← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1295

منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري

أحمد محمد أبو نقطة

Полный текст (643 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قال الكرماني: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وليس متواتراً لعقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده، وقال الحفّاظ لا تصح روايته عن النبيّ ﷺ ، إلا من جهة عمر، ولا من جهة عمر ﵁ إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من يحي بن سعيد، وعن يحي انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة» (١). وقال ابن الصلاح أنه: «حديث فرد، تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث» (٢). قال السيوطي: «إذا اشتهر الفرد؛ فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريبا مشهورا، غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث «إنما الأعمال بالنيات» (٣). فالحديث أوله فرد، وآخره مشهو، وقد طرأت الشهرة من ند يحيى بن سعيد (٤). * * *

стр. 562

المبحث الخامس الحديث المعنعن والمؤنن أولاً الحديث المعنعن: المعنعن وهو الذي يقال فيه فلان عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار أو السماع (١). حكم العنعنة: ذهب طائفة من العلماء أن السند المعنعن هو من قبيل المنقطع حتى يتبين اتصاله، إلا أن الراجح وهو قول جماهير أهل الحديث والفقه والأصول هو من قبيل المتصل، بشرط أن لايكون المعنعن مُدلساً، وثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه (٢). وقال الكرماني: «واختلف في المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه» (٣). وشرط اللقاء فيه خلاف، وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن المعنعن من قبيل المتصل إذا سَلِم المُعَنْعِن من التدليس، ومعاصرة الراوي من يروي عنه مع إمكانية اللقاء، وقد ادعى مسلم الإجماع على ذلك (٤).

стр. 563

فإذا قال الراوي حدثنا فلان عن فلان، من غير التحديث بالسماع أو التحديث، فهل يُعد هذا من قبيل الإسناد المتصل؟ قال الكرماني: «فإن قلت إذا قال البخاري عن فلان يجزم بأنه سمعه منه عند إمكان السماع» (١). فالراجح عند العلماء أنه يُعد من قبيل الاتصال بشرط إمكان اللقاء، والبراءة من التدليس، وعدالة الرواة) (٢). وقد ذكر الكرماني حكم معنعات الصحيحين بشكل خاص، أنها صحيحة ومقبولة، لأنها محمولة على السماع والاتصال من جهة أخرى، سواء استُشهد وتُوبع عليها أم لا (٣). وقد مثّل الكرماني للإسناد المعنعن، بقول البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ حَدِيثاً وَاحِدًاقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هِيَ النَّخْلَةُ».» (٤).

стр. 564

قال الكرماني: «واعلم أنه رُوي عن مجاهد معنعناً، وعن أبي نجيح بلفظ قال والبخاري لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع كما اكتفي به مسلم، والمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من قال، لأن قال إنما تُذكر عند المحاورة لا علي سبيل النقل والتحميل» (١). ثانياً الحديث المؤنن: «هو الذي يقال في سنده: فلان أن فلانا» (٢). حكم المؤنن: مذهب جماهير العلماء أن حكم المؤنن، هو كحكم المعنعن، ولا عبرة بالحروف والألفاظ إنما هو باللقاء والمجالسة والسماع، وخالف الإمام مسلم واشتراط التنصيص على ثبوت اللقاء والاجتماع في المعنعن والمؤنن (٣). ونقل الكرماني رأي العلماء في حكم المؤنن فقال: «هو أي المؤنن كعن محمول على السماع بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء بينهما، وقال الإمام أحمد لا يلتحق ذلك بعن (٤)، بل يكون ذلك منقطعا حتى يتبين السماع».

стр. 565

ومثّل الكرماني له بحديث: «حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ … » (١). فقوله: حدثني عمرو بن ميمون أنَّ عبدالله بن مسعود، حدثه أن النبي ﷺ … فأنَّ هذه هي لفظ المؤنن. * * * المبحث السادس الحديث المسلسل الحديث المسلسل: قال الإمام النووي في تعريفه: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة للرواة تارة وللرواية تارة، وصفات الروات أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعد فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجال دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاة الرواية كالمسلسل بسمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان والله، وأفضله ما دل على الاتصال) (٢).

стр. 566

فضيلة الحديث المسلسل أنه يدل على مزيد الضبط من الرواة. إلا أن العلماء قالوا أن هذه المسلسلات أكثرها باطلة، وأسانيدها واهية، منقطعة، ولاتصاف رواتهابالكذب (١). وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب، وما كان يدل على السماع وعدم التدليس (٢). وكان الكرماني رحمه الله تعالى يذكر الحديث المسلسل ونوعه، يقول مرة مسلسل بالأنسيين (٣) (ومرة يذكر أن الحديث مسلسل بصورة معينة كما قال في حديث: «حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً … » أنه مسلسل بالكنى إلا الرجل الأول (٤). كما بين الكرماني الحديث المسلسل بالمحمَّدين (٥)، الذي أخرجه البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي

стр. 567

وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (١). * * * المبحث السابع زيادة الثقة تعريف زيادة الثقة: «خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره» (٢). وقد بيّن الإمام الكرماني أن مراد المحدثين في زيادة الثقة تكون في اللفظ (٣). حكم زيادة الثقة: «قال جمهور علماء المحدثين والفقهاء: تُقبل زيادة الثقة مطلقاً سواء وقعت ممن رواه أولاً ناقصا أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيّرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا» (٤). وقال الكرماني: «زيادة الثقة مقبولة والقاعدة الأصولية فيها: أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيّرة لإعراب الباقي قُبلت وحُمل ذلك على نسيان الراوي، أو ذهوله أو اقتصاره

стр. 568

بالمقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغايرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح» (١). وقال جماعة من أهل الحديث لا تُقبل مطلقاً، وقول ثالث أنها تُقبل إذا كانت من غيرالراوي، أما منه فلا، وبعضهم قال تُقبل إذا تعدد مجلس السماع، ولا تقبل إذا اتحد، وقيل أنها تُقبل إذا كانت مخالفة لما رواه الباقون، وتُقبل إذا لم تخالف، وقول يقول إذا كان راوة الزيادة يغلب عليه الفقه فتقبل وإلا لا تقبل (٢). وقد نبّه الكرماني في شرحه على زيادة الثقة، مثاله: حديث حمْران أنه رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَاسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٣). وقد وردت روايات تبين أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ورواية أخرى كذلك أنه توضأ مرتين مرتين، وهذه الرواية تدل أنه توضأ ثلاثاً، فبين الكرماني أن اختلاف الرواة هذا في العدد، يُحمل على أن بعض الرواة حفظ وبعضهم نسي

стр. 569

فيؤخذ بما زاد الثقة (١). وقد يرد الكرماني على بعض العلماء الذين حكموا على اختلاف روايتين أنها من قبيل زيادة الثقة مثاله حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (٢). وقد ذكر الكرماني اختلاف الروايات في عدد شُعب الإيمان فقال: «وثبت في رواية صحيح مسلم وسبعون جزماً (٣) وفي رواية أخرى أي عند مسلم بضع وسبعون، أو بضع وستون (٤) على الشك وروى أبو داود والترمذي (٥) بضع وسبعون بلا شك» (٦). ونقل عن النووي ترجيح رواية بضع وسبعون شعبة، لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة، إلا أن أن الكرماني رد على النووي بقوله: «إن المراد من زيادة الثقات زيادة لفظ في الرواية، ومثله ليس منها بل من باب اختلاف الروايتين فقط، وأن رواية بضع وستون لا تنافي ما عداها؛ إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي

стр. 570

الزائد، ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدمة على رواية السبعين، وكان شعب الإيمان عند صدوره من النبي ﷺ هذا القدر، ثم قال مرة أخرى عند زيادة الشعب بلفظ سبعون فيكون كلاهما صواباً (١). * * * المبحث الثامن بيان الإسناد العالي والنازل طلب الإسناد العالي مزية وفضيلة، وفيه سنة صحيحة عن النبي ﷺ ، وقد طلب علو الإسناد غير واحد من صحابة النبي ﷺ ، وسافروا وقطعوا المسافات، وتحملوا الصعاب في ذلك، «سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الرَّجُلِ يَطْلُبُ الْإِسْنَادَ الْعَالِيَ، قَالَ: «طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِاللهِ (٢) كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ عُمَرَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ».» (٣). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ» … » (٤).

стр. 571

قال الحاكم معلقاً على هذا الحديث: «وفيه دليل على إجازة طلب المرء العلو من الإسناد، وترك الاقتصار على النزول فيه، وإن كان سماعه عن الثقة إذ البدوي لما جاءه رسول رسول الله ﷺ فأخبره بما فرض الله عليهم لم يقنعه ذلك، حتى رحل بنفسه إلى رسول الله ﷺ ، وسمع منه ما بلغه الرسول عنه، ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه المصطفى ﷺ سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه» (١). وقد سلك العلماء من بعد الصحابة الكرام ﵁، من التابعين ومن بعدهم هذا المسلك في طلب علو الإسناد، لأنه كلما قل عدد رجال الإسناد قل الخطأ والخلل فيه، وكان من عادة الإمام البخاري ومنهجه في صحيحه الاهتمام بذكر الأحاديث ذات الأسناد العوالي، ومنه ما يُسمى بثلاثيات البخاري. قال العلماء في تعريف الإسناد العالي: «هو الذي قل عدد رجاله مع الاتصال، وكذا إذا تقدم سماع راويه، أو تقدمت وفاة شيخه» (٢). ينقسم العلو إلى قسمين أساسيين: «العلو المطلق، والعلو النسبي». القسم الأول: العلو المطلق: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف: وهذا هو العلوُّ المطلق، وهو أجلُّ أقسام العلوِّ، وهذا ما يُطلق عليه اسم: «الثلاثيات» أي ما كان بين المصنف والنبي ﷺ ثلاث وسائط فقط. القسم الثاني: العلو النسبي: وهو يتنوع إلى أربعة أقسام هي: الأول: القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر العدد، إلى النبي ﷺ ،

стр. 572

مثل الأئمة مالك والشافعي وأحمد والبخاري أو مسلم والأعمش وغيرهم. الثاني: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المعتمدة المشتهرة، كالكتب الستة وغيرها، وهذا النوع لقي اهتماماً بالغاً من المتأخرين. ويتفرع عنه: الموافقة، والإبدال، والمساواة، والمصافحة (١). الثالث: هو ما يُسمى بالعلو المعنوي، ويعتمد على صفات القبول في الراوي، كأن يكون أفقه أو أتقن، أو أضبط، أو أكثر ملازمة للمروي عنه … وهو قسمان: الأول: العلو بتقدم موت الراوي في هذا السند، على موت الراوي في السند الآخر، ولو تساويا في العدد. الثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ، فمن سمع من الشيخ قبل الآخر كان حديثه أعلى من الثاني بشرط تساوي العدد بينهما (٢). وقد بنبه الكرماني في شرحه الإسناد العالي عن البخاري وخصوصا القسم الأول «العلو المطلق» ثلاثيات البخاري. مثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّا

стр. 573

مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». قال الكرماني: «واعلم أن هذا الحديث إسناده من عوالي الأسانيد لأن الرجال بين البخاري وبين رسول الله ﷺ ثلاثة وهذا ثلاثيات البخاري فاعرفه» (١). وكل حديث يذكره البخاري من الثلاثيات يشير إليه الكرماني بقوله: (وهذا ثاني ثلاثيات البخاري، وهذا رابعها … وترك الإشارة لبعضها إلى أن وصل إلى آخرها … فقال: وهذا هو الثاني والعشرون من ثلاثيات البخاري وهو آخر ثلاثياته) (٢). قال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (٣) قال الكرماني آخر ثلاثيات البخاري التي فاق فيهاأقرانه: «وهذا هو الثاني والعشرون من ثلاثيات البخاري وهو آخر ثلاثياته» (٤). إلا أنه ينبه على ما يُتوَهم أنه من الثلاثيات وهو ليس كذلك، مثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ

стр. 574

قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَراً هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَراً جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ … » (١). قال الكرماني: «وهذا لا يحسب من الثلاثيات لأنه لم يرو حديثا عن النبي ﷺ بل حكي عن حاله فقط» (٢). ويشير الكرماني كذلك إلى تخريج البخاري لأحاديث عن شيوخه تارة ينقل عنهم مباشرة وتارة ينقل عنهم بواسطة، أي أنه يروي الحديث على الوجهين عالياً ونازلاً. مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِاللهِ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ » (٣). قال الكرماني: «وعبيدالله تقدم فى باب دعاؤكم إيمانكم روى البخاري عنه ثمة بدون واسطة وههنا بواسطة أحمد» (٤) والحديث الآخر: قال البخاري: «حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ

стр. 575

خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ … » (١). ومثله: قال البخاري «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا … » (٢). وساق البخاري بعده سنداً آخر: «حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ … » (٣). قال الكرماني: «فإن قلت روى سعيد في الطريقة السابقة عن أبي هريرة بلا واسطة، وفي هذه روى عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر كلمة الأب زائدة هاهنا أو ناقصة ثمة قلت: لا زائدة ولا ناقصة لأن سعيدًا سمع منهما فتارة روى عن الأب، وأخرى عن أبي هريرة» (٤). ومثله: يشيرالكرماني سر تقديم البخاري إسناد على آخر وذلك لعلو

стр. 576

الدرجة، أخرج البخاري في كتاب العلم: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ. قَالَتِ النِّسَاءُ … » (١). ثم ساق سنداً آخر: «حَدَّثَنَامُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا … » (٢). قال الكرماني: «وقدم الإسناد الأول لعلو درجته إذ بين شعبة والبخاري رجل واحد وهو آدم بخلاف الثاني فإن بينهما رجلين» (٣). ويشير الكرماني كذلك إلى نقل الراوي عن الصحابي مباشرة، وتارة بواسطة، مثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ» (٤) قال الكرماني: «عبدالله ابن أبي مليكة» مصغر الملكة وهو يروي تارة عن عائشة بلا واسطة وأخرى بواسطة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁» (٥). كما مدح العلماء الإسناد العالي، كذلك ذمّوا الإسناد النازل قال ابن الصلاح: «وهذا مذهب ضعيف ضعيف الحجة، وقد روينا عن علي بن المديني

стр. 577

وأبي عمرو المستملي النيسابوري أنهما قالا: النزول شؤم» (١). «وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه» (٢). كما بين العلماء أن الإسناد النازل هو ضد العالي وهو ما كثر رجال إسناده، وسبب النزول يرجع إلى خمسة أقسام: ١ - كثرة الوسائط إلى النبي ﷺ ، وهو نزول مسافة مطلق. ٢ - كثرة الوسائط إلى إمام من أئمة الحديث، وهو نزول مسافة نسبي. ٣ - نزول الإسناد من طريق غير الكتب الستة عن الإسناد من طريقها، وهو نزول مسافة نسبي أيضا. ٤ و ٥ - تأخر الوفاة وكذا تأخر السماع وهما نزول صفة (٣). إلا أن العلماء استثنوا من النزول ما يجبره ويجعل له مزيةكأن تكون هناك زيادة ثقة مقبولة، أو أن يكون رجال الإسناد النازل أحفظ أو أثبت أوأفقه (٤). كما أن الكرماني لم يفته التنبيه على الإسناد النازل مثال على ذلك: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ

стр. 578

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» قال الكرماني: «ومثل هذا الإسناد قليل في الكتاب لأنه من ثمانيات البخاري» (١). والحديث الذي بعده قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟» (٢). إلا أن الكرماني لم ينبه عليه، ونبه عليه غيره من شرّاح الحديث كابن الملقن في التوضيح قال ابن الملقن: «وإسناده ثُماني وهو غريب في البخاري» (٣). كما أنه ورد في البخاري حديث تساعي الإسناد! قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» (٤). قال ابن حجر في الفتح: «ويقال إنه أطول سندا في البخاري فإنه

стр. 579

تساعي» (١). * * * المبحث التاسع مسائل متفرقة في المصطلح ١ - ضبط الراوي: لابد للراوي أن يكون عاقلاً واعياً لما يتحمله من حديث ويؤديه كما سمعه … قال الصنعاني: «والضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل ولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام» (٢). وهذا لا يتأتّى للراوي النائم، فلذلك لايصح الاحتجاج بحديث من رأى النبي ﷺ في المنام، وسمع منه حديثاً ما. قال الكرماني: «يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع والنوم ليس حال الضبط» (٣). ٢ - الراوي مجهول العين: هناك طائفة من الرواة ومنهم الصحابة الكرام ﵃ … لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد لاغير، وهذا يُسمّى في اصطلاح المحدثين: مجهول العين.

стр. 580

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد» (١). وذلك لأن الجهالة نقيض الشهرة، فحتى يكون الراوي معروفاً بالرواية عن المحدثين؛ لابد أن يكون مشهوراً بالرواية عنهم، والمجهول لا توجد فيه هذه الصفة. والجمهور من المحدثين على رد رواية مجهول العين، لأن الإجماع قائم على عدم قبول غير العدل، والمجهول ليس عدلا، قال زين الدين السنيكي (٢): «من العلماء، فلا يقبلونه مطلقا أي مجهول العين وهو الصحيح، للإجماع على عدم قبول غير العدل، والمجهول ليس عدلا، ولا في معناه في حصول الثقة به» (٣). قلت: يُفهم من كلام السنيكي أن الأمر ليس على إطلاقه ففيه استثناء لمن عُرف بالعدالة والأمانة، لذلك قال ابن عبد البر رحمه لله تعالى: «من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم إلا أني أقول إن كان معروفا بالثقة والأمانة والعدالة فلا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد» (٤).

стр. 581

وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: «الحق أنه متى عرف عدالة الراوي قبل خبره سواء روى عنه واحد أو أكثر وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن تنطع المحدثون» (١). فيُعلم مما سبق أن الراوي المجهول الذي لم يروِ عنه إلا واحد، ولم يُعرف حاله، فهو الضعيف المستور، أما المجهول الثقة المعروف بصدقه وأمانته فتقبل روايته، ولاسيما أن هناك جمع من الصحابة الكرام ﵃ من لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد. قلت: فالرواة المجهولون الذين أخرج لهما الشيخان في صحيحهما هم ممن عُرف بالصدق والعدالة كعمرو بن تغلب، ورافع بن عمرو الغفاري، وغيرهما، فلذلك قال ابن الصلاح ﵀: «وذلك دال على مصيرهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه» (٢). وبناء على ماسبق من حكم الراوي مجهول العين الذي لم يرو عنه إلا راوٍ واحد لا غير، فهل اشترط الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أن لا يذكر في صحيحه حديثاً لراوٍ رُوي عنه بأقل من اثنين في كل درجة؟ قال الحاكم وهو يقسّم الحديث الصحيح إلى أقسام: «فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ ، وله راويان

стр. 582

ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح» (١). إلا أن العلماء ردوا على الحاكم في قوله هذا، ولاسيما أنه قال أن هذا الشرط متفق عليه!، وأن الشيخان قد أخرجا في صحيحيهما من لم يتوفر فيه شرط الحاكم هذا. قال النووي (٢) «وأما قول الحاكم إن من لم يرو عنه الا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم فمردود غلّطه الأئمة فيه؛ بإخراجهما حديث المسيب بن حزن، والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب (٣)، لم يرو عنه غير ابنه

стр. 583

سعيد (١) وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب (٢)» (٣) وقد نقل الكرماني قول النووي (٤). وقد أورد الكرماني رد النووي عند شرح حديث وفاة أبي طالب فقال ناقلا عن النووي: «قال النووي (٥): حديث وفاته اتفق الشيخان على إخراجه في صحيحيهما من رواية سعيد عن أبيه ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد كذا قاله

стр. 584

الحفاظ وفيه رد على الحاكم أبي عبدالله فيما قال أنهما لم يخرجا عن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد ولعله أراد من غير الصحابة» (١). قال الحافظ ابن طاهر المقدسي: إن البخاري ومسلم لم يشترطا هذا الشرط، ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري إنه شرط حسن لو كان وجداً في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعاً» (٢). وقد ذكر العلاّمة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب المقدسي، فقال: «وهكذا صنع ابن الجوزي في مقدمة «الموضوعات»، فقد نقض كلام الحاكم فيما زعمه من شرط الشيخين على ضوء كلام المؤلف ولم يعزه إليه (٣). وهكذا صنع أيضا النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم … وقال ناقلا عن الحاكم في المستدرك» (٤) بعد أن خرّج حديثا لهِصَّان بن كاهن: «هذا حديث صحيح وقد تداوله الثقات، ولم يخرجاه جميعا بهذا اللفظ، والذي عندي والله أعلم أنهما أهملاه لهصان بن كاهل، ويقال: ابن كاهن، فإن المعروف بالرواية عنه حميد بن هلال العدوي فقط «وقد ذكر ابن أبي حاتم، أنه روى عنه قرة بن

стр. 585

خالد أيضا» وقد أخرجا جميعا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد، فيلزمهما بذلك إخراج مثله». فقال الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى: «فهذا مما يُستغرب من الحاكم، قدّر من عنده شرطاً للشيخين ثم بدأ يُلزمهما بمخالفته» (١). قلت: لعله وهماً وقع فيه الحاكم في كتابه المدخل، عمَّا كان قد قرره في المستدرك. ٣ - تدليس الشيوخ: من أنواع التدليس تدليس الشيوخ وهو: بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف (٢). فإن كان المقصود من هذا التدليس التعمية على حال الراوي، أو إبهام حاله، فهو مكروه جداً، وقد يبلغ التحريم … (٣). إلا أنه قد يُسمّى الراوي بغير اسمه الذي اشتُهر به، أو يشتبه اسمه المجرد باسم غيره، فيوهم التدليس … وهو ليس كذلك. مثاله: قال البخاري، كتاب الوضوء، باب: الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ

стр. 586

عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً (١). الحاصل أن رجال السند وقع التشابه في أسمائهم فالبيكندي، والفريابي شيخا البخاري. وابن عيينة، شيخ البيكندي، وغالب روايته عنه. وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة شيخا الفريابي. وزيد بن أسلم شيخ السفيانين. فهل يؤدي هذا الاشتباه إلى التدليس كون الراوي مجهولاً؟ قال الكرماني: «مثله لا يقدح فيه لأن أيا كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري لا يتفاوت الحكم باختلاف ذلك» (٢). ومثله في حديث البخاري: (حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ» (٣). فأبو معاوية هو: «هو محمد بن حازم»، ويحتمل أن يكون: «أبو معاوية شيبان النحوي»، ومسلم هو: «ابن عمران أبو عبدالله البطين»، ويحتمل أن يكون: «مسلم بن صبيح»، وكل هذا لايضر ولا يقدح في صحة الحديث أو

стр. 587

إسناده، وكل منهم عدل ضابط بشرط البخاري، وقد روعنهم جميعاً (١). * * *

стр. 588

الفصل الثاني جهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل المبحث الأول تعريف العلة لغة واصطلاحاً، وأهمية معرفة علم العلل العلة في اللغة: العِلَّةُ بالكسر: المرض. قَالُوا عَلَّ الرجلُ بَعلُّ وبَعَلُّ واعْتَلَّ ورجُل عَليل، أعَله الله، فَهُوَ مُعَلّ (١). تعريف العلة اصطلاحاً: قال ابن الصلاح في تعريف الحديث المعلول: «هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها» (٢). وقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في تعريف الحديث المعلول: «هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها» (٣).

стр. 589

«فالعلة عبارة عن سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفاً. سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم فيما يتعلق بالمتن» (١). أهمية معرفة علم العلل: إن لمعرفة علم علل الحديث أثر كبير في معرفة صحاح الأحاديث من ضعيفها، فمن هنا تظهر أهمية هذا الفن، قال ابن حجر: «هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا، وإطلاعا حاويان وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك» (٢). ولأهمية هذا العلم أُلفت فيه المصنفات الكثيرة، منها: ١ - التاريخ والعلل: للإمام يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ). ٢ - العلل: للإمام علي بن المديني، (ت ٢٣٤ هـ). ٣ - العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ). ٤ - التمييز: للإمام مسلم بن الحجاج، (ت ٢٦١ هـ) (٣) وغيرها من المصنفات. هذا وتنقسم العلة إلى علة متعلقة بالسند، وأخرى متعلقة بالمتن، وعلل تكون في السند والمتن معاً.

стр. 590

وسأتكلم عن بعض هذه العلل التي ذكرها الكرماني في شرحه. * * * المبحث الثاني الإعلال بالاضطراب تعريف الحديث المضطرب: «هو الحديث الذي يروى من قِبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية، لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع» (١). فيفهم من التعريف أنه لا بد من تحقق شروط الاضطراب: أولاً: تساوي الروايات المضطربة، ولا تترجح إحداهما على الأخرى، فإذا ترجحت إحداهما على الأخرى كان الحكم للراجحة. قال الحافظ العراقي: «أمَّا إذا ترجَّحَتْ إحداهما بكونِ راويها أحفظَ، أو أكثرَ صحبةً للمرويِّ عنهُ، أو غيرَ ذلك من وجوهِ الترجيحِ، فإنهُ لا يُطلقُ على الوجهِ الراجحِ وصفُ الاضطرابِ، ولا لَهُ حكمُهُ، والحكمُ حينئذٍ للوجهِ الراجحِ» (٢). ثانياً: لايمكن التوفيق بينهما، ولو بوجه معتبر صحيح، يزول الاضطراب (٣).

стр. 591

ثالثاً: وزاد ابن حجر: «إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه أو كان الحديث في سياق واقعة وظهر تعددها فالذي يتعين القول به أن يُجعلا حديثين مستقلين» (١). وقد يقع الاضطراب في السند، والمتن، قال ابن حجر: «وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد» (٢). وقد عدّ العلماء الاضطراب من العلل التي تُوجب قدحاً في صحة الحديث، وكان الكرماني يُشير أحياناً لهذا الاختلاف الحاصل في السند أو المتن. ١ - الاضطراب في السند: مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ … » (٣). قال الكرماني معلقاً على قول أبي إسحاق في السند «ليس أبو عبيدة ذكره» «قلت ما الفائدة فيما قال؟ وليس أبو عبيدة ذكره؛ إذ الإسناد بدونه تمام ولا دخل

стр. 592

له فيه، قلت: غرض أبي إسحق في هذه اللفظة أن يبين أنه لا يُروى هذا الحديث عن طريق أبي عبيدة عن عبدالله كما رواه غيره، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا، فأراد دفع وهم من توهم ذلك فنقل البخاري لفظه بعينه» (١). ثم نقل الكرماني عن الترمذي فقال: «حدثنا هناد وقتيبة قالا حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي اسحق عن أبي عبيدة عن عبدالله قال خرج النبي ﷺ لحاجته فقال التمس لي ثلاثة أحجار … وساق الحديث ثم قال الترمذي وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله نحو حديث إسرائيل. وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبدالله. وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد، عن عبدالله. والحاصل: أن أصح الروايات عند الترمذي حديث قيس بن الربيع وإسرائيل عن أبي عبيدة، عن عبدالله لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه في ذلك قيس بن الربيع، وزهير، عن أبي إسحاق ليس بذاك لأن سماعه منه بآخرة (٢). ثم بين الترمذي من روى الحديث: «وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبدالله، وهذا

стр. 593

حديث فيه اضطراب … ثم قال الترمذي: سألت عبدالله بن عبد الرحمن أي الدارمي: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقضِ فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقضِ فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله، أشبه، ووضعه في كتاب الجامع» (١). قال الكرماني معلقاً على قول الترمذي من ترجيحه للرواية التي ذكرها في سننه، وأن الراجح رواية البخاري في صحيحه، وذلك لأن أبا عبيدة بن عبدالله لم يسمع من أبيه: «فتكون روايته عن أبيه مرسلا فكيف يكون حديث إسرائيل عن أبي اسحق عن أبي عبيدة عن عبدالله أصح، بل الأصح ما ذكره البخاري وأما سماع زهير من أبي اسحق بآخره فلا يقدح فيه لأنه قد ثبت عنه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرق متعددة (٢)، نعم لو كان زهير منفردا بالنقل عنه لكان منقدحا بذلك لكنه ليس كذلك» (٣). وقال ابن حجر أن أبا عبيدة هو ابن عبدالله بن مسعود، وقوله: «وقوله: ذكره؛ أي لي، ولكن عبد الرحمن بن الأسود؛ أي هو الذي ذكره لي؛ بدليل قوله

стр. 594

في الرواية الآتية المعلقة: حدثني عبد الرحمن، وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له؛ لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن؛ فإنها موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبدالله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق» (١). في الحاصل يدل كلام الكرماني أن هذه الروايات ليست من قبيل الاضطراب، ولكن من قبيل الاختلاف الذي يكون سببه الوهم والغلط من الرواة أو من كثرة طرق الحديث. ٢ - الاضطراب في المتن: حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (٢). نقل الكرماني إعلال الدارقطني لهذه الرواية، وأنها مضطربة متناً، فقال:

стр. 595

«قال الدارقطني: رواية ملكتها وهم، والصواب رواية من روى زوجتكها» (١). وقد بين الحافظ ابن حجر ﵀ الإشكال مع الإجابة عنه فقال: إن مداره على أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ واختلف الرواة عن أبي حازم، فقال مالك وجماعة معه: «فقد زوجتكها» (٢). وقال ابن عيينة: «أنكحتكها». وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن: «ملكتكها». وقال الثوري «أملكتكها». وقال أبو غسان: «أمكناكها». وأكثر هذه الروايات في الصحيحين (٣)، فمن البعيد جدا أن يكون سهل ابن سعد ﵁ شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارا عديدة، فسمع في كل مرة لفظا غير الذي سمعه في الأخرى. بل ربما يُعلم ذلك بطريق القطع أيضا فالمقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ

стр. 596

قال لفظا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى، والله أعلم (١). وقال النووي: «ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق والله أعلم» (٢). وقد اكتفى الكرماني في الرد على إعلال الرواية بنقل كلام النووي هذا. * * * المبحث الثالث العلل الناتجة بسبب وهم الراوي المقصود بوهم الراوي: والمقصود من وهم الراوي: أن يروي الراوي على سبيل الخطأ، حديثاً مرسلاً أو منقطعاً موصولاً، أو يرفع أثراً موقوفا، أو يُدخل حديثا بحديث آخر (٣). من المعلوم أن ضبط الراوي في تأدية الحديث كما سمعه من شيخه، شرط لصحة المروي، فإذا فقد الراوي صفة الضبط، أو كثر وَهْمُهْ وخطأه، دخل الخلل والضعف لمروياته. ولكن قد يقع الوهم والخطأ عند الراوي الضابط الثقة في مروياته، وقلَّ أن يسلم من ذلك أحد الرواة … وهذا لايؤثر على ضبط الراوي إن كان

стр. 597

الخطأ والوهم قليلاً. وقد يقع وهم الراوي في السند وفي المتن. ١ - الوهم في السند: مثال عن الخطأ في السند ناتج من تبديل راوٍ بآخر. قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آلصُّبْحَ أَرْبَعًا، آلصُّبْحَ أَرْبَعًا. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخبَرَنا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ» (١). بين الكرماني (٢) أن رواية عبد العزيز عن عبدالله بن مالك ابن بحينة، أصح من رواية شعبة عن مالك بحذف لفظ عبدالله … فوقع الوهم من شعبة وغيره، والدليل على ذلك ما نقله الكرماني من أقوال العلماء، فقد روى الإمام مسلم: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،

стр. 598

عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ … » وفي نهاية الحديث قال: قَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: «وَقَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ». ورواية مسلم هذه كذلك أخرجها الطبراني في الكبير (١). وقال أبو مسعود الدمشقي أن أهل العراق كشعبة وحماد بن زيد، يقولون عن مالك بن بحينة وأهل الحجاز يقولون عن عبدالله بن مالك بن بحينة وهذا أصح، واستشهد الكرماني بأقوال علماء الجرح والتعديل كذلك: قال البخاري في تاريخه: أنه «عبدالله بن مالك بن بحينة» وذكر أن بعضهم قال مالك بن بحينة والأول أصح (٢). وقال عن ابن معين: عبدالله هو الذي روى عن النبي ﷺ وليس يروي أبوه عن النبي ﷺ شيئاً (٣). وقد روى النسائي حديثاً: «أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ» (٤) فبين النسائي أن هذا خطأ والصواب: عبدالله بن مالك

стр. 599

ابن بحينة (١). وقال أبو حاتم الرازي «وَلَيْسَ لابْنِ بُحَيْنَةَ أصلٌ»، وقال أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا هُوَ: عبدُالله بنُ مالكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ الأَسَدِيُّ حليفُ بني عَبْد المُطَّلِب (٢). وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأقوال في الإصابة (٣). ومما تجدر الإشارة إليه أن من الرواة من يُنسب لأبيه وأمه، فعبدالله بن مالك ابن بحينة، هو كذلك، فمالك أبوه، وأمه بحينة وقد أشار الكرماني لهذا في شرحه (٤). ٢ - الوهم في المتن: كما وقع الوهم في السند يقع في المتن، كزيادة في متن الحديث أتت من حديث آخر. مثاله: حديث البخاري «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ … ». قال البخاري: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا

стр. 600

الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (١). ذكر الكرماني أن قصة قريش، التماس أبي سفيان، هي قصة مكية إلا أن قوله: وزاد أسباط عن منصور … هي مدنية وليست في مكة (٢). فهذا يدل على أن زيادة أسباط وهم وخطأ، لأنه أدخل قصة المدينة، في قصة قريش. قال الشمس البرماوي: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (٣). وقد بيّن جملة من شراح الحديث هذا الوهم منهم ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح، (٤) ونقل ذلك عن الداودي، والحافظ شرف الدين الدمياطي (٥).
следующие страницы →