← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تمهيد عن التفسير اللغوي أولاً: مفهوم التفسير اللغوي: يطلق مصطلح التفسير اللغوي ويراد به: بيان معاني القرآن بما ورد في لغة العرب (١). وهذا هو التفسير اللغوي بمعناه الضيق. ويطلق ويراد به: التفسير الذي يُعنى بالقرآن الكريم مِن حيث غريب مفرداته وأصولها، وإعرابه، وبلاغة أسلوبه (٢). وهذا هو التفسير اللغوي بمعناه الواسع، فيضم ثلاثة أقسام رئيسة: القسم الأول: ما يتعلق باللفظة القرآنية المفردة - اسماً وفعلاً وحرفاً- (٣)، وذلك يشمل (٤): تفسير المفردات (علم اللغة) (٥)، والحديث عن اشتقاق الكلمة وتصريفها، ودلالات حروف المعاني.

стр. 212

القسم الثاني: ما يتعلق بتخريج تراكيب القرآن على القواعد النحوية، وهو علم إعراب القرآن (١). القسم الثالث: ما يتعلق ببيان بلاغة الأسلوب القرآني، ويشمل: علوم البلاغة القرآنية (٢). والمراد بالتفسير اللغوي في هذا البحث: هو التفسير اللغوي بمعناه الواسع، وإعراب القرآن داخل ضمن علوم التفسير اللغوي، إلا أني أفردت الاستدراكات في إعراب القرآن بمبحثٍ مستقل؛ لكثرة الاستدراكات في إعراب القرآن، ولكونه يُعد علماً مستقلاً (٣)، له مصنفاته المفردة، بل وله مصنفاتٌ خاصة بمشكله وغريبه (٤). ثانياً: أهمية التفسير اللغوي: معرفةُ اللغة العربية شرطٌ في فهم القرآن؛ لأن مَن أراد تفسيره وهو لا يعرف اللغة التي نزل بها القرآن فإنه سيقع في الخطأ والزلل (٥). قال الراغب الأصفهاني: " أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية، ومِن العلوم اللفظية: تحقيق الألفاظ المفردة". اهـ (٦)

стр. 213

ثم قال: "وليس ذلك نافعًا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع، فألفاظ القرآن هي لبّ كلام العرب وزبدته، وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم". اهـ (١) وقال الزركشي: " ومعرفة هذا الفنّ (٢) للمفسّر ضروريٌّ، وإلاّ فلا يحلُّ له الإقدام على كتاب الله - تعالى-". اهـ (٣) وقال أيضًا: " واعلم أنه ليس لغير العالِم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شيءٍ مِن كلام الله، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها؛ فقد يكون اللفظ مشتركاً وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر". اهـ (٤) وقال في حديثه عن غريب القرآن: " ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة اسمًا وفعلاً وحرفًا، فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها، فيؤخذ ذلك من كتبهم، وأمّا الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة". اهـ (٥) وأمّا الإعراب فهو من تمام الكلام العربي، وإعراب القرآن مِن تمام القرآن (٦)، وقد أكد العلماء على أهمية هذا العلم؛ لأن الإعراب يبيّن المعنى، ويميّز المعاني، فينجلي الإشكال، وتظهر الفوائد، ويُفهم الخطاب (٧).

стр. 214

قال ابنُ فارس: " مِن العلوم الجليلة التي خُصت بها العرب: الإعرابُ الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يُعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه مَا مُيّز فاعلٌ مِن مفعول، ولا مضاف مِن مَنْعوت، ولا تعجُّبٌ مِن استفهام، ولا صَدْرٌ مِن مصدَر، ولا نعتٌ مِن تأكيد". اهـ (١) وقال أبو البقاء في حديثه عن القرآن: " وأقوم طريقٍ يُسْلَكُ في الوقوف على معناه، ويُتَوَصَّل به إلى تبيين أغراضه ومغزاه: معرفةُ إعرابه، واشتقاق مقاصده مِن أنحاء خطابه ". اهـ (٢) وكذلك علم التصريف لابد من معرفته؛ لأن اختلاف الصيغ يؤدي إلى اختلاف المعاني (٣). قال ابنُ جني: " وهذا القبيل من العلم -أعني التصريف- يحتاج إليه جميع أهل العربية أتم حاجة، وبهم إليه أشد فاقة؛ لأنه ميزان العربية، وبه تعرف أصول كلام العرب من الزوائد الداخلة عليها، ولا يوصل إلى معرفة الاشتقاق إلا به، وقد يؤخذ جزء من اللغة كبير بالقياس، ولا يوصل إلى ذلك إلا من طريق التصريف". اهـ (٤)

стр. 215

وقال ابنُ فارس: " وأما التصريف فإنَّ مَن فاته علمه فاته المُعظم" اهـ (١)، ثم بيّن كيف أن الكلمة تأتي مبهمة فإذا صرفناها أفصحت (٢). وأما علم البلاغة ففائدته الكشف عن بلاغة الأسلوب القرآني، ونَظْمه المعجِز (٣). قال الزمخشري: " ومِن حقِّ مفسر كتاب اللَّه الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حُسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليمًا من القادح". اهـ (٤) وقال الزركشي: " وهذا العلم أعظم أركان المفسّر؛ فإنه لا بُدَّ مِن مراعاة ما يقتضيه الإعجاز مِن الحقيقة والمَجاز، وتأليف النظم، وأن يواخي بين الموارد، ويعتمد ما سِيقَ له الكلام حتى لا يتنافر، وغير ذلك". اهـ (٥) * * *

стр. 216

المبحث الأول استدراكاته في التفسير اللغوي أولاً: في اللغة: [١]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]: "قال أبو علي (١): في اللفظة أربع لغات: (سِوى) بكسر السين، و (سَواء) بفتحها والمد، وهاتان لغتان معروفتان، ومِن العرب مَن يكسر السين ويمد، ومنهم من يضم أوله ويقصره، وهاتان اللغتان أقل من تينك". اهـ (٢) قال السمين الحلبي مستدركاً عليه: "ونقل ابن عطية عن الفارسي فيه اللغاتِ الأربعَ المشهورةَ في (سواء) المستثنى به، وهذا عجيبٌ فإن هذه اللغاتِ في الظرفِ، لا في (سواء) الذي بمعنى الاستواء". اهـ (٣)

стр. 217

دراسة الاستدراك: رأى السمين الحلبي أنَّ ابن عطية قد وهم في نقله للغات الواردة في (سوى) في حديثه عن (سواء) التي هي بمعنى الاستواء (١). والصواب أنَّ الفارسي نقل هذه اللغات عن الأخفش (٢)؛ فنقل عنه أن في (سوى) و (سواء) أربع لغات (٣): ١ - بفتح أولها ومدها (سَواء). ٢ - بكسر أولها وقصرها (سِوى). ٣ - بكسر أولها ومدها (سِواء). ٤ - بضم أولها وقصرها (سُوى). ونقل الفارسي عن الأخفش أيضًا أن (سواء) تُستعمل ظرفًا كما في قولهم: إن سِواءك زيدًا، وهذا مثل قولهم: إن عندك زيدًا (٤). وكذا في نحو قولهم: أتاني القوم سَواءك، فكأنهم قالوا: أتاني القوم مكانك (٥). فيظهر من سياق الأمثلة التي نقلها الفارسي أنّ اللغات تشمل (سوى) (٦) و (سواء) (٧) الظرف، لا (سَواء) التي بمعنى الاستواء.

стр. 218

كما تستعمل (سَواء) بالفتح والمد: بمعنى غير (١)، يقال: مررتُ برجل سَوَائِكَ أي: غيرك (٢). ونقل بعض أهل اللغة عن الأخفش (٣) أن (سِوى) إذا كانت بمعنى (غير) أو بمعنى الوسط يكون فيها ثلاثُ لغات: إِنْ ضمَمْتَ السِّينَ أَو كسَرْت قَصرْتَ فيهما جميعاً، وإنْ فتحتَ مَددْتَ؛ تَقُولُ: مَكَانٌ سِوىً وسُوىً وسَواءٌ، أَي: وَسَط فِيمَا بين الفريقين (٤). أما (سَواء) في الآية فهو بمعنى الاستواء (٥)، ولا تشمله كل اللغات المذكورة، وقد ورد بالمد، ولم يأتِ مقصوراً (٦). * * * [٢]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]: "والعفو: تغطية الأثر، وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب". اهـ (٧)

стр. 219

ونقل السمين الحلبي قولَ ابن عطية السابق بنصِّه، ثم قال: "وهذا الذي قاله قريبٌ من تفسير الغفران، لأنَّ الغَفْرَ التغطيةُ والستر، ومنه: المِغْفَرُ (١)، ولكن قد فُرِّقَ بينهما بأنَّ العفوَ يجوزُ أن يكونَ بعد العقوبةِ فيجتمعُ معها، وأمّا الغفران فلا يكونُ مع عقوبة". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: ذهب العلماء إلى أن العفو في اللغة يطلق على المحو (٣)، والترك (٤)، والتسهيل (٥). ولم يقل أحدٌ من العلماء بأن العفو يطلق على التغطية والستر، إنما يذكرون الستر في معنى الغفران، وخالفهم ابنُ عطية في ذلك حيث ذكر التغطية في معنى العفو (٦). وقد فَرّقَ بين العفو والغفران غيرُ واحدٍ من العلماء (٧)، منهم: أبو هلال العسكري (٨) (٩)، والقرطبي (١٠).

стр. 220

قال أبو هلال العسكريّ: "الغفران يَقتَضي إسقاط العقاب، وإسقاط العقاب هو إيجاب الثَّواب، فلا يستحق الغفران إلا المؤمن المستحق للثَّواب، ولهذا لا يستعمل إلا في الله، فيُقال: غفر الله لك، ولا يُقال: غفر زيد لك، إلاّ شاذًا قليلا". ثم قال: "والعفو يقتضي إسقاط اللوم والذم، ولا يقتضي إيجاب الثواب، ولهذا يُستعمل في العبد فيُقال: عفا زيدٌ عن عَمْرو، وإذا عفا عنه لم يجب عليه إثابته". اهـ (١) وقال القرطبي: "العفو: عفو الله عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران؛ فإنه لا يكونُ معه عقوبةٌ البتَّةَ". اهـ (٢) ولكن لقول ابن عطية وجهٌ من الناحية الاصطلاحية الشرعية؛ لأن العفو والغفران لماّ تقارب معنياهما تداخلا واستعملا في صفات الله على وجه واحد، فيقال: عفا الله عنه، وغفر له؛ بمعنى واحد (٣). أما من الناحية اللغوية: فالتغطية ليست من معاني العفو، إنما هي من معاني الغفران (٤). * * *

стр. 221

[٣]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]: "والسَّلْوى طير بإجماع من المفسرين ... قيل: هو السُّمانَى بعينه، وقيل: طائر يميل إلى الحمرة مثل السُّمانَى، وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب (١) ". ثم قال: " وقد غلط الهُذَلي (٢) فقال (٣):

стр. 222

وقَاسَمَها باللهِ جَهْدًا لأنتمُ ... ألذُّ مِن السلْوَى إذا ما نَشُورُها (١) ظنّ السلوى العسل". اهـ (٢) قال السمين الحلبي بعد أن ذكر بيت الهُذَلي: "وغلَّطه ابنُ عطية، وادَّعى الإجماعَ على أن السَّلْوى طائر، وهذا غيرُ مرضٍ من القاضي أبي محمد، فإن أئمةَ اللغة نقلوا أن السلوى العسلُ، ولم يُغَلِّطوا هذا الشاعرَ، بل يستشهدون بقوله". اهـ (٣) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في المراد بالسلوى: أجمع مفسرو السلف من الصحابة والتابعين (٤) على أنَّ السلوى طائر، وكذا قال جمهور المفسرين (٥).

стр. 223

واختلفوا في نوع الطائر على ثلاثة أقوال: ١ - أنه السُّمَانَى بعينه (١). ٢ - أنه طائر يشبه السُّمانَى (٢). ٣ - أنه طائر يشبه الحمام (٣). أمّا من الناحية اللغوية فقد ذكر أهل اللغة وبعض المفسرين أن السلوى هو العسل عند بعض العرب، واستشهدوا ببيت الهُذَليّ السابق ذكره (٤). قَالَ مُؤَرِّجُ (٥): "إطلاق السَّلْوى على العسل لغةُ كِنَانَة". اهـ (٦) وذهب بعض العلماء إلى أن السلوى تُطلق على كل مَا يُسلّي عن غيره (٧).

стр. 224

ثانياً: قول ابن عطية واستدراك السمين عليه: نقل ابنُ عطية إجماعَ المفسرين على أنَّ السلوى طائر، وانتقده السمين في ذلك - ومِن قبله القرطبي (١) -؛ لأن أهل اللغة ذكروا أن السلوى: العسل. فأمّا ما قاله ابن عطية مِن إجماع المفسرين على أنَّ السلوى طائر فله وجه من ناحيتين: الأولى: تحقق إجماع السلف والمفسرين المتقدمين على أنّ السلوى طائر (٢). والثانية: أنَّ الذين نقلوا عن أهل اللغة القولَ الآخر في معنى السلوى- العسل-، قد ذكروه ولم يرجحوه (٣). وأمّا في اللغة فلا إجماع، بل نصَّ أهل اللغة على المعنيين - الطائر والعسل- (٤)، ومنهم مَن رجّح أنَّ السلوى في الآية: طائر، حتى قال بعضهم: السلوى في القرآن: طائر، وفي غير القرآن: العسل (٥).

стр. 225

ومن ناحيةٍ أخرى غلّط ابنُ عطية الهُذليَّ؛ لأنه استخدم السلوى بمعنى العسل، وهذا لا يصح عند ابن عطية، وانتقده السمين في ذلك. وما قاله الهذلي ليس بغلط؛ إذ ثبتَ في اللغة أنَّ السلوى تطلق على العسل. خلاصة القول: السلوى في الآية: طائر، مع أنها قد تُطلق لغةً على العسل (١). * * * [٤]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: ٨٢]:

стр. 226

"ويقال: (قَِس) (١) بفتح القاف وبكسرها، و (قِسِّيس) وهو اسم أعجمي عرّب، والقَس في كلام العرب: النميمة، وليس من هذا". اهـ (٢) وقال السمين الحلبي: "ويقال: قَسَّ الأثرَ وقَصَّه بالصاد أيضاً، ويقال: قَسّ وقِسّ بفتح القاف وكسرها، وقِسِّيس. وزعم ابن عطية أنه أعجمي مُعَرَّب. وقال الواحدي (٣): "وقد تكلمت العرب بالقَسّ والقِسّيس، وأنشد (٤) المازني (٥): لو عَرَضَتْ لأيْبُلِيٍّ (٦) قَسِّ ... أشعثَ في هيكلهِ مُنْدَسِّ (٧) حَنَّ إليها كحنينِ الطَسِّ (٨)

стр. 227

وأنشد (١) لأميّة بن أبي الصَّلْت (٢): لو كان مُنْفَلَتٌ كانت قَساوسةٌ ... يُحْيِيهم الله في أَيْديهم الزُّبُرُ (٣) هذا كلامُ أهل اللغة في القِسّيس. وقال قُطْرُب (٤): "القَسّ والقِسّيس: العالم بلغة الروم". اهـ (٥) ثم قال (٦): "فعلى هذا القَسُّ والقِسيس مما اتفق فيه اللغتان". اهـ (٧) قلت (٨): وهذا يُقَوّي قولَ ابن عطية".

стр. 228

ثم تحدث السمين عن تصريف هذه الكلمة، ونقل بعض الأقوال في ذلك، إلى أن قال: "ولا أدري ما حملَ مَنْ قال: إنه معرَّب مع وجودِ معناه في لغة العربِ كما عَرَفْتَه مِمَّا تقدم؟ ". اهـ (١) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو لفظة (قِس) و (قسيس): هل هي عربية أم أعجمية عُربت؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: ١ - أنها لفظة أعجمية؛ بلغة الروم، ومعناها: العالِم، ثم عُرّبت. قاله: قطرب (٢)، وابن عطية (٣)، والسيوطي (٤). وقال الحكيم الترمذي (٥): "والقسيس هو الذي يقتص أثر الرسول، ويصدقه فيما جاء به، وهذا في لغة بني إسرائيل، وفي لغة العرب: الصدّيق". اهـ (٦)

стр. 229

٢ - أنها عربية تكلم العرب بها، ولذلك شواهد من أشعارهم، وهذا يفهم من كلام أهل اللغة؛ فقد تحدثوا عن هذه اللفظة وأصلها واشتقاقها، ولم يصرحوا بأنها كلمة أعجمية (١). قال الزجّاج: "والقُسُّ والقِسِّيس من رؤساءِ النصارى". اهـ (٢) وقال الراغب: "القِسُّ والْقِسِّيسُ: العالم العابد من رؤوس النصارى". اهـ (٣) قالوا: وأصل القس في لغة العرب: تتبع الشيء وطلبه؛ فالقسيس سمي بذلك؛ لتتبعه أثر الرسول، ولتتبعه كتابه، وآثار معانيه (٤). قال المنتجَب الهمذاني: "قَسّ الشيءَ قَساً إذا تتبعه وطلبه، ثم صار كالعَلَم على رئيس من رؤساء النصارى في العبادة والطاعة". اهـ (٥) قالوا: والقِسّيسُ صيغةُ مبالغةٍ، وجمعُ قِسّيس وقِسّ: قِسّيسون، وقَساوِسَة (٦).

стр. 230

واستشهد أهل اللغة على معنى القس بالأبيات (١) السابق ذكرها، وهي التي ساقها الواحديّ في (البسيط) ونقلها عنه السمين الحلبيّ (٢). ٣ - أنها مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين (٣)، وهو قول الواحديّ (٤). وقال القرطبي: "ولفظ القِسِّيسِ إمَّا أن يكونَ عربياً، وإما أن يكون بلغة الرُّوم ولكن خَلَطَتْهُ العرب بكلامهم فصار مِن لغتهم؛ إذ ليس في الكتاب ما ليس مِن لغة العرب". اهـ (٥) والراجح أنها موجودة في اللغتين، قد تكلم بها العرب والروم؛ وليس في القرآن ما ليس من لغة العرب على القول الراجح، ويكفي ما ورد في القرآن دليلاً على ذلك؛ فقد جاء في مواضع كثيرة من القرآن إثبات عربيته، منها قوله تعالى: ... ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. * * *

стр. 231

[٥]: قال ابنُ عطية في تفسيره لقوله- تعالى-: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١]: "والحَرُور: شدة حَرِّ الشمس، وقال رُؤبَة بن العَجّاج (١): "الحَرُورُ بالليل والسَّمُوم (٢) بالنهار" اهـ (٣)، وليس كما قال، وإنما الأمر كما حكى الفراء (٤) وغيره أن السَّمُوم يختص بالنهار، والحَرُورُ يقال في حر الليل وفي حر النهار". اهـ (٥)

стр. 232

وقال السمين الحلبي: "والحَرُوْرُ: شدةُ حَرِّ الشمس، وقال الزمخشري: "الحَرورُ: السَّمُوم، إلاَّ أنَّ السَّمومَ بالنهارِ، والحَرورَ فيه وفي الليل" اهـ (١)، قلت: وهذا مذهبُ الفراءِ وغيرِه. وقيل: السَّمومُ بالنهار، والحَرورُ بالليل خاصةً، نقله ابنُ عطية عن رُؤبة، وقال: " ليس بصحيحٍ، بل الصحيحُ ما قاله الفراءُ" اهـ، وهذا عجيبٌ منه كيف يَرُدُّ على أصحاب اللسانِ بقولِ مَنْ يأخذُ عنهم؟ ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: انتقد السمينُ الحلبي ابنَ عطية في رده لقول رُؤبة في الحرور والسموم، بحجة أن رُؤبة من أصحاب اللسان وشيوخ العربية الذين تُؤخذ عنهم اللغة؛ فكيف يرد عليه بقول مَن يأخذ عنه؟ وهذا الاستدراك ليس في محله؛ فابن عطية له أن يرجح القول الذي يراه صواباً، لاسيما وأن هذه المسألة ليس متفقًا عليها بين أهل اللغة متقدمهم ومتأخرهم، بل والجمهور على خلاف ما قاله رُؤبَة. والجمهور أيضاً فرّقوا بين الحرور والسموم مِن ناحية زمنية، وبعضهم فرّق بينهما من جهة الشدة؛ فذهبوا إلى أن الحرور أشد السموم (٣).

стр. 233

وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال رئيسة: ١ - أنّ الحرور يكون بالليل، والسموم بالنهار. قاله: ابنُ عباس (١) ﵁، ورؤبة (٢)، وابن قتيبة (٣)، وغيرهم (٤). ٢ - أنّ الحرور في هذا الموضع ما يكون في النهار مع الشمس. قاله: أبو عُبيدة (٥) مَعْمَر بن المثنى (٦)، ورجحه: الطبري (٧). قال الطبري: "والقول في ذلك عندي: أن الحرور يكون بالليل والنهار، غير أنه في هذا الموضع بأن يكون كما قال أبو عبيدة: أشبه مع الشمس؛ لأن الظل إنما يكون في يوم شمس، فذلك يدل على أنه أريد بالحرور: الذي يوجد في حال وجود الظل". اهـ (٨)

стр. 234

٣ - أنّ الحرور بالليل والنهار. وهو قول الجمهور (١)، ومنهم: قطرب (٢)، والفراء (٣). ومِن الجمهور مَن خصّ السموم بالنهار (٤)، ومنهم مَن عمّم فجعله في الليل والنهار مثل الحرور (٥). وهذا هو القول الراجح؛ لأن الحرور فَعولٌ مِن الحر (٦)، وفيه معنى التكثير، أي: الحر المؤذي (٧). * * *

стр. 235

ثانياً: في الصرف: [١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧]: " ﴿تَوَلَّوْا﴾ بفتح اللام والتاء على معنى: تتولوا". ثم قال: "ويحتمل أن يكون ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعلاً ماضياً، ويجيء في الكلام رجوع من غيبة إلى خطاب، أي فقل: قد أبْلَغْتُكُم". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: " ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: تَتَوَلَّوا فحذف إحدى التاءَيْن، ولا يجوز أن يكونَ ماضياً كقوله: ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾، ولا يجوزُ أن يدعى فيه الالتفات؛ إذ هو رَكاكَةٌ في

стр. 236

التركيب، وقد جَوَّزَ ذلك ابنُ عطية فقال: "ويُحْتمل أن يكون ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعلاً ماضياً، ويجيءُ في الكلام رجوعٌ من غَيْبة إلى خطاب". اهـ وقلت: ويجوزُ أن يكونَ ماضياً لكن لمَدْرَكٍ آخر غيرِ الالتفات: وهو أن يكونَ على إضمار القول، أي: فقل لهم: قد أبلغْتُكم". اهـ (١) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو الفعل ﴿تَوَلَّوْا﴾ هل هو مضارع أم ماضٍ؟ وللعلماء في هذه المسألة قولان: الأول: وهو قول الجمهور: أنّ ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل مضارع، وأصله: تتولوا؛ التاء الأولى هي تاء الخطاب، والثانية تاء المضارعة، فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً (٢). و ﴿تَوَلَّوْا﴾ هو فعل الشرط، مجزوم بحذف النون، وواو الجماعة: فاعل (٣).

стр. 237

و (تَتَوَلّوا) مضارع، ماضيه: (تَوَلَّى) (١) بمعنى: أعرَضَ (٢)، أي: فإن تُعرضوا عما دعوتكم إليه (٣). وعليه: فهذا خطاب هود ﵇ لقومه، فالواو في الفعل تعود على قوم هود (٤). الثاني: أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل ماض (٥)، للغائب (٦)، أي: فإن أعرضوا هم. وتكون الواو في ﴿تَوَلَّوْا﴾ لأهل مكة (٧)؛ فخاطب الله نبيه ﷺ ، وأمره بأن يقول لهم: فقد أبلغتكم (٨). وهذا من الالتفات وتلوين الخطاب، حيث انتقل من الحديث عن قوم هود إلى الحديث عن كفار قريش (٩).

стр. 238

قال أبو حيان: ": وقيل: ﴿تَوَلَّوْا﴾ ماضٍ ويحتاج في الجواب إلى إضمار قولٍ، أي: فقلْ لهم قد أبلغتكم". اهـ (١) ذكر هذا القول بعض العلماء (٢)، منهم: ابن عطية (٣) وابن الجوزي (٤)، ولم يرجحوه. والراجح أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ مضارع، وأصله: تتولوا؛ لأن جعْله ماضياً ركاكة في التركيب (٥)، وجُعل مضارعاً؛ لاقتضاء (أَبْلَغْتُكُمْ) لذلك (٦). قال أبو حيان: "ولا حاجة تدعو إلى جَعْلِه ماضيًا وإضمارِ القول". اهـ (٧) وقال الشهاب الخفاجي عن هذا الفعل: "مضارع مبدوء بتاء الخطاب؛ لأنّ ما بعده يقتضيه" اهـ، ثم أشار الشهاب إلى أن جعْله ماضياً خلاف الظاهر (٨).

стр. 239

وقد بيّن ابنُ هشام أن هذا الفعل مما يشتبه بعد الجازم والناصب؛ هل هو مضارع أم ماضٍ؟ وذلك يُعرف من خلال القرائن، فمثلاً ما جاء في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩] ماض، وما جاء في قوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٣] مضارع (١). وقال ابن عاشور: "أصلُ ﴿تَوَلَّوْا﴾: تَتَوَلَّوْا؛ فحُذِفَتْ إحدى التاءين اختصاراً، فهو مضارعٌ، وهو خِطابُ هود- ﵇ لقومه، وهو ظاهر إجراء الضَّمائر على وتيرة واحدة". اهـ (٢) فالظاهر أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ مضارع، والضمير فيه لقوم هود والخطاب معهم، وهو مِن تمام الجمل المقولة قبل ذلك (٣). * * * [٢]: قال ابنُ عطية في تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء]: "سَلَّى محمداً ﷺ عن صدود قومه عن

стр. 240

الشرع بأنْ أخبر أنَّ هذا القرآن العربي لو سمعوه من أعجمي، أي: من حيوان غير ناطق أو من جماد، و (الأعْجَم) كل ما لا يفصح، ما كانوا يؤمنون، أي: قد ختم الكفر عليهم فلا سبيل إلى إيمانهم، و (الأعْجَمُون) جمع أعْجَم، وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب، يقال له: أعْجَم، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "الأعْجَمين جمع أعْجَمِيّ بالتخفيف، ولولا هذا التقديرُ لم يَجُزْ أنْ يُجمعَ جَمْعَ سلامة. وسببُ منعِ جمعه: أنه من بابِ أَفْعَل فَعْلاء كأَحْمر حَمْراء، والبصريون لا يُجيزون جَمْعَه جمعَ سلامة إلاَّ ضرورة". ثم ذكر السمينُ قولَ ابن عطية - السابق ذكره-، وأتبعه بقول الزمخشريّ، حيث قال: "وقال الزمخشريُّ: "الأعجمُ: الذي لا يُفْصِحُ، وفي لسانِه عُجْمَةٌ أو استعجامٌ، والأعجميُّ مثلُه، إلاَّ أنَّ فيه زيادةَ النسَب توكيداً" اهـ (٢). ثم قال السمين: "وقد صَرَّح أبو البقاء بمَنْع أن يكون (الأعْجَمِين) جمع أَعْجم، وإنما هو جمعُ أعجمي مخففاً مِنْ أعجميّ كالأَشْعرون؛ في الأشعري، قال: " (الأعْجَمِين) أي: الأعْجَمِيين؛ فحذف ياءَ النسب، كما قالوا: الأشعرون أي: الأشعريُّون، وواحدُه: أعجمي، ولا يجوز أن يكونَ جمعَ أعْجَم؛ لأنَّ مؤنثَه عَجْماء، ومثلُ هذا لا يُجْمَعُ جمعَ التصحيح". اهـ (٣) قلت: وقد تقدَّم ذلك، ففيما قال ابنُ عطية نظرٌ، وأمَّا الزمخشري فليس في كلامِه أنه جمع أَعْجم مخففاً أو غيرَ مخففٍ، وإنْ كان ظاهرُه أنَّه جمع أعْجَم مِن غيرِ تخفيف.

стр. 241

ولكن الذي قاله ابن عطية تَبِعَ فيه الفراء (١) فإنه قال: (الأعْجَمِين) جمع أَعْجم أو أعْجَمِي (٢)؛ على حَذْف ياء النسب كما قالوا: الأشعرين، وواحدهم: أشعري". اهـ (٣) دراسة الاستدراك: تناول العلماء لفظة (الأعْجَمِين) الواردة في الآية من الناحية اللغوية والصرفية، وهذا الاستدراك يدور حول تصريف هذه اللفظة؛ فذهب ابن عطية إلى أنّ (الأعْجَمِين) جمع أعْجَم، ولم يوافقه السمين في ذلك؛ حيث رجح أنها جمع أعجمي. وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال رئيسة: ١ - أن لفظة (الأعْجَمِين) يجوز أن تكون جمع أعْجَم، ويجوز أن تكون جمع أعْجَميّ. وهو قول الفراء - فيما نسب إليه- (٤)، وقد علّل ابن عاشور ذلك بأن (أعْجَم) هنا مُرادفُ (أَعْجَمِيّ) بياء النسب؛ فيصح في جمعه على (أَعْجَمِين) اعتبار أنه لا حذْفَ فيه باعتبار جَمْع (أَعْجَم)، ويصح اعتبار حذف ياء النسب للتخفيف، وأصله: الأعجميين (٥). ٢ - أنها جمع (أعْجَم)، وهو الذي لا يُفصح.

стр. 242

قاله: الأخفش (١)، والزجاج (٢)، وابنُ جبارة الهذلي (٣)، والواحدي (٤)، وابن عطية (٥)، وغيرهم (٦). قال الزجاج: " (الأعْجَمِين) جمع أعْجَم، والأنثى: عَجْماء، والأعجم: الذي لا يُفصِح". ... اهـ (٧) وقال ابن جبارة الهذليّ: " واحدهم: أعجم، إذا كان في لسانه عُجْمَة، وإن كان عربي النسب". اهـ (٨) ٣ - أنها جمع (أعجمي)، وأصلها: (الأعْجَمِيِّين)؛ حُذفت ياء النسب للتخفيف. قاله: ابن جنّي (٩)، ومكي بن أبي طالب (١٠)، والباقولي (١١)، وعبد الرحمن (١٢) الأنباري (١٣)، وأبو البقاء (١٤)، والمنتجَب الهمذاني (١٥)، والقرطبي (١٦)، والسمين الحلبي (١٧)، وغيرهم (١٨).

стр. 243

قال الأنباري: "الأعجمين: جمع أعجميّ، أصله: أعجميّين، فاستثقلوا اجتماع الأمثال، فحذفوا الياء الثانية من ياءيّ النسب، فبقيت الياء الأولى ساكنة، وحرف الجمع ساكناً فاجتمع ساكنان، وساكنان لا يجتمعان، فحذفوا الياء الأولى؛ لالتقاء الساكنين". اهـ (١) والقول الثالث هو الراجح؛ لأنّ (أعْجَم) لا يُجمع بالواو النون، بل يُجمع على (عُجْم) (٢). قال المنتجَب: " (الأعجَمِين) جمع أعجمي، منسوب إلى العجم، والأصل: الأعجميين، ثم حذفت منه ياء النسب كما فُعل بالأشعرين، وجعل جمعه بالواو والنون دليلاً عليها وأمارة لإرادتها، لا جمع أعْجَم كما زعم أبو إسحاق وموافقوه، لأن أعْجَم كأحمر، وما كان من الصفات على (أفعَل) وأنثاه (فَعْلاء) لا يُجمع بالواو والنون ولا مؤنثه بالألف والتاء، فلم يقل أحدٌ في أحمر: أحمرون، ولا في حمراء: حمراوات، فلما لم يقل أحدٌ هذا، وقد قالوا: الأعجمون مع أن مؤنثه عَجْماء، دلَّ على أنَّ المراد ما ذكرت، وأن الأصل: الأعجميين،

стр. 244

تعضده قراءة مَن قرأ كذلك على الأصل (١) وهو الحسن، وإنما حذفَ مَن حذَفها؛ تخفيفاً، ولعدم اللبس". اهـ (٢) قال ابنُ جنيّ متحدثاً عن قراءة الحسن: " هذه قراءة عذر في القراءة المجمَع عليها، وتفسير للغرض فيها، وهي قوله: ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾؛ وذلك أن ما كان من الصفات على أفعل، وأنثاه فعلاء -لا يجمع بالواو والنون، ولا مؤنثه بالألف والتاء"، إلى أن قال: "، ولكن سببه أنه يريد: الأعجميون، ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالواو والنون دليلاً عليها". اهـ (٣) وقال الدمياطي: "وعن الحسن: (الأعْجَمِيِّين) بياءين مكسورة مشددة فساكنة، جمع أعجمي، والجمهور بياء واحدة ساكنة، جمع أعجمي بالتخفيف، قيل: ولولا هذا التقدير لم يجمع جمع سلامة". اهـ (٤) والاختلاف في تصريف هذه الكلمة له أثر في التفسير عند مَن فرّق بين (الأعْجَم) ... و (الأعْجَمِيّ) بأن (الأعْجَم) يطلق على ما يعقل وما لا يعقل، أماّ (الأعْجَمِيّ) فلا يطلق

стр. 245

إلا على العقلاء، أو من ناحية أن (الأعْجَم) هو مَن كان في لسانه عجمة وإن كان عربيّ النسب، و (الأعْجَمِيّ) المنسوب إلى العَجَم (١). أما عند الذين جعلوا (أعْجَم) مرادف (أعْجَمِيّ) (٢)، فاختلافهم في التصريف ليس له أثر في التفسير. * * * [٣]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله- تعالى-: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]: ... "و ﴿الْكُبَرِ﴾: جمع كبيرة". اهـ (٣) وقال السمين الحلبي: "و ﴿الْكُبَرِ﴾: جمعُ كُبْرى، كالفُضَل: جمع فُضْلى. وقال ابن عطية: "جمع كَبِيرَة" اهـ، وأظنُّه وهماً عليه. اهـ (٤) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو تصريف لفظة ﴿الْكُبَرِ﴾، والخلاف في تصريفها ليس له أثر في التفسير، وقد تحدث المفسرون وأهل اللغة عن تصريفها، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:

стр. 246

١ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كبيرة، وهو قول ابن عطية (١)، وقد ضعّفه بعض العلماء (٢)، ومنهم مَن جعل ذلك القول مِن وهم النُّسَّاخ؛ نظرًا لشذوذه، فاستبعدوا أن يكون ابن عطية قد قاله. قال أبو حيان: "وفي كتاب ابن عطية: و ﴿الْكُبَرِ﴾: جمعُ كبيرة، ولعلّه مِن وَهْمِ الناسخ". اهـ (٣) ٢ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمعُ كَبِيرَة وكُبْرَى، وهو قول برهان الدين (٤) البِقَاعيّ (٥). ٣ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كُبْرَى، وهو قول الجمهور (٦)، وهو الراجح والموافق لما تقرر في علم الصرف.

стр. 247

قال سيبويه: "وأما ما كان عدة حروفه أربعة أحرف وكان فُعْلَى أفْعَل فإنك تُكَسِّرُهُ على فُعَلٍ، وذلك قولك: الصُّغرى والصُّغَر، والكُبرى والكُبَر، والأُولَى والأُوَل، وقال - تعالى جَدُّه-: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ". اهـ (١) وقال الحريريّ (٢): "كل ما كان على وزن فُعلى التي هي مؤنث أفعل جمُع على فُعَل، كما جاء في القرآن: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] وهي جمع كُبْرَى". اهـ (٣) * * *

стр. 248

ثالثاً: في حروف المعاني: [١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: "و (مِن) تتضمن الجنس هاهنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت (مِن) على التبعيض لما جاز ذلك". اهـ (١)

стр. 249

وقال السمين الحلبي: "و (مِنْ) فيها وجهان، أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تَهَبَهُ كلَّ الصَّداق، وإليه ذهب الليث (١). والثاني: أنها للبيان، ولذلك يجوزُ أن تَهَبَه كل الصَّداق، قال ابن عطية: "و (مِنْ) لبيان الجنس هاهنا، ولذلك يجوز أن تَهَبَ المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك" انتهى، وقد تقدَّم أن الليث يمنع ذلك فلا يُشْكِل كونها للتعبيض". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع الاستدراك هو معنى (مِن) في قوله - تعالى-: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، والقول في (مِن) مرتبط بمسألة فقهية وهي: هل يجوز للمرأة أن تهب جميعَ الصداق لزوجها؟ وللعلماء في حكم ذلك وفي معنى (مِن) هنا قولان: ١ - أن (مِن) لبيان الجنس، أي: فإن طبنَ عن شيء مِن هذا الجنس الذي هو مَهر أو صداق. فيجوز للمرأة هبةَ الصداق كله للزوج.

стр. 250

قاله: الزجّاج (١)، والسمعاني (٢) (٣)، وابن عطية (٤)، وابن الجوزي (٥)، والفخر الرازي (٦)، وغيرهم (٧). قال الزجّاج: "فإن قال قائل: إنما قيل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ فكيف يجوز أن يقبل الرجلُ المهرَ كلَّه، وإنما قيل له ﴿مِنْهُ﴾؟ فالجواب في ذلك: أنّ ﴿مِنْهُ﴾ هاهنا للجنس، لما قال : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ فلم نؤمر أن نجتنب بعضَ الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، أي فكلوا الشيءَ الذي هو مَهْر". اهـ (٨) وقال السمعاني: "و (مِن) للتخيير هاهنا، لا للتبعيض؛ حتى يجوز للمرأة هبة كل الصَّداق". اهـ (٩)
следующие страницы →