وقال الطاهر بن عاشور (١): "ومُدوّناتُ النّحو ما قصد بها إلاّ ضبط قواعد العربيّة الغالبة ليجري عليها النّاشئون في اللّغة العربيّة، وليست حاصرة لاستعمال فصحاء العرب، والقرّاءُ حجّة على النّحاة دون العكس، وقواعد النّحو لا تمنع إلاّ قياس المولَّدين على ما ورد نادراً في الكلام الفصيح، والنّدرة لا تنافي الفصاحة". اهـ (٢)
* * *
[١٩]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة (٣) في قوله - تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾
стр. 142
[الأعراف: ٥٤]: "وقرأ حُمَيد (١) (يَغشَى) بفتح الياء والشين ونصب (الليل) ورفع (النهار)؛ كذا قال أبو الفتح، وقال أبو عمرو الداني (٢): برفع (الليل).
قال القاضي أبو محمد: وأبو الفتح أثبت". اهـ (٣)
قال السمين الحلبي متحدثاً عن هذه القراءة، ومستدركاً على ابن عطية، ومرجحاً رواية الداني: "وقرأ حميد بن قيس (يَغْشَى) بفتح الياءِ والشين، (الليلُ) رفعاً، (النهارَ) نصباً؛ هذه رواية الداني عنه، وروى ابن جني عنه نصب (الليلَ) ورفع (النهارُ).
قال ابن عطية: "ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ" وفيه نظرٌ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان دونه في العلم بطبقات، ويؤيد روايةَ الداني أيضاً أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى؛ وذلك أنه جعل (الليل) فاعلاً لفظاً ومعنى، و (النهار) مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: (الليل) فاعل معنى، و (النهار) مفعول لفظاً ومعنى، وذلك أن المفعولَيْن في هذا الباب متى صَلُح أن يكونَ كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: «أعطيت زيداً عمراً» فإن لم يُلْبس نحو: «أعطيت زيداً درهماً، وكَسَوْتُ عمراً جبةً» جاز، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصريحين نحو: ضرب موسى عيسى، وضرب زيد عمراً، وهذه الآية الكريمةُ من باب «أعطيت زيداً عمراً»؛ لأن كلاً من
стр. 143
الليل والنهار يَصْلُح أن يكون غاشياً مغشِّياً، فوجَبَ جَعْلُ (الليل) في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي و (النهار) هو المفعول من غير عكس، وقراءة الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرّحةُ بفاعلية الليل، وقراءة ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أولاً: قراءة حُمَيد بن قيس:
قرأ حميد بن قيس (يَغشَى) بفتح الياء وسكون الغين وفتح الشين، مِن (غَشِيَ) (٢)، واختلف النقل عنه في (الليل) و (النهار) كما يلي:
١ - ذكر ابنُ جنّي أن قراءة حميد (يَغشى الليلَ النهارُ) بنصب اللام، ورفع الراء على الفاعلية (٣).
قال الزمخشري عن قراءة حُمَيد: "يَغشى الليلَ النهارُ: بفتح الياء، ونصب الليل، ورفع النهار". اهـ (٤)
وكذا قال الفخر الرازي في تفسيره (٥).
стр. 144
٢ - ذكر أبو عمرو الداني أن حُميدًا قرأ (يَغشَى الليلُ النهارَ) بضم الليل على أنه الفاعل، والنهارَ: بالنصب على المفعولية (١).
قال أبو البقاء: "ويُقرأ (يَغْشى) بفتح الياء والتخفيف، والليلُ فاعله". اهـ (٢)
ورجّح روايةَ الداني: أبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤).
وبهذا الوجه نقل الشوكاني قراءة حميد دون أن يصرح بأنها رواية الداني؛ قال: "وقرأ حُمَيْدُ بن قيس: يَغْشَى الليلُ النَّهارَ؛ على إسناد الفعلِ إلى اللَّيل". اهـ (٥)
ثانياً: الترجيح بين رواية ابن جني ورواية الداني:
رجّح ابنُ عطية روايةَ ابن جني بحجة أنه أثبت من أبي عمرو الداني (٦)، وانتقده أبو حيان في ذلك، ودافع عن أبي عمرو الداني وروايته من عدة وجوه، حيث قال: "وهذا الذي قاله من أنّ أبا الفتح أثبت كلام لا يصح؛ إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها، وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلاً عن النحاة الذين ليسوا مقرئين ولا رووا القرآن عن أحد، ولا روي عنهم القرآن، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النّقل وعدم التجاسر، ووفور الخط من العربية، فقد رأيت له كتاباً في
стр. 145
(كلاّ)، وكتاباً في إدغام أبي عمرو الكبير، دلاّ على إطلاعه على ما لا يكاد يطلع عليه أئمة النحاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه ﵀". اهـ (١)
وانتقد ابنَ عطية أيضاً السمينُ الحلبي، ورجَّح رواية أبي عمرو الداني.
قال السمين: "قال ابن عطية: "ونَقْلُ ابن جني أَثْبَتُ" وفيه نظرٌ؛ من حيث إن الداني أعنى من أبي الفتح بهذه الصناعة، وإن كان دونه في العلم بطبقات". اهـ (٢)
فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن رواية الداني هي الأرجح لما يلي:
١ - أن الداني أعلم وأعنى بالقراءات مِن ابن جني، والعلماء في شتى العلوم يعتبرون التخصص في الترجيح بين الروايات والأقوال (٣)، هذا بالإضافة إلى علو مرتبته في العربية كما قال أبو حيان.
٢ - أنها موافقةٌ لقراءة العامة من حيث المعنى، وذلك أنه جعل (الليل) فاعلاً لفظاً ومعنى، و (النهار) مفعولاً لفظاً ومعنى، وفي قراءة الجماعة: (الليل) فاعل معنى، و (النهار) مفعول لفظاً ومعنى (٤).
قال ابن عاشور: "الأصل في ترتيب المفاعيل في هذا الباب أن يكونَ الأولُ هو الفاعل في المعنى، ويجوز العكس إذا أمِنَ اللَّبْس". اهـ (٥)
стр. 146
وفي هذه الآية الكريمة وجبَ تقديم الفاعل معنى لئلا يُلْبِسَ نحو: «أعطيت زيداً عمراً» لأن كلاً من (الليل) و (النهار) يصلح أن يكون غاشياً مغشِّياً فوجَبَ جَعْلُ (الليل) في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي، و (النهار) هو المفعول مِن غير عكس، ورواية الداني موافقةٌ لهذه لأنها المصرِّحةُ بفاعلية الليل، ورواية ابن جني مخالفةٌ لها، وموافقةُ الجماعة أولى (١).
* * *
стр. 147
[٢٠]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]: "وقرأ الحسن وعمرو بن دينار (١) وأبو حَيْوَة (٢) (ومِن رُبُط) بضم الراء والباء (٣)، وهو جمع رِبَاط ككِتَاب وكُتُب، كذا نَصَّهُ المفسرون، وفي جمعه وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نَظَرٌ ". اهـ (٤)
стр. 148
وقال السمين الحلبي: "وقرأ الحسن وأبو حيوة ومالك بن دينار (١) (ومن رُبُط) بضمتين، وعن الحسن أيضاً (رُبْط) بضم وسكون، وذلك نحو كِتَاب وكُتُب، قال ابن عطية: "وفي جَمْعِه وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ ".
قلت: لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدر، بل حكى أبو زيد (٢) أن (رِباطاً) الخَمْسُ من الخيل فما فوقَها، وأن جمعها (رُبُط)، ولو سُلِّم أنه مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنه لم تختلف أنواعُه، وقد تقدَّم أن (رباطاً) يجوز أن يكون جمعاً لرَبْط المصدر، فما كان جواباً هناك فهو جوابٌ هنا". ... اهـ (٣)
تحليل الاستدراك:
موضوع هذا الاستدراك هو توجيه القراءة بضم الراء والباء (رُبُط)، والقول فيها مبني على معنى (رباط الخيل) في الآية.
فذهب ابن عطية إلى أن (رُبُط) جمع رباط، وانتقدها بحجة أنها جمع لمصدرٍ غير مختلف (رباط).
стр. 149
واستدرك عليه السمين؛ فلم يسلّم بأن (رباط) مصدر، ونقل قول أبي زيد في المراد بالرباط، وهو القول الذي يضعف ما ذهب إليه ابن عطية -أن (رباط) مصدر-، وقد قرر السمين قبل ذلك أنه يجوز أن يكون (رباط) جمع لرَبْط -المصدر-.
دراسة الاستدراك:
أولاً: أقوال العلماء في المراد بالرباط في الآية:
١ - أن الرباط: الخمس من الخيل فما فوقها، واحدها: رَبِيط، كَفِصَالٍ وفَصِيل، وجماعته: رُبُط، وهي التي ترتبط، وهذا قول أبي زيد، وقد ذكره جمهور المفسرين وأهل اللغة (١).
٢ - أنها اسم للخيل التي ترتبط في سبيل الله.
قاله: الزمخشري (٢)، والفخر الرازي (٣)، وغيرهما (٤)، وهو قريب من معنى القول الأول.
٣ - أن الرباط مصدر ربَطَ أو رابَط.
قاله ابنُ عطية (٥)، وجعله بعضُ العلماء وجهاً محتملاً (٦).
стр. 150
٤ - أن الرباط جمع رَبْط، كَكَعْب وكِعَاب.
ذكره ابن عطية وبه بدأ (١)، وجوّزه السمين الحلبي (٢).
ثانياً: القول الراجح:
القول الأول هو الأقرب للصواب؛ لما يلي:
١ - أنه الأقرب لسياق الآية؛ فإن في الخيل الكثيرة المرتبطة إرهاباً للعدو.
٢ - قال مجاهد وعكرمة (٣) في معنى رباط الخيل: "هي الإناث" (٤)، وفُسِّرَ بالإناث لأنها أولى ما يُرْبَطُ لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى مِن ارتباط الفحول (٥).
стр. 151
وهذا يرجح القول بأن الرباطَ خيلٌ مرتبطةٌ وهو معنى القولين: الأول والثاني.
قال الفخر الرازي: "ولقائلٍ أن يقول: بل حَمْلُ هذا اللفظ على الفحول أولى؛ لأن المقصود مِن رباط الخيل المحاربة عليها، ولا شكَّ أَنَّ الفحولَ أقوى على الكَرِّ والفَرِّ والعَدْوِ، فكانت المحاربة عليها أسهل، فوجبَ تخصيص هذا اللفظ بها، ولَمَّا وقع التعارض بين هذين الوجهين وجبَ حَمْلُ اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً، سَواءٌ كان من الفحول أو من الإناث". اهـ (١)
٣ - أن قول أبي زيد فيه تفسير لكلا القراءتين: المتواترة ﴿رِبَاط﴾، والشاذة (رُبط)؛ حيث بيّن المراد بالرباط والرُبط.
٤ - أن العرب تسمي الخيلَ إذا رُبطت رُبْطًا واحدها: رَبِيطٌ (٢)، وتجمع الرُّبْط: رِباطاً، وهو جمع الجمع (٣).
وهذا يضعف القول بأن (رِبَاط) في الآية مصدر، و (رُبُط) جمع المصدر (رِبَاط)، بل (رُبط) هي الخيل إذا رُبطَت، وجمعها: رِبَاط.
стр. 152
وبناءً على ما ذُكر فإن القراءة بضم الراء والباء (رُبُط) صحيحة من الناحية اللغوية.
أما مِن حيث المعنى فإنه لا تعارض بين الأقوال الثلاثة الأولى عند التحقيق؛ فالقول الثاني قريب من معنى القول الأول إلا أن الثاني عمّم الخيل المرتبطة، والأول خصّها بالخمس فما فوقها.
والقول بأن الرباط هي الخيل المرتبطة يتضمن معنى المصدر -القول الثالث-؛ فالخيل المرتبطة متحقق فيها معنى المرابطة.
أما القول الرابع فليس له ما يعضده؛ حيث لم يرد في اللغة أن رباطاً جمع رَبْط.
* * *
стр. 153
[٢١]: قال ابن عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]: "و (المُقام) بضم الميم إقامته ساكناً في موضع أو بلد، ولم يُقرأ هنا بضم الميم". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "وقرأ أبو رجاء (٢) وأبو مِجْلز (٣) وأبو الجوزاء (٤) (مُقامي) بضم الميم (٥)، و (المقام) بالفتح مكان القيام، وبالضم مكان الإِقامة أو الإِقامة نفسها.
стр. 154
وقال ابن عطية: "ولم يُقرأ هنا بضم الميم" اهـ، كأنه لم يَطَّلع على قراءةِ هؤلاء الآباء". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أغلب المفسرين وأهل القراءات لم يتحدثوا عن ورود قراءات في قوله ﴿مَقَامِي﴾ غير قراءة الجمهور.
ومنهم من نفى ورود قراءة بضم الميم في هذا الموضع كابن عطية (٢)، والقرطبي حيث قال: "والمُقام بالضمِّ: الإقامة، ولم يقرأ به فيما علمت". اهـ (٣)
وقال الشوكاني: "وقد اتفق القراء على الفتح". اهـ (٤)
وقد أثبت ورود قراءة شاذة بضم الميم عن أبي الجوزاء وأبي رجاء وأبي مِجْلز ثلاثةٌ من العلماء هم: ابن الجوزي (٥)، وأبو حيان (٦)، والسمين الحلبي (٧)، ولم أجدها عند غيرهم من أهل التفسير والقراءات.
стр. 155
ففي هذا الاستدراك انتقد السمين ابنَ عطية في عدم علمه بالقراءة بالضم، وهذا من أوجه استدراك السمين على ابن عطية في مجال القراءات، حيث ينتقده في عدم معرفته ببعض القراءات التي قُرئ بها (١).
وإثبات القراءة بالضم -لاسيما وهي منسوبة لأئمة كبار- والاستفادة منها في التفسير أوْلَى من نفيها، إلا أن عدم علم ابن عطية بهذه القراءة لا ينتقص من علمه بالقراءات، لاسيما وأن القراءات الشاذة تتفاوت في شهرتها.
* * *
стр. 156
[٢٢]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
: "وقرأ جمهور الناس: ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١) بكسر الياء وشدِّها، وقرأ الأعمش (٢) وابن أبي عبلة (٣) (على الجُودِيْ) بسكون الياء، وهما لغتان". اهـ (٤)
وقال السمين الحلبي: "وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة بتخفيف (الجُوْدِيْ).
قال ابن عطية: "وهما لغتان"، والصواب أن يقال: خُفِّفَتْ ياءُ النسب، وإن كان لا يجوزُ ذلك في كلامهم الفاشي". اهـ (٥)
دراسة الاستدراك:
ذَكَرَ أغلبُ المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآية المرادَ بالجوديّ (٦) دون تفصيل للفظ الكلمة، وما إذا كان (الْجُودِيِّ) في الأصل نسبة إلى الجود والياء ياء النسب أم غير ذلك (٧).
стр. 157
ومنهم مَن قال بأن في (الجودي) لغتان: بتشديد الياء وتسكينها، دون إشارة إلى أن الياء في الجودي هي ياء النسب المشددة أو أن الجودي في الأصل منسوب إلى الجود.
قال بذلك: مكيُّ بن أبي طالب (١)، وابن عطية (٢).
قال مكيّ: "وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها". اهـ (٣)
أما جمهور العلماء الذين تحدثوا عن هذه اللفظة فقد أثبتوا أن الجودي في الأصل منسوب إلى الجود، والياء فيها مشددة، وهي ياء النسب، وتخفيفها شاذ.
وممن قال بذلك: الأخفش (٤)، وابن جنّي (٥)، وأبو البقاء (٦)، وأبو حيان (٧)، والسمين (٨)، وغيرهم (٩).
стр. 158
قال الأخفش: "وأما (الجُودِيُّ) فثُقّلَ لأنها ياء النسبة فكأنه أضيف إلى الجُود ". اهـ (١)
وقال الراغب: " هو في الأصل منسوب إلى الجود". اهـ (٢)
وقال أبو البقاء: "قوله -تعالى-: ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾: بتشديد الياء، وهو الأصل". اهـ (٣)
وتشديد ياء النسب واجب لغةً باتفاق أهل اللغة، فلا يجوز تخفيفها؛ لئلا تلتبس بياء المتكلم المضاف إليها، ولأن النِّسبَة تصير لازمة للمنسوب، فصارَت هذه الإضافة - ياء النسب- أشدَّ مبالغة من سائِر الإضافات، فشدَّدُوا ياء النسب؛ ليدلوا على هذا المعنى (٤).
أما تخفيف ياء النسب في هذه القراءة فهو لاستثقال الياءين -ياءي النسب- (٥)، وهذا التخفيف -بحذف إحدى ياءي النسب- قليلٌ شاذ، وبابُه الشعر (٦).
قال الفراء عن هذه القراءة: "هي مما كَثُر به الكلام عند أهله فخُفِّف". اهـ (٧)
стр. 159
فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن تسكين الياء في هذه القراءة الأَوْلى أن يقال فيه: حذفت إحدى ياءي النسب؛ لاستثقال الياءين، وذلك قليل شاذ.
وقراءة الجمهور بالتشديد قد تعتبر مرجحاً للقول بأن الياء في (الجودي) ياء النسب، وهي قد تخفف كما في قراءة الأعمش وابن أبي عبلة.
وبالجملة فإن الخلاف بين قولي ابن عطية والسمين لا يترتب عليه اختلاف في المعنى، فالجودي هو ذاته في كلا التوجيهين، إنما الخلاف في لفظ الكلمة وأصلها لا في معناها.
* * *
стр. 160
[٢٣]: قال ابنُ عطية عند حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]: "وقرأ ابن كثير في بعض الروايات عنه: (نَرْتَعِي) (١) بإثبات الياء، وهي ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر (٢):
أَلَمْ يَأتِيكَ والأنباءُ تَنْمِي (٣) ... بِمَا لاقَتْ لَبُونُ (٤) بَنِي زِيَادِ " (٥)
стр. 161
وقال السمينُ الحلبي: "وأمَّا إثبات الياء في (نَرْتَعِي) مع جزم (نلعب) وهي قراءةُ قنبل (١) فقد تجرأ بعض الناس ورَدَّها، وقال ابن عطية: "هي قراءةٌ ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر" اهـ، وقيل:
هي لغةُ مَنْ يجزم بالحركة المقدرة، وأنشد:
أَلَمْ يَأتِيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... ... . . . . . . . . . . . . ." (٢)
دراسة الاستدراك:
وَرَدَ في كلمة (يَرْتَعْ) من قوله - تعالى-: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ عدةُ قراءات، منها القراءة بالنون وإثبات الياء: (نَرْتَعِي)، وقد ضعّف ابنُ عطية هذه القراءة ولم يجزها، واستنكر السمينُ ردَّها مِن بعض العلماء ومنهم: ابن عطية، وذكر لها وجهاً.
والكلام عن هذه المسألة من جهتين:
стр. 162
أولاً: معنى قراءة (نَرتَعِي):
القراءة بإثبات الياء في (نَرْتَعِي) كالقراءة الصحيحة الأخرى بكسر العين: (نرتعِ)؛ فأصلها: نرتعي، ولكن حذفت الياء للجزم (١).
و (نَرْتَعِي) افتعال من الرعي، على وزن: نفتعل، أي: نرعى الماشية (٢).
وقيل: معنى (نَرْتَعِي) نتحارس ويحفظ بعضنا بعضاً، فهو افتعال مِن الرعاية بمعنى: الحفظ (٣)، ويؤيد هذا المعنى ما جاء عن مجاهد في تفسير الآية: (نَرْتَعِ) أي: يحفظ بعضنا بعضاً (٤).
قال ابنُ قتيبة: "ومَن قرأ: (نَرْتَعِ) بكسر العين أراد: نتحارس ويرعى بعضُنا بعضا، أي: يحفظ، ومنه يقال: رعاك الله؛ أي: حفظك". اهـ (٥)
وقال ابنُ خالويه: "والحجة لمن كسرها أنه أخذه من الرعي، وأصله إثبات الياء فيه، فحذفها دلالة على الجزم؛ لأنه جواب للطلب في قولهم: ﴿أرْسلهُ مَعنا﴾ ". اهـ (٦)
стр. 163
ثانيًا: حكم القراءة بإثبات الياء لغويًّا:
القراءة بإثبات الياء (نَرْتَعِي) جاءت على لغة مَن يُثبت حرف العلة في الجزم ويُقدر حذف الحركة المقدرة على حرف العلة (١).
وابنُ عطية قد ضعّف هذه القراءة من هذه الجهة، فذلك عنده لا يجوز إلا في الشعر (٢).
والصواب أنَّ هذه القراءة صحيحة من الناحية اللغوية، فإثباتُ حرف العلة في آخر المضارع المجزوم، وجزمه بالسكون المقدر على حرف العلة قبل مجيء الجازم لغةٌ لبعض العرب (٣)، وهي صحيحة وليست من الضرورة في شيء (٤).
قال الأزهري (٥): "الياء الساكنة تُترك على حالها في موضع الجزم في بعض اللُّغات". ... اهـ (٦)
وقال ابنُ خالويه: "مِن العرب مَن يُجري الفعل المعتل مجرى الصحيح فيقول: لم يأتي زيد". اهـ (٧)
стр. 164
وقيل: إنّ الياء في (نَرْتَعِي) إنمّا هي من الكسرة في (نرتعِ)؛ أُشبعت فنتج عنها ياء (١).
ومثلها القراءة بإثبات الياء في (يتَّقي) (٢) من قوله - تعالى-: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
قال أبو شامة: "مِن العرب مَن يجري المعتل مجرى الصحيح فلا يحذف منه شيئاً من حروفه للجزم كما لا يحذف شيئاً في الصحيح، ويكتفي بإسكان آخره ومنه قوله:
أَلَمْ يَأتِيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... . . . . . . . . . . . . .
ووجه آخر وهو أن الكسرة أشبعت فتولدت منها ياء". اهـ (٣)
وقال ابنُ الجزري متحدثًا عن إثبات الياء في (نَرْتَعِي) و (يتَّقي): "ووجهُ إثبات الياء في هذين الحرفين مع كونهما مجزومين: إجراء الفعل المعتل مجرى الصحيح، وذلك لغة لبعض العرب". اهـ (٤)
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، وقراءة قنبل (نَرْتَعِي) صحيحة لغويًا؛ فإثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب وهو جائز لا كما قال ابن عطية مِن أنّ ذلك لا يجوز إلا في الشعر.
* * *
стр. 165
[٢٤]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]: "ونصب (البشر) من قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١) هو على لغة الحجاز شُبّهت (ما) بـ (ليس)، وأما تميم فترفع، ولم يقرأ به". اهـ (٢)
وقال السمين الحلبي: "ونقل ابن عطية أنه لم يَقْرأ أحد إلا بلغة الحجاز، وقال الزمخشري: "ومَنْ قرأ على سليقته من بني تميم قرأ (بشرٌ) بالرفع وهي قراءةُ ابن مسعود". اهـ (٣)
قلت: فادِّعاء ابن عطية أنه لم يُقرأ به غير مُسَلَّم". اهـ (٤)
دراسة الاستدراك:
في قوله - تعالى-: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ انتصب (بَشَرًا) وهو خبر (مَا)، لأَنَّ (مَا) في لغة أهل الحجاز معناها معنى (لَيْسَ) في النفي، والقرآن نزل بلغة أهل الحجاز. (٥)
стр. 166
قال الطبري: "وأما القرآن فجاء بالنصب في كل ذلك؛ لأنه نزل بلغة أهل الحجاز". ... اهـ (١)
وإعمال (ما) عمل (لَيْسَ) هي اللُّغةُ الحجازية القُدْمَى، والأكثر في لغةِ الحجاز: جَرُّ الخبرِ بالباءِ، فيقولون: "ما زَيْدٌ بِقَائِمٍ"؛ و (قائم) هنا: مجرور لفظاً، منصوب محلاً (٢).
قال الفراء عن قوله ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾: "كلّ ما في القرآن أتى بالباء إلا هذا، وقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] ". اهـ (٣)
ومما جاء في القرآن بالباء قوله- تعالى-: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١].
أما بنو تميم فالخبر عندهم مرفوع؛ إذ لا يُعملون (ما) عمل (ليس) (٤).
وقد نفى ابنُ عطية ورود قراءة على لغة تميم -برفع (بشر) - في هذه الآية (٥)، وانتقده السمين في ذلك (٦)؛ حيث وردت القراءة بالرفع منسوبة لعبد الله بن مسعود ﵁ عند الزمخشري (٧).
стр. 167
وبالرفع أيضاً قرأ كل مِن (١): معاذ القارئ (٢)، وأبو المتوكل (٣)، وعكرمة، وأبو نَهيك (٤).
стр. 168
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ إذ أن القراءة بالرفع (ما هذا بشرٌ) جاءت عن هؤلاء الصحابة والتابعين، ولو لم ترد عن أحد من الأئمة القراء لما اعتبرناها قراءة لمجرد أنها لغة لبعض العرب (١).
* * *
стр. 169
[٢٥]: قال ابنُ عطية في حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]: "وقرأت فرقة (فَنُنْجِيَ) (١) بنونين وفتح الياء، رواها هُبَيرَة (٢) عن حفص (٣) عن عاصم، وهي غلط من هُبَيرَة". اهـ (٤)
قال السمين الحلبي مستدركاً عليه: "توهَّمَ ابن عطية أنه مضارع باقٍ على رفعه، فأنكر فتحَ لامِه، وغلَّط راويَها، وليس بغلط؛ وذلك أنه إذا وقع بعد الشرط والجزاء معاً
стр. 170
مضارعٌ مقرونٌ بالفاء جاز فيه أوجهٌ أحدها: نصبُه بإضمار (أنْ) بعد الفاء، وقد تقدَّم عند قولِه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلى أنْ قال: (فيغفرَ) قرئ بنصبه (١)، وتقدم توجيهه (٢)، ولا فرق بين أن تكون أداةُ الشرط جازمة كآية البقرة أو غيرَ جازمة كهذه الآية". اهـ (٣)
دراسة الاستدراك:
غلّط ابنُ عطية رواية هُبَيرَة عن حفص عن عاصم (فَنُنْجيَ) بنونين وفتح الياء، وسبقه في تغليط هذه الرواية: ابن مجاهد حيث قال: "وروى هُبَيْرَة عَن حَفْص عَن عَاصِم (فَنُنْجيَ) بنونين مَضْمُومَة وخفيفة وَهَذَا غلط" اهـ (٤)، وتبعه الفارسي في هذا التغليط، وبيّن سببه من الناحية النحوية فقال: "لأنه لا شيء هاهنا ينتصب به الياء مِن قوله (فَنُنْجيَ) والنون الأولى للمضارعة، فلا يجوز أن ينتصب من غير ناصب له". اهـ (٥)
стр. 171
ورَدَّ هذا التغليط وصحَّح هذه الرواية لغةً عددٌ من العلماء، منهم: أبو حيان (١)، والسمين (٢)، والشهاب الخفاجي (٣).
ووجهها في اللغة: أنّ الشَّرطَ والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارعُ منصوبًا بإضمار (أَن) بعدَ الفاءِ، كقراءة مَنْ قرأ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] بنصب: (فيغفرَ)؛ بإضمار (أن) بعد الفاء، ولا فرقَ في ذلك بين أن تكون أداة الشرط جازمةً أو غيرَ جازمة (٤).
فالسمين الحلبي ردّ على ابن عطية بهذا الوجه، وهو صحيح في العربية، إلا أنه لا يمكن الجزم بأن تغليط ابن عطية كان من جهة اللغة، فربما قصد أنها غلط من جهة الرواية، وهو الأظهر؛ حيث قال: "وهي غلط من هبيرة" اهـ (٥)، ولم يتعرض للنحو أو ينكر فتح الياء لغةً.
والفارسي هو الذي غلطها روايةً ولغةً، أما تغليط ابن عطية فيحتمل الوجهين، فإن كان تغليطه من ناحية الرواية فهذا صحيح؛ إذ هي قراءة شاذة ولا تصح عن حفص عن عاصم، أما إن كان التغليط من ناحية اللغة فاستدراك السمين عليه وارد؛ إذ أن هذه القراءة لها وجه صحيح في اللغة وليست بغلط.
* * *
стр. 172
[٢٦]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في ﴿كَلاَّ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]: "وقرأ أبو نَهيك (كَلاً) بفتح الكاف والتنوين، حكاه عنه أبو الفتح (٢)، وهو نعت لـ (آلِهَةً) ". اهـ (٣)
قال السمين الحلبي في أوجه قراءة أبي نهيك: "الرابع: أنه نعتٌ لـ (آلهة) قاله ابن عطية، وفيه نظرٌ؛ إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجهٌ: أن يكونَ قد وَصَفَ الآلهة بالكَلِّ الذي هو المصدرُ بمعنى الإِعياءُ والعَجْز، كأنه قيل: آلهةً كالَّيْنَ، أي: عاجِزين منقطعين، ولمَّا وَصَفهم بالمصدر وَحَّده". اهـ (٤)
دراسة الاستدراك:
للعلماء في توجيه قراءة أبي نهيك بفتح الكاف والتنوين (كَلاًّ) أربعة أقوال:
١ - أنّ (كَلاًّ) مصدر (كَلَّ) (٥) وهو مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: كلَّ هذا الرأي والاعتقاد كلاًّ.
стр. 173
قاله: ابن جنّي (١)، وأبو البقاء (٢)، والمُنْتَجَب (٣) الهمذاني (٤)، والقرطبي (٥)، وأبو
حيان (٦)، والسمين (٧)، وابن هشام (٨) وغيرهم (٩).
قال ابن جنّي: "ينبغي أن تكون (كلاًّ) هذه مصدر كقولك: كلَّ السيف كلاًّ (١٠)، فهو إذًا منصوب بفعل مضمر، فكأنه لما قال- سبحانه-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] قال الله -سبحانه- راداً عليهم: (كلاًّ)، أي: كَلَّ الرأي والاعتقاد كلاًّ". اهـ (١١)
стр. 174
٢ - أنّ (كَلاًّ) بمعنى الردع، غير أن الواقف عليها قلب ألفها نوناً كما في: ﴿قواريرًا﴾ (١).
قاله: الزمخشري (٢)، وذكره المنتجب وجهاً محتملاً (٣)، وضعّفه أبو حيان؛ لأن (كلاّ) التي للردع حرف، ولا وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه بـ ﴿قواريرًا﴾ ليس بجيّد؛ لأن ﴿قواريرًا﴾ اسم رجعَ به إلى أصله، فالتنوين فيه ليس بدلاً من ألف (٤).
٣ - أنّ (كَلاًّ) بمعنى الثقل (٥)، كقوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]، وهو مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: حملوا كلاًّ.
ذكره كلٌ من: المنتجب (٦)، وأبو البقاء (٧)، والسمين (٨)، وابن هشام (٩) وجهاً محتملاً.
стр. 175
٤ - أنّ (كَلاًّ) نعت لـ (آلهة)، وهو قول ابن عطية (١)، وقد تعقَّبه السمين ثم التمس له توجيهاً حيث قال: "وفيه نظرٌ، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجهٌ: أن يكونَ قد وَصَفَ الآلهة بالكَلِّ الذي هو المصدرُ بمعنى الإِعياءُ والعَجْز، كأنه قيل: آلهةً كالَّيْنَ، أي: عاجِزين منقطعين، ولمَّا وَصَفهم بالمصدر وَحَّده". اهـ (٢).
والقول الأول هو أقرب الأقوال للصواب، وقد قال به الجمهور، أما قول ابن عطية ففيه بُعد، وحاول السمين أن يقربه من القول الأول في توجيهه له، إلا أن هذا التوجيه لا يقويه، وقد ذكر السمين بأن فيه نظر؛ إذ ليس المعنى على ذلك، وهذا صحيح، فيبقى قول ابن عطية على ضعفه؛ لاسيما وأن ابن عطية قد تفرّد به، ولم يقل به أحدٌ من العلماء غيره.
* * *
стр. 176
[٢٧]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه]: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو (أنِّي) بفتح الألف (١)، على معنى (لأجل أني) أنا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْك، ونُودِيَ قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي (٢):
نادَيْتُ باسمِ رَبِيعَةَ بنِ مُكَدَّمٍ (٣) ... إنَّ المُنَوَّهَ باسمِه المَوْثُوْقُ". اهـ (٤)
стр. 177
وقال السمين الحلبي: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، على تقديرِ الباءِ (بأني)؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها، تقول: نادَيْتُه بكذا، قال الشاعر: أنشده الفارسيُّ
نادَيْتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مُكَدَّمٍ ... إنَّ المُنَوَّهَ باسمِه المَوْثُوْقُ
وجَوَّز ابنُ عطية أن يكون بمعنى لأجْل، وليس بظاهر". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
للعلماء في توجيه القراءة بفتح الهمزة (أَنِّي) قولان:
١ - أنها على تقديرِ الباءِ (بأني)؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها تقول: نادَيْتُه بكذا، والتقدير: نُودِيَ بأَنّي أنا رَبُّكَ، وهذا قول الجمهور (٢).
стр. 178
قال البَاقُولي (١): "مَن فتحَ فهو لوقوع النداء عليه، على تقدير: نودي يا موسى بأنِّي أنا رَبّكَ". اهـ (٢)
٢ - أنها على معنى (لأجل أني) أنا ربُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، وهو قول ابن عطية (٣).
والقول الأول هو الراجح؛ فقد قال به الجمهور ومنهم أئمة في القراءات واللغة، أما ما ذهب إليه ابنُ عطية من أنها على معنى (لأجل أنّي) ففيه بُعد، ولم أجده عن غيره من العلماء، ثم إن ما قاله ابنُ عطية بعد ذلك " ونُودِيَ قد توصل بحرف الجر ... " لا يتوافق مع المعنى الذي ذكره آنفاً، بل يَصدُق على قول الجمهور.
* * *
[٢٨]: قال ابنُ عطية عند حديثه عن قوله - تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]: "وقرأ أبو عمرو (إنّه مَن تولاهُ فإنهُ يضلّه) (٤) بالكسر فيهما". اهـ (٥)
стр. 179
وقال السمين الحلبي: "وقرأ الأعمش والجعفي (١) عن أبي عمرو (إنه) (فإنه) بكسرِ الهمزتين.
وقال ابن عطية: "وقرأ أبو عمرو (إنَّه) (فإنه) بالكسر فيهما"، وهذا يُوْهم أنَّه مشهورٌ عنه، وليس كذلك". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
موضوع هذا الاستدراك هو قراءة أبي عمرو في هذه الآية، حيث قال ابنُ عطية إن أبا عمرو قرأ بكسر الهمزتين من قوله - تعالى-: (إنّه مَن تولاهُ فإنهُ يضلّه)، وانتقده السمين في قوله هذا؛ إذ يوهم أن هذه هي القراءة المشهورة المتواترة عن أبي عمرو، وليس الأمر كذلك، بل قرأ أبو عمرو في هذه الآية بفتح الهمزتين، وهي قراءة الجمهور.
أما القراءة بكسر الهمزتين فقد قرأ بها (٣):
стр. 180
أبو العالية (١)، والضحاك، وأبو مِجْلَز، وابن يَعمر (٢)، والأعمش، وابن أبي ليلى (٣)، والجعفي عن أبي عمرو.
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ إذ أن القراءة المشهورة عن أبي عمرو بفتح الهمزتين وليس بكسرهما كما قال ابنُ عطية، وقراءة الجعفي عن أبي عمرو ليست من الصحيح.
* * *