← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

[٢٧]: قال ابنُ عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه]: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو (أنِّي) بفتح الألف (١)، على معنى (لأجل أني) أنا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْك، ونُودِيَ قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي (٢): نادَيْتُ باسمِ رَبِيعَةَ بنِ مُكَدَّمٍ (٣) ... إنَّ المُنَوَّهَ باسمِه المَوْثُوْقُ". اهـ (٤)

стр. 177

وقال السمين الحلبي: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح، على تقديرِ الباءِ (بأني)؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها، تقول: نادَيْتُه بكذا، قال الشاعر: أنشده الفارسيُّ نادَيْتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مُكَدَّمٍ ... إنَّ المُنَوَّهَ باسمِه المَوْثُوْقُ وجَوَّز ابنُ عطية أن يكون بمعنى لأجْل، وليس بظاهر". اهـ (١) دراسة الاستدراك: للعلماء في توجيه القراءة بفتح الهمزة (أَنِّي) قولان: ١ - أنها على تقديرِ الباءِ (بأني)؛ لأنَّ النداءَ يُوْصَلُ بها تقول: نادَيْتُه بكذا، والتقدير: نُودِيَ بأَنّي أنا رَبُّكَ، وهذا قول الجمهور (٢).

стр. 178

قال البَاقُولي (١): "مَن فتحَ فهو لوقوع النداء عليه، على تقدير: نودي يا موسى بأنِّي أنا رَبّكَ". اهـ (٢) ٢ - أنها على معنى (لأجل أني) أنا ربُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، وهو قول ابن عطية (٣). والقول الأول هو الراجح؛ فقد قال به الجمهور ومنهم أئمة في القراءات واللغة، أما ما ذهب إليه ابنُ عطية من أنها على معنى (لأجل أنّي) ففيه بُعد، ولم أجده عن غيره من العلماء، ثم إن ما قاله ابنُ عطية بعد ذلك " ونُودِيَ قد توصل بحرف الجر ... " لا يتوافق مع المعنى الذي ذكره آنفاً، بل يَصدُق على قول الجمهور. * * * [٢٨]: قال ابنُ عطية عند حديثه عن قوله - تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤]: "وقرأ أبو عمرو (إنّه مَن تولاهُ فإنهُ يضلّه) (٤) بالكسر فيهما". اهـ (٥)

стр. 179

وقال السمين الحلبي: "وقرأ الأعمش والجعفي (١) عن أبي عمرو (إنه) (فإنه) بكسرِ الهمزتين. وقال ابن عطية: "وقرأ أبو عمرو (إنَّه) (فإنه) بالكسر فيهما"، وهذا يُوْهم أنَّه مشهورٌ عنه، وليس كذلك". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو قراءة أبي عمرو في هذه الآية، حيث قال ابنُ عطية إن أبا عمرو قرأ بكسر الهمزتين من قوله - تعالى-: (إنّه مَن تولاهُ فإنهُ يضلّه)، وانتقده السمين في قوله هذا؛ إذ يوهم أن هذه هي القراءة المشهورة المتواترة عن أبي عمرو، وليس الأمر كذلك، بل قرأ أبو عمرو في هذه الآية بفتح الهمزتين، وهي قراءة الجمهور. أما القراءة بكسر الهمزتين فقد قرأ بها (٣):

стр. 180

أبو العالية (١)، والضحاك، وأبو مِجْلَز، وابن يَعمر (٢)، والأعمش، وابن أبي ليلى (٣)، والجعفي عن أبي عمرو. وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ إذ أن القراءة المشهورة عن أبي عمرو بفتح الهمزتين وليس بكسرهما كما قال ابنُ عطية، وقراءة الجعفي عن أبي عمرو ليست من الصحيح. * * *

стр. 181

[٢٩]: قال ابنُ عطية في حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]: "وقرأ طلحة بن مُصرِّف (١) (قَد أَفلَحُ المؤمنون) (٢) بضم الحاء يريد: قد أفلحوا، وهي قراءة مردودة". اهـ (٣)

стр. 182

وقال السمين الحلبي: "وقرأ طلحة أيضاً (أَفْلَحُ) بفتح الهمزة واللام وضمِّ الحاء، وتخريجُها على أنَّ الأصلَ (أَفْلحوا المؤمنون) بلحاقِ علامةِ جمعٍ قبل الفاعلِ كلغة «أكلوني البراغيث»، فيجيءُ فيها ما قَدَّمْتَه في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (١) [المائدة: ٧١]، ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٢) ". ثم قال: "وقال ابن عطية: "وهي قراءةٌ مردودةٌ". قلت: ولا أدري كيف يَرُدُّونها مع ثبوتِ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان؟ ".اهـ (٣) دراسة الاستدراك: ردّ ابنُ عطية قراءة طلحة بن مصرّف: (أَفْلَحُ) بفتح الهمزة واللام وضمِّ الحاء، وأصلها: (أفلحوا)، وتعقبه السمين في ذلك، ودافع عن هذه القراءة بقياسها على قراءتين متواترتين، وهما قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] (٤)، وقوله: ﴿ ... وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣].

стр. 183

وما جاء في الآيتين وفي قراءة طلحة هو على لغة «أكلوني البراغيث»؛ بمجيء علامة جمع أو تثنية في الفعل قبل الفاعل (١). قال ابنُ مالك: "وقد تكلم بهذه اللغة النبي ﷺ ؛ إذ قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار) (٢) ". اهـ (٣) وقال ابنُ رجب (٤): "قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة) جمع فيه الفعل مع إسناده إلى ظاهر، وهو مُخَرّج على اللغة المعروفة بلغة «أكلوني البراغيث»، وقد عرّفها بعض متأخري النحاة بهذا الحديث، فقال: هي لغة يتعاقبون فيكم ملائكة". اهـ (٥)

стр. 184

وقال ابن حجر: "وقد تكلف بعضُ النُّحاةِ ردَّ هذه اللُّغةِ إلى اللُّغةِ المشهورة وهي أن لا يُلحقَ علامة الجمع ولا التثنية ولا التأنيث في الفعل إذا تقدم على الأسماء، وخَرَّجَ لها وجوهًا وتقديرات في غالبها نظرٌ، ولا يُحتاجُ إلى ذلك بعدَ ثبوتها نقلاً، وصحتها استعمالاً". اهـ (١) فالراجح أن قراءة طلحة صحيحة من الناحية اللغوية، واستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ وفي مجيء هذه اللغة في القرآن والسنة - وهما أفصح الكلام- دليل على صحتها. * * *

стр. 185

[٣٠]: قال ابن عطية عند حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]: "وقرأ جمهور القراء (يخفون) و (يعلنون) بياء الغائب (١). قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد، وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بتاء الخطاب، وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله لأمة محمد ﷺ ". اهـ (٢) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ قرأ الكسائيُّ وحفص بالتاء مِنْ فوقُ فيهما، والباقون بالياءِ مِنْ تحتُ. فالخطابُ ظاهرٌ على قراءةِ الكسائي؛ لأنَّ قبلَه أمْرهم بالسجودِ وخطابهم به. والغَيْبَةُ على قراءةِ الباقينِ غيرَ حفصٍ ظاهرةٌ أيضاً؛ لتقدُّمِ الضمائرِ الغائبةِ في قوله: (لهم) و (أعمالهم) و (صَدَّهم) و (فهمْ) (٣).

стр. 186

وأمَّا قراءةُ حفصٍ فتأويلُها أنه خَرَجَ إلى خطابِ الحاضرين بعد أَنْ أتمَّ قضيةَ أهلِ سَبأ، ويجوز أَنْ يكونَ التفاتاً على أنه نزَّل الغائبَ منزلةَ الحاضرِ فخاطبه مُلْتَفِتاً إليه. وقال ابن عطية: "القراءةُ بياءِ الغَيْبة تعطي أن الآيةَ من كلامَ الهُدْهد، وبتاءِ الخطابِ تعطي أنها من خطابِ الله لأمةِ محمدٍ ﷺ "، وقد تقدَّم أنَّ الظاهر أنه من كلامِ الهدهد مطلقاً". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: توجيه قراءتي الكسائي وحفص والفرق بينهما: قرأ الكسائي وحفص ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ بالتاء فيهما. فالكسائي قرأهما بالخطاب بناء على قراءته التي أمرهم فيها بالسجود وخاطبهم به (ألا يا اسجدوا): بتخفيف (ألا) تنبيه، و (يا) حرف نداء، و (اسجدوا) فعل أمر، والمعنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا لله الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون (٢). قال السمين الحلبي: "وكان حَق الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ (يا اسْجُدوا)، لكنَّ الصحابةَ أسقطُوا ألفَ (يا) وهمزةَ الوصلِ من (اسْجُدوا) خَطَّاً لَمَّا سَقَطا لفظاً، ووَصَلُوا

стр. 187

الياءَ بسين (اسْجُدوا)، فصارَتْ صورتُه (يَسْجُدوا) كما ترى، فاتَّحدت القراءتان لفظاً وخَطَّاً، واختلفتا تقديراً". اهـ (١) أما قراءة حفص فعلى ابتداء المخاطبة (٢). ثانياً: أقوال العلماء في توجيه القراءة بالتاء (ما تخفون وما تعلنون) والقراءة بالياء (ما يخفون وما يعلنون): يرى ابنُ عطية أن القراءة بياء الغيبة تدل على أن الآية من كلام الهدهد، أما القراءة بالتاء فتدل على أنها من خطاب الله لأمة محمد ﷺ (٣)، ووافقه القرطبي في ذلك (٤). والجمهور على أن قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ كله من كلام الهدهد (٥)، والفرق بين القراءتين هو أن القراءة بالتاء

стр. 188

انتقال مِن الغيبة إلى الخطاب- على قراءة حفص- أو مواصلة للخطاب بعد أمر المخاطبين بالسجود - على قراءة الكسائي-، والقراءة بالياء على الغيبة كالضمائر التي قبلها (١). قال مكي بن أبي طالب: "فأما قراءة حفص بالتاء فيهما فإنه حمله على الخطاب للمؤمنين والكافرين الذين تقدم ذكرهم على لفظ الغيبة، وحجة من قرأ بالياء أن الكلام قبله جرى على لفظ الغيبة، في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ [النمل: ٢٤ - ٢٥] فجرى (يخفون) و (يعلنون) على مثال ذلك في لفظ الغيبة، فصار آخر الكلام كأوَّلِه في الغيبة". اهـ (٢) ولم يتعرض الجمهور إلى التمييز بين القراءتين من الجهة التي ذكرها ابنُ عطية. وفي تفسيرهم لهذه الآية ذكروا أنها من كلام الهدهد، ويحتمل أن تكون من كلام الله ... -تعالى-، ثم إن بعض العلماء ساق الاحتمالين دون ترجيح كالفخر الرازي (٣)، وذهب أغلبهم إلى أنها مِن كلام الهدهد (٤). قال الزمخشري: "وفي إخراج الخبء أمارةٌ على أنه من كلام الهدهد؛ لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء في السماوات والأرض - جلّت قدرته-". اهـ (٥)

стр. 189

وقال ابنُ القيم (١): "وفي ذِكر الهدهدِ هذا الشأنَ من أفعال الرب - تعالى- بخصوصه إشعار بما خصه الله به من إخراج الماء المخبوء تحت الأرض" اهـ (٢)، فيفهم من قوله "وفي ذِكر الهدهد هذا الشأن من أفعال الرب -تعالى-" أنه يرى أن ما في الآية هو من كلام الهدهد. والظاهر - والله أعلم- أن ما في الآية من كلام الهدهد في كلا القراءتين؛ بدلالة السياق، فما قبلها هو من كلام الهدهد: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ [النمل]، وما بعدها هو رد سليمان ... ﵇ على الهدهد ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، وموضوع هذه الآيات هو الحوار الذي دار بين الهدهد وسليمان ﵇؛ فالأظهر أن الكلام الذي في الآية كلّه على لسان الهدهد.

стр. 190

وقراءة حفص هي انتقال من الحديث عن الغائبين وهم: المرأة وقومها، وإنكاره عليهم عدم السجود لله إلى خطاب الحاضرين مؤمنهم وكافرهم بأن الله يعلم سرهم وجهرهم جميعاً؛ فعِلْمُ الله هذا لا يقتصر على أولئك الغائبين الذين أنكر عليهم، بل يشملهم ويشمل المخاطبين. وأمَّا قراءة الكسائي فهي استمرار للخطاب بعد أمر المخاطبين بالسجود، وليس هناك دليل على أن ذلك ليس من كلام الهدهد. وعليه: فكلا القراءتين: بالياء والتاء تعطيان أن ذلك من كلام الهدهد. * * * [٣١]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]: "وذكر الأخفش سعيد (١) (استعانه) بالعين غير معجمة وبالنون، وهي تصحيف لا قراءة". اهـ (٢)

стр. 191

وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ هذه قراءةُ العامَّةِ (١)، من الغَوْثِ، أي: طَلَبَ غَوْثَه ونَصْرَه. وقرأ سيبويه وابن مِقْسَم (٢) والزَّعفرانيّ (٣): بالعين المهملة والنون، من الإِعانة. قال ابنُ عطية: " هي تصحيفٌ " اهـ، وقال ابن جبارة (٤) صاحب (الكامل): "الاختيارُ قراءةُ ابنِ مقسم؛ لأنَّ الإِعانة أولى في هذا البابِ ". اهـ (٥)

стр. 192

قلت: نسبةُ التصحيفِ إلى هؤلاء غيرُ محمودةٍ، كما أن تَعالِيَ الهُذَليِّ في اختيارِ الشاذِّ غيرُ محمود". اهـ (١) دراسة الاستدراك: يظهر جلياً في هذا الاستدراك منهجية السمين الحلبي في موقفه من القراءات الشاذة، حيث كان موضوعياً معتدلاً في ذلك، فلا هو ينسب مَن قرأ بها أو رواها إلى التصحيف، ولا هو يرجحها على قراءة متواترة. فهو هنا يستدرك على ابن عطية قولَه بأن القراءة بالعين والنون (فاستعانه) تصحيف لا قراءة، ويستدرك أيضاً على ابن جُبارة اختيارَه هذه القراءة الشاذة وتفضيلها على المتواترة. وأماّ أبو حيان فقد ذكر قول ابن عطية ورَدّ عليه نافياً تصحيف هذه القراءة؛ لأن ابن خالويه نقلها عن سيبويه، ولأن ابن جبارة نقلها عن الزعفراني وابن مقسم، وساقَ قولَ ابن جبارة الذي اختار فيه القراءة الشاذة دون نقد أو تعليق (٢). والراجح أن القراءة بالعين والنون (فاستعانه) هي فعلاً قراءة شاذة وليست تصحيفاً كما وهم ابن عطية، لما يلي: ١ - ورودها عن أكثر من قارئ، وهم: الحسن البصري، وسيبويه، والزعفراني، وابن مِقسَم (٣).

стр. 193

٢ - وجودها في أكثر من مصدر من كتب التفسير والقراءات (١). ٣ - أنّ معناها لا يناقض معنى القراءة المتواترة، بل المتواترة تشهد لها، فالفعل في القراءة المتواترة عُدّي بـ (على) (٢): ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وهذا يدل على أن الاستغاثة هنا متضمنة معنى النصرة والإعانة (٣)، وقد قال- تعالى- بعد ذلك: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص: ١٨] والإعانة من معاني النصر (٤). * * *

стр. 194

[٣٢]: قال ابن عطية في حديثه عن القراءات الواردة في ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]: "وقرأ جمهور الناس ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ بشد الدال على وزن تفتعلونها من العدد، وروى ابن أبي بَزَّة (٢) عن أبي بكر (٣) (تَعْتَدُونها) بتخفيف ضمة الدال من العدوان، كأنه قال: فما لكم عدة تلزمونها عدواناً وظلماً لهن، والقراءة الأولى أشهر عن أبي بكر، وتخفيف الدال وهمٌ من ابن أبي بَزَّة". اهـ (٤) وقال السمين الحلبي مستدركاً عليه: " وقد أنكر ابنُ عطية القراءةَ عن ابن كثير وقال: "غَلِطَ ابنُ أبي بَزَّة عنه" وليس كما قال". اهـ (٥)

стр. 195

دراسة الاستدراك: روى ابن أَبى بزَّة عَن ابْن كثير (تَعْتَدُونها) بتخفيف الدال، وغلّط ابنُ عطية هذه الرواية، ولم يوافقه السمين في ذلك. وممن دافع عن هذه الرواية وردّ على ابن عطية: أبو حيان؛ حيث قال: " وليس بوهم، إِذْ قد نقلها عن ابن كثير ابنُ خالويه وأبو الفضل الرازيّ (١) في كتاب (اللَّوَامِح في شواذِّ القراءات) (٢)، ونقَلَها الرازيُّ المذكورُ عن أهل مكة وقال: "هو مِن الاعتداد لا محالة، لكنهم كرهوا التضعيفَ فخفَّفوه". اهـ (٣) وهذه الرواية لم يلُحقها أهل القراءات بالمتواتر أو الصحيح عن ابن كثير، ومنهم مَن صرّح بأنها وَهْمٌ (٤)، وذكر بعضهم أن ابن أبي بَزَّةَ قد رجع عن هذه القراءة (٥). قال ابنُ مجاهد: "قال لي قُنبل: كَانَ ابْن أَبى بزَّة قد وَهِمَ في ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ فَكَانَ يخففها، فقال لي القوّاس (٦): صِرْ إلى أبي الحسن فقل له ما هذه القراءة التي قرأتها، لا نعرفها، فصرتُ إليه فقال: رجعت عنها". اهـ (٧)

стр. 196

ورجوعه عن هذه القراءة دليل على أنه وَهِمَ فيها، وعليه: فقول ابن عطية بأن رواية ابن أبي بزة وهمٌ منه قول صحيح، ونَفْيُ السمين لذلك الوهم ليس في محله. * * * [٣٣]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]: "وقرأ الجمهور (١): الرَّشادِ مصدر رَشَدَ، وفي قراءة معاذ بن جبل: (سبيل الرشّاد) بشد الشين". ثم قال: "قال أبو حاتم (٢): كان معاذ بن جبل يفسرها: سبيل الله (٣).

стр. 197

ويبعد عندي هذا على معاذ ﵁، وهل كان فرعون إلا يدعي أنه إله، ويقلق بناء اللفظة على هذا التأويل". اهـ (١) وقال السمين الحلبي معلقاً على قول ابن عطية: "يعني ابنُ عطية أنه كيف يقول فرعونُ ذلك، فيُقِرُّ بأنَّ ثَمَّ مَنْ يهدي إلى الرشادِ غيرُه، مع أنه يَدَّعي أنه إلهٌ؟ وهذا الذي عَزاه ابنُ عطية والزمخشري (٢) وابن جُبارة (٣) صاحب (الكامل) إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس في ﴿الرَّشَادِ﴾ الذي هو في كلامِ فرعونَ كما توهَّموا، وإنما هو في ﴿الرَّشَادِ﴾ الثاني الذي مِنْ قول المؤمنِ بعد ذلك. ويَدُلُّ على ذلك ما قاله أبو الفضل الرازي في كتابه (اللوامح): "معاذ بن جبل: (سبيل الرشَّاد) الحرف الثاني بالتشديد، وكذلك الحسنُ".

стр. 198

وهو سبيلُ اللَّهِ - تعالى- الذي أوضحه لعبادِه، كذلك فسَّره معاذ (١)، وهو منقولٌ مِنْ مُرْشِد كدَرَّاك مِنْ مُدْرِك وجَبَّار مِنْ مُجْبر، وقَصَّار مِنْ مُقْصِر عن الأمر، ولها نظائرُ معدودةٌ ... فعلى هذا يزولُ إشكالُ ابنِ عطية المتقدمُ، وتتضح القراءةُ والتفسير". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: يدور هذا الاستدراك حول قراءة معاذ بن جبل ﵁ بتشديد الشين (الرشَّاد)، فقد أشكلت على ابن عطية هذه القراءة وتفسيرها بأنه: سبيل الله؛ فكيف يُقرّ فرعون بأن هناك مَن يهدي إلى الرشاد غيره، مع أنه يدّعي أنه إله؟ فابن عطية ذكر قراءة معاذ في ﴿الرَّشَادِ﴾ الأوَّل الذي هو من قول فرعون، وممن ذكرها أيضاً في الموضع الأول: النحاس في (معاني القرآن) (٣)، وابن جني (٤)، ومكي بن أبي طالب (٥)، والزمخشري (٦)، وأبو البقاء في (التبيان في إعراب القرآن) (٧)، والمنتجب الهمذاني (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 199

أما السمين الحلبي فقد قال بأن قراءة معاذ بتشديد الشين إنما هي في ﴿الرَّشَادِ﴾ الثاني الذي هو من قول المؤمن، وممن ذكرها في الموضع الثاني: النحاس في (إعراب القرآن) (١)، وابن خالويه (٢)، وأبو البقاء في (إعراب القراءات الشواذ) (٣)، والقرطبي (٤)، وأبو حيان (٥)، وغيرهم (٦). قال أبو حيان: "فهذا - ابن خالويه- لَمْ يذكر الخلاف إلا في قول المؤمن: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨]، فَذِكْرُ الخلاف فيه في قول فرعون خطأٌ، ولم يفسِّرْ مُعاذُ بن جبل الرَّشَّادَ أنَّهُ اللَّهُ -تعالى- إلا في قول المؤمن، لا في قول فرعون". اهـ (٧) أما الشوكاني فقد ذكر قراءة معاذ في الموضعين (٨)، وأغلب الظن أن الذين ذكروها في الموضع الأول لم يبلغهم تخصيص القراءة بأحد الموضعين، لكنهم ذكروها في الموضع الأول؛ لأنهم غالباً يذكرون اختلاف القراءة عند أول ذكر للكلمة.

стр. 200

والراجح - والله أعلم- أنّ قراءة معاذ بالتشديد هي في ﴿الرَّشَادِ﴾ الثاني الذي هو من قول المؤمن؛ لأنّ هناك مَن خصّها بالحرف الثاني، كأبي الفضل الرازي (١)، وهو من علماء القراءات الثقات، وكذلك ابن خالويه (٢)، وبهذا يزول ما أشكل على ابن عطية. * * * [٣٤]: قال ابن عطية متحدثاً عن القراءات الواردة في ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ (٣) من قوله - تعالى-: ... ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

стр. 201

[المنافقون: ٦]: " قرأ جمهور الناس: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ بالقطع وألف الاستفهام، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع (١): (آستغفرت) بمدّ على الهمزة وهي ألف التسوية، وقرأ أيضاً: بوصل الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كله ضعف؛ لأنه في الأولى: أثبت همزة الوصل، وقد أغنت عنها همزة الاستفهام، وفي الثانية: حذف همزة الاستفهام وهو يريدها، وهذا مما لا يستعمل إلا في الشعر". اهـ (٢) وقال السمين الحلبي معلقاً على قول عطية: "قلت: أمَّا قراءتُه (استغفرْتَ) بوَصْلِ الهمزة فرُوِيَتْ أيضاً عن أبي عمرو (٣)، إلاَّ أنه هو يضُمُّ ميم (عليهم) عند وَصْلِه الهمزةَ؛ لأن أصلَها الضمُّ، وأبو عمرو يكسِرُها (٤) على أصلِ التقاء الساكنين، وأمَّا قولُه: "وهذا ممَّا لا يُسْتعمل إلاَّ في الشعر" فإنْ أراد بهذا مَدَّ هذه الهمزةِ في هذا المكانِ فصحيحٌ، بل لا نجده أيضاً، وإن أرادَ حَذْفَ همزةَ الاستفهام فليس بصحيحٍ؛ لأنه يجوزُ حَذْفُها إجماعاً قبل (أم) نثراً ونَظْماً". اهـ (٥)

стр. 202

دراسة الاستدراك: وردت قراءتان عن أبي جعفر المدني في قوله (أستغفرت)، الأُولَى: بمَدَّة على الهمزة (آستغفرت) أي: بهمزة ثم ألف، وهذه القراءة ضعّفها ابنُ عطية، ووافقه السمين فيما ذهب إليه. والثانية: بوَصْلِ الألف دون همز على الخبر (استغفرت)، وهذه أيضاً ضعّفها ابن عطية؛ بحجة أن حذف همزة الاستفهام لا يستعمل إلا في الشعر، وعارضه السمين في ذلك؛ لأنه يجوز حذف همزة الاستفهام قبل (أم) نثراً ونظماً. فموضوع هذا الاستدراك هو حكم حذف همزة الاستفهام إذا وقعت قبل (أم)، وللعلماء في هذه المسألة قولان: ١ - عدم جواز حذف همزة الاستفهام، بوجود (أم) وبعدم وجودها، إلا في الشعر؛ فيجوز فيه ذلك، وهذا قول سيبويه (١) وابن جنّي (٢) وابن عطية (٣). قال ابنُ جني: "وأما (استغفرت) بالوصل ففي الطرف الآخر من الضعف، وذلك أنه حذف همزة الاستفهام، وهو يريدها، وهذا مما يختص بالتجوز فيه الشعر، لا القرآن". اهـ (٤) ٢ - جواز حذف همزة الاستفهام قبل (أم)؛ لدلالة (أم) عليها.

стр. 203

هذا قول الجمهور (١)، وهو الراجح؛ لأن حذفها إذا كان بعدها (أم) شائعٌ في اللغة العربية شعراً ونثراً (٢)، ومن أمثلة ذلك: أولاً: من القراءات الشاذة: قراءة مَن قرأ: (سواءٌ عليهم أَنذرتهم أمْ لم تنذرهم) (٣) [البقرة: ٦] بهمزة واحدة (٤). ثانياً: من الشعر: قول الشاعر (٥): فوَ اللَّه مَا أدرِي وَإِن كنتُ داريا ... بِسبعٍ رَمَيْن الجَمْر أم بِثَمَانِ

стр. 204

الشاهد فيه قوله: (بسبع رمين) فإن التقدير: أبسبع رمين الجمْر أم بثمان؛ حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها (١). ثالثاً: من النثر: قول القائل: "ولا أدري طلقتُ امرَأَتي أم لا؟ " حذف همزة الاستفهام؛ لدلالة (أم) عليها (٢)، والأصل: ولا أدري أَطلقتُ امرأتي أم لا؟ وقولهم: "زيد أَتَاك أم عَمْرو؟ " (٣)، وأصلها: أَزيد أتاك أم عمرو؟. وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية. * * *

стр. 205

[٣٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق]: " قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يَعُمُّ كُلَّ موجودٍ له شرٌ، وقرأ عمرو بن عبيد (١) وبعض المعتزلة القائلين بأن الله لم يخلق الشر: (مِن شرٍ ما خلق) (٢) على النفي، وهي قراءة مردودة مبنية على مذهب باطل؛ الله خالق كل شيء". اهـ (٣) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ متعلقٌ بـ (أعوذُ)، والعامَّةُ على إضافةِ (شَرِّ) إلى (ما)، وقرأ عمرو بن فائد (٤) بتنوينه. وقال ابنُ عطية: " قرأ عمرو بن عبيد وبعضُ المعتزلة الذين يَرَوْن أنَّ اللَّهَ لم يَخْلُق الشرَّ: (مِنْ شَرٍ) بالتنوين (ما خلقَ) على النفي، وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيَّةٌ على مذهبٍ باطلٍ" انتهى. ولا يتعيَّن أَنْ تكونَ (ما) نافيةً، بل يجوزُ أن تكونَ موصولةً بدلاً مِنْ (شر) على حذفِ مضافٍ، أي: من شَرٍ شَرِّ ما خَلَقَ، عَمَّم أولاً، ثم خَصَّص ثانياً.

стр. 206

وقال أبو البقاء: "و (ما) على هذا بدلٌ مِنْ (شرّ) أو زائدةٌ، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ نافية؛ لأنَّ النافيةَ لا يتقدَّمُ عليها ما في حَيِّزِها، فلذلك لم يَجُزْ أَنْ يكونَ التقدير: ما خَلَقَ مِنْ شر، ثم هو فاسِدُ المعنى". اهـ (١) قلتُ: وهو رَدٌّ حسنٌ صناعيٌّ ". اهـ (٢)

стр. 207

دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو توجيه القراءة بالتنوين (مِن شرٍ ما خلق) وهي القراءة المنسوبة لبعض المعتزلة وغيرهم، وإعراب (ما) في هذه القراءة. وللعلماء في توجيهها قولان رئيسان: ١ - أن (ما) في هذه القراءة نافية، وبناء عليه فالقراءة مردودة؛ إذ معناها أن الله لم يخلق الشر. قاله: مكيّ بن أبي طالب (١)، وابن عطية (٢)، والشوكاني (٣). قال مكيّ: "أجمع القُرَّاء المشهورون وغيرهم من أهل الشذوذ على إضافة (شَرّ) إلى (مَا خلق) وذلك يدل على خلقه للشر، وَقد فَارق عَمْرو بن عبيد رئيس المعتزلة جماعة المسلمين فقرأ: (من شَرٍ مَا خلق) بالتَّنوينِ، ليثبت أَن مَعَ الله خالقين يخلقون الشَّرّ، وهذا إلحاد، وَالصَّحِيح أَن الله - جلّ ذكره- أعلمنَا أَنه خلق الشَّرّ وأمرنا أَن نتعوذ مِنْهُ بِه". اهـ (٤) ٢ - أن (ما) في هذه القراءة لا تكون نافية؛ لأن ما بعد النفي لا يجوز أن يتعلق بما قبله. وهو قول الجمهور (٥)، ثم اختلفوا في (ما) فمنهم مَن جعلها مصدرية (٦)، ومنهم مَن جعلها موصولة (٧)، وجعلها بعضهم حرفاً زائداً (٨).

стр. 208

قال المنتجب الهمذاني: "لا تكون نافية؛ لأن ما كان في صلة النفي لا يتقدم عليه". ثم قال: "وإذا كان كذلك ثبت أنها مصدرية في موضع جر بدل من (شرٍ)، والتقدير: مِن شرٍ مِن خلْقِه، أو صلة و (خلق) في موضع جر على أنه صفة (شرٍ) أي: من شرٍ خَلَقَه". ... اهـ (١) وقول الجمهور هو الراجح، والذين جعلوا (ما) نافية إنما بنوا هذا التوجيه على رأي المعتزلة، بناءً على أن هذه القراءة هي لبعض المعتزلة، وفي ذلك خطأ منهجيّ؛ إذ أن القراءة بالرواية (٢)، وقد وردت هذه القراءة منسوبة لأبي هريرة (٣) ﵁، ووردت أيضاً منسوبة لأبي حنيفة (٤) ﵀ (٥)، ثم إن المعتزلة كانوا يفسرون الآيات ويوجهون القراءات وفق

стр. 209

آرائهم، لكنهم لم يختلقوا قراءات من عندهم ليشهدوا لعقيدتهم، وحتى لو قرأ المعتزلة بهذه القراءة وجعلوا (ما) فيها نافية، فهذا لا يسلم لهم من الناحية النحوية؛ لأن ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله (١)، ثم إن القول بأن (ما) في هذه القراءة نافية يبطل معنى الاستعاذة في الآية (٢). * * *

стр. 210

الفصل الثاني استدراكات السمين على ابن عطية في التفسير اللغوي وإعراب القرآن وفيه تمهيد، ومبحثان: المبحث الأول: استدراكاته في التفسير اللغوي. المبحث الثاني: استدراكاته في إعراب القرآن.

стр. 211

تمهيد عن التفسير اللغوي أولاً: مفهوم التفسير اللغوي: يطلق مصطلح التفسير اللغوي ويراد به: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب (١). وهذا هو التفسير اللغوي بمعناه الضيق. ويطلق ويراد به: التفسير الذي يُعنى بالقرآن الكريم مِن حيث غريب مفرداته وأصولها، وإعرابه، وبلاغة أسلوبه (٢). وهذا هو التفسير اللغوي بمعناه الواسع، فيضم ثلاثة أقسام رئيسة: القسم الأول: ما يتعلق باللفظة القرآنية المفردة - اسماً وفعلاً وحرفاً- (٣)، وذلك يشمل (٤): تفسير المفردات (علم اللغة) (٥)، والحديث عن اشتقاق الكلمة وتصريفها، ودلالات حروف المعاني.

стр. 212

القسم الثاني: ما يتعلق بتخريج تراكيب القرآن على القواعد النحوية، وهو علم إعراب القرآن (١). القسم الثالث: ما يتعلق ببيان بلاغة الأسلوب القرآني، ويشمل: علوم البلاغة القرآنية (٢). والمراد بالتفسير اللغوي في هذا البحث: هو التفسير اللغوي بمعناه الواسع، وإعراب القرآن داخل ضمن علوم التفسير اللغوي، إلا أني أفردت الاستدراكات في إعراب القرآن بمبحثٍ مستقل؛ لكثرة الاستدراكات في إعراب القرآن، ولكونه يُعد علماً مستقلاً (٣)، له مصنفاته المفردة، بل وله مصنفاتٌ خاصة بمشكله وغريبه (٤). ثانياً: أهمية التفسير اللغوي: معرفةُ اللغة العربية شرطٌ في فهم القرآن؛ لأن مَن أراد تفسيره وهو لا يعرف اللغة التي نزل بها القرآن فإنه سيقع في الخطأ والزلل (٥). قال الراغب الأصفهاني: " أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية، ومِن العلوم اللفظية: تحقيق الألفاظ المفردة". اهـ (٦)

стр. 213

ثم قال: "وليس ذلك نافعًا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم". اهـ (١) وقال الزركشي: " ومعرفة هذا الفنّ (٢) للمفسّر ضروريٌّ، وإلاّ فلا يحلُّ له الإقدام على كتاب الله - تعالى-". اهـ (٣) وقال أيضًا: " واعلم أنه ليس لغير العالِم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شيءٍ مِن كلام الله، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها؛ فقد يكون اللفظ مشتركاً وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر". اهـ (٤) وقال في حديثه عن غريب القرآن: " ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة اسمًا وفعلاً وحرفًا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأمّا الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة". اهـ (٥) وأمّا الإعراب فهو من تمام الكلام العربي، وإعراب القرآن مِن تمام القرآن (٦)، وقد أكد العلماء على أهمية هذا العلم؛ لأن الإعراب يبيّن المعنى، ويميّز المعاني، فينجلي الإشكال، وتظهر الفوائد، ويُفهم الخطاب (٧).

стр. 214

قال ابنُ فارس: " مِن العلوم الجليلة التي خُصت بها العرب: الإعرابُ الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يُعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه مَا مُيّز فاعلٌ مِن مفعول، ولا مضاف مِن مَنْعوت، ولا تعجُّبٌ مِن استفهام، ولا صَدْرٌ مِن مصدَر، ولا نعتٌ مِن تأكيد". اهـ (١) وقال أبو البقاء في حديثه عن القرآن: " وأقوم طريقٍ يُسْلَكُ في الوقوف على معناه، ويُتَوَصَّل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه: معرفةُ إعرابه، واشتقاق مقاصده مِن أنحاء خطابه ". اهـ (٢) وكذلك علم التصريف لابد من معرفته؛ لأن اختلاف الصيغ يؤدي إلى اختلاف المعاني (٣). قال ابنُ جني: " وهذا القبيل من العلم -أعني التصريف- يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف". اهـ (٤)

стр. 215

وقال ابنُ فارس: " وأما التصريف فإنَّ مَن فاته علمه فاته المُعظم" اهـ (١)، ثم بيّن كيف أن الكلمة تأتي مبهمة فإذا صرفناها أفصحت (٢). وأما علم البلاغة ففائدته الكشف عن بلاغة الأسلوب القرآني، ونَظْمه المعجِز (٣). قال الزمخشري: " ومِن حقِّ مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حُسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح". اهـ (٤) وقال الزركشي: " وهذا العلم أعظم أركان المفسّر؛ فإنه لا بُدَّ مِن مراعاة ما يقتضيه الإعجاز مِن الحقيقة والمَجاز، وتأليف النظم، وأن يواخي بين الموارد، ويعتمد ما سِيقَ له الكلام حتى لا يتنافر، وغير ذلك". اهـ (٥) * * *
следующие страницы →