وممن خالفه: المنتجب الهمذاني (١)، وابنُ عَجِيبة (٢).
قال ابن عجيبة: "وأما إن راعى أولاً المعنى فلا يرجع إلى مراعاة اللفظ؛ لأن مراعاة المعنى أقوى". اهـ (٣)
وفي هذه المسألة تفصيل:
إذا اجتمعَ في الضمائر مراعاةُ اللَّفظِ والمعنى بُدِئَ باللَّفظِ ثُمَّ بالمعنى، وهذا هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب، قال - تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ ثُمَّ قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أَفردَ أولاً باعتبار اللَّفظِ ثمَّ جَمَعَ باعتبار المعنى، وكَذا في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩] (٤).
стр. 282
قال ابنُ جنيّ: "واعلم أن العرب إذا حملت على المعنى لم تكد تراجع اللفظ، كقولك: شكرت من أحسنوا إلي على فعله". اهـ (١)
ويجوز البدء بالمعنى كقول القائل: مَن قَامَت وَقعد، وذلك قليل، وقيل بمنعه، وشَرطَ قومٌ لجوازه وقوع الفصل بين الجملتين، نَحْو: من يقومونَ في غير شَيء وينظر في أمرنا قومك (٢).
والذين قالوا بالمنع عللوه بأنه يكون إلباساً بعد البيان، بخلاف اعتبار اللفظ ثم المعنى فإنه يكون تفسيرًا (٣).
قال الرَّضِيّ (٤): "وأما تقديم مراعاة المعنى على مراعاة اللفظ مِن أولِ الأمر، فنقل أبو سعيد (٥) عن بعض الكوفيين منعَه، والأَولى: الجواز على ضعف". اهـ (٦)
стр. 283
ولم يرد في القرآن البدء بالحمل على المعنى إلا في موضعٍ واحد (١) وهو قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (٢) فأنّثَ حملاً على معنى (ما) فقال: ﴿خَالِصَةٌ﴾ ثم راعى اللَّفظَ فَذَكَّرَ فقال: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ (٣).
وقد يعتبر اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ نحو: ... ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان] (٤)؛ روعي لفظ (مَن) أولاً في ثلاثة ضمائر في: ﴿يَشْتَرِي﴾ و ﴿لِيُضِلَّ﴾ و ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾،
стр. 284
وروعي معناها في موضعين، وهما: ﴿أُولَئِكَ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾، ثم رُجع إلى اللفظ في ضمائر الآية التي تليها، أولها: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ وآخرها ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ (١).
قال ابنُ خَالَوَيه: "ليس في كلامِ العرب ولا في شيءٍ مِنَ العربية ما رُجع من معناه إلى لفظه إلا في حرف واحد استخرجه ابنُ مجاهد من القرآن، وهو قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فوَحَّدَ يؤمن وذكّره على لفظ (مَن)، وكذلك ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾، ثم قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ فجمع خالدين على معنى (مَن) ثم قال: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فرجع بعد الجمع إلى التوحيد". اهـ (٢)
والراجح: جوازُ مراعاةِ اللَّفظِ تارةً، ومراعاة المعنى تارةً أخرى مطلقاً، خلافاً لمن رأى أَنَّ مراعاةَ اللَّفظِ بعدَ مراعاةِ المعنى لا تصحُّ، وفي آية سورة الطلاق رَدٌّ على مَن رأى أن مراعاةَ المعنى لا تجوزُ بَعدَهَا مراعاةُ اللَّفظِ (٣)؛ فَإِنَّهُ فِي تلك الآية راعى لفظَ (مَنْ) أولاً؛ فأفردَ الضَّميرَ في قوله: ﴿يُؤْمِنْ﴾، وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ﴾، وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وراعى المعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ ... فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللَّفظَ بعد ذلك في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] فأفرد (٤).
стр. 285
وكذا في قوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] ردٌ على من منع ذلك؛ لأنه أنث فقال: ﴿خَالِصَةٌ﴾ حملاً لها على معنى التأنيث، ثم عاد إلى اللفظ فقال: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ (١).
ويُرد عليهم أيضاً بما ورد في سورة الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ في قراءة مَن أفرد الضمير في ﴿جَاءَنَا﴾ (٢): أفرد في ﴿يَعْشُ﴾ وفي ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾ وفي ﴿فَهُوَ لَهُ﴾، ثم جمع في ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، و ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، ثم أفرد في ﴿جَاءَنَا﴾ (٣).
قال أبو حيان: "أعادَ أولاً على اللفظ، ثم جمع على المعنى، ثم أفرد على اللفظ". اهـ (٤)
стр. 286
ويرُد عليهم أيضاً بما جاء في الآيتين من سورة لقمان السابق ذكرهما، وببيت الشعر الذي ذكره أبو حيان، ونقله عنه السمين.
وقد ورد في القراءات الشاذة ما يدل على جواز البدء بمراعاة المعنى ثم اللفظ، ففي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] قرأ بعضهم: (تقنت) بالتاء؛ مراعاة للمعنى، و (يعمل) بالياء؛ مراعاة للفظ (١).
وعليه: فاستدراك السمين وارد على ابن عطية؛ إذ أنّ مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى جائزة، ولها ما يشهد لها كما تمّ بيانه.
* * *
стр. 287
[٢]: قال ابنُ عطية في تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]: " (يكاد) فعل ينفي المعنى مع إيجابه، ويوجبه مع النفي، فهنا لم يخطف البرقُ الأبصارَ". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي في حديثه عن (كاد): "واعلم أنَّ خبرَها إذا كانت هي مثبتةً منفيٌّ في المعنى لأنها للمقاربة، فإذا قلت: «كاد زيدٌ يفعلُ» كان معناه قارَبَ الفعلَ، إلا أنه لم يَفْعَل، فإذا نُفِيَتْ انتفَى خبرُها بطريقِ الأَوْلى؛ لأنه إذا انتفت مقاربةُ الفعل انتفى هو من باب أَوْلَى، ولهذا كان قولُه- تعالى-: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغَ مِن أَنْ لو قيل: لم يَرَها، لأنه لم يقارب الرؤيةَ فكيف له بها؟ وزعم جماعةٌ منهم ابن جني (٢) وأبو البقاء (٣) وابنُ عطية أنَّ نفيَها إثباتٌ وإثباتَها نفيٌ.
стр. 288
وَحَكَوْا عن ذي الرُّمَّة (١) أنه لمَّا أَنْشَدَ قولَه (٢):
إذا غَيّر النأيُ (٣) المحبينَ لم يكدْ ... رَسِيسُ (٤) الهوى مِن حبِّ مَيّة (٥) يبرحُ
عِيبَ عليه؛ لأنه قال: لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: (لم يَزَلْ) أو ما هو بمعناه (٦).
والذي غَرَّ هؤلاء قوله- تعالى-: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] قالوا: فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في المعنى، لأن الذبْحَ وقع؛ لقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾.
والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين، أحدُهما: أنه يُحْمَلُ على اختلافِ وقتين، أي: ذبحوها في وقتٍ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ، والثاني: أنه عبَّر بنفي مقاربةِ الفعل عن شدَّةِ تعنُّتهم وعُسرِهم في الفعل.
وأمَّا ما حَكَوهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعه عن قولِه، وقالوا: هو أبلغ (٧) وأحسنُ مِمَّا غيَّره إليه". اهـ (٨)
стр. 289
دراسة الاستدراك:
أولاً: أقوال العلماء في معنى (كاد) في النفي والإثبات:
١ - أن إثباتها إثبات للمقاربة دون الفعل، ونفيها نفي للمقاربة ويلزم منه نفي الفعل.
قاله: السمين الحلبي (١)، وابن هشام (٢)، والسيوطي (٣)، وغيرهم (٤).
قال ابنُ هشام: "والصواب أن حكمها حكم سائر الأفعال في أن نفيها نفي وإثباتها إثبات، وبيانه أن معناها المقاربة، ولا شكّ أن معنى كَاد يفعل: قَارب الْفِعْل، وَأَن معنى مَا كَاد يفعل: مَا قَارب الْفِعْل، فخبرها منفي دائماً، أما إذا كانت منفية فواضح؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى عقلاً حصول ذلك الفعل، ودليله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، ولهذا كان أبلغ من أن يُقال: لم يرهَا؛ لأن مَن لم يرَ قد يُقَارب الرؤية.
وأما إذا كانت المقاربة مثبتة؛ فلأن الإخبار بقرب الشيء يقتضي عُرفاً عدم حصوله، وإلا لَكانَ الإخبار حينئذٍ بحصوله لا بمقاربة حصوله". اهـ (٥)
٢ - أن إثباتها نفي، ونفيها إثبات.
стр. 290
قاله: ابن فارس (١)، وابن عطية (٢)، وأبو البقاء (٣)، وغيرهم (٤).
قال ابنُ فارس: "إذا وقعت (كاد) مجردة فلمْ يقعْ ذلك الشيء؛ تقول: كَادَ يفعل؛ فهذا لم يفعل، وإذا قُرنتْ بِجَحْدٍ فقد وقع، إذا قلتَ: ما كاد يفعله؛ فقد فَعَلَه، قال اللَّهُ -سبحانه-: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] ". اهـ (٥)
٣ - أن نفي الماضي إثبات؛ بدليل: ... ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، ونفي المضارع نفي بدليل ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] مع أنهُ لم يَرَ شيئاً.
ذكره بعض العلماء وضعّفوه (٦).
٤ - أن إثباتها إثبات للمقاربة دون الفعل، ونفيها نفي، وقد يُستخدم النفي للدلالة على وقوع الفعل بعُسر أو بعد إبطاء ونحو ذلك.
قاله: الفراء (٧)، والأخفش (٨)، والطبري (٩)، وعبد القاهر (١٠) الجُرجاني (١١)، وابن مالك (١٢)، وغيرهم (١٣).
стр. 291
قال ابن مالك: "وقد يكون نفيها إعلامًا ببطء الوقوع، والثبوت حاصل كقوله - تعالى-: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] أي: يفقهون ببطء وعسر". اهـ (١)
стр. 292
٥ - أن إثباتها إثبات للمقاربة ونفي للفعل، ونفيها إثبات لوقوع الفعل بعد إبطاء.
قاله: مكي بن أبي طالب (١)، والواحدي (٢)، والمنتجب الهمذاني (٣)، وغيرهم (٤).
قال المنتجب: "إذا لم يصحبه حرف نفي قارب الوقوع ولم يقع، وإذا صحبه حرف نفي فهو واقع لا محالة، ولكنه بعد تأخر". اهـ (٥)
٦ - أن إثباتها إثبات للمقاربة دون الفعل، ونفيها إن كانت في كلام واحد فهو لنفي المقاربة، وإن كانت في كلامين اقتضت وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقارباً.
قاله: ابن القيم (٦).
ثانياً: نقد الأقوال:
هذه الأقوال بينها أوجه اتفاق واختلاف، والأقوال الثلاثة الأخيرة متقاربة، وهي الأقرب للصواب.
стр. 293
أما القول الأول - وهو قول السمين- فيعترض عليه بأنه لا يلزم من نفي (كاد) نفي الفعل دائماً، بل الفعل قد يقع كما في قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧] وهو يسيغه (١) رغماً عنه بعد إبطاء (٢).
أما القول الثاني - وهو قول ابن عطية- فيعترض عليه بأن نفيها قد يكون نفياً لا إثباتاً، كما في قوله: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] فجمهور المفسرين
على أنه لم يرها ولم يكد، وذهب بعضهم إلى أن هذا أبلغ من نفي الرؤية نفسها (٣).
وللطبري كلام جيد في هذه المسألة؛ حيث بيّن الأظهر من جهة اللغة، والأظهر من جهة التفسير، فقال: " قد يكون رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة، وهذا القول أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب (كاد) في كلامها.
والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه، وإنما حَسُن ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول: لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر; لأن ذلك مَثَل لا خبر عن كائن كان". اهـ (٤)
أما القول الثالث فلم يرجحه أحد من العلماء، بل وأعرض أغلبهم عن ذكره.
стр. 294
ولعل القول السادس هو الأرجح من الأقوال الثلاثة الأخيرة، والتفصيل الذي ذكره ابنُ القيم يتوافق مع المعاني التي استُخدمت فيها (كاد) في القرآن ولغة العرب.
قال ابنُ القيم: " والصحيحُ أنها فِعلٌ يقتضي المقاربة ولها حُكْمُ سائرِ الأفعال، ونفي الخبر لم يُسْتَفَدْ مِن لفظها وَوضْعِها؛ فإنها لم توضعْ لنفيه، وإنما استُفِيدَ مِن لوازم معناها، فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل لم يكن واقعاً؛ فيكونُ منفياً باللزوم، وأمَّا إذا استُعمِلت منفية فإن كانت في كلامٍ واحد فهي لنفي المقاربة، كما إذا قُلتَ: لا يَكَادُ الْبَطَّالُ يُفْلِحُ، ولا يَكَادُ الْبَخِيلُ يَسُودُ، ولا يَكَادُ الْجَبَانُ يَفْرَحُ ونحو ذلك، وإن كانت في كلامين اقتَضَتْ وقوع الفعل بعد أن لم يكن مقارباً كما قال ابنُ مالكٍ، فهذا التَّحقيقُ في أمرها، والمقصود أنّ قوله - تعالى-: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] إمَّا أنْ يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة وهو الأظهر، فإذا كان لا يقارب رؤيتها فكيف يراها؟ قال ذو الرُّمَّة:
إِذَا غَيَّرَ النَّائِي الْمُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
أي: لَمْ يقارب البَرَاحَ - وهو الزَّوالُ- فكيفَ يَزُولُ؟ ". اهـ (١)
* * *
[٣]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله- تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
стр. 295
[البقرة: ٢٦٤]: "وقوله - تعالى-: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يريد به الذين ينفقون رئاء، أي: لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ذلك، وهو كسبهم، وجاءت العبارة بـ ﴿يَقْدِرُونَ﴾ على معنى (الذي)، وقد انحمل الكلام قبل على لفظ (الذي)، وهذا هو مَهْيَع (١) كلام العرب، ولو انحمل أولاً على المعنى لقبح بعدُ أن يُحمل على اللفظ". اهـ (٢)
وقال السمين الحلبي في حديثه عن قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾: وإنما جُمع الضميرُ حَمْلاً على المعنى، لأنَّ المرادَ بـ (الذي) الجنسُ، فلذلك جاز الحَمْلُ على لفظِه مرةً في قولِه: ﴿مَالَهُ﴾، ﴿وَلَا يُؤْمِنُ﴾، ﴿فَمَثَلُهُ﴾، وعلى معناه أخرى، وصار هذا نظير قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] ثم قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، وقد تقدَّم تحقيقُ القول في ذلك.
وقد زعم ابن عطية أن مَهْيَعَ كلامِ العرب الحملُ على اللفظ أولاً ثم المعنى ثانياً، وأنّ العكسَ قبيحٌ، وتقدم الكلامُ معه في ذلك". اهـ (٣)
دراسة الاستدراك:
موضوع هذا الاستدراك هو حكم مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، فذهب ابن عطية إلى أن ذلك قبيح، بينما أجاز السمين الحلبي ذلك ولم يضعّفه، وله أدلته.
وهذه المسألة سبق دراستها (٤).
* * *
стр. 296
[٤]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣]: "وجمع ﴿خالِدِينَ﴾ على معنى ﴿مَنْ﴾ بعد أن تقدم الإفراد مراعاة للفظ ﴿مَنْ﴾، وعكس هذا لا يجوز". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: " قوله - تعالى-: ﴿يُدْخِلْهُ﴾: حَمَلَ على لفظ ﴿مَنْ﴾؛ فأفرد الضميرَ في قوله: ﴿يُطِعْ﴾ و ﴿يُدْخِلْه﴾، وعلى معناها؛ فجمع في قوله: ﴿خالِدِينَ﴾، وهذا أحسنُ الحَمْلين، أعني الحملَ على اللفظ ثم المعنى، ويجوزُ العكس، وإن كان ابن عطية قد منعه، وليس بشيء؛ لثبوتِه عن العرب، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرةٍ، وفيه تفصيل". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
منعَ ابنُ عطية مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى، بينما أجاز السمينُ ذلك، وله أدلته.
وهذه المسألة سبق دراستها (٣).
* * *
стр. 297
[٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]: "قال - تعالى-: ﴿إِلَيْهَا﴾ ولم يقل: إليهما؛ تَهَمُّماً بالأهم؛ إذ هي كانت سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها.
وتأمَّل أنْ قُدِّمِتْ التجارة مع الرؤية؛ لأنها أهم، وأخرت مع التفضيل؛ لتقع النفس أولا على الأبْيَن". اهـ (١)
стр. 298
وقال السمينُ الحلبيّ: "أعاد الضمير على التجارة دونَ اللهو؛ لأنها الأهمُّ في السبب.
قال ابن عطية: "وقال: ﴿إِلَيْهَا﴾ ولم يقل: إليهما؛ تَهَمُّماً بالأهمِّ، إذ كانت هي سببَ اللهوِ ولم يكن اللهوُ سبَبَها.
وتأمَّل أنْ قُدِّمِتْ التجارةُ على اللهو في الرؤية؛ لأنها أهمُّ وأُخِّرت مع التفضيل؛ لتقعَ النفسُ أولاً على الأَبْيَن" انتهى.
وفي قولِه: "لم يَقُلْ إليهما" ثم أَجابَ بما ذكرَ نَظَرٌ لا يَخفى؛ لأنَّ العطفَ بـ (أو) لا يُثنَّى معه الضميرُ ولا الخبرُ ولا الحالُ ولا الوصف؛ لأنها لأحدِ الشيئَيْن، ولذلك تأوَّل الناسُ ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]، وإنما الجوابُ عنه: أنه وَحَدَّ الضميرَ لأنَّ العطفَ بـ (أو)، وإنما جيءَ بضميرِ التجارة دونَ ضمير اللهوِ وإن كان جائزاً؛ لِما ذكَره ابنُ عطيةَ مِن الجواب، وهو الاهتمام كما قاله غيرُ واحد". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أولاً: مرجع الضمير في ﴿إِلَيْهَا﴾:
ذهب الجمهور (٢) ومنهم: ابن عطية والسمين الحلبي إلى أنّ الضمير (الهاء) عائد إلى التجارة، وهي أول المتعاطفين - التجارة واللهو-.
стр. 299
وقيل: الضمير عائد على جملة ما رأوا من اللهو والتجارة.
ذكره السمرقندي (١) قولاً محتملاً (٢).
وقيل: الضمير للرؤية، المدلول عليها بقوله: ﴿رَأَوْا﴾.
ذكره الآلوسي (٣) ولم يرجحه (٤).
وقيل: الضمير راجع إلى اللهو، باعتبار المعنى، والسر فيه: أنَّ التجارة إذا شغلت المكلّف عن الذكر عُدت لهواً، وتُعد فضلاً إن لم تشغله.
نقله بعض العلماء (٥) عن الطِّيبي (٦).
стр. 300
والراجح: أن الضمير عائد على التجارة، والخبر عن التجارة واللهو معاً، ومِن عادة العرب أنْ يُخبروا عن أحد الشيئين وهو لهما (١).
فانفضاضهم كان من أجل التجارة أصالةً، واللهو إنما كان من أجل قدومها، وقد قال -تعالى- بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فهذا يُشعر أن التجارة هي الأصل، والرزق ثمرة التجارة، فكان هذا بيانًا قرآنيًا لعود الضمير على التجارة دون اللهو (٢).
ثانيًا: سبب تخصيص التجارة بإعادة الضمير إليها:
أعيد الضمير إلى التجارة لأنّ ميلهم كان إلى التجارة، وغالب انفضاضهم لها دون اللهو؛ فكانت هي الأهم عندهم، وهي سبب اللهو ولم يكن اللهو سببها، والتجارة أقوى سببًا في الانفضاض عن النبي ﷺ (٣).
стр. 301
قال البيضاوي: "وإفراد التجارة بردِّ الكناية؛ لأنها المقصودة، فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير". اهـ (١)
وقال أبو السعود: "وتخصيصُ التجارةِ برجع الضمير لأنها المقصودة، أو لأنَّ الانفضاض للتجارةِ معَ الحاجةِ إليها والانتفاعِ بها إذا كانَ مذموماً فما ظنُّكَ بالانفضاضِ إلى اللهو وهو المذموم في نفسه". اهـ (٢)
ثالثًا: مسألة: إعادة الضمير بعد المتعاطفين بـ (أَوْ):
هذه المسألة هي الموضوع الرئيس للاستدراك، فالسمين الحلبي يرى أن العطف بـ (أَوْ) لا يُثنى معه الضمير، وإنما يكون لأحد الشيئين؛ خلافاً لابن عطية الذي يدل ظاهر كلامه على جواز إعادة الضمير لكلا الشيئين.
ففي هذه المسألة قولان رئيسان:
أولهما: أنه عند العطف بـ (أَوْ) يجوز إعادة الضمير على أحد المتعاطفين، وعلى كلٍّ منهما.
قاله: الفراء (٣)، وابن قتيبة (٤)، والزمخشري (٥)، وابن عطية (٦)، والقرطبي (٧).
стр. 302
ولكن الأحسن إعادة الضمير إلى أحدهما دون الآخر (١)، والأجود من ذلك كله: إعادة الضمير للآخر من المتعاطفين (٢).
قال الفراء: "ولو قيل: انفضوا إليهما، كما قال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] كانَ صوابًا، وأجود من ذلكَ في العربية أن تجعل الراجع من الذكر للآخرِ من الاسمين وما بعد ذا فهو جائز". اهـ (٣)
الثاني: أنّ العطف بـ (أَوْ) لا يُثنى معه الضمير، وإنما هي لأحد الشيئين.
قاله: الأخفش (٤)، وأبو حيان (٥)، والسمين الحلبي (٦)، وغيرهم (٧).
قال الأخفش: " (أَوْ) إنما يخبر فيه عن أحد الشيئين، وأنت في (أَوْ) بالخيار، إن شئت جعلت الكلام على الأول وإن شئت على الآخر، وأن تحمله على الآخر أقيس؛ لأنك إن تجعل الخبر على الاسم الذي يليه - الخبر- فهو أمثل مِن أن تجاوزه إلى اسم بعيد منه". اهـ (٨)
стр. 303
وقال أبو حيان: "الأصل في العطف بالواو مطابقة الضمير لما قبله في تثنية وجمع، وأمّا العطف بـ (أَوْ) فلا يعود الضمير فيه إلا على أحدِ ما سبق". اهـ (١)
وأصحاب هذا القول تكلفوا في تأويل ما جاء في قوله - تعالى-: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ ليوافق مذهبهم، فذكروا في ذلك عدة توجيهات، منها: أنَّ (أَوْ)
هنا بمعنى (الواو)، وقال آخرون: إن الضمير يعود على الغنى والفقر المدلول عليهما بلفظِ الغني والفقير، والتقديرُ: فاللَّهُ أولى بغِنى الغني وفَقْر الفقير، وقيل: الضمير يعود على الخصمين تقديره: إن يكنِ الخصمان غنياً أو فقيراً فالله أوْلى بهذين الخصمين (٢).
وهذا كله تكلف لا حاجة إليه، والأصل: الاعتماد على ظاهر الآية دون اللجوء للتقديرات.
والراجح: أنّ العطف بـ (أو) يجوز معه تثنية الضمير وتوحيده، وأقوى الوجهين: إعادة الضمير على أحد المتعاطفين، واختيار أحدهما دون الآخر إنما يكون بحسب الفائدة والأهمية.
ويدل على جواز تثنية الضمير ما جاء في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ ويدل على ذلك أيضاً القراءة الشاذة في الآية: (انفضوا إليهما) (٣).
وقد أخطأ الذين أوّلوا ما جاء في القرآن ليوافق مذهبهم اللغوي والنحوي، فالقواعد إنما تُؤخذ من القرآن، ولا يُؤول ما جاء في القرآن ليوافق أقيسة اللغويين.
стр. 304
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية ليس في محله؛ فإن تثنية الضمير عند العطف بـ (أو) جائز، غاية الأمر أنه خلاف الأولى والأقوى والأغلب في القرآن.
فتثنية الضمير في المتواتر لم ترد إلا في موضع واحد (١) هو قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾، أمّا في سائر مواضع العطف بـ (أو) كانت إعادة الضمير فيها لأحد المتعاطفين، الأول أو الآخر.
فمن الإعادة على الأول دون الآخِر: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]؛ حيث أعاد على أول المتعاطفين: التجارة.
ومن الإعادة على الآخر: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] فقال: ﴿بِهِ﴾ أي الإثم؛ فأعاد على الآخِر من المتعاطفين.
* * *
стр. 305
المبحث الثاني
استدراكاته في إعراب القرآن
[١]: قال ابنُ عطية في معرِض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]: "وقولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا: ونحن نسبحُ بحمدِكَ أم نتغير عن هذه الحال؟
قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: (أَتَجْعَلُ) ". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "وأبعدَ مَن زعمَ أنَّ جملةَ قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ داخلةٌ في حَيِّزِ استفهامٍ مقدرٍ، تقديرُه: وأنحن نسبِّح أم نتغيَّر، واستحسنه ابن عطية مع القولِ بالاستفهام المحضِ في قولهم: (أَتَجْعَلُ)، وهذا يأباه الجمهورُ، أعني حذف همزة الاستفهام مِن غيرِ ذِكر (أم) المعادِلةِ، وهو رأيُ الأخفش (٢)، وجعلَ مِن ذلك قوله - تعالى-: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] أي: وأتلك نعمةٌ".
ثم قال السمين: "فأمَّا مع (أمْ) فإنه جائزٌ؛ لدَلالتِها عليه، كقوله:
فوَ اللهِ ما أدري وإنْ كنتُ دارياً ... بسبْعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بِثَمانِ (٣)
أي: أبسبعٍ". اهـ (٤)
стр. 306
دراسة الاستدراك:
استحسن ابنُ عطية القولَ بأن هناك استفهام مقدر في قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، والتقدير: أنحن نسبح بحمدك أم نتغير عن هذه الحال.
وممن ذهب إلى أن فيها استفهامًا مقدرًا: السمعاني (١)، والكِرماني (٢).
واستعبد السمينُ ذلك؛ لأنه مخالف لما عليه جمهور النحاة؛ حيث قرروا أنه لا يجوز حذف همزة الاستفهام مِن غير ذكر (أم) بعدها.
واكتفى السمين الحلبي بتضعيف هذا القول مِن الناحية النحوية.
وملخص آراء النحويين في هذه المسألة على النحو التالي:
١ - ذهب الجمهور إلى جواز حذف همزة الاستفهام إذا دلّ عليها الدليل، وهو: ذكر (أم) بعدها، فيستدل بها على أنّ هناك استفهامًا مقدرًا قبلها (٣).
стр. 307
٢ - تَوسّعَ بعضُ النحويين فقالوا بجواز حذف الاستفهام من الكلام؛ اعتمادًا على قرينة لفظية وهي (أم)، أو معنوية يُعتمد فيها على فطنة السامع (١).
٣ - أجاز الأخفش حذف همزة الاستفهام اختيارًا وإن لم تذكر (أم) المعادلة بعدها، إذا أمن اللبس، فإن أدى الحذف إلى الالتباس فلا يجوز (٢).
والصواب أن حذف الاستفهام من الكلام وإن كان جائزًا على قلته وبشروط، فإن ادعاء وجود استفهام مقدر - وهو قول ابن عطية- في قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ مستبعد جدًا وضعيف من عدة أوجه:
١ - ظاهر الآية لا يدل على أنّ هذه العبارة داخلة في حيّز استفهام مقدّر، بل هي جملة حالية، مقررة للتعجب والاستشكال السابق، ومؤكدة له (٣).
قال ابنُ عاشور: "فتكون حالاً مُقرِّرةً لمدلول جملة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾ تكملةً للاستغراب". اهـ (٤)
стр. 308
وقال بعض المفسرين: هذا على طريقة قول من يجِدُّ في خدمة مولاه وهو يأمرُ بها غيرَه: أتستخدمُ العُصاةَ وأنا مجتهدٌ فيها (١)، كأنه قيل: أتستخلف مَن شأنُ ذريته الفسادُ مع وجود مَنْ ليس مِن شأنه ذلك أصلاً؟ (٢)
والمعنى: أعْلِمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (٣).
وسؤالهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾ ... هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك (٤)، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خَلْقِ هؤلاء مع أنَّ منهم مَن يُفسدُ في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المرادُ عبادَتك، فنحنُ نُسبِّحُ بحمدك ونقدِّسُ لكَ، ولا يصدر منّا شيءٌ من ذلك الإفساد، وهلاّ وقع الاقتصار علينا؟ فقالَ اللَّهُ مُجيبًا عن هذا السؤال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. (٥)
٢ - اللهُ أخبرهم أنه سيجعل في الأرض خليفة، فما علاقة السؤال: أنحن نسبح أم نتغير؟ بذلك الخبر، بل السؤال في مثلِ هذه الحال عن الحكمة مِن ذلك مع اتصفاهم بالتسبيح والتقديس، أي: كيف تجعل خليفة يفسد وليس كحالنا في التسبيح والتقديس.
стр. 309
فليس السؤال في مثل هذا الموضوع في كونهم يتغيرون أم لا، وهل جعْل خليفة في الأرض يقتضي تغيرهم عن الحال التي هم عليها؟ بل هذا مِن صفاتهم الثابتة التي لا تتغير (١)، وقد ثبت بالأدلة أنهم متصفون بالطاعة الكاملة لله - تعالى-، والتسبيح بحمده، والسجود له، وغير ذلك من العبادات.
ومِن الأدلة على ذلك: قوله - تعالى-: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥].
ثم إن قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ جملة اسمية، تدل على الدوام، أي: وصفهم الملازم لجبلتهم (٢)، أي: نحن الدائمون على التسبيح والتقديس.
٣ - السياق لا يدل على ذلك، والسياق يُعتَمَد عليه في الترجيح بين المحتملات (٣)، والسياق هنا لا يدل على أن معناها: ونحن نسبح أم نتغير، حيث قال بعد ذلك: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا يدل على أن سؤالهم كان عن الحكمة التي جهلوها فقط، ويبعد أن يكون جواباً لسؤال تقديره: نحن نسبح أم نتغير.
وسياق الآيات في هذا الموضوع فيه إثبات علم الله - سبحانه- (٤)، وإظهار جهلهم (٥): ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، فالآيات أثبتت جهلهم عندما جهلوا الأسماء، بينما ليس فيها ما يشير إلى تغيرهم.
стр. 310
٤ - مِن الناحية النحوية: يُحمل كلام الله على الأوجه الإعرابية الأوضح والأشهر، وينبغي البعد عن الأوجه البعيدة (١)، فمذهب الأخفش وإن كان جائزًا فهو بعيد جدًا في مثل هذا الموضع.
٥ - الإعراب الخالي من التقدير والحذف أولى من الإعراب الذي يُدعى فيه ذلك، لأن الحذف خلاف الأصل (٢)، فلا حاجة للقول بأن هناك استفهامًا محذوفًا تقديره: ونحن نسبح أم نتغير؟
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله.
* * *
стр. 311
[٢]: قال ابنُ عطية عند إعرابه لقوله- تعالى-: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]: "قال الزهراوي: موضع ﴿مَا﴾ مِن قولهم: ﴿مَا عَلَّمْتَنَا﴾ نصب ... بـ ﴿عَلَّمْتَنَا﴾، وخبر التبرئة في ﴿لَنَا﴾.
ويحتمل أن يكون موضع (مَا) رفعًا على أنه بدل من خبر التبرئة، كما تقول: لا إله إلا الله، أي: لا إله في الوجود إلا الله". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: " ﴿مَا﴾ موصولةٌ، و ﴿عَلَّمْتَنَا﴾ صلتُها، وعائدُها محذوفٌ، على أن يكونَ (عِلْمَ) بمعنى مَعْلُوم، ويجوزُ أنْ تكونَ مصدريةً وهي في محلِّ نصب على الاستثناءِ، ولا يجوزُ أن تكونَ منصوبةً بالعِلْم الذي هو اسمُ (لا) لأنه إذا عَمِل كان مُعْرَباً، وقيل: في محلِّ رفعٍ على البدلِ من اسم (لا) على الموضع.
وقال ابن عطية: "هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: لا إلهَ إلا الله" اهـ، وفيهِ نظرٌ؛ لأن الاستثناءَ إنما هو من المحكومِ عليه بقيدِ الحكم لا مِن المحكومِ به". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
موضوع هذا الاستدراك هو ﴿مَا﴾ وموضعها الإعرابي في قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، ولمعربي القرآن في ذلك عدة أقوال:
стр. 312
١ - أن ﴿مَا﴾ موصولة، و ﴿عَلَّمْتَنَا﴾ صلتها، وعائدها محذوف، أي: علَّمتناه، ويكون ﴿عِلْمَ﴾ بمعنى: معلوم، وهي مع صلتها في موضع رفع على البدل مِن موضع ﴿لَا عِلْمَ﴾، أي: لا معلوم لنا إلا الذي علَّمتناه.
قاله: أبو البقاء (١)، والمنتجَب الهمذاني (٢)، وأبو حيان (٣)، والسمين (٤)، وغيرهم (٥).
وهذا أوضح الأوجه وأظهرها، وهو متسق مع ظاهر معنى الآية.
٢ - أن ﴿مَا﴾ مصدرية، أي: عِلْماً علمتناه، وهي في موضع رفع على البدل من موضع ... (لَا عِلْمَ) نحو "لا إله إلا الله".
قاله: أبو البقاء - وجهاً محتملاً- (٦)، وإسماعيل (٧) حَقِّي (٨)، وغيرهما (٩).
وهو قولٌ محتَمَل، ومعناه قريب من معنى القول الأول.
стр. 313
٣ - أن ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَلَّمْتَنَا﴾.
نقله ابنُ عطية عن الزهراوي - وبه بدأ- (١)، وضعّفه بعض المعربين.
وسبب ضعفه: أنّ الموصول ﴿مَا﴾ لا ينتصب بصلته ﴿عَلَّمْتَنَا﴾ ولا تعمل فيه (٢).
٤ - أن ﴿مَا﴾ مصدرية، وهي بدل مِن خبر التبرئة، كما في "لا إله إلا الله" أي: لا إله في الوجود إلا الله، وعلى هذا فهي في موضع رفع.
قاله ابنُ عطية (٣)، وضعّفه السمين الحلبي (٤)؛ لأن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليه بقيد الحكم، لا من المحكوم به (الخبر).
٥ - أن ﴿مَا﴾ موصولة، في محل رفع بدل من الضمير المستتر في خبر (لا) المحذوف، وهو: كائن.
ذكر هذا الوجه بعضُ المعربين المعاصرين (٥)، وهو قول محتمل، ولكن فيه تكلف.
٦ - أنّ ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة، وهي في محل نصب على الاستثناء.
стр. 314
ذكره أبو حيان (١)، والسمين (٢)، وغيرهما (٣) وجهًا محتملاً.
وجعْلُ (مَا) في محل نصب على الاستثناء وجهٌ صحيح.
أمّا القول بأنها مصدرية أو موصولة، فالراجح أنها موصولة؛ لأن (مَا) إذا جاء قبلها (لا) فهي موصولة (٤).
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ لأن كلا القولين اللذين ذكرهما ابنُ عطية فيهما ضعف، ولم يذكر غيرَهما.
* * *
стр. 315
[٣]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]: " ﴿إِذْ﴾ من قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ معطوف على ﴿إِذْ﴾ المتقدمة". اهـ (١)
وقال السمينُ الحلبي: "العاملُ في ﴿إذ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه قولُه: ﴿فَسَجَدُوا﴾ تقديرُه: أطاعوا وانقادُوا فسجدوا؛ لأنَّ السجودَ ناشئٌ عن الانقياد، وقيل: العاملُ (اذكُرْ) مقدرةً، وقيل: ﴿إذ﴾ زائدةٌ، وقد تقدَّم ضَعفُ هذين القولين.
وقال ابنُ عطية: " ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ معطوفٌ على ﴿إذ﴾ المتقدمةِ" اهـ، ولا يَصِحُّ هذا؛ لاختلاف الوقتين". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
стр. 316
في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ تحدث معربو القرآن عن ﴿إذ﴾ والعامل فيها، وموضعها الإعرابي، والحديث عن ذلك ينقسم إلى قسمين:
أولاً: قولهم في (إذ) والعامل فيها:
١ - أنّ (إذ) زائدة، والمعنى: وقلنا للملائكة.
قاله: أبو عبيدة (١)، والحارث (٢) المحاسبي (٣).
وضعّفه الجمهور (٤)؛ لأن الزيادة إنما تكون في الحروف، أما الأسماء فلا تُزاد (٥).
٢ - أنّها ليست زائدة، والعامل فيها محذوف، والتقدير: واذكر إذ قلنا.
قاله: الباقولي (٦)، والقرطبي (٧)، وابن هشام (٨)، والشوكاني (٩)، وغيرهم (١٠).
стр. 317
٣ - أن العامل فيها محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾، تقديره: انقادوا وأطاعوا؛ لأنّ السجودَ كان ناشئاً عن الانقياد للأمر.
قاله: أبو حيان (١)، ووافقه السمين الحلبي (٢).
ثانيًا: قولهم في العطف:
١ - أنّ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ معطوف على ﴿إذ﴾ المتقدمة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠].
قاله: الطبري (٣)، والزجاج (٤)، والواحدي (٥)، وابن عطية (٦)، وغيرهم (٧).
وضُعِّف بأنه لا يصح عطف الظرف في ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على الظرف في ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾؛ لاختلاف الوقتين (٨).
стр. 318
٢ - أنّ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ معطوف على قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ... [البقرة: ٢٩]، أي: خلقَ لكم ما في الأرض وقال للملائكة اسجدوا لآدم.
قاله: الطاهر بن عاشور (١).
٣ - أن ما جاء في هذه الآية هو مِن عطف القصة على القصة.
قاله: البيضاوي (٢)، والآلوسي (٣)، وغيرهما (٤).
والراجح: أن ﴿إذ﴾ مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: واذكر إذ، ولا يجوز أن نجعلها ظرفًا لـ (أذكر) محذوف.
قال ابنُ هشام عن جعْلها ظرفًا لـ (أذكر): "وهذا وهم فاحش، لاقتِضائه حينئذٍ الأمر بالذكر في ذلِك الوقت مع أن الأمر للاستقبال وذلك الوقت قد مضى قبل تعلق الخطاب بالمكلفين منا، وإنَّما المراد ذِكر الوقت نفسه لا الذِّكر فيه". اهـ (٥)
стр. 319
وفي القرآن تُذكر (إذ) كثيرًا مقرونة بواو العطف مِن غير ذكر العامل فيها إذا كان الكلام في معرض تعداد النعم، وتكرار القصص، فيشير بالواو العاطفة إليه، كأنه مذكور في اللفظ؛ لعلم المخاطب بالمراد (١).
والراجح: أن العطف هنا هو عطْف القصة على القصة، لا مِن عطْفِ الظرفِ على الظرف -كما قال ابنُ عطية-، ولا هو مِن عطْفِ الجملة على الجملة، فالسياق يدل على عطف القصة على القصة، وهي نعمة أخرى جليلة عدّها على عباده (٢)، حَقيقةٌ بالذكر والتذكيرِ على حِيالها (٣)، وسياق الآيات عبارة عن قصص متتالية.
قال ابن عاشور عن عطف القصة على القصة هنا: "ويؤيده أنها تُبتَدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة اللَّهِ - تعالى-، ألا ترى أنها ذُكرت في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ولم تُذكَر فيما بينهما، وتكون (إِذْ) اسم زمانٍ مفعولاً به بتقدير: اذكر، ونظيره كثيرٌ في القرآن، والمقصود مِن تعليق الذِّكر والقصة بالزمان إنَّما هو ما حصل في ذلك الزمان من الأحوال". اهـ (٤)
* * *
стр. 320
[٤]: قال ابنُ عطية عند إعرابه لقوله - تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في موضع الحال، ولم يشهد لهم -تعالى- بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد ﵇، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصب على الحال".
وتحدث السمينُ بالتفصيلِ عن عامِلِها، ثم قال: "وأجاز ابنُ عطية ألاَّ تكونَ هذه الجملةُ حالاً فإنه قال: "ويُحْتمل أن تكونَ شهادةً عليهم بعِلم حقٍّ مخصوصٍ في أمرِ محمدٍ ﵇، ولم يَشْهَدْ لهم بالعلمِ على الإِطلاق، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ في موضعِ الحال" اهـ، وفيما قاله نظرٌ ". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
أجمعَ معربو القرآن على أن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في موضع نصب على الحال (٣).