← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذهب السمين الحلبي إلى أن ﴿قِصَاصٌ﴾ هنا خبر (الجروحَ)، أي: وأنّ الجروحَ قصاصٌ. وممن قال بذلك: مكيّ بن أبي طالب في (المُشْكِل) (١)، وأبو حيان (٢)، وغيرهما (٣). قال مكي: "مَن نصب (الجُروحَ) عطفه على ﴿النَّفْسَ﴾، و ﴿قِصَاصٌ﴾ خَبره". اهـ (٤) وهذا التوجيه هو الأرجح، فالقول بأنّ ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر عن جميع المنصوبات - وهو قول ابن عطية- يقتضي أن أخذ العين بالعين وكل ما ذُكر قصاص، وهذا وإنّ سُميَ قصاصًا فإن القصاص هنا صار بقرينة المقابلة مختصًا بالجروح، وعليه: فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر (الجُروحَ). (٥) ويؤيد هذا التوجيه أيضاً قراءة أبيّ بن كعب: (وأنِ الجروحُ قصاصٌ) (٦)، ويؤيده أيضًا قراءة مَن رفع (الجروح) استئنافًا ونصب ما قبل ذلك، فهم استأنفوا فقالوا: (والجروحُ قصاصٌ)؛ لأن خبر الجروح لم يشبه أخبار ما تقدمه، فعدل به إلى الاستئناف (٧).

стр. 107

قال ابنُ خالويه: "ومما يدل على انقطاع ذلك من الأول أنه لم يقل فيه: والجروح بالجروح قصاص". اهـ (١) حتى إن بعض المفسرين والفقهاء ذكروا فائدة في قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وهي أن ذلك يدل على القصاص فيما يمكن القصاص فيه من الجروح وتُعرف فيه المساواة، أماّ ما لا يمكن القصاص فيه فلا قصاص؛ لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته (٢). وقد نصّوا أيضًا على أنّ قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ جملة مستقلة فيها تعميم بعد التخصيص (٣)، فقوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر خاص بالجروح وليس خبرًا عن جميع المنصوبات قبله. وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية. * * *

стр. 108

[١٥]: قال ابن عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]: "وقال مجاهد (١): قوله - تعالى-: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني محمداً ﷺ هو مؤتمن على القرآن. قال القاضي أبو محمد: وغلط الطبري ﵀ في هذه اللفظة على مجاهد؛ فإنه فسَّر تأويله على قراءة الناس (٢) ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ بكسر الميم الثانية فبعد التأويل، ومجاهد ﵀ إنما يقرأ هو وابن محيصن (٣) (ومهيمَناً عليه) بفتح الميم الثانية، فهو بناء اسم المفعول، وهو حال من الكتاب معطوفة على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وعلى هذا يتجه أن المؤتمن عليه هو محمد ﷺ و ﴿عَلَيْهِ﴾ في موضع رفع على تقدير أنها مفعول لم يسم فاعله. هذا على قراءة مجاهد وكذلك مشى مكي (٤) ﵀ وتوغل في طريق الطبري في هذا الموضع". ثم ختم ابن عطية حديثه عن الآية بقوله: "ويحتمل أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالين من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ولا يخص ذلك قراءة مجاهد وحده كما زعم مكي". اهـ (٥)

стр. 109

وقال السمين الحلبي: "وقرأ ابن محيصن ومجاهد: (ومُهَيْمَنا) بفتح الميم الثانية على أنه اسمُ مفعول، بمعنى أنه حوفظ عليه من التبديل والتغيير، والفاعل هو الله - تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أو الحافظ له في كل بلد، حتى إنه إذا غُيِرت منه الحركةُ تنبَّه لها الناسُ، ورَدُّوا على قارئِها بالصواب، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على هذه القراءة عائد على الكتاب الأول، وعلى القراءةِ المشهورة عائد على الكتاب الثاني. وروى ابن أبي نَجيح (١) عن مجاهد قراءته بالفتح وقال: "معناه: محمد مُؤْتَمَنٌ على القرآن"، قال الطبري: "فعلى هذا يكون ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالاً من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ " (٢)، وطَعَن على هذا القول لوجود الواو في ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾؛ لأنها عطف على ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الكتاب لا حال من الكاف؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: لما بين يديك؛ بالكاف". ثم قال السمين: "وقال ابن عطية هنا بعد أن حكى قراءةَ مجاهد وتفسيرَه محمداً ﵇ أنه أمين على القرآن: "قال الطبري: وقولُه (ومهيمناً) على هذا حالٌ من الكاف في قوله ﴿إِلَيْكَ﴾ قال: وهذا تأويلٌ بعيدٌ من المفهوم"، قال: "وغَلِط الطبري في هذه اللفظةِ على مجاهد، فإنه فَسَّر تأويلَه على قراءة الناس: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ بكسر الميم الثانية فَبَعُدَ التأويل، ومجاهد ﵀ إنما يقرأ هو وابن محيصن: (ومهيمَنا) بفتح الميم الثانية، فهو بناء اسم

стр. 110

المفعول، وهو حالٌ من الكتاب معطوف على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾، وعلى هذا يتجه أنَّ المؤتَمَنَ عليه هو محمد ﵇. قال: "وكذلك مشى مكي ﵀". قلت: وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ (مهيمَنا) حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: "ويحتمل أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ و ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ حالَيْن من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي"، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف ﴿إِلَيْكَ﴾ ... ؛ لقلق التركيب". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: قراءة مجاهد وتفسيره: قرأ مجاهد (ومهيمَناً) بفتح الميم الثانية: اسم مفعول، وهي قراءة شاذة، مخالفة لما اتفق عليه العشرة (٢). وقيل في توجيه في قراءة مجاهد أن معناها: هيمن عليه اللَّهُ - سبحانه- (٣).

стр. 111

قال الزمخشري في توجيهه لقراءة مجاهد: "والذي هيمن عليه اللَّه أو الحفّاظ في كل بلد، لو حُرِّف حَرْف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد" (١). وقال مجاهد في تفسيره لقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]: "مُؤتَمَنٌ على الكتب" (٢). وفي رواية: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: "مُحَمَّد ﷺ مؤتمناً على القرآن، والمهيمن الشَّاهِد على ما قبله من الْكتب" (٣). وأغلب المفسرين يذكرون تفسير مجاهد هذا بعد قراءته مباشرة، أي أنهم يرون أن تفسيره بناء على قراءته لا على قراءة الجمهور (٤). ثانياً: رأي الطبري في قراءة مجاهد وتفسيره: قال الطبري بعد أن ذكر تفسير مجاهد: "فتأويل الكلام على ما تأوّله مجاهد: وأنزلنا الكتاب مصدقًا الكتبَ قبله إليك، مهيمنا عليه، فيكون قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالا من ﴿الْكِتَابَ﴾ وبعضًا منه، ويكون التصديق من صفة الكتاب، والمهيمن حالاً من الكاف التي في ﴿إِلَيْكَ﴾،

стр. 112

وهي كناية عن ذكر اسم النبي ﷺ ، والهاء في قوله: ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدة على الكتاب" (١). ثم قال: "وهذا التأويل بعيد من المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أنّ المهيمن عطفٌ على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدِّق صفةً له، ولو كان معنى الكلام ما روي عن مجاهد، لقيل: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب مهيمنًا عليه؛ لأنه لم يتقدم من صفة الكاف التي في ﴿إِلَيْكَ﴾ بعدَها شيءٌ يكون ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ عطفًا عليه، وإنما عطف به على المصدق، لأنه من صفة ﴿الْكِتَابَ﴾ الذي من صفته المصدق. فإن ظنّ ظان أن (المصدق) على قول مجاهد وتأويلهِ هذا من صفة الكاف التي في ﴿إِلَيْكَ﴾، فإن قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يبطل أن يكون تأويل ذلك كذلك، وأن يكون (المصدق) من صفة الكاف التي في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ لأن الهاء في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، كناية اسم غير المخاطب، وهو النبي ﷺ في قوله ﴿إِلَيْكَ﴾، ولو كان (المصدق) من صفة الكاف، لكان الكلام: وأنزلنا إليك الكتاب مصدِّقًا لما بين يديك من الكتاب ومهيمنا عليه، فيكون معنى الكلام حينئذٍ كذلك". اهـ (٢)

стр. 113

ثالثاً: استدراك ابن عطية على الطبري: ذهب ابن عطية إلى أن اعتراض الطبري غير وارد على قراءة مجاهد؛ لأن ما قاله الطبري يصدق على قراءة الجمهور بكسر الميم الثانية في ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ مع حمل المعنى على تفسير مجاهد، ومجاهد إنما يقرأ بفتح الميم الثانية، وإذا كان ذلك كذلك فما قاله مجاهد في معنى (ومهيمَناً) صحيح لا يُرد (١). رابعاً: موافقة السمين للطبري ورده على ابن عطية: لم يوافق السمينُ ابنَ عطية في اعتراضه على الطبري؛ فذهب إلى تأييد الطبري في اعتراضه على مجاهد حيث قال: "وما قاله أبو محمد ليس فيه ما يَرُدُّ على الطبري، فإنَّ الطبري استشكل كونَ (مهيمَنا) حالاً من الكاف على قراءة مجاهد، وأيضاً فقد قال ابن عطية بعد ذلك: "ويحتمل أن يكون مصدقاً ومهيمناً حالَيْن من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ولا يَخُصُّ ذلك قراءةَ مجاهد وحده كما زعم مكي"، فالناس إنما استشكلوا كونَهما حالين من كاف ﴿إِلَيْكَ﴾ لقلق التركيب". اهـ (٢) والأقرب للصواب هو عدم ورود استدراك ابن عطية على الطبري؛ لأن الطبري استشكل تفسير مجاهد ويُحتمل أن مجاهداً عندما ذكر هذا المعنى بناه على القراءة المتواترة، ويُحتمل أنه بناه على القراءة الشاذة، والأصل أن المفسر إذا ذكر معاني القرآن فإنما يذكرها على المتواتر المعروف من القراءة لا على الشاذ (٣).

стр. 114

وأيضاً فإن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد مُشكل حتى وإن حُمل على القراءة الشاذة، فإن قوله - تعالى- ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ على هذا القراءة حال من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، وهذا لا يتجه كما قال الطبري (١) والسمين الحلبي (٢)؛ فإن ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الكتاب لا حال من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ إذ لو كان حالاً منها لكان التركيب: لما بين يديك؛ بكاف الخطاب، وتأويله على أنه من الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعيد عن نظم القرآن (٣). ومما يزيد في ضعف قراءة مجاهد وتفسيره ما جاء عن ابن عباس: " المُهَيْمِنُ: الأمين، القرآن أمينٌ على كل كتابٍ قبله". (٤) * * *

стр. 115

[١٦]: قال ابن عطية عند حديثه عن القراءات الواردة في ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]: "وروي عن الحسن من غير طريق عباد (٢) أنه قرأ بفتح العين والدال وسكون الباء، ونصب التاء من الطاغوت، وهذه تتجه على وجهين، أحدهما: أنه أراد (وعبداً الطاغوت) فحذف التنوين كما حذف في قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلا (٣) والوجه الآخر أن يريد (عَبَدَ) الذي هو فعل ماض، وسكن الباء على نحو ما هي عين الفعل مسكنة في قول الشاعر: وما كلُّ مغبونٍ (٤) ولو سَلْفَ (٥) صَفْقُهُ (٦) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . (٧)

стр. 116

فإن اللام من (سَلْفَ) مسكنة، ونحو هذا قول أبي السمَّال (ولُعْنوا بما قالوا) (١) بسكون العين، فهذه قراءات العين فيها مفتوحة". اهـ (٢) وقال السمين الحلبي: "وقرأ الحسن البصري في رواية عَبَّاد (وعَبْدَ الطاغوتَ) بفتح العين والدال وسكون الباء، ونصب التاء من (الطاغوت) وخَرَّجها ابن عطية على وجهين، أحدهما: أنه أراد: (وعَبْداً الطاغوت) فحذف التنوينَ من (عبداً) لالتقاء الساكنين كقوله: ................ ... وَلا ذَاكِرِ اللهَ إلاَّ قَلِيلا والثاني: أنه أراد (وعبَد) بفتح الباء على أنه فعلٌ ماضٍ كقراءة الجماعة إلا أنه سَكَّن العينَ على نحوِ ما سَكَّنها في قول الآخر: وما كلُّ مغبونٍ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... .....................

стр. 117

بسكون اللام، ومثله قراءةُ أبي السمَّال: (ولُعْنوا بما قالوا) بسكون العين. قلتُ: ليس ذلك مثلَ (لُعْنوا) لأنَّ تخفيف الكسر مقيس بخلاف الفتح". اهـ (١) دراسة الاستدراك: انتقد السمينُ ابنَ عطية في تنظيره قراءة الحسن بتسكين الباء (وعَبْدَ الطاغوت) بقراءة أبي السمّال بتسكين العين في قوله: (ولُعْنوا بما قالوا)؛ لأنَّ تخفيف الكسر مقيس بخلاف الفتح. وهذه المسألة تحدث عنها عدد من العلماء، فاتفق البصريون على أن المفتوح لا يخفف، وما جاء من تخفيف في المفتوح شاذٌ لا يُقاس عليه، نحو قوله: وما كلُّ مغبونٍ ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ... بِراجعِ ما قدْ فَاتَهُ بِرِدَادِ يريد: سَلَف، فأسكن مضطرًّا. وأجازَ الكوفُّيونَ ذلك، واستشهدوا بالبيت السابق (٢).

стр. 118

واتفق النحويون على جواز تسكين المضموم والمكسور، أما المفتوح - عند الجمهور- فلا يُسكن كما يُسكن المضموم والمكسور؛ لخفة الفتحة، والذي يقول في كَبِدٍ: كَبْدٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ؛ لا يقولُ في جَمَلٍ: جَمْل (١). قال سيبويه: "وأما ما توالت فيه الفتحتان فإنهم لا يسكنون منه، لأن الفتح أخف عليهم من الضم والكسر". اهـ (٢) وقال ابن قتيبة: "وإذا جاء الفعل على (فَعَل) لم يخففوه، نحو (ضَرَب) و (قَتَلَ)، و (أَكَلَ)؛ لأنهم لا يستثقلون الفتحة". اهـ (٣) وقال ابن جني: "ولم يجئ من هذا شيء في المفتوح لخفة الفتحة". اهـ (٤) وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن الراجح في هذه المسألة أن تخفيف الكسر والضم مقيس بخلاف تخفيف الفتح؛ فهو شاذ، وهذا قول البصريين وجمهور النحويين، أما ما استشهد به الكوفيون فلا يدل على القياس، بل يدل على شذوذ ذلك وجوازه عند الضرورة -كما قال البصريون-. * * *

стр. 119

[١٧]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءة برفع النون (١) في (بَيْنُكم) من قوله- تعالى-: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤]: "أمّا الرفع فعلى وجوه، أَوْلاها: أنه الظرف، استعمل اسماً وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه اسما في قوله - تعالى-: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصّلت: ٥]، وكقولهم فيما حكى سيبويه: أحمرُ بَيْنِ العينين (٢)، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي (٣).

стр. 120

والوجه الآخر: أن بعض المفسرين منهم: الزهراوي (١) والمهدوي (٢) وأبو الفتح (٣) وسواهم حكوا أنَّ (البَيْن) في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل، فكأنه قال: لقد تقطع وصلكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض؛ لأن ذلك لم يرو مسموعًا عن العرب، وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل (٤) في (العين): "و (البَيْن) الوصل؛ لقوله : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ) " اهـ (٥)، فعلّل سَوْق اللفظة بالآية، والآية مُعَرَّضَة لغير ذلك. والوجه الثالث من وجوه الرفع: أن يكون (البَيْن) على أصله في الفرقة مِن بانَ يَبِين إذا بَعُدَ، ويكون في قوله: ﴿تَقَطَّعَ﴾ تَجوُّزٌ على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة: تقطعت الفِجَاج بين كذا وكذا: عبارة عن بُعْدِ ذلك، ويكون المقصد: لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبَيْن الذي هو الفُرقَة". اهـ (٦)

стр. 121

وقال السمين الحلبي متحدثاً عن هذه القراءة: "وأما القراءة الثانية (بَيْنُكم) ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه اتُّسع في هذا الظرفِ، فأُسند الفعل إليه فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها". (١) وأطال السمين في حديثه عن هذا الوجه، ثم ذكر الوجه الثاني قائلاً: "الثاني: أن (بَيْن) اسمٌ غير ظرف، وإنما معناها الوصل أي: لقد تَقَطَّع وصلكم، ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأنَّ (بَيْن) مصدر بانَ يَبِينُ بَيْناً بمعنى بَعُد، فيكون من الأضداد أي إنه مشترك اشتراكاً لفظياً؛ يُستعمل للوصل والفراق، ويُعْزى هذا لأبي عمرو (٢) وابن جني (٣) والمهدوي (٤) والزهراوي (٥)، وقال أبو عبيد (٦): وكان أبو عمرو يقول: معنى تقطَّع بينكم: تقطَّع وصلكم، فصارت هنا اسماً من غير أن يكون معها (ما) (٧). وقال الزجاج: "والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطَّع وَصْلُكم" اهـ (٨)، فقد أطلقوا هؤلاء أنَّ (بَيْن) بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا أنَّ ابن عطية طعن فيه، وزعم أنه لم يُسْمع من العرب (البَيْن) بمعنى الوصل، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية، أو أنه

стр. 122

أُريد بالبَيْن الافتراقُ، وذلك مجازٌ عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطَّعت المسافة بينكم لطولها، فعبَّر عن ذلك بالبَيْن. قلت: فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فَهِمَ أنها بمعنى الوصل حقيقةً، ثم رَدَّه بكونِه لم يُسْمع من العرب، وهذا منه غير مرضٍ، لأنَّ أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم. وقوله: "وإنما انتُزِع من الآية" ممنوعٌ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب، ولو لم يكن ممن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به. وعبارته تؤذن بأنه مجاز، ووجه المجاز كما قاله الفارسي: "أنه لمَّا استعمل (بَيْن) مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينك شركَةٌ، وبيني وبينك رحم وصداقة؛ صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء لقد تقطَّع وصلكم". اهـ (١) وإذا تقرَّر هذا فالقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور". ونقل السمين بعض ما قاله الفارسي في (الحجة) في توجيهه لهذا القراءة، ثم انتقل للوجه الثالث قائلاً: "الثالث: أنَّ هذا كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتَّت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب". اهـ (٢)

стр. 123

دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في توجيه القراءة برفع النون (بينُكم). للعلماء في هذه المسألة أربعة أقوال: الأول: أن الَبْينَ في (بينُكم) ظرف استُعمل اسمًا، فلماّ استُعمل اسمًا جاز أن يُسند إليه الفعل (تقطّع)، ولا يجوز أن يكون (بينكم) مصدر؛ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف المعنى المراد؛ لأن المراد: لقد تقطع وصلكم، وجاز أن يكون البين بمعنى الوصل مع أن أصله الافتراق؛ لأنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو: بيني وبينه شِرْكَة، وبيني وبينه صداقة؛ صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمنزلة الوصلة على خلاف الفرقة؛ فلهذا جاء ﴿لقد تقطع بَيْنُكم﴾ بمعنى: لقد تقطع وصلكم. قاله: الفارسي (١)، ومكي بن أبي طالب (٢)، ورجحه: ابن عطية (٣)، والفخر الرازي (٤)، والسمين الحلبي (٥). قال السمين: "والقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور". اهـ (٦)

стр. 124

الثاني: أن يكون (البَيْنُ) على أصله في الفرقة مِن بانَ يَبِينُ إذا بَعُدَ، ويكون في قوله: (تَقَطَّعَ) تَجَوُّزٌ على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة: تقطعت الفِجَاجُ بين كذا وكذا: عبارة عن بُعد ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها، فعبر عن ذلك بالبَيْن الذي هو الفُرقَة. هذا الوجه ذكره ابنُ عطية وجهاً محتَملاً (١). الثالث: أن هذا كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتَّت. ذكره السمين الحلبي، وتعقبه بأنه لا يصلح أن يكون تفسير إعراب (٢). الرابع: أن البَيْن هنا: الوصل، أي: لقد تقطع وصلكم، فالبَيْنُ مِن الأضداد؛ يطلق في اللغة على الوصل، وعلى الافتراق.

стр. 125

وهو قول الجمهور (١)، وقد ضعفه ابن عطية قائلاً: "وفي هذا عندي اعتراض؛ لأن ذلك لم يرو مسموعًا عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في (العين): و (البَيْن) الوصل؛ لقوله- : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ" اهـ (٢)، فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك". اهـ (٣) ورد عليه السمين فقال: "وهذا منه غير مرضٍ، لأنَّ أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم، وقوله: " وإنما انتُزِع من هذه الآية" ممنوعٌ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب، ولو لم يكن ممَّن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به". اهـ (٤) وقد نُقل عن أبي عمرو - وقد قرأ بالرفع- أن البَيْن هنا هو الوصل، والمعنى: تقطع وصلكم (٥).

стр. 126

وقال بعضهم: هو مثل قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] أي: الوصلات والتواصل الذي كان بينهم في الدنيا (١). ثانياً: المناقشة والترجيح: أمَّا القول الأول فمؤداه نفس مؤدى قول الجمهور، إلا أن في تفصيله القول بالمجاز، ولا حاجة للقول بذلك؛ لأن البين استُعمل بمعنى الوصل عند العرب. وأمّا القول الثاني فذكره ابن عطية، ولم يرجحه أحدٌ من العلماء. وأمّا القول الثالث فهو تفسير معنى لا تفسير لفظ وإعراب، والجمع بين اللفظ والمعنى في التفسير والتوجيه هو الأولى. وأمّا القول الرابع فهو الراجح؛ لما يلي: ١ - أن هذا القول موافق لتفسير السلف من الصحابة والتابعين؛ إذ فسروا قوله (بينُكم): وصلكم (٢).

стр. 127

٢ - أن العرب قد استعملت البين بمعنى الوصل، ومن الشواهد على ذلك: قول الشاعر (١): لعَمْرُكَ لولا البَيْنُ لانقطعَ الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلِفُ (٢) فالبينُ هنا الوصل (٣). وجمع أحدهم بين المعنيين قائلاً (٤): وكُنَّا على بَيْنٍ يؤلِّف شملَنا ... فأعْقبَه البيْنُ الذي شتَّتَ الشملا فيا عجباً ضدان واللفظ واحد ... فللهِ لفظ ما أمرَّ وما أحْلى! والقرآن إنما نزل بلغة العرب، وجاءت الألفاظ فيه وفق استخدام العرب لها. ١ - أن القول بأن البيْن مِن الأضداد؛ يطلق على الوصل والافتراق، هو قول جمهور أهل اللغة (٥)، ومنهم أئمة كبار، ولم يذكروا أنهم انتزعوا ذلك من الآية، بل أثبتوا أنه يطلق على المعنيين عند العرب، وذكروا بعض الشواهد الشعرية على ذلك.

стр. 128

وعليه: فاستدراك السمين وارد على ابن عطية؛ لأن القول الذي ضعفه هو أقوى الأقوال وأرجحها، وما ذَكرَ فيه مِن الاعتراض لا يسلم له. إلا أن جميع تلك الأقوال والتوجيهات تؤدي إلى معنى واحد: وهو وقوع الافتراق بينهم وبين آلهتهم وشركائهم المزعومين يوم القيامة، فيتبرأ بعضهم من بعض، ولا ينفع بعضهم بعضاً. * * *

стр. 129

[١٨]: قال ابن عطية عند حديثه عن القراءات الواردة (١) في قوله - تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧]: "وقرأ ابن عامر: ﴿وكذلكَ زُيِّن﴾ بضم الزاي، ﴿قتلُ﴾ بالرفع، ﴿أولادَهم﴾ بنصب الدال، ﴿شركائِهم﴾ بخفض الشركاء، وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب، وذلك أنه أضاف القتل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية لا يجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في الشعر كقوله (٢):

стр. 130

كَمَا خَطَّ الْكِتَابَ بِكَفِّ يَوْمًا ... يَهُودِيٍّ يُقَارِبُ أَوْ يُزِيلُ (١) فكيف بالمفعول في أفصح الكلام؟ ولكن وجهها على ضعفها أنها وردت شاذة في بيت أنشده أبو الحسن الأخفش وهو (٢): فَزَجَجْتُهَا بمَزَجَّةٍ (٣) ... زجَّ القَلُوصَ (٤) أَبي مَزادَه (٥) وفي بيت الطرماح (٦) وهو قوله (٧): يَطُفْنَ (٨) بِحُوزِيِّ (٩) المَرَاتِعِ (١٠) لَمْ تُرَعْ (١١) ... بِوَادِيهِ مِنْ قَرْعِ (١٢) القِسِيَّ (١٣) الكَنَائِنِ (١٤) ". (١٥)

стр. 131

ثم ذكر ابن عطية بعضَ القراءات الأخرى الواردة في الآية (١). وقال السمين الحلبي: "وقرأ ابن عامر: ﴿زُيِّن﴾ مبنياً للمفعول، ﴿قَتْلُ﴾ رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعله، ﴿أولادَهم﴾ نصباً على المفعول بالمصدر، ﴿شركائِهم﴾ خفضاً على إضافة المصدر إليه فاعلاً. وهذه القراءة متواترة صحيحة، وقد تجرَّأ كثير من الناس على قارئها بما لا ينبغي، وهو أعلى القراء السبعة سنداً وأقدمهم هجرة" (٢).

стр. 132

ثم ذكر السمين بعض ما قيل في تضعيف هذه القراءة، ونقل قول ابن عطية -السابق ذكره- بنصه، ثم قال: "وهذه الأقوال التي ذكرتُها جميعاً لا ينبغي أن يُلْتفت إليها لأنها طَعْنٌ في المتواتر، وإن كانت صادرةً على أئمةٍ أكابرَ، وأيضاً فقد انتصر لها مَنْ يقابلهم، وأورد من لسانِ العرب نظمِه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغةً" (١). ثم نقل بعض الأقوال في الدفاع عن القراءات المتواترة عموماً وهذه القراءة على وجه الخصوص. وقال بعد ذلك: "وقد سُمِعَ ممَّنْ يُوثق بعربيته: "تَرْكُ يوماً نفسِك وهواها سَعْيٌ في رَداها" أي: تَرْكُ نفسِك يوماً مع هواها سَعْيٌ في هَلاكها، وأمَّا ما ورد في النظم من الفصل بين المتضايفين بالظرف وحرف الجر وبالمفعول فكثير، وبغير ذلك قليلٌ" (٢). وساق عددًا من الأمثلة من كلام العرب شعرًا ونثرًا مما فيه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وبالمفعول وبغيرهما؛ ليثبت صحة قراءة ابن عامر لغوياً (٣)، وأطال في ذلك وأجاد. إلى أن قال: "وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن قراءة ابن عامر صحيحة من حيث اللغة كما هي صحيحة من حيث النقل" (٤). وختم السمينُ حديثه عن قراءة ابن عامر بنقل قول أبي شامة (٥) في دفاعه عن هذه القراءة (٦)، حيث قال أبو شامة ما ملخصه: أن ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ رُسمت في مصاحف أهل

стр. 133

الشام ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ بالياء؛ فدلَّ ذلك أنها مخفوضة، ثم أثبت صحة الفصل بين المضاف والمضاف إليه من الناحية النحوية، وجعل الذين تعرضوا لقراءة ابن عامر على قسمين: منهم مَن ضعّف القراءة، ومنهم مَن جهّل القارئ، وكلاهما على خطأ؛ إذ لا يجوز إنكار قراءة صحّت عن إمام من أئمة المسلمين، ثم ردّ على الزمخشري في تضعيفه لهذه القراءة (١). دراسة الاستدراك: أولاً: قراءة ابن عامر: قرأ ابن عامر: ﴿زُيّنَ لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم﴾: بضم الزَّاي وكسر الياء مِن ﴿زُيِّنَ﴾: مبني للمفعول، ورفع لام ﴿قَتْلُ﴾: نائب فاعل وهو مضاف، ونصب دالِ ﴿أَولادَهُمْ﴾ وهي مفعول للمصدر ﴿قتلُ﴾، وخفض همزة ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ بإضافة ﴿قَتْلُ﴾ إليه، وهو فاعل في المعنى (٢).

стр. 134

وبذلك تكون قراءة ابن عامر على الفصل بين المضاف ﴿قَتْلُ﴾ والمضاف إليه ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ بالمفعول ﴿أَولادَهُمْ﴾ (١). وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأن الشركاء هم الذين زينوا ذلك وَدَعَوْا إليه، فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فَرَّقَ بين المضاف والمضاف إليه، وقدّم المفعولَ وترَكَه منصوباً على حاله؛ إذ كان متأخرًا في المعنى، وأخَّرَ المضافَ وتَرَكَهُ مخفوضاً على حاله؛ إِذْ كان متقدمًا بعد القتل، والتقدير: وكذلك زُيِّنَ لكثير مِن المشركين قَتْلُ شُرَكَائِهِم أولادَهُم (٢). ثانيًا: أقوال العلماء في قراءة ابن عامر: رَأْيُ العلماء في قراءة ابن عامر مبني على رأيهم في مسألة الفصل بين المتضايفين بغير الظرف والجار والمجرور؛ فمن أجاز ذلك لم يضعف القراءة، ومَن منع ذلك ضعّف القراءة ورَدّها. فمن الناحية النحوية أجاز الكوفيون الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وبالجار والمجرور وغيرهما في الشعر والنثر على السواء، ومنع جمهور البصريين الفصل بين المتضايفين بغير الظرف والجار والمجرور؛ محتجين بأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد،

стр. 135

فلا يجوز أن يُفصل بينهما، وإنما جاز الفصل بينهما بالظرف وحروف الجر لاتساع العرب فيهما (١). وقد ضعَّف قراءة ابن عامر عدد من المفسرين والنحويين، منهم: الفراء (٢) - وهو كوفي-، والطبري (٣)، والنحَّاس (٤)، والفارسي (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦)، والزمخشري (٧)، وابن عطية (٨)، وأبو البقاء (٩)، وغيرهم (١٠). قال الشوكاني (١١) بعد أن أنكر تواتر هذه القراءة: "فمن قرأ بما يخالف الوجهَ النحوي فقراءته رد عليه، ولا يصح الاستدلالُ لصحة هذه القراءة بما ورد مِن الفصل في النظم". اهـ (١٢)

стр. 136

وفي المقابل دافع عن هذه القراءة وأثبت صحتها لغةً عددٌ من العلماء منهم: أبو شامة (١)، وابن المنير (٢) الإسكندري (٣)، وأبو حيان (٤)، والسمين الحلبي (٥)، وابن الجزري (٦)، والسيوطي (٧)، وغيرهم (٨). وقد استخدم السمين أكثر من طريقة في دفاعه عن قراءة ابن عامر: ١. بإثبات تواترها وصحة نقلها، وبالتالي عدم جواز ردها أو تضعيفها. ٢. بالدفاع عن قارئها ابن عامر، وبيان مكانته، وعلو سنده.

стр. 137

٣. بإثبات صحتها من الناحية النحوية (١). ثالثاً: حكم هذه القراءة: الصواب أن قراءة ابن عامر صحيحة نقلاً ولغة -كما قال السمين-، والراجح جواز الفصل بين المتضايفين بالمفعول؛ لوجوده في هذه القراءة المتواترة المنسوبة إلى العربي المحض ابن عامر، الذي أخذ القرآن عن الصحابة قبل أن يظهر اللحن في اللسان العربي (٢). وقراءة ابن عامر مؤيدة بقراءة أخرى؛ فقد قرأ بعض السلف (٣): ﴿فلا تحسبنَ الله مخلفَ وعدَه رسلِه﴾ [إبراهيم: ٤٧] بنصب (وعدَه) وخفض (رسلِه). (٤) وقد جاء ذلك في كلام العرب شعرًا (٥) ونثرًا (٦)، ومن الشواهد الدالة على صحة ما جاء في قراءة ابن عامر:

стр. 138

قول الرسول ﷺ : (هل أنتم تاركو لي صاحبي؟) (١)؛ فإن قوله: (تاركو) مضاف، وقوله: (صاحبي) مضاف إليه، وقد فصل بينهما بالجار والمجرور الذي هو قوله: (لي) (٢). قال ابن الجزري: "فصَلَ بالجار والجرور (لي) بين اسم الفاعل (تاركو) ومفعوله (صاحبي)، مع ما فيه مِن الضمير المنوي، ففصْلُ المصدرِ بخُلُوِّه مِن الضمير أولى بالجواز" (٣). وقد سُمع من بعض العرب: "هذا غلامُ - والله- زيدٍ"؛ فصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالقسم (٤). وفي قولهم: " تَرْكُ يَوْمًا نَفسِك وهواها سعيٌ لَهَا فِي رَداها" فصْلٌ بين المضاف (ترك) والمضاف إليه في (نفسك) بالظرف (يوماً) (٥). وقد فَصَلُوا بينهما بالجملة في قولهم: "هُوَ غُلامُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أَخِيكَ"، فالفصل بالمفرد أسهل (٦).

стр. 139

والفصل بين المصدر المضاف والمضاف إليه بالمفعول جائز؛ لكونه في غير محله، فهو في نية التأخير، ولا يجوز بالفاعل؛ لكونه في محله (١). وقد حسّن ابن مالك (٢) الفصل الواقع في قراءة ابن عامر لأمور: أَحَدُهَا: كَوْنُ الفاصل فَضْلَةً فإنه لذلك صَالِحٌ لعدم الاعتداد به. الثَّانِي: أنه غيرُ أجنبيّ معنًى؛ لتعلقه بالمضاف وهو المصدر. الثَّالِثُ: أَنَّ الفاصلَ مقدَّرُ التأخيرِ؛ لأن المضاف إليه مُقَدَّر التقديم؛ لأنه فاعل في المعنى، حتى إن العرب لو لم تستعمل مثل هذا الفصل لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا؛ فاستحق بغير أجنبي أن يكون له مَزِيَّةٌ، فيُحكَمُ بجوازه مطلقاً (٣). وبيّن ابن هشام - وهو بصري- المسائل التي يجوز الفصل فيها في النثر، فذكر أن إحداها: أن يكون المضاف مصدرًا والمضاف إليه فاعله، والفاصل إما مفعوله؛ كقراءة ابن عامر، وإما ظرفه؛ كقول بعضهم: "تَرْكُ يومًا نَفسِك وهَواها". والثانية: أن يكون المضاف وصفاً، والمضاف إليه مفعوله الأول، والفاصل مفعوله الثاني؛ كقراءة بعضهم: ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعدَه رسلِه﴾ [إبراهيم: ٤٧].

стр. 140

والثالثة: أن يكون الفاصل قسماً؛ كقولهم: "هذا غلام -والله- زيد" (١). قال ابن الجزري: "الصواب جواز مثل هذا الفصل، وهو الفصل بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول في الفصيح الشائع الذائع اختياراً، ولا يختص ذلك بضرورة الشعر، ويكفي في ذلك دليلاً هذه القراءة الصحيحة المشهورة التي بلغت التواتر كيف وقارئها ابن عامر من كبار التابعين الذين أخذوا عن الصحابة" (٢). ثم قال: "ولم يبلغنا عن أحد من السلف ﵃ على اختلاف مذاهبهم وتباين لغاتهم وشدة ورعهم أنه أنكر على ابن عامر شيئاً من قراءته، ولا طعن فيها، ولا أشار إليها بضعف، ولقد كان الناس بدمشق وسائر بلاد الشام حتى الجزيرة الفراتية (٣) وأعمالها لا يأخذون إلا بقراءة ابن عامر، ولازال الأمر كذلك إلى حدود الخمسمائة، وأول من نعلمه أنكر هذه القراءة وغيرها من القراءة الصحيحة وركب هذا المحذور ابن جرير الطبري بعد الثلاثمائة، وقد عُدَّ ذلك من سقطات ابن جرير". اهـ (٤) قال الشهاب الخفاجي (٥): "وكلام الله أحق أن تجرى عليه القواعد، وترجع إليه لا أن يرجع إلى غيره، والعجب ممن أثبت تلك القواعد برواية واحد عن جاهليّ من العرب، فإذا جاء إلى النظم توقف في الإثبات به". اهـ (٦)

стр. 141

وقال الطاهر بن عاشور (١): "ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس، وقواعد النّحو لا تمنع إلاّ قياس المولَّدين على ما ورد نادراً في الكلام الفصيح، والنّدرة لا تنافي الفصاحة". اهـ (٢) * * * [١٩]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة (٣) في قوله - تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾

стр. 142

[الأعراف: ٥٤]: "وقرأ حُمَيد (١) (يَغشَى) بفتح الياء والشين ونصب (الليل) ورفع (النهار)؛ كذا قال أبو الفتح، وقال أبو عمرو الداني (٢): برفع (الليل). قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت". اهـ (٣) قال السمين الحلبي متحدثاً عن هذه القراءة، ومستدركاً على ابن عطية، ومرجحاً رواية الداني: "وقرأ حميد بن قيس (يَغْشَى) بفتح الياءِ والشين، (الليلُ) رفعاً، (النهارَ) نصباً؛ هذه رواية الداني عنه، وروى ابن جني عنه نصب (الليلَ) ورفع (النهارُ). قال ابن عطية: "ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ" وفيه نظرٌ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد روايةَ الداني أيضاً أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى؛ وذلك أنه جعل (الليل) فاعلاً لفظاً ومعنى، و (النهار) مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: (الليل) فاعل معنى، و (النهار) مفعول لفظاً ومعنى، وذلك أن المفعولَيْن في هذا الباب متى صَلُح أن يكونَ كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: «أعطيت زيداً عمراً» فإن لم يُلْبس نحو: «أعطيت زيداً درهماً، وكَسَوْتُ عمراً جبةً» جاز، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب زيد عمراً، وهذه الآية الكريمةُ من باب «أعطيت زيداً عمراً»؛ لأن كلاً من

стр. 143

الليل والنهار يَصْلُح أن يكون غاشياً مغشِّياً، فوجَبَ جَعْلُ (الليل) في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي و (النهار) هو المفعول من غير عكس، وقراءة الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرّحةُ بفاعلية الليل، وقراءة ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: قراءة حُمَيد بن قيس: قرأ حميد بن قيس (يَغشَى) بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين، مِن (غَشِيَ) (٢)، واختلف النقل عنه في (الليل) و (النهار) كما يلي: ١ - ذكر ابنُ جنّي أن قراءة حميد (يَغشى الليلَ النهارُ) بنصب اللام، ورفع الراء على الفاعلية (٣). قال الزمخشري عن قراءة حُمَيد: "يَغشى الليلَ النهارُ: بفتح الياء، ونصب الليل، ورفع النهار". اهـ (٤) وكذا قال الفخر الرازي في تفسيره (٥).

стр. 144

٢ - ذكر أبو عمرو الداني أن حُميدًا قرأ (يَغشَى الليلُ النهارَ) بضم الليل على أنه الفاعل، والنهارَ: بالنصب على المفعولية (١). قال أبو البقاء: "ويُقرأ (يَغْشى) بفتح الياء والتخفيف، والليلُ فاعله". اهـ (٢) ورجّح روايةَ الداني: أبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤). وبهذا الوجه نقل الشوكاني قراءة حميد دون أن يصرح بأنها رواية الداني؛ قال: "وقرأ حُمَيْدُ بن قيس: يَغْشَى الليلُ النَّهارَ؛ على إسناد الفعلِ إلى اللَّيل". اهـ (٥) ثانياً: الترجيح بين رواية ابن جني ورواية الداني: رجّح ابنُ عطية روايةَ ابن جني بحجة أنه أثبت من أبي عمرو الداني (٦)، وانتقده أبو حيان في ذلك، ودافع عن أبي عمرو الداني وروايته من عدة وجوه، حيث قال: "وهذا الذي قاله من أنّ أبا الفتح أثبت كلام لا يصح؛ إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها، وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القرآن عن أحد، ولا روي عنهم القرآن، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النّقل وعدم التجاسر، ووفور الخط من العربية، فقد رأيت له كتاباً في

стр. 145

(كلاّ)، وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير، دلاّ على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ﵀". اهـ (١) وانتقد ابنَ عطية أيضاً السمينُ الحلبي، ورجَّح رواية أبي عمرو الداني. قال السمين: "قال ابن عطية: "ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ" وفيه نظرٌ؛ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان دونه في العلم بطبقات". اهـ (٢) فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن رواية الداني هي الأرجح لما يلي: ١ - أن الداني أعلم وأعنى بالقراءات مِن ابن جني، والعلماء في شتى العلوم يعتبرون التخصص في الترجيح بين الروايات والأقوال (٣)، هذا بالإضافة إلى علو مرتبته في العربية كما قال أبو حيان. ٢ - أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل (الليل) فاعلاً لفظاً ومعنى، و (النهار) مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: (الليل) فاعل معنى، و (النهار) مفعول لفظاً ومعنى (٤). قال ابن عاشور: "الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكونَ الأولُ هو الفاعل في المعنى، ويجوز العكس إذا أمِنَ اللَّبْس". اهـ (٥)
следующие страницы →