني، أنه يشير إلى هذا في شرحه يقول وفي الخبر، ومرة يقول لوصح الخبر ويقصد بالخبر الحديث (٢). ٣ - تعريف الأثر: «والأثر مرادف للخبر وَالسُنَّةِ وَالحَدِيثِ، يُقَالُ: أَثَرْتُ الحَدِيثَ: بِمَعْنَى رَوَيْتُهُ، وَيُسَمَّى المُحدِّثُ أَثَرِيًّا» (٣). وقال العلماء أن الأثر «يُطلق على المرفوع والموقوف وفقهاء خراسان يسمون الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر» (٤). وقال د. نور الدين عتر: الحاصل: «أن هذه العبارات الثلاثة: الحديث، الخبر، الأثر، تطلق عند المحدثين بمعنى واحد هو: ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية أو خلقية أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي» (٥). ومن خلال التتبع تبين أن الكرماني يستعمل الأثر بما ورد عن الصحابة ﵃، وذلك عند قوله: «أن البخاري كثيراً ما يستدل بترجمة الباب بالقرآن وبما وقع له

стр. 543

من سُنة مسندة وغيرها أو أثرٌ عن الصحابة أو قول للعلماء» (١). وقال عن قول عمر بن الخطاب ﵁: «وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ الْقَبْرَ الْقَبْرَ، وَلَمْ يَأمُرْهُ بِالإِعَادَةِ» (٢). فقد سمّى الكرماني قول عمر بن الخطاب ﵁ -أثراً (٣). ٤ - الحديث القدسي: «هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه . مثل: قال رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه : مثل: «قال رسول الله ﷺ فيما يروى عن ربه»، أو «قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ ». ويقال له أيضا: الحديث الإلهي، أوالرباني» (٤). إلا أن بعض العلماء رجح القول: بأن الحديث القدسي: هو كل قول صريح يرويه النبي ﷺ عن الله (٥). ومن العلماء من قال في تعريف الحديث القدسي، أن ما كان معناه من الله ،

стр. 544

ولفظه من النبي ﷺ (١)، وانتُقد هذا التعريف لأنه وجه فرق بين الحديث والقرآن (٢). وقد ذكر الكرماني عند حديث: «عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ … وفيه: يتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي) (٣). قال الكرماني مبينا التقدير المحذوف: «قوله: من أجلي فإن قلت: السياق يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ والذي نفسي بيده ولفظ لأجلي، عبارة عن متكلم واحد لكن لا يصح المعنى عليه قلت: لابد من تقدير نحو قال الله (٤)

стр. 545

قبل لفظ يترك لا نصاب المعنى على نحوه … ثم بيّن الكرماني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن فقال: (القرآن لفظه معجز، ومنزل بواسطة جبريل وهذا غير معجز وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني، فإن قلت: الأحاديث كلها كذلك وكيف لا وهو ما ينطق عن الهوى؟ قلت: الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله ومروي عنه بخلاف غيره وقد يُفرّق بأن القدسي ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى، وبصفاته الجلالية والجمالية منسوبا إلى الحضرة المقدسة تعالى وتقدس» (١). وقال في موضع آخر: «إن هذا الحديث كلام قدسي أي نص إلهي في الدرجة الثانية لأن الله أخبر به نبيه معناه بالإلهام وأخبر النبي ﷺ به أمته بعبارة نفسه» (٢). فقد سمى الحديث القدسي أنه نص إلهي من الدرجة الثانية، باعتبار أن القرآن نص إلهي من الدرجة الأولى ونقل عن الطيبي هذا المعنى (٣). * * *

стр. 546

المبحث الثاني الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع أولاً الحديث المرفوع: عرف الكرماني الحديث المرفوع بقوله: «ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا متصلا أو منقطعا» (١). وكان منهج الكرماني في الكلام عن الحديث المرفوع فيما يأتي: ١ - بيان رفع الحديث بالقرائن والأدلة: وكان الكرماني يُبين الاختلاف في الحديث بين الرفع والوقف مثاله: قال البخاري: «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أَبِي «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» (٢). يُبيّن الكرماني أن قول عروة: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» يفيد الرفع لا الوقف لأن السياق يقتضي ذلك (٣).

стр. 547

ومنه: «عن ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾» (١). اعتمد الكرماني في رفع هذا الحديث على قرينة وهي: «قال مغلطاي الشارح المصري هو حديث مرفوع لأن تفسير الصحابي إذا كان مسندا إلى نزول آية فهو مرفوع اصطلاحا» (٢). ومن ذلك: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَة» (٣). قال الكرماني مبيناً قرينة الرفع: «قوله: أُمرَ أي أمره رسول الله ﷺ وقال بعضهم مثل هذا اللفظ موقوف لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله ﷺ والصواب وعليه الأكثر أنه مرفوع؛ لأن إطلاق مثله ينصرف عرفاً إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ ، وأيضاً مقصود الراوي بيان شرعيته، وهي لا تكون إلا إذا كان الأمر صادراً من الشارع» (٤). ومنه حديث: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا

стр. 548

قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (١). اعتمد الكرماني رفع هذا الحديث بقرينة أنه لامجال للرأي فيه، قال الكرماني عن ابن بطال: «وقال سقط من حديث ابن عمر لفظ عن النبي ﷺ إذ لاشك أن مثل ذلك لا يدرك بالرأي» (٢). ٢ - ما يأخذ حكم المرفوع إلى النبي ﷺ -: نقلة الشرع والدين هم صحابة النبي ﷺ ﵃ أجمعين، فإذا وردعنهم: (من السنة كذا أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا) فهل يأخذ هذا حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ؟ قال الكرماني: «إذا قال الصحابي أمرنا بكذا فُهِمَ منه أن الرسول ﷺ هو الآمر له، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فُهِمَ منه أن الرئيس أمره به، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين، والتعويل على شهادة العقل» (٣). مثاله: حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا

стр. 549

سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ وَخَالِدٍ قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ » (١). قال الكرماني: «النووي (٢): هذا اللفظ يقتضى رفعه إلى النبي ﷺ فإذا قال الصحابي: السنة كذا، أو من السنة كذا، فهو في الحكم كقوله قال النبي ﷺ كذا (٣) قال ولو شئت لقلت معناه أن هذا اللفظ، وهو من السنة كذا صريح في رفعه فلو شئت أن أقول رَفَعه بناء على الرواية بالمعنى لقلت ولو قلت لكنت صادقاً» (٤). كذلك يشير الكرماني إلى رجحان عدم الرفع بالقرائن والأدلة، مثاله حديث: «عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ وَيُذْكَرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ وَلَمْ يَصِحَّ» (٥). قال الكرماني: «ولفظ (لم يصح) هو كلام البخاري أي لم يصح رفع أبي هريرة الحديث إلى رسول الله ﷺ وقال بلفظ يُذكر غير جازم به لأنه صيغة التعليق التمريض» (٦).

стр. 550

ثانياً الحديث الموقوف: تعرف الحديث الموقوف: ما أسنده الراوي إلى الصحابي ولم يتجاوزه (١). وقال ابن الصلاح: «وهو ما يروى عن الصحابة ﵁ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ » (٢). وقد أشار الكرماني إلى بعض الأحاديث الموقوفة على الصحابة ﵃، منه حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نُهِيَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ » (٣). فذكرأن الحديث موقوف على أبي هريرة (٤). ومنه حديث: «عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرْ الثَّمَرُ فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثلاث» (٥). قال الكرماني: «وهو بتمامه موقوف على نافع» (٦) كما ينبه الكرماني على أن

стр. 551

بعض الحديث موقوف وليس كله (١). ثالثاً الحديث المقطوع: «وهو ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم» (٢). وقد بيّن الكرماني بعض الأسانيد التي قيل فيها أنها مقطوعة (٣)، مثاله: «أن حَزْنًا جد سعيد بن المسيب قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي حَزْنٌ قَالَ بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ قَالَ مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ» (٤). * * * المبحث الثالث الحديث المنقطع والمرسل والمدلس أولاً الحديث المنقطع: قال الكرماني المنقطع: ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان (٥) وقد عرّف الكرماني الحديث المنقطع بأصله العام

стр. 552

على هذا يندرج تحته كل سند حصل فيه انقطاع، وهذا رأي ابن عبد البر فقال في تعريفه: «المنقطع عندي كل مالايتصل سواء كان يُعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره» (١). وقال في موضع آخر يبين فيه تعريف المنقطع المعتمد عند المحدثين: «هو أن يسقط من الإسناد رجل أو يُذكر فيه رجل مبهم» (٢). وبين الكرماني أنه إذا كان الساقط من إسناده رجلين فأكثر سمي معضلاً (٣). وقد أشار الكرماني في شرحه للحديث المنقطع، مثاله قال البخاري تعليقاً: «قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ … » (٤). «قال الكرماني أن هذا التعليق يصدق عليه عند المحدثين أنه منقطع لأن البخاري لم يُدرك زمن مالك، إلا أنه أجاب أنه موصول من طرق أخرى، ولما عُلم من شرط البخاري وشرط الكتاب» (٥).

стр. 553

ومنه وقد يبين الكرماني الانقطاع، ولكنه يُعطي الاحتمال للاتصال مستعينا بالروايات الأخرى مثاله: «حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵅ أَنَّهَا قَالَتْ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ النَّوْمِ مُحْمَرًّا … » (١). قال الكرماني: «قالوا هذا الإسناد منقطع وصوابه كما في صحيح مسلم (٢)

стр. 554

زينب عن حبيبة عن أم حبيبة عن زينب بزيادة حبيبة، وهذا من الغرائب اجتمع فيه أربع صحابيات زوجات لرسول الله ﷺ وربيبتان له أقول: يُحتمل أن زينب سمعت من حبيبة ومن أمها وكلاهما صواب» (١). ثانياً الحديث المرسل: بيّن الكرماني أن الحديث المرسل من نوع الحديث المنقطع، وقال في تعريفه عند الأصوليين: «المرسل قول التابعي قال رسول الله ﷺ ، وبعضهم قال قول العدل قال ﷺ » (٢). وكان الكرماني يشير إلى رأيهم هذا في معرض شرحه، فعندما بوّب البخاري فقال: باب مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، قال الكرماني «اعلم أن مثله يسمي مرسلا عند طائفة. والحق وعليه الأكثرون أنه إذا ذكر الحديث مثلا ثم وصل به إسناده يكون مسندا، لا مرسلا» (٣).

стр. 555

وقد قال الشوكاني: «وأما جمهور أهل الأصول فقالوا: المُرسَل قولُ مَنْ لم يلقَ النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ ، سواء كان مِنْ التابعين، أو مِنْ تابعي التابعين، أو ممن بعدهم» (١). وقد أشار الكرماني إلى تعريف المرسل عند علماء الاصطلاح من عدم إسناد الحديث إلى الصحابي (٢). حكم الحديث المرسل: ذهب جمع من العلماء إلى أن الحديث المرسل ليس حجة، ولا يُعمل به وأصحاب هذا القول جماهير المحدثين والشافعي، وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء يُحتج به (٣). وقال ابن جرير (٤): وأجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين (٥).

стр. 556

إلا أن الشافعي قال إذا انضم إلى المرسل ما يعضده، كأن يُروى مسنداً، أو يَعمل به بعض الصحابة، وأكثر العلماء … فإنه يُعمل به (١). مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا» (٢). فذكرالكرماني أن هذا الحديث مرسل لأن أبا زرعة تابعي وليس صحابي وليس له أن يقول قال النبي ﷺ (٣). ومن ذلك: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ فَقَالَ أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلَالٌ» (٤). فقال الكرماني أنه مرسل لأن عروة تابعي (٥). حتى أنّ الكرماني يشير إلى بعض الحديث أنه من المرسل، مثاله: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ

стр. 557

عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئاً لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا .. ﴾ [الانشقاق: ٨]» (١). قال الكرماني: «قوله: (وأن النبي ﷺ قال من حُوسب عُذّب) عطف على قوله أن عائشة، واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل؛ إذ لم يُسنده إلى صحابي» (٢). مرسل الصحابي: مرسل الصحابي هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك» (٣). وقال ابن الصلاح في حكم الاحتجاج بمراسيل الصحابة «ثم إنا لم نُعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم) (٤). وقد بيّن الكرماني كذلك مراسيل الصحابة الكرام ﵃، وأن مراسيلهم حجة فقال:

стр. 558

«ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلاماانفردبهالإستاذ أبوإسحاق (١) الإسفرايني (٢)» (٣). مثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» (٤). فذكر الكرماني أن الحديث من مراسيل الصحابة، لأن ابن عباس ﵄، لم يرفعه إلى النبي ﷺ (٥).

стр. 559

ومثله حديث: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ … » (١). قال الكرماني: «والحديث من مراسيل الصحابة لأن أبا هريرة لم يدرك خديجة وأيامها» (٢). ثالثاً الحديث المدلس: قال النووي: «التدليس وهو قسمان الأول: تدليس الإسناد بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهماً سماعه قائلاً: قال فلان، أو عن فلان ونحوه وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره ضعيفاً أو صغيراً تحسيناً للحديث. الثاني: تدليس الشيوخ بأن يُسمي شيخه، أو يُكنيه أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرف» (٣). وحكم الراوي المدلس عند العلماء يختلف من راوٍ لآخر، فإن كان التدليس نادراً أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة، أو يصرح به بالسماع من طريق آخر فهو مقبول عندهم (٤).

стр. 560

وقد بين الكرماني قول العلماء في أن عنعنة المدلس لا تُعتبر إلا إذا عُلم سماعه» (١). * * * المبحث الرابع الحديث الغريب والفرد الحديث الفرد: هو ما تفرد به روايه بأي وجه من وجوه التفرد. أعم من الغريب تدخل فيه أقسام لا تدخل في الغريب (٢). والحديث الغريب هو: الحديث الذي تفرد به راويه، سواء تفرد به عن إمام يجمع حديثه أو عن راو غير إمام (٣). وقد أشار الكرماني رحمه لله تعالى إلى الحديث الفرد الغريب في شرحه، وذلك عند حديث، «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى … » (٤).

стр. 561

قال الكرماني: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وليس متواتراً لعقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده، وقال الحفّاظ لا تصح روايته عن النبيّ ﷺ ، إلا من جهة عمر، ولا من جهة عمر ﵁ إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من يحي بن سعيد، وعن يحي انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة» (١). وقال ابن الصلاح أنه: «حديث فرد، تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث» (٢). قال السيوطي: «إذا اشتهر الفرد؛ فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريبا مشهورا، غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٣). فالحديث أوله فرد، وآخره مشهو، وقد طرأت الشهرة من ند يحيى بن سعيد (٤). * * *

стр. 562

المبحث الخامس الحديث المعنعن والمؤنن أولاً الحديث المعنعن: المعنعن وهو الذي يقال فيه فلان عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار أو السماع (١). حكم العنعنة: ذهب طائفة من العلماء أن السند المعنعن هو من قبيل المنقطع حتى يتبين اتصاله، إلا أن الراجح وهو قول جماهير أهل الحديث والفقه والأصول هو من قبيل المتصل، بشرط أن لايكون المعنعن مُدلساً، وثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه (٢). وقال الكرماني: «واختلف في المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه» (٣). وشرط اللقاء فيه خلاف، وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن المعنعن من قبيل المتصل إذا سَلِم المُعَنْعِن من التدليس، ومعاصرة الراوي من يروي عنه مع إمكانية اللقاء، وقد ادعى مسلم الإجماع على ذلك (٤).

стр. 563

فإذا قال الراوي حدثنا فلان عن فلان، من غير التحديث بالسماع أو التحديث، فهل يُعد هذا من قبيل الإسناد المتصل؟ قال الكرماني: «فإن قلت إذا قال البخاري عن فلان يجزم بأنه سمعه منه عند إمكان السماع» (١). فالراجح عند العلماء أنه يُعد من قبيل الاتصال بشرط إمكان اللقاء، والبراءة من التدليس، وعدالة الرواة) (٢). وقد ذكر الكرماني حكم معنعات الصحيحين بشكل خاص، أنها صحيحة ومقبولة، لأنها محمولة على السماع والاتصال من جهة أخرى، سواء استُشهد وتُوبع عليها أم لا (٣). وقد مثّل الكرماني للإسناد المعنعن، بقول البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ حَدِيثاً وَاحِدًاقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هِيَ النَّخْلَةُ».» (٤).

стр. 564

قال الكرماني: «واعلم أنه رُوي عن مجاهد معنعناً، وعن أبي نجيح بلفظ قال والبخاري لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع كما اكتفي به مسلم، والمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من قال، لأن قال إنما تُذكر عند المحاورة لا علي سبيل النقل والتحميل» (١). ثانياً الحديث المؤنن: «هو الذي يقال في سنده: فلان أن فلانا» (٢). حكم المؤنن: مذهب جماهير العلماء أن حكم المؤنن، هو كحكم المعنعن، ولا عبرة بالحروف والألفاظ إنما هو باللقاء والمجالسة والسماع، وخالف الإمام مسلم واشتراط التنصيص على ثبوت اللقاء والاجتماع في المعنعن والمؤنن (٣). ونقل الكرماني رأي العلماء في حكم المؤنن فقال: «هو أي المؤنن كعن محمول على السماع بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء بينهما، وقال الإمام أحمد لا يلتحق ذلك بعن (٤)، بل يكون ذلك منقطعا حتى يتبين السماع».

стр. 565

ومثّل الكرماني له بحديث: «حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ … » (١). فقوله: حدثني عمرو بن ميمون أنَّ عبدالله بن مسعود، حدثه أن النبي ﷺ … فأنَّ هذه هي لفظ المؤنن. * * * المبحث السادس الحديث المسلسل الحديث المسلسل: قال الإمام النووي في تعريفه: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة للرواة تارة وللرواية تارة، وصفات الروات أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعد فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجال دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاة الرواية كالمسلسل بسمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان والله، وأفضله ما دل على الاتصال) (٢).
следующие страницы →