في قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ تحدث معربو القرآن عن ﴿إذ﴾ والعامل فيها، وموضعها الإعرابي، والحديث عن ذلك ينقسم إلى قسمين:
أولاً: قولهم في (إذ) والعامل فيها:
١ - أنّ (إذ) زائدة، والمعنى: وقلنا للملائكة.
قاله: أبو عبيدة (١)، والحارث (٢) المحاسبي (٣).
وضعّفه الجمهور (٤)؛ لأن الزيادة إنما تكون في الحروف، أما الأسماء فلا تُزاد (٥).
٢ - أنّها ليست زائدة، والعامل فيها محذوف، والتقدير: واذكر إذ قلنا.
قاله: الباقولي (٦)، والقرطبي (٧)، وابن هشام (٨)، والشوكاني (٩)، وغيرهم (١٠).
стр. 317
٣ - أن العامل فيها محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾، تقديره: انقادوا وأطاعوا؛ لأنّ السجودَ كان ناشئاً عن الانقياد للأمر.
قاله: أبو حيان (١)، ووافقه السمين الحلبي (٢).
ثانيًا: قولهم في العطف:
١ - أنّ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ معطوف على ﴿إذ﴾ المتقدمة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠].
قاله: الطبري (٣)، والزجاج (٤)، والواحدي (٥)، وابن عطية (٦)، وغيرهم (٧).
وضُعِّف بأنه لا يصح عطف الظرف في ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على الظرف في ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾؛ لاختلاف الوقتين (٨).
стр. 318
٢ - أنّ قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ معطوف على قوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ... [البقرة: ٢٩]، أي: خلقَ لكم ما في الأرض وقال للملائكة اسجدوا لآدم.
قاله: الطاهر بن عاشور (١).
٣ - أن ما جاء في هذه الآية هو مِن عطف القصة على القصة.
قاله: البيضاوي (٢)، والآلوسي (٣)، وغيرهما (٤).
والراجح: أن ﴿إذ﴾ مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: واذكر إذ، ولا يجوز أن نجعلها ظرفًا لـ (أذكر) محذوف.
قال ابنُ هشام عن جعْلها ظرفًا لـ (أذكر): "وهذا وهم فاحش، لاقتِضائه حينئذٍ الأمر بالذكر في ذلِك الوقت مع أن الأمر للاستقبال وذلك الوقت قد مضى قبل تعلق الخطاب بالمكلفين منا، وإنَّما المراد ذِكر الوقت نفسه لا الذِّكر فيه". اهـ (٥)
стр. 319
وفي القرآن تُذكر (إذ) كثيرًا مقرونة بواو العطف مِن غير ذكر العامل فيها إذا كان الكلام في معرض تعداد النعم، وتكرار القصص، فيشير بالواو العاطفة إليه، كأنه مذكور في اللفظ؛ لعلم المخاطب بالمراد (١).
والراجح: أن العطف هنا هو عطْف القصة على القصة، لا مِن عطْفِ الظرفِ على الظرف -كما قال ابنُ عطية-، ولا هو مِن عطْفِ الجملة على الجملة، فالسياق يدل على عطف القصة على القصة، وهي نعمة أخرى جليلة عدّها على عباده (٢)، حَقيقةٌ بالذكر والتذكيرِ على حِيالها (٣)، وسياق الآيات عبارة عن قصص متتالية.
قال ابن عاشور عن عطف القصة على القصة هنا: "ويؤيده أنها تُبتَدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة اللَّهِ - تعالى-، ألا ترى أنها ذُكرت في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ولم تُذكَر فيما بينهما، وتكون (إِذْ) اسم زمانٍ مفعولاً به بتقدير: اذكر، ونظيره كثيرٌ في القرآن، والمقصود مِن تعليق الذِّكر والقصة بالزمان إنَّما هو ما حصل في ذلك الزمان من الأحوال". اهـ (٤)
* * *
стр. 320
[٤]: قال ابنُ عطية عند إعرابه لقوله - تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في موضع الحال، ولم يشهد لهم -تعالى- بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد ﵇، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصب على الحال".
وتحدث السمينُ بالتفصيلِ عن عامِلِها، ثم قال: "وأجاز ابنُ عطية ألاَّ تكونَ هذه الجملةُ حالاً فإنه قال: "ويُحْتمل أن تكونَ شهادةً عليهم بعِلم حقٍّ مخصوصٍ في أمرِ محمدٍ ﵇، ولم يَشْهَدْ لهم بالعلمِ على الإِطلاق، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ في موضعِ الحال" اهـ، وفيما قاله نظرٌ ". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
أجمعَ معربو القرآن على أن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في موضع نصب على الحال (٣).
стр. 321
قال أبو جعفر النحّاس: " ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل مستقبل في موضع الخبر، والجملة في موضع الحال". اهـ (١)
وقال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع نصب على الحال مِن المضمر في (تَكْتُموا) ". اهـ (٢)
وأجاز ابنُ عطية وجهًا آخر حيث قال: "ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد ﵇، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال" اهـ (٣)، يعني أن الجملة معطوفة، وليست حالية (٤).
وهذا الوجه الذي أجازه ابنُ عطية لا حاجة إليه، فعطْفُ الجُملة الخبرية الثبوتية ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ على ما قبلها مِن جملة النهي ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ وإن كان جائزًا من الناحية النحوية، إلاّ أن معنى الآية وتفسيرها لا يدل على ذلك، وليس كل ما جاز في النحو جاز في إعراب القرآن، بل لابد مِن اختيار الوجه الإعرابي الموافق لتفسير الآية.
стр. 322
قال ابن القيّم: "لا يجوز أن يحمل كلام الله ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن". اهـ (١)
وظاهر كلام المفسرين يدل على أن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة حالية مرتبطة بما قبلها في المعنى، أي: ولا تكتموا الحق أي: أمر محمد ﷺ ، وأنتم تعلمون أنه حق ونبيٌ مرسل في الكتب التي بأيديكم (٢).
قال ابنُ عباس ﵁ في تفسيره لهذه الآية: "لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم". (٣)
وقال مجاهد: "يكتم أهل الكتاب محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل". (٤)
وقال الزجاج: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علمٍ منكم وبصيرة". اهـ (٥)
ونظير هذه الآية قوله - تعالى-: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]
* * *
стр. 323
[٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩]: " ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ إعرابه رفع على الاستئناف، والجملة في موضع نصب على الحال، أي سائمين لكم سوء العذاب، ويجوز أن لا تقدر فيه الحال، ويكون وصف حال ماضية". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصب على الحالِ مِن ﴿آل﴾ حالَ كونِهم سائمين.
ويجوز أن تكونَ مستأنفةً لمجردِ الإخبارِ بذلك، وتكون حكايةَ حالٍ ماضية، قال بمعناه ابن عطية، وليس بظاهر". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
ذهب جمهورُ معربي القرآنِ إلى أن قولَه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في محل نصب حال مِن ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٣)، أو مِن الضمير في ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾ (٤)، أو منهما جميعًا؛ لأنّ فيها ضمير كل واحد منهما (٥).
стр. 324
والمعنى: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب.
قال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من آل فرعون". اهـ (١)
وأجاز الأخفش (٢) والطبري (٣) وابن عطية (٤) وغيرهم (٥) أن يكون قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ جملة مستأنفة في موضع رفع، وهي حكاية حال ماضية.
стр. 325
قال الأخفش: " ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع رفع، وإن شئت جعلتَه في موضع نصب على الحال، كأنه يقول: وإذ نَجَّيْناكُم من آلِ فرعَون سائِمين لكم، والرفع على الابتداء". اهـ (١)
وقال الطبري: "وفي قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون خبرًا مستأنفًا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذ: واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب.
وإذا كان ذلك تأويله كان موضع ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ رفعًا.
والوجه الثاني: أن يكون ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالاً، فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالاً من آل فرعون". اهـ (٢)
وكلا الوجهين جائز، إلا أنّ جعْل الجملة في موضع نصب على الحال هو الأقرب من ناحية المعنى والتفسير، فإن هذه الآية وما بعدها هي في بيان فضل الله ونعمته على بني إسرائيل، ومِن فضله عليهم: أن نجاهم من آل فرعون، والآيات في تفصيل نعم الله عليهم، فالأَولى أن يكون قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حال مِن آل فرعون يحصل بها بيان ما وقع الإنجاء منه، وهو العذاب الشديد الذي وقع لبني إسرائيل مِن آل فرعون (٣).
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ لأن جعْلها حالاً مفسِّرة متصلة بما قبلها أولى مِن جعْلِها جملة مستأنفة.
* * *
стр. 326
[٦]: قال ابنُ عطية في إعرابه لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١]: "والضمير في ﴿بَعْدِهِ﴾ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليم؛ إذ المواعدة تقتضيه، وقيل: على الوعد". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "الضمير يعود على موسى، ولا بدَّ من حذفِ مضافٍ، أي: مِن بعدِ انطلاقِه أو مُضِيِّه، وقال ابنُ عطية: "يعود على موسى، وقيل: على انطلاقِه للتكليمِ، وقيل: على الوعد" اهـ، وفي كلامه بعضُ مناقشة، فإنَّ قولَه: "وقيل يعودُ على انطلاقه" يقتضي عَوْدَه على موسى من غيرِ تقدير مضافٍ، وذلك غيرُ مُتَصَوَّر". اهـ (٢)
стр. 327
دراسة الاستدراك:
تحدث المفسرون والمعربون عن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾، فقال بعضهم (١): إن الهاء تعود على موسى ﵇، ولم يتعرضوا إلى أن هناك مضافًا محذوفًا يُعرف مِن السياق.
قال الطبري: "والهاء في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدة على ذكر موسى". اهـ (٢)
وقال القرطبي: " ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أيْ: اتخذتموه إلَهًا مِن بَعْدِ موسى". اهـ (٣)
أمّا الجمهور فقد ذهبوا إلى أن هناك مضافًا محذوفًا، والتقدير: مِن بعد انطلاق موسى أو مضيّه (٤).
قال الواحدي: " ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد خروجه عنكم للميقات". اهـ (٥)
وقال عبد الرحمن الأنباري: "الهاء تعود على موسى، والتقدير فيه: بعدَ خروجِه، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامَه". اهـ (٦)
стр. 328
وقال أبو البقاء: " ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي مِن بعد انطلاقه، فحُذفَ المضاف". اهـ (١)
أمّا استدراك السمين على ابن عطية في إعادة الضمير على موسى مِن غير تقدير مضاف بأن ذلك غير متصور: فيقصد به أن التعدية في الذات لا تُتَصور، فلابد مِن حذف، فيُقدّر مصدر (٢) من السياق، ويكون هو المضاف المحذوف.
فاستدراك السمين على ابن عطية وارد، لأن حذف المضاف المفهوم مِن السياق شائع في كلام العرب (٣)، ولكن عند الإعراب والتفسير ينبغي توضيح هذا المضاف.
ومن أمثلة حذف المضاف في القرآن ما جاء في قوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي: من بعد موت موسى ﵇ (٤).
* * *
стр. 329
[٧]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]: "و ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ معناه بالحراثة، وهي عندَ قومٍ جملة في موضع رفع على صفة للبقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: ﴿تُثِيرُ﴾ فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي.
ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال؛ لأنها من نكرة". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ في هذه الجملةِ أقوالٌ كثيرة، أظهرهُا أنها في محلِّ نصب على الحال من الضمير المستكنِّ في ﴿ذَلُولٌ﴾، تقديرُه: لا تُذَلُّ حالَ إثارتِها الأرضَ.
стр. 330
وقال ابن عطية: "وهي عند قومٍ جملة في موضعِ الصفةِ لبقرة، أي: لا ذلولٌ مثيرةٌ"، وقالَ أيضاً: "ولا يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضعِ الحالِ لأنها من نكرةٍ" اهـ، أمَّا قولُه: "في موضع الصفةِ" فإنه يلزم منه أنَّ البقرةَ كانت مثيرةً للأرض، وهذا لم يَقُلْ به الجمهور، بل قال به بعضُهم.
وأمَّا قولُه: "لا يجوز أن تكونَ حالاً يعني مِن ﴿بَقَرَة﴾ لأنها نكرةٌ"، فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم أنها حالٌ من ﴿بَقَرَة﴾، بل من الضميرِ في ﴿ذَلُولٌ﴾ كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصَتْ بقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، وإذا وُصِفَت النكرةُ ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً.
وقيل: إنها مستأنفةً، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أولاً: أقوال العلماء في إعراب جملة: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ مِن قوله - تعالى-: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾:
стр. 331
١ - أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿ذَلُولٌ﴾، تقديره: لا تذل حال إثارتها الأرض.
قاله: مكيّ بن أبي طالب (١)، وأبو البقاء (٢)، والسمين الحلبي (٣)، وغيرهم (٤).
ومنعه ابنُ عطية قائلاً: "ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال؛ لأنها من نكرة". اهـ (٥)
وردّ عليه أبو حيان بكلامٍ طويل، ملخصه: أن سيبويه صرّح في عدة مواضع من كتابه (٦) بجواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف (٧).
стр. 332
أماّ السمين فقد ردّ على ابن عطية قائلاً: "لا نُسَلِّم أنها حالٌ من بقرة، بل من الضميرِ في ﴿ذَلُولٌ﴾ كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصتْ بقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، وإذا وُصِفَت النكرة ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً". اهـ (١)
٢ - أنها في موضع رفع صفة لـ ﴿ذَلُولٌ﴾، أي: لا ذلول مثيرة، وهذه الصفة داخلة في حيّز النفي، والمقصود نفي إثارتها الأرض.
قاله: الراغب الأصفهاني (٢)، والزمخشري (٣)، والفخر الرازي (٤)، وأبو حيان (٥)، وغيرهم (٦).
قال الراغب: "وقوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفة لقوله: ﴿ذَلُولٌ﴾؛ لأنه يُراد نفي الإثارة عنها، لا إثباتها لها". اهـ (٧)
стр. 333
٣ - أنها في موضع رفع صفة لـ ﴿بَقَرَة﴾، أي: هي بقرةٌ لا ذلولٌ مثيرة.
ذكره ابن عطية (١)، والقرطبي (٢)، وغيرهما (٣).
وهذا القول جائز لمن أثبت أن البقرة مثيرة، وجعَلَ جملة ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ مثبتة غير داخلة في النفي (٤)، خلافًا للجمهور.
٤ - أنها جملة مستأنفة، والمراد: إثبات الإثارة، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك (٥).
نقل هذا القول ابن عطية ولم يضعفه (٦)، أما الجمهور فقد ضعفوه لعدة أسباب سيأتي ذكرها.
стр. 334
ولعلَّ هذا القول قد أُخذ من قراءة أبي حاتم السجستاني؛ حيث كان يقف على (لَا ذَلُولٌ) ثم يبتدئ ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ خلافاً للجمهور (١)، فالجملة على قراءته مثبتة، أي: هي تثير الأرض.
ثانيًا: مناقشة الأقوال:
القول بأنّ جملة ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿ذَلُولٌ﴾، والقول بأنها في محل رفع صفة لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ كلاهما صحيح من الناحية المعنوية، ومن الناحية الصناعية النحوية، ولكن القول الثاني هو الأوضح والأقرب لظاهر الآية.
أمّا القول بأنها في موضع رفع صفة لـ ﴿بَقَرَة﴾، وكذا القول بأنها جملة مستأنفة فيلزم منهما أن تكون البقرة مثيرة، وجمهور المفسرين مِن السلف والخلف على أن البقرة لم تكن مثيرة (٢)، وأن الجملة داخلة في النفي.
стр. 335
قال أبو العالية: " ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ يعني: ليست بذلول فتثير الأرض". اهـ (١)
وقال الزجاج: "معناه ليست بذلول ولا مثيرة". اهـ (٢)
وقال الماوَرْدِيّ (٣): "وقيل: ﴿تُثِيرُ﴾ فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقى، وليس هذا الوجه بشيء، بل نفي عنها جميع ذلك". اهـ (٤)
وقال أبو حيان مضعفًا القول بأنها مُثْبَتَة: "رُدّ هذا القول مِن حيث المعنى، لأن ما كان يحرث لا ينتفي كونه ذَلُولاً". اهـ (٥)
وقال بعض العلماء في تضعيفهم لقراءة أبي حاتم السجستاني: أن التي تثير الأرض لا يُعدم منها سقي الحرث، ومتى أثارت الأرض كانت ذلولاً (٦).
стр. 336
فلو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذَلَّلَتْهَا، وَاللَّهُ - تعالى- قد نفى عنها الذُّلَّ بقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ (١).
وقد قيل بأن تلك البقرة وَحْشِيَّة (٢)، ولهذا وصفها اللَّهُ بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
وأيضًا فالقول بأنها مستأنفة مثبَتة ضعيفٌ من الناحية النحوية، فلا يجوز أن يكون ﴿تُثِيرُ﴾ مُستَأنفًا؛ لأن بعده ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾، فلو كان مُستأنَفًا لَما جمع بين الواو وَ (لا) (٣).
قال أبو البقاء: "لأنه عَطَفَ عليه: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾: فنفى المعطوفَ; فيجب أن يكونَ المعطوفُ عليه كذلك; لأنه في المعنى واحد، ألا ترى أنّك لا تقول: مَرَرْتُ برجلٍ قائمٍ ولا قاعدٍ، بل تقول: لا قاعدٍ؛ بغير واو، كذلك يجب أن يكون هنا". اهـ (٤)
أي أنها لو كانت مستأنفة مثبَتة لكانت العبارة: تثير الأرض لا تسقي الحرث، لأنه لا يُقال: يقوم زيد ولا يقعد، وإنما يُقال: يقوم زيد لا يقعد، فالواو إنما تجيء بعد النفي نحو: لا
стр. 337
يقوم ولا يقعد؛ فثبتَ أن قوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ داخل في النفي؛ ليصح عطف قوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ عليه (١).
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ لأن القول بأن جملة ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ في موضع الحال قول صحيح، وجعْل الجملة في موضع الصفة لبقرة غير جائز من الناحية المعنوية؛ حيث يلزم منه أن تكون البقرة مثيرة، والصواب أن يُقال: هي نعت لـ ﴿ذَلُولٌ﴾، ... ولأن جعْلها جملة مستأنفة مثبتة ضعيف لأسباب تتعلق بالمعنى والصناعة النحوية.
* * *
стр. 338
[٨]: قال ابنُ عطية في معرِض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّ هِ﴾ [البقرة: ٢١٧]: "و ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا هو الصحيح". اهـ (١)
قال السمين الحلبي مستدركًا على ابن عطية: "وهذا مردودٌ بأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي، تقريرُه أنَّ (صداً) مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ والفعلِ و (أَنْ) موصولٌ، وقد جعلتم ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ عطفاً على ﴿سَبِيلِ﴾ فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبي وهو ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ومعنى كونِه أجنبياً أنه لا تعلُّق له بالصلة.
فإن قيل: يُتَوَسَّعُ في الظرف وحرف الجر ما لم يُتَّسَعْ في غيرهما، قيل: إنما قيل بذلك في التقديم لا في الفصل". اهـ (٢)
стр. 339
دراسة الاستدراك:
اختلف العلماء في إعراب قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ولهم في ذلك خمسة أقوال:
١ - أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: صدٌ عن سبيل الله والمسجد الحرام.
قاله: ابن قتيبة (١)، وأبو جعفر النحّاس (٢)، ومكي بن أبي طالب (٣)، والواحدي (٤)، والزمخشري (٥)، وابن عطية (٦)، وغيرهم (٧).
قال ابنُ قتيبة: "وخفض ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نَسَقًا على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فكأنه قال: وصَدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام". اهـ (٨)
وضَعّفَ هذا القول عددٌ من المعربين (٩) بحجة أنه يؤدي إلى الفصل بين الصلة والموصول بأجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾.
стр. 340
قال السمين في تضعيفه لهذا القول - وهو قول ابن عطية-: "وهذا مردودٌ بأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي تقريرُه أنَّ (صداً) مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ والفعل، و (أَنْ) موصولٌ، وقد جعلتم ﴿وَالْمَسْجِدِ﴾ عطفاً على ﴿سَبِيلِ﴾ فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبي وهو ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، ومعنى كونِه أجنبياً أنه لا تعلُّق له بالصلة". اهـ (١)
ورُدَّ على كلام مَن ضعّفه بوجهين:
أحدهما: أنّ الصدَّ عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى؛ فكأنه لا فصْل بالأجنبيّ بين ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وما عُطف عليه.
الثاني: أنّ موضع قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلا أنه قُدِّمَ عليه لِفَرْطِ العناية، كقوله - تعالى-: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] كان مِن حقِّ الكلام أن يقال: ولم يكن أحد كفوًا له، إلا أنّ فَرْطَ العناية أوجبَ تقديمه، فَكَذَا هاهنا (٢).
قال ابن عاشور: "والداعي إلى هذا الترتيب هو أن يكون نَظْمُ الكلام على أسلوب أدقّ مِن مُقْتَضَى الظاهر، وهو الاهتمام بتقديم ما هو أفظع مِن جرائمهم، فإنّ الكفرَ بالله أفظَعُ مِن الصدِّ عن المسجد الحرام، فكان ترتيبُ النَّظم على تقديم الأهم فالأهم، فإنَّ الصدَّ عن سبيل الإسلام يجمعُ مظالم كثيرة؛ لأنه اعتداء على الناس في ما يختارونه لأنفسهم، وجَحْدٌ لرسالة رسول اللَّه.
стр. 341
فليسَ الكفرُ باللَّهِ إلا رُكنًا مِن أركانِ الصدِّ عن الإسلام، فلذلك قَدَّمَ الصدَّ عن سبيل اللَّهِ ثمّ ثَنَّى بالكفر باللَّه؛ لِيُفَادَ بدلالة المطابقة بَعْدَ أنْ دلَّ عليه الصدّ عن سبيل اللَّهِ بدلالة التَّضَمُّن، ثمَّ عَدَّ عليهم الصدَّ عن المسجد الحرام ثم إخراج أهله منه". اهـ (١)
٢ - أنّ قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾، أي: كفر به وبالمسجد الحرام.
قاله: البغوي (٢)، وأبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤)، وغيرهم (٥).
وضُعف هذا القول بأن العطف بغير إعادة الجار لا يجوز عند جمهور البصريين إلا في ضرورة الشعر (٦).
وردَّ المدافعين بأن ذلك جائز على القول الراجح؛ لوروده في القرآن، وفي كلام العرب (٧).
فمن وروده في القرآن: قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨) من قوله - تعالى-: ... ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] فقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾
стр. 342
عطف على (فِيهِنَّ) أي: قل الله يفتيكم فيهن وفيما يُتْلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء (١).
ومِن كلام العرب: "مررت بك وزيدٍ" عطف مِن غير إعادة الجار، والتقدير: مررت بك وبزيد.
وأجيب بأن هذا وإن صحّ نحويًا فهو بعيد من جهة المعنى (٢)، وكلام الله لا يُحمل على مجرد الاحتمال النحوي (٣).
فمعنى هذا القول أن القتال في الشهر الحرام كفر بالله وكفر بالمسجد الحرام، والكفر بالمسجد الحرام عبارة بعيدة من حيث المعنى، فلم يُسمع أنهم كانوا يقولون: كَفَرَ فلان بالمسجد الحرام، هذا بالإضافة إلى أن المشركين كانوا يعظمون المسجد الحرام بالرغم مِن كفرهم وضلالهم (٤).
قال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مجرور بالعطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، لا بالعطف على ﴿بِهِ﴾، والتقدير فيه: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام؛ لأن إضافة الصد عنه أكثر في الاستعمال من إضافة الكفر به، ألا ترى أنهم يقولون: صددته عن المسجد، ولا يكادون يقولون: كفرت بالمسجد؟ ". اهـ (٥)
стр. 343
٣ - أنه معطوف على ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، أي: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام.
قاله: الفراء (١)، والراغب الأصفهاني (٢)، والكِرماني (٣).
وضُعّف بأنّ القومَ لم يَسألوا عن المسجد الحرام؛ إذ لم يَشُكُّوا في تعظيمِه، وإنما سألوا عن القتال في الشهر الحرامِ لأنه وقع منهم، ولم يشعروا بدخوله فخافوا من الإثم، وكان المشركون عيَّروهم بذلك (٤).
قال الطبري مضعفًا هذا القول: " وهذا القول، مع خروجه من أقوال أهل العلم، قولٌ لا وجهَ له؛ لأن القوم لم يكونوا في شك مِن عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم إياهم من منازلهم بمكة، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله ﷺ عن إخراج المشركين إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم؟ بل لم يدَّعِ ذلك عليهم أحدٌ من المسلمين، ولا أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فلم يكن القوم سألوا رسول الله ﷺ إلا عَمَّا ارتابوا بحكمه (٥) " اهـ (٦)
стр. 344
وردّ المدافعين بأنه يظهر أن هذا السؤال قد صدر بالفعل، لأن القوم كانوا مُسْتَعْظِمِين للقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام، وكان أحدُهُما كالآخر في القُبْحِ عندهم، فالظاهر أنهم جَمَعُوهُما في السؤال (١).
٤ - أنه متعلق بمحذوف دلّ عليه قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: وصد عن سبيل الله وكفر به وصد عن المسجد الحرام، بدليل قوله في موضع آخر: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
قاله: الباقولي (٢)، وأبو البقاء (٣)، والمنتجَب الهمذاني (٤).
وهذا قريب من معنى القول الأول، إلا أنهم قدّروا محذوف وعلّقوه به، ولم يعطفوه على ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هنا؛ حتى لا يفصلوا بين الصلة والموصول بأجنبي وهو قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ (٥).
ورُدَّ عليهم بأنه لا حاجة لتقدير محذوف، والفصل هنا لم يكن بأجنبي محض حتى يُمنع منه.
стр. 345
وأيضًا ضُعّف هذا القول بأنه يلزم منه حذفُ حرفِ الجرِ وإبقاءُ عملهِ، وذلك لا يجوز إلا في صورٍ ليس هذا منها، ونصَّ النحويون على أنه ضرورة (١).
٥ - أن جَرّ ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بحذف المضاف، أي: وصدّ المسجدِ الحرام.
قاله: البيضاوي (٢)، وأعرض الجمهور عن ذكره.
وهو قول بعيد، ولا حاجة لتقدير مضاف محذوف في هذا الموضع.
والراجح أن قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، والمعنى: صدٌ عن سبيل الله والمسجد الحرام.
ولهذا القول عدة مرجحات: منها ما ذُكر مِن أن الفصل لم يكن بأجنبي؛ لأنّ الصدَّ عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، وأن الفاصل ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ قد تقدم لفائدة.
ولأنّ الصد عن المسجد الحرام جاء في أكثر من موضع في القرآن، بخلاف الكفر بالمسجد الحرام فهذا لم يرد، قال - تعالى-: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقال - تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥].
стр. 346
ولأنّ هذا التوجيه هو الموافق لتفسير السلف للآية، فقد قالوا: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وصد عن المسجد الحرام (١).
وعليه: فقول ابن عطية هو الراجح واستدراك السمين عليه ليس في محله، أمّا ما رجحه السمين مِن أنّ قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف على الهاء في ﴿بِهِ﴾ والمعنى: وكفر به وبالمسجد الحرام، فهو صحيح من الناحية النحوية ولكن ليس كلُ وجهٍ صحّ في النحو جاز القول به في إعراب القرآن، بل لابد من اختيار الوجه الإعرابي اللائق بمعنى الآية وتفسيرها.
* * *
[٩]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]: "الواو واو حال دخلت عليها ألف التقرير". اهـ (٢)
стр. 347
وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ في هذه الواوِ وجهان، أظهرُهما: أنها للعطف قُدِّمَتْ عليها همزةُ الاستفهامِ لأنها لها صدرُ الكلام -كما تقدَّم تحريرُه غيرَ مرةٍ-، والهمزةُ هنا للتقرير.
والثاني: أنها واوُ الحال، دخلت عليها ألفُ التقرير، قاله ابن عطية، وفيه نظرٌ مِن حيث إنها إذا كانت للحالِ كانت الجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانت كذلك استدعَتْ ناصباً وليس ثَمَّ ناصبٌ في اللفظ، فلا بدَّ من تقديرِه: والتقدير «أسألْتَ ولم تؤمِنْ»، فالهمزةُ في الحقيقةِ إنما دخلت على العامل في الحال، وهذا ليس بظاهر، بل الظاهرُ الأولُ، ولذلك أُجيبت بـ ﴿بَلَى﴾، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
تحدث المعربون عن الواو من قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ولهم فيها قولان رئيسان:
١ - أنَّها واو الحال، دخلت عليها ألف التقرير.
قاله: ابن عطية (٢)، ووافقه: القرطبي (٣).
وبيّنه ابنُ عاشور حيث قال: " الواوُ فيه واو الحال، والهمزةُ استفهامٌ تقريريّ على هذه الحالة، وعاملُ الحال فعلٌ مقدّر دلَّ عليه قوله: ﴿أَرِنِي﴾، والتقدير: أأريكَ في حال أنّك لم تُؤمن". اهـ (٤)
стр. 348
وضعّف هذا القول عددٌ من العلماء، منهم: أبو حيان (١)، والسمين الحلبي (٢)، والثعالبي (٣).
ووجه الضعف يكمن في أن الواو إذا كانت للحال فلا يتأتى أن يُجاب العامل في الحال بقوله: ﴿بَلَى﴾ (٤).
وقال السمين الحلبي: "وفيه نظرٌ من حيث إنها إذا كانَتْ للحالِ كانَتِ الجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ، وإذا كانتْ كذلك استدعَتْ ناصباً وليس ثَمَّ ناصبٌ في اللفظ، فلا بدَّ من تقديرِه: والتقدير «أسألْتَ ولم تُؤمِن»، فالهمزةُ في الحقيقة إنما دخلت على العامل في الحال، وهذا ليس بظاهر، بل الظاهرُ الأولُ، ولذلك أُجيبت بـ ﴿بَلَى﴾، وعلى ما قال ابنُ عطية يَعْسُر هذا المعنى". اهـ (٥)
وما قاله السمين كلامٌ وجيه، إلا أنه لا يلزم أن يكون التقدير: أسألت ولم تؤمن، بل قد يكون التقدير كما قال ابن عاشور: أأريك في حال أنك لم تؤمن.
стр. 349
وعلى كلا التقديرين فهذا الوجه ليس بالقوي، فيبعد أن تكون الهمزة داخلة على العامل في الحال، بل الظاهر أن هذا التقرير منسحب على الجملة المنفية فقط، وأنّ الواو للعطف (١).
٢ - أنّ الواو واو العطف، دخلت عليها همزة الاستفهام التقريري، ولا يدخل شيء من حروف الاستفهام على حروف العطف إلا الهمزة؛ لأنها الأصل في حروف الاستفهام.
قاله: عبد الرحمن الأنباري (٢)، وأبو حيان (٣)، والسمين الحلبي (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم (٦).
ثم منهم مَن قال بأن العطف على مُقدّر، وهذا المقدر يكون بحسب السياق (٧).
стр. 350
قال الشوكاني: "قوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ عُطِفَ على مُقَدَّر، أي: أَلَمْ تعلم، ولم تُؤمن بأنّي قادرٌ على الإحياء حتى تسألني إِرَاءَتَهُ؟ قال: بَلى علمتُ وآمنتُ بأنّك قادرٌ على ذلك، ولكن سألتُ ليطمئن قلبي". اهـ (١)
ومنهم مَن قال بأن العطف على ما سبق، والهمزة للاستفهام وأصل محلها بعد الواو، أي: وَألم تُؤمن؟ (٢)
والراجح من هذه الأقوال: أنّ الواو عاطفة، والعطف على ما سبق أولى مِن العطف على مُقدر، فقد يُقدر أحدهم فعلاً ليس هو المراد (٣)، ثم إن العلماء يختلفون في تقدير ذلك الفعل؛ إذ لا نص عليه، بل هو بحسب فهمهم للآية وسياقها، وعليه: فتقدير الجملة المحذوفة غير مطرد (٤).
فالأَوْلى أن يكون العطف على ما سبق لا على جملة مُقدرة، أي: وَألم تُؤمن، وهذا مذهب جمهور النحويين في (أوَلمَ) ونحوها: أن الواو فيها حرف عطف، والجملة التي بعد العاطف معطوفة على ما قبلها، وليس هناك جملة محذوفة بين الهمزة والعاطف (٥).
والهمزة في الأصل بعد العاطف، ولكنّها قُدمت تنبيهًا على أصالتها في التصدير (٦).
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ إذ جعْلُ الواو للحال قولٌ فيه بُعد كما تمّ بيانه.
* * *
стр. 351
[١٠]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]: "وقوله: ﴿كِتاباً﴾ نصب على التمييز". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملة التي قبلَه، فعاملُه مضمرٌ تقديرُه: كَتَب الله ذلك كتاباً، نحو: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢٢]، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
والثاني: أنه منصوبٌ على التمييزِ، ذكره ابنُ عطية، وهذا غيرُ مستقيمٍ؛ لأنَّ التمييزَ منقولٌ وغيرُ منقولٍ، وأقسامُه محصورةٌ وليس هذا شيئاً منها، وأيضاً فأين الذاتُ المبهمةُ التي تحتاج إلى تفسير؟ ". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
للعلماء في نصب قوله: ﴿كتابًا﴾ ثلاثة أقوال:
أولها: أنه مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، لتأكيد مضمون ما قبله؛ والمعنى: كَتَبَ الموتَ كتابًا مؤجلاً.
стр. 352
وهو قول جمهور المفسرين والمعربين (١).
قال الزجاج: " ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ على التوكيد، المعنى: كتب اللَّه ذلك كتاباً مؤَجلاً". ... اهـ (٢)
ومثله في التوكيد قوله - تعالى-: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ لأنه لماّ قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] دلّ على أنه خَلْق الله فأكد بقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. (٣)
وقال الفخر الرازي: "ونظيره قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لأنّ في قوله: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دلالة على أنه كَتَبَ هذا التحريم عليكم". اهـ (٤)
الثاني: أن ﴿كتابًا﴾ منصوب على التمييز، وهو قول ابن عطية (٥).
стр. 353
وضعّفه أبو حيان قائلاً: "وهذا لا يظهر؛ فإنَّ التمييز كما قسّمه النحاةُ ينقسم إلى منقولٍ وغيرِ منقول (١)، وأقسامه في النوعين محصورة، وليس هذا واحدًا منها". اهـ (٢)
وضعّفه أيضًا السمين الحلبي؛ لأنه ليس قبله ذات مبهمة تحتاج إلى تفسير (٣)، وقد تقرر في علم النحو أنّ التمييز هو الاسم المنصوب لما أبهم من الذوات (٤).
الثالث: أنه منصوب على الإغراء، والتقدير: آمنوا بالقدر المقدور، أو الزَموا كتاباً مؤجلاً وآمِنوا بالقدر.
ذكره الثعلبيّ (٥) قولاً محتملاً (٦)، وهو قول بعيد (٧)؛ فليس المعنى على ذلك (٨).
стр. 354
والراجح: أن ﴿كتابًا﴾ مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، لتأكيد مضمون ما قبله، وهو الوجه الإعرابيّ الأظهر، والموافق لمعنى الآية، فهي تأكيد أن الموت إنمّا هو بيد الله، ولن يموت أحدٌ إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي قدّرها الله له، وهذه الآية فيها تشجيع للجُبَناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص مِن العمر ولا يزيدُ فيه (١).
أمّا قول ابن عطية فهو ضعيف من الناحية النحوية، وأمّا القول الثالث فهو بعيد من الناحية المعنوية.
* * *
стр. 355
[١١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]: "وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره: عند كرامة ربهم، لأن ﴿عِنْدَ﴾ تقتضي غاية القرب". اهـ (١)
وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ يكونَ خبرًا ثانياً لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾ على قراءة الجمهور.
وذكر السمين باقي الأوجه الخمسة، إلى أن قال: "قال ابن عطية: "هو على حذفِ مضاف أي: عند كرامةِ ربهم" اهـ، ولا حاجةَ إليه؛ لأنَّ الأولَ أليق". اهـ (٢)
دراسة الاستدراك:
تعددت أقوال المعربين في إعراب قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، حتى إن الجمهور ذكروا عدة أوجه في إعرابه دون ترجيح.
ومجموع الأقوال في ذلك ستة، وهي على النحو التالي: