← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كبيرة، وهو قول ابن عطية (١)، وقد ضعّفه بعض العلماء (٢)، ومنهم مَن جعل ذلك القول مِن وهم النُّسَّاخ؛ نظرًا لشذوذه، فاستبعدوا أن يكون ابن عطية قد قاله. قال أبو حيان: "وفي كتاب ابن عطية: و ﴿الْكُبَرِ﴾: جمعُ كبيرة، ولعلّه مِن وَهْمِ الناسخ". اهـ (٣) ٢ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمعُ كَبِيرَة وكُبْرَى، وهو قول برهان الدين (٤) البِقَاعيّ (٥). ٣ - أن ﴿الْكُبَرِ﴾ جمع كُبْرَى، وهو قول الجمهور (٦)، وهو الراجح والموافق لما تقرر في علم الصرف.

стр. 247

قال سيبويه: "وأما ما كان عدة حروفه أربعة أحرف وكان فُعْلَى أفْعَل فإنك تُكَسِّرُهُ على فُعَلٍ، وذلك قولك: الصُّغرى والصُّغَر، والكُبرى والكُبَر، والأُولَى والأُوَل، وقال - تعالى جَدُّه-: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ". اهـ (١) وقال الحريريّ (٢): "كل ما كان على وزن فُعلى التي هي مؤنث أفعل جمُع على فُعَل، كما جاء في القرآن: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] وهي جمع كُبْرَى". اهـ (٣) * * *

стр. 248

ثالثاً: في حروف المعاني: [١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]: "و (مِن) تتضمن الجنس هاهنا، ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو وقفت (مِن) على التبعيض لما جاز ذلك". اهـ (١)

стр. 249

وقال السمين الحلبي: "و (مِنْ) فيها وجهان، أحدهما: أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تَهَبَهُ كلَّ الصَّداق، وإليه ذهب الليث (١). والثاني: أنها للبيان، ولذلك يجوزُ أن تَهَبَه كل الصَّداق، قال ابن عطية: "و (مِنْ) لبيان الجنس هاهنا، ولذلك يجوز أن تَهَبَ المهر كله، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك" انتهى، وقد تقدَّم أن الليث يمنع ذلك فلا يُشْكِل كونها للتعبيض". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع الاستدراك هو معنى (مِن) في قوله - تعالى-: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، والقول في (مِن) مرتبط بمسألة فقهية وهي: هل يجوز للمرأة أن تهب جميعَ الصداق لزوجها؟ وللعلماء في حكم ذلك وفي معنى (مِن) هنا قولان: ١ - أن (مِن) لبيان الجنس، أي: فإن طبنَ عن شيء مِن هذا الجنس الذي هو مَهر أو صداق. فيجوز للمرأة هبةَ الصداق كله للزوج.

стр. 250

قاله: الزجّاج (١)، والسمعاني (٢) (٣)، وابن عطية (٤)، وابن الجوزي (٥)، والفخر الرازي (٦)، وغيرهم (٧). قال الزجّاج: "فإن قال قائل: إنما قيل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ فكيف يجوز أن يقبل الرجلُ المهرَ كلَّه، وإنما قيل له ﴿مِنْهُ﴾؟ فالجواب في ذلك: أنّ ﴿مِنْهُ﴾ هاهنا للجنس، لما قال : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ فلم نؤمر أن نجتنب بعضَ الأوثان، ولكن المعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن، أي فكلوا الشيءَ الذي هو مَهْر". اهـ (٨) وقال السمعاني: "و (مِن) للتخيير هاهنا، لا للتبعيض؛ حتى يجوز للمرأة هبة كل الصَّداق". اهـ (٩)

стр. 251

٢ - أن (مِن) تبعيضية، أي: مِن بعضِ الصداق، لأنه لا يجوز أن تهب الزوجَ إلا اليسير مِن الصداق، وهذا رأي الليث بن سعد في هذه المسألة. قاله: أبو حيان (١)، والسمين الحلبي (٢). قال أبو حيان: "وظاهر (مِن) التبعيض، وفيه إشارة إلى أنّ ما تَهَبُهُ يكونُ بعضًا مِن الصداق، ولذلك ذهب الليث بن سعد إلى أنّه لا يجوز تبرعها له إلا باليسير". اهـ (٣) والراجح: أن (مِن) لبيان الجنس وليست للتبعيض، وما ذهب إليه الليث بن سعد مِن أنه لا يجوز تبرعها إلا باليسير لا دليل عليه، بل الظاهر جواز تبرعها بالصداق كله أو بأكثره أو بالقليل منه، كل ذلك جائز بشرط أن تهبه عن طيب نفس، فإن وهبت الزوج كل الصداق عن طيب نفس جاز له أن يأخذه، وهذا رأي جمهور الفقهاء (٤).

стр. 252

ولكلٍّ دليله، فأمّا جواز هبة الصداق كله فيدل عليه ما رواه ابنُ عباس أنّ رسول اللَّه ﷺ سُئل عن هذه الآية فقال: (إذا جادَت المرأة لزوجها بالعطية غير مكرهة، لا يقضي به عليه سلطان، ولا يُؤاخِذ اللهُ به في الآخرة) (١). فقال: (بالعطية) ولم يخصص ذلك باليسير منها. وأمّا جواز هبة بعض الصداق فيشهد لذلك ما قاله عليّ بن أبي طالب ﵁: "إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها، فليشترِ بها عسلاً، وليأخذ مِن ماء السماء، فيجتمع هنيئًا مريئًا، وشفاءً مُباركًا". (٢) يعني أن الله سمّى ما وهبته المرأة لزوجها هنيئًا مريئًا، وسمّى العسل شفاء (٣)، وسمّى ماء المطر مباركًا (٤). وعليه: فقول ابن عطية بأن (مِن) تتضمن الجنس هو الراجح، واستدراك السمين عليه واحتجاجه برأي الليث بن سعد ليس في محله. * * *

стр. 253

[٢]: قال ابنُ عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣]: "وقوله: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لا يكون قولك سبب تركنا، إذ هو مجرد عن آية". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ من الضمير في (تارِكِي)، أي: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك. ويجوز أن تكون (عن) للتعليل، كقولِه - تعالى-: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، أي: إلا لأجل موعدة، والمعنى هنا: بتاركي آلهتِنا لقولك، فيتعلَّق بـ (تارِكِي). وقد أشار إلى التعليل ابنُ عطية، ولكنَّ المختارَ الأول، ولم يذكر الزمخشري غيره". ... اهـ (٢) دراسة الاستدراك: ذهب ابنُ عطية إلى أنّ معنى قوله: ( ... وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ) أي لا يكون قولك هو سبب تركنا لآلهتنا (٣). ووافقه في هذا المعنى - السببية- عدد كبير من المفسرين والمعربين (٤)، منهم: الطبري (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦)، والسمعاني (٧).

стр. 254

فـ (عن) هنا: تعليلية سببية (١). قال الطبري: " ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾، يقول: وما نحن بتاركي آلهتنا، يعني: لقولك: أو من أجل قولك". اهـ (٢) وقال السمعاني: "قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بسبب قولك". ... اهـ (٣) وقال ابنُ هشام: " ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: لأجله". اهـ (٤) وبناء عليه يكون الجار والمجرور في الآية متعلق بقوله: ﴿بِتَارِكِي﴾ (٥).

стр. 255

وذهب السمين الحلبي إلى أنّ معنى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: وما نترك آلهَتنا صادرين عن قولك (١). وإلى هذا المعنى ذهب الزمخشري (٢)، والبيضاوي (٣) (٤)، وأبو حيان (٥)، والشوكاني (٦)، وغيرهم (٧). وعليه: فالجار والمجرور ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضمير في ﴿بِتَارِكِي﴾ (٨). قال الزمخشري: " ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضمير في ﴿بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾، كأنه قيل: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك". اهـ (٩)

стр. 256

وقد رجّح السمينُ الحلبي هذا القول على قول ابن عطية (١). والأَوْلى أن يُقال: لا تعارض بين القولين حتى يُرجح أحدهما على الآخر، بل كلاهما يؤديان لمعنى واحد. قال أبو السعود (٢): " ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي صادرين عنه، أي: صادراً تركُنا عن ذلك بإسناد حالِ الوصفِ إلى الموصوف، ومعناه التعليلُ على أبلغ وجه". اهـ (٣) وقال ابنُ عاشور: "أي لا نتركها تركًا صادرًا عن قولك، كقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]. والمعنى على أنْ يكونَ كلامه علةً لتركهم آلهتهم". اهـ (٤) * * *

стр. 257

[٣]: قال ابنُ عطية في تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]: "أخبر الله - تعالى- في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءا أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة، فهذا عموم في كل مدينة. و (مِنْ) لبيان الجنس، وقيل المراد الخصوص: وإنْ مِن قريةٍ ظالمة". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله - تعالى-: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾: (إن) نافيةٌ، و (مِنْ) مزيدةٌ في المبتدأ لاستغراقِ الجنس. وقال ابنُ عطية: "هي لبيانِ الجنس" اهـ، وفيه نظرٌ مِنْ وجهين، أحدهما: قال الشيخ: " لأنَّ التي للبيان لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها مبهمٌ ما تُفَسّره، كقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، وهنا لم يتقدَّم شيءٌ مبهمٌ "، ثم قال: "ولعلَّ قولَه: "لبيانِ الجنسِ" مِن الناسخِ، ويكون هو قد قال: لاستغراقِ الجنس، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: "وقيل: المرادُ الخصوصُ". اهـ (٢) وخبرُ المبتدأ الجملةُ المحصورةُ مِنْ قولِه: ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾.

стр. 258

والثاني: أنَّ شَرْطَ ذلك أَنْ يَسْبِقَها مُحَلَّى بأل الجنسية، وأن يقعَ موقعها (الذي) كقولِه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] ". اهـ (١) دراسة الاستدراك: ذهب المفسرون إلى أن معنى قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أيْ: وما مِن قرية -أيّ قرية أو قرية ظالمة- إلا ستهلك بعذاب أو بموت (٢)، فمِن هنا أتت في النفي. ومنهم مَن تحدث عن (مِن) بشكل خاص؛ فصرح بأنها زائدة للاستغراق (٣). قال أبو حيان: " (إنْ) نافية، و (مِنْ) زائدة في المبتدأ تدل على استغراق الجنس". اهـ (٤) وقال الشوكاني: " (إنْ) نافية، و (مِنْ) للاستغراق، أي: ما مِنْ قرية". اهـ (٥)

стр. 259

بينما ذهب ابنُ عطية إلى أنها لبيان الجنس، مع أن سياق كلامه يُفهم منه أنها للاستغراق والعموم، حيث قال: "ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة". اهـ (١) قال أبو حيان: "ولعل قوله: "لبيان الجنس" مِن الناسخ، ويكون هو قد قال: لاستغراق الجنس، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: "وقيل: المراد الخصوص". اهـ (٢) والصواب أن (مِن) هنا هي التوكيدية (٣)، وهي التي يسميها النحاة: (زائدة) (٤)، وتأتي غالباً في النفي؛ فتخلصه للجنس، مؤكدةً معنى العموم فيه، أي: للاستغراق (٥). ولا يصح أن تكون لبيان الجنس، لما يلي: ١ - أن التي للبيان لا بُدَّ أنْ يتقدَّمَها مبهمٌ ما تفسّره، وهنا لم يتقدَّم شيءٌ مبهم (٦). ٢ - أنَّ شرْط البيانية أنْ يسبقها مُحلَّى بأل الجنسية، وأن يقع موقعها (الذي) كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (٧)؛ لأن المعنى: فاجتنبوا الرجسَ الذي هو وثن (٨). * * *

стр. 260

[٤]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله- تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]: "واللام في قوله: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا﴾ لام الصيرورة؛ لأنّ بعثهم لم يكن لنفسِ تساؤلهم". اهـ (١) وقال السمين الحلبي عن هذه اللام: "قيل: هي للصَّيْرورة، لأنَّ البعثَ لم يكنْ للتساؤلِ، قاله ابنُ عطية، والصحيحُ أنها على بابِها مِن السببية". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: تحدث العلماء عن اللام في قوله: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا﴾ واختلفوا في نوعها على قولين: الأول: أنها لام الصيرورة والعاقبة. قاله: البَغَوِيّ (٣)، وابن عطية (٤)، والقرطبي (٥)، وغيرهم (٦).

стр. 261

قال البَغويّ: "اللام فيه لام العاقبة؛ لأنهم لم يُبْعَثُوا للسؤال". اهـ (١) الثاني: أنها لام التعليل (السببية). قاله: الفخر الرازي (٢)، والسمين الحلبي (٣)، وغيرهما (٤). قال الفخر الرازي: "فإنْ قيل: هل يجوزُ أنْ يكونَ الغرضُ مِنْ بعثهم أنْ يَتَسَاءَلُوا ويتنازعوا؟ قلنا: لا يَبْعُدُ ذلك؛ لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم مِنْ قدرة الله -تعالى- أمورٌ عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمْرٌ مطلوبٌ لِذاتِه". اهـ (٥) ويُفهم من كلام مكي بن أبي طالب (٦)، وكذا المنتجب الهمذاني (٧) أنها للتعليل. قال مكيّ: "ليسأل بعضهم بعضاً، ونُعرّفهم عظيم قدرتنا؛ فيزدادوا بصيرة في أمرهم، وفي إيمانهم؛ إذ لبثوا مدة عظيمة من الزمان، وهم في هيئهم لم يتغيروا، ولا تغيرت ثيابهم". ... اهـ (٨)

стр. 262

ولام الصيرورة والعاقبة والمآل تشبه لام التعليل (١)، ولذلك هي عندَ أكثر البصريين صنفٌ مِن أصناف لام التعليل أو لام كي (٢)، بينما جعلها الكوفيون صنفاً مستقلاً عن لام التعليل (٣). حتى إن الزمخشري - وهو بصري- جعَلَ اللامَ في قوله - تعالى-: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] للتعليل، وجعل هذا التعليل على سبيل المجاز دون الحقيقة، حيث قال: "اللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك: "جئتك لتكرمني" سواء بسواء، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا وحزنا، ولكن: المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعلُ الفعلَ لأجلِه". اهـ (٤) وقد فرّق علماء اللغة بين لام التعليل ولام العاقبة فقالوا بأنه في لام التعليل يكون الفعل الذي بعدها مراداً لفاعل الفعل الذي قبلها، كما في قوله- تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] (٥).

стр. 263

وأمّا لام العاقبة فالفعل الذي بعدها غير مراد لفاعل الفعل الذي قبلها (١)، كما في قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]؛ فهم لم يلتقطوه لذلك إنما التقطوه ليكون لهم فرحاً وسرورا، ولكنه صار لهم عدوًا وحزنا (٢). والراجح- والله أعلم- أن اللام في قوله ﴿لِيَتَسَاءَلُوا﴾ لام التعليل (السببية)؛ فسياق الآيات في بيان قدرة الله ، ولابد من بعثهم لتتجلى لهم قدرة الله، فهذا التساؤل هو الذي يكشف لهم قدرة الله، والتساؤل لا يمكن أن يقع أثناء نومهم، فبُعثوا ليقع بينهم هذا التساؤل الذي نتج عنه معرفتهم بما جرى عليهم، ويقينهم بعظيم قدرة الله، وزيادة إيمانهم. وهذا جاء على مراد الله - تعالى- فقد أراد وقوع التساؤل بينهم كما أراد بعثهم. وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية. * * *

стр. 264

[٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٠]: "قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ استدراك مُقدّر قبله نفي، تقديره: إن الآيات لا تأتي بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتةً". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ إضرابُ انتقال، وقال ابن عطية: " (بل) استدراكٌ مقدرٌ قبلَه نفيٌ، تقديرُه: إنَّ الآياتِ لا تأتي على حَسَب اقتراحهم" اهـ، وفيه نظرٌ؛ لأنه يَصيرُ التقديرُ: لا تأْتيهم الآياتُ على حسب اقتراحِهم، بل تأتيهم بغتةً، فيكون الظاهرُ أن الآياتِ تأتي بغتةً، وليس ذلك مُراداً قطعاً". اهـ (٢) دراسة الاستدراك:

стр. 265

ذهب ابنُ عطية إلى أنّ قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ استدراك مقدر قبله نفي، والتقدير: إن الآيات (١) لا تأتي بحسب اقتراحهم بل تأتيهم بغتة. ولم يوافقه السمينُ فيما ذهب إليه؛ إذ بناءً على قوله يكون التقدير: لا تأتيهم الآيات على حسب اقتراحهم، بل تأتيهم بغتة، فيكون المعنى: أن الآيات تأتيهم بغتة، وليس هذا هو المعنى المراد قطعاً، ولا يوافق ذلك ما نصّ عليه المفسرون في معنى الآية. وما قاله ابن عطية مخالف لقول الجمهور؛ حيث ذهبوا إلى أنّ (بل) في الآية إضراب انتقالي (٢)، لا استدراك مقدر قبله نفي. فـ (بل) في الآية للإضراب الانتقالي التوكيدي، وفائدتها: الانتقال من جملة إلى جملة أخرى أهم من الأولى. (٣) وما بعد (بل) هنا مبين للآية السابقة: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] وزائد عليها. قال الفيروزأبادي: "وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أي: لو يعلمون ما يعلمون ما هو زائد على الأوّل، وأَعظم منه وهو أن تأتيهم بغتة". اهـ (٤)

стр. 266

وقال ابنُ عاشور: "و (بَل) للإضراب الانتقالي مِن تهويل ما أُعِدَّ لهم إلى التهديد بأنّ ذلك يحِلُّ بهم بغتةً وفجأة، وهو أشدُّ على النفوس؛ لعدم التَّهَيُّؤِ له". اهـ (١) وقد أصابَ السمينُ في استدراكه على ابن عطية؛ إذ أن التقدير الذي ذكره ابنُ عطية يؤول إلى معنى غير صحيح؛ فليست الآيات هي التي تأتي بغتة، وأهل التفسير وإن اختلفت ألفاظهم في تفسير ضمير ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، فذلك من باب اختلاف التنوع، وكل ما قالوه يؤول إلى معنى واحد، وليس من بين أقوالهم أن الآيات هي التي تأتي بغتة. فقال بعضهم: الساعة هي التي تأتيهم بغتة (٢)، وهي المدلَّل عليها بسؤالهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨]، وفسرها بعضهم بالعقوبة (٣)، وقال آخرون: هي النار (٤)، وقيل: هي العدة أو الحين أو الوعد (٥).

стр. 267

قال المنتجب الهمذاني: "المنويّ راجع إلى (النَّارَ)، أو إلى الوعد؛ لأنه في معنى النار، وهي التي وُعِدوها، أو على تأويل العدة والموعدة، أو إلى الحين؛ لأنه في معنى الساعة، أو إلى الساعة وإن لم يجرِ لها ذكر؛ لكونها معلومة". اهـ (١) وكل تلك المعاني التي ذكروها لا توافق تقدير ابن عطية، بل وإن هذا التقدير يُناقض ما قاله ابنُ عطية نفسه بعد ذلك؛ حيث قال: "والضمير للساعة التي تُصيّرهم إلى العذاب، ويحتمل أن يكون للنار" اهـ (٢)، فأين هذا من تقدير: إن الآيات لا تأتي على حسب اقتراحهم، بل تأتيهم بغتة؟ * * *

стр. 268

[٦]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]: "و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ هي لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ في (مِنْ) الأولى ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها زائدةٌ، كما تقدَّم تقريره عن الرازي (٢) وأبي البقاء (٣)، وإن لم يكنْ مِن أصول البصريين. والثاني: أنها للتعبيضِ، أي: بعض أساور.

стр. 269

والثالث: أنها لبيان الجنس، قاله ابن عطية، وبه بدأ، وفيه نظرٌ؛ إذ لم يتقدم شيءٌ مُبهَم". اهـ (١) دراسة الاستدراك: يكثر الخلاف بين العلماء في حروف المعاني، وتتعدد الاحتمالات في معانيها، لاسيما في مثل هذا الموضع من قوله- تعالى-: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ فتعددت أقوال العلماء في (مِن) الأولى، حتى إن أغلبهم ذكروا فيها أكثر مِن قول دون أن يرجحوا قولاً على آخر (٢). وقد ذكرَ ابنُ عطية أنها لبيان الجنس - وهو القول الذي بدأ به-، ثم قال: "ويحتمل أن تكون للتبعيض". اهـ (٣) بينما استبعد السمين أن تكون لبيان الجنس؛ لأنه لم يتقدم شيء مبهم (٤). وللعلماء في (مِن) الأولى أربعة أقوال: الأول: أنها توكيدية (زائدة) (٥)، والمعنى: يحلون أساور.

стр. 270

قاله: أبو البقاء (١)، والقرطبي (٢)، وغيرهما (٣). قال ابن عاشور: "و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ زائدة للتوكيد، ووجْهُهُ أنه لَمَّا لَمْ يُعهَدْ تَحلِيةُ الرجال بالأساور كان الخبرُ عنهم بأنهم يُحَلَّوْنَ أساورَ مُعَرّضًا للترددِ في إرادة الحقيقة؛ فجِيءَ بالمؤَكِّدِ؛ لإفادة المعنى الحقيقي". اهـ (٤) وجواز زيادة (مِن) مطلقاً هو مذهب أبي الحسن الأخفش، ومَن وافقه من الكوفيين والبصريين، فقالوا بجواز زيادتها في النفي والإيجاب؛ لثبوت السماع بذلك (٥)، وخَرَّجُوا عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ومن أدلتهم أيضاً: قوله- تعالى-: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢]، وفي موضع آخر قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]، ومنها قوله: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقال في موضع آخر: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 271

الثاني: أنها لبيان الجنس (١). قاله ابنُ عطية وبه بدأ (٢)، ووافقه ابنُ جُزَيّ (٣) الكلبيّ (٤). وضعّف السمين الحلبي هذا القول بحجة أنه لم يتقدم شيء مبهم فتكون (مِن) هذه لبيان جنسه (٥). الثالث: أنها للتبعيض (٦)، أي: يُحَلَّونَ بعض أساور. قاله: أبو القاسم (٧) الكِرْماني (٨)، والزمخشري (٩)، وأبو حيان (١٠)، وغيرهم (١١).

стр. 272

قال الزمخشري: " (مِن) داخلة للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض". اهـ (١) الرابع: أنها للابتداء، وهو قول ابن هشام (٢). مناقشة الأقوال: أمّا القول بأنها توكيدية (زائدة) فيقويه قوله -تعالى-: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١] (٣). وأمّا القول بأنها لبيان الجنس فهو قول محتمل، والمبهم المتقدم هو الحلي (٤)، فتكون (مِن) هذه لبيان جنس الحلي. وأمّا القول بأنها تبعيضية فهو قول محتمل أيضاً، إلا أن قوله في موضع آخر: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ [الإنسان: ٢١] لا يقوي أن معناها هنا: مِن بعض أساور.

стр. 273

وأمّا القول بأنها للابتداء فهو قول بعيد، والمعنى لا يدل على أنها لابتداء الغاية. وعليه: فالقول الأول والقول الثاني هما الأقرب للصواب، وقول ابن عطية أنها لبيان الجنس ليس بضعيف. * * *::

стр. 274

[٧]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]: "و (مِنْ) في قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ هي لبيان جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من عذاب الله". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنها لبيان الجنس، قال ابن عطية: "هي لبيان جنس الإشفاق" اهـ، قلت: وهي عبارةٌ قلقة. والثاني: أنها متعلقةٌ بـ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ قاله (٢) الحَوْفيّ (٣)، وهو واضح". اهـ (٤) دراسة الاستدراك: في (مِن) من قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ وجهان: الأول: أنها تعليلية متعلقة بالخبر: ﴿مُشْفِقُونَ﴾، وهو قول الجمهور (٥).

стр. 275

الثاني: أنها لبيان جنس الإشفاق، وهو قول ابن عطية (١). والصحيح أنها تعليلية متعلقة بالخبر: ﴿مُشْفِقُونَ﴾، وهذا الوجه هو الأليق بمعنى الآية، لأن معناها: أنهم بسبب اتصافهم بخشية الله مشفقون من عذابه (٢). قال الواحدي: "الذين هم لمِا هم عليه مِن خشية الله مشفقون من عذابه". اهـ (٣) وقال ابنُ عاشور: "والمعنى: أنهم لخشية ربهم يخافون عقابه". اهـ (٤) وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ لأن القول بأنها لبيان جنس الإشفاق غير ظاهر. * * *

стр. 276

[٨]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]: "واللام في قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ ... لام التقاء القسم". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ هذه لامُ الابتداءِ، وجعلها الحَوفي (٢) وابنُ عطيَّة للقسم، وليس بجيدٍ إذا جَعَلْنا (مَنْ) شرطيةً -كما سيأتي-؛ لأنه كان ينبغي أنْ يُجابَ السابقُ، وهنا لم يُجَبْ إلاَّ الشرطُ.

стр. 277

و (مَنْ) يجوز أنْ تكون شرطية، وهو الظاهر، والفاء في ﴿فَأُولَئِكَ﴾ جواب الشرط، وأنْ تكونَ موصولة، ودخلت الفاء لِما عَرفتَ مِن شَبَهِ الموصولِ بالشرط". اهـ (١) دراسة الاستدراك: للعلماء في لام ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ ... قولان رئيسان: الأول: أنها اللام التي يُتلقى بها القسم، وبناء عليه فالآية فيها قسم محذوف. قاله: ابنُ عطية (٢)، وأبو زيد (٣) الثعالبي (٤)، وغيرهما (٥). وضعفه السمين لأنه رجّح أن تكون (مَن) شرطية، فكان ينبغي أن يُجاب السابق ... - القسم-، وهنا لم يجب إلا الشرط ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾: جواب الشرط (٦). الثاني: أنها لام الابتداء، وفائدتها توكيد مضمون الجملة. قاله: أبو حيان (٧)، والسمين (٨)، وغيرهما (٩)، ورجحه الشوكاني (١٠).

стр. 278

قال أبو حيان: "واللام في ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ ... لام توكيد". اهـ (١) وكلا القولين بينهما اشتراك مِن وجهين: ١ - التوكيد؛ فلام الابتداء معناها توكيد الكلام، وكذلك لام القسم (٢). وقد بيّن الزَّجَّاجي (٣) أن اللفظ بهما سواء ولكن بالمعنى يستدل على القصد، وقال: " إذا وقع بعدها المستقبل ومعه النون الثقيلة أو الخفيفة فهي لام القسم، ذُكر القسم قبلها أو لم يُذكر"، ثم قال: "وكذلك كل ما كان عليه دليل من هذا النوع حُمل على القسم، وما لم يكن فيه دليل فاللام فيه لام الابتداء، والمعنى بينهما قريب؛ لاجتماعهما في التوكيد والتحقيق". اهـ (٤) ٢ - أن لام الابتداء من حروف المعاني الغير عاملة، وكذلك لام القسم غير عاملة (٥). والراجح - والله أعلم- أنها لام الابتداء التوكيدية؛ لأن ظاهر نظم الآية لا يدل على القسم، ولم يُشِر المفسرون إلى أن هناك قسم مقدّر في الآية. وعليه: فاستدراك السمين الحلبي وارد على ابن عطية. * * *

стр. 279

رابعاً: في مسائل لغوية عامة: [١]: قال ابن عطية عند حديثه عن قوله - تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]: "وقوله - تعالى-: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ رجع من لفظ الواحد إلى لفظ الجمع بحسب لفظ (مَن) ومعناها، وحَسُن ذلك؛ لأن الواحد قبل الجمع في الرتبة، ولا يجوز أن يرجع متكلم مِن لفظ جمع إلى توحيد، لو قلت: «ومِن الناس مَن يقولون ويتكلم» لم يجز". اهـ (١) وقال السمين متحدثاً عن هذه المسألة ومستدركاً على ابن عطية: "واعلم أن (مَنْ) وأخواتها لها لفظٌ ومعنىً، فلفظُها مفردٌ مذكَّرٌ، فإن أريد بها غيرُ ذلك فلك أن تراعيَ لفظها مرةً، ومعناها أخرى، فتقول: «جاء مَنْ قام وقعدوا»، والآيةُ الكريمة كذلك، روعي اللفظُ أولاً فقيل: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾، والمعنى ثانياً في ﴿آمَنَّا﴾، وقال ابن عطية: "حَسُن ذلك لأنَّ الواحدَ قبلَ الجمعِ في الرتبة، ولا يجوزُ أن يرجِعَ متكلمٌ من لفظِ جَمْعٍ إلى توحيدٍ، لو قلت: «ومن الناس مَنْ يقومون ويتكلم» لم يَجُز". اهـ وفي عبارة القاضي ابن عطية نظرٌ، وذلك لأنه منع من مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، وذلك جائزٌ، إلا أنَّ مراعاةَ اللفظ أولاً أَوْلى، ومِمَّا يَرُدُّ عليه قولُ الشاعر: لستُ مِمَّنْ يَكُعُّ (٢) أو يَسْتَكينو ... ن (٣) إذا كافَحَتْهُ (٤) خيلُ الأعادي (٥) وقال - تعالى-: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ﴾ [الطلاق: ١١] إلى أن قال: ﴿خَالِدِينَ﴾ فراعى المعنى، ثم قال: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فراعى اللفظَ بعد مراعاةِ المعنى، وكذا راعى المعنى في قوله: (أو يَستكينون) ثم راعى اللفظَ في (إذا كافحته).

стр. 280

وهذا الحملُ جارٍ فيها في جميع أحوالها، أعني مِنْ كونِها موصولةً وشرطيةً واستفهامية". اهـ (١) تحليل الاستدراك ودراسته: (مَن) في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ لفظها: مفرد مذكر، وأريد بها في الآية: الجمع، فروعي اللفظ أولاً ﴿يَقُولُ﴾: بالإفراد، ثم روعي المعنى ﴿آمَنَّا﴾: بالجمع، وقال ابن عطية بوقوع ذلك في الآية، إلا إنه لم يُجِز الرجوع مِن لفظ الجمع إلى التوحيد، أي أنه منعَ مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى. واستدرك عليه السمين؛ فقال بجواز مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، وإن كانت مراعاة اللفظ أولاً أَوْلى، واستشهد بوقوعه في قوله: ... ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ﴾ [الطلاق: ١١] إلى أن قال: ... ﴿خَالِدِينَ﴾ فراعى المعنى، ثم قال: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فراعى اللفظَ بعد مراعاةِ المعنى. واستشهد أيضا بقول الشاعر: لستُ مِمَّنْ يَكُعُّ أو يَسْتَكينو ... ن إذا كافَحَتْهُ خيلُ الأعادي راعى المعنى في قوله: (أو يَستكينون) ثم راعى اللفظَ في (إذا كافحته). وممن وافقه في القول بالجواز: الباقولي (٢)، وعبد الرحمن الأنباري (٣)، وأبو حيان (٤)، والسيوطي (٥).

стр. 281

وممن خالفه: المنتجب الهمذاني (١)، وابنُ عَجِيبة (٢). قال ابن عجيبة: "وأما إن راعى أولاً المعنى فلا يرجع إلى مراعاة اللفظ؛ لأن مراعاة المعنى أقوى". اهـ (٣) وفي هذه المسألة تفصيل: إذا اجتمعَ في الضمائر مراعاةُ اللَّفظِ والمعنى بُدِئَ باللَّفظِ ثُمَّ بالمعنى، وهذا هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب، قال - تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ ثُمَّ قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أَفردَ أولاً باعتبار اللَّفظِ ثمَّ جَمَعَ باعتبار المعنى، وكَذا في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] (٤).

стр. 282

قال ابنُ جنيّ: "واعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: شكرت من أحسنوا إلي على فعله". اهـ (١) ويجوز البدء بالمعنى كقول القائل: مَن قَامَت وَقعد، وذلك قليل، وقيل بمنعه، وشَرطَ قومٌ لجوازه وقوع الفصل بين الجملتين، نَحْو: من يقومونَ في غير شَيء وينظر في أمرنا قومك (٢). والذين قالوا بالمنع عللوه بأنه يكون إلباساً بعد البيان، بخلاف اعتبار اللفظ ثم المعنى فإنه يكون تفسيرًا (٣). قال الرَّضِيّ (٤): "وأما تقديم مراعاة المعنى على مراعاة اللفظ مِن أولِ الأمر، فنقل أبو سعيد (٥) عن بعض الكوفيين منعَه، والأَولى: الجواز على ضعف". اهـ (٦)

стр. 283

ولم يرد في القرآن البدء بالحمل على المعنى إلا في موضعٍ واحد (١) وهو قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (٢) فأنّثَ حملاً على معنى (ما) فقال: ﴿خَالِصَةٌ﴾ ثم راعى اللَّفظَ فَذَكَّرَ فقال: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ (٣). وقد يعتبر اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ نحو: ... ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان] (٤)؛ روعي لفظ (مَن) أولاً في ثلاثة ضمائر في: ﴿يَشْتَرِي﴾ و ﴿لِيُضِلَّ﴾ و ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾،

стр. 284

وروعي معناها في موضعين، وهما: ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾، ثم رُجع إلى اللفظ في ضمائر الآية التي تليها، أولها: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ وآخرها ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ (١). قال ابنُ خَالَوَيه: "ليس في كلامِ العرب ولا في شيءٍ مِنَ العربية ما رُجع من معناه إلى لفظه إلا في حرف واحد استخرجه ابنُ مجاهد من القرآن، وهو قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فوَحَّدَ يؤمن وذكّره على لفظ (مَن)، وكذلك ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾، ثم قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ فجمع خالدين على معنى (مَن) ثم قال: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فرجع بعد الجمع إلى التوحيد". اهـ (٢) والراجح: جوازُ مراعاةِ اللَّفظِ تارةً، ومراعاة المعنى تارةً أخرى مطلقاً، خلافاً لمن رأى أَنَّ مراعاةَ اللَّفظِ بعدَ مراعاةِ المعنى لا تصحُّ، وفي آية سورة الطلاق رَدٌّ على مَن رأى أن مراعاةَ المعنى لا تجوزُ بَعدَهَا مراعاةُ اللَّفظِ (٣)؛ فَإِنَّهُ فِي تلك الآية راعى لفظَ (مَنْ) أولاً؛ فأفردَ الضَّميرَ في قوله: ﴿يُؤْمِنْ﴾، وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ﴾، وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وراعى المعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ ... فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللَّفظَ بعد ذلك في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فأفرد (٤).

стр. 285

وكذا في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] ردٌ على من منع ذلك؛ لأنه أنث فقال: ﴿خَالِصَةٌ﴾ حملاً لها على معنى التأنيث، ثم عاد إلى اللفظ فقال: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ (١). ويُرد عليهم أيضاً بما ورد في سورة الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ في قراءة مَن أفرد الضمير في ﴿جَاءَنَا﴾ (٢): أفرد في ﴿يَعْشُ﴾ وفي ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ وفي ﴿فَهُوَ لَهُ﴾، ثم جمع في ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، و ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، ثم أفرد في ﴿جَاءَنَا﴾ (٣). قال أبو حيان: "أعادَ أولاً على اللفظ، ثم جمع على المعنى، ثم أفرد على اللفظ". اهـ (٤)
следующие страницы →