← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[١٠]: قال ابن عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]: "وقوله: ﴿كِتاباً﴾ نصب على التمييز". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ في نصبِه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مصدرٌ مؤكِّد لمضمونِ الجملة التي قبلَه، فعاملُه مضمرٌ تقديرُه: كَتَب الله ذلك كتاباً، نحو: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢٢]، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والثاني: أنه منصوبٌ على التمييزِ، ذكره ابنُ عطية، وهذا غيرُ مستقيمٍ؛ لأنَّ التمييزَ منقولٌ وغيرُ منقولٍ، وأقسامُه محصورةٌ وليس هذا شيئاً منها، وأيضاً فأين الذاتُ المبهمةُ التي تحتاج إلى تفسير؟ ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: للعلماء في نصب قوله: ﴿كتابًا﴾ ثلاثة أقوال: أولها: أنه مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، لتأكيد مضمون ما قبله؛ والمعنى: كَتَبَ الموتَ كتابًا مؤجلاً.

стр. 352

وهو قول جمهور المفسرين والمعربين (١). قال الزجاج: " ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ على التوكيد، المعنى: كتب اللَّه ذلك كتاباً مؤَجلاً". ... اهـ (٢) ومثله في التوكيد قوله - تعالى-: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ لأنه لماّ قال: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] دلّ على أنه خَلْق الله فأكد بقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. (٣) وقال الفخر الرازي: "ونظيره قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لأنّ في قوله: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دلالة على أنه كَتَبَ هذا التحريم عليكم". اهـ (٤) الثاني: أن ﴿كتابًا﴾ منصوب على التمييز، وهو قول ابن عطية (٥).

стр. 353

وضعّفه أبو حيان قائلاً: "وهذا لا يظهر؛ فإنَّ التمييز كما قسّمه النحاةُ ينقسم إلى منقولٍ وغيرِ منقول (١)، وأقسامه في النوعين محصورة، وليس هذا واحدًا منها". اهـ (٢) وضعّفه أيضًا السمين الحلبي؛ لأنه ليس قبله ذات مبهمة تحتاج إلى تفسير (٣)، وقد تقرر في علم النحو أنّ التمييز هو الاسم المنصوب لما أبهم من الذوات (٤). الثالث: أنه منصوب على الإغراء، والتقدير: آمنوا بالقدر المقدور، أو الزَموا كتاباً مؤجلاً وآمِنوا بالقدر. ذكره الثعلبيّ (٥) قولاً محتملاً (٦)، وهو قول بعيد (٧)؛ فليس المعنى على ذلك (٨).

стр. 354

والراجح: أن ﴿كتابًا﴾ مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق، لتأكيد مضمون ما قبله، وهو الوجه الإعرابيّ الأظهر، والموافق لمعنى الآية، فهي تأكيد أن الموت إنمّا هو بيد الله، ولن يموت أحدٌ إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي قدّرها الله له، وهذه الآية فيها تشجيع للجُبَناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص مِن العمر ولا يزيدُ فيه (١). أمّا قول ابن عطية فهو ضعيف من الناحية النحوية، وأمّا القول الثالث فهو بعيد من الناحية المعنوية. * * *

стр. 355

[١١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]: "وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره: عند كرامة ربهم، لأن ﴿عِنْدَ﴾ تقتضي غاية القرب". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنْ يكونَ خبرًا ثانياً لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾ على قراءة الجمهور. وذكر السمين باقي الأوجه الخمسة، إلى أن قال: "قال ابن عطية: "هو على حذفِ مضاف أي: عند كرامةِ ربهم" اهـ، ولا حاجةَ إليه؛ لأنَّ الأولَ أليق". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: تعددت أقوال المعربين في إعراب قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، حتى إن الجمهور ذكروا عدة أوجه في إعرابه دون ترجيح. ومجموع الأقوال في ذلك ستة، وهي على النحو التالي:

стр. 356

١ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه حذف مضاف، تقديره: عند كرامة ربهم. قاله: ابن عطية (١)، وأشار إليه أبو حيان (٢) والشوكاني (٣) دون تعقيب. أمّا السمين الحلبي فقد ذكر قول ابن عطية ولم يرجحه، وقال بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير (٤). وقد اكتفى ابن عطية بتقدير ذلك المضاف المحذوف، ولم يبيّن الموضع الإعرابي لقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ٢ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبر ثانٍ، فقوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم أحياء، و ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هو الخبر الثاني. قاله: المنتَجَب الهمذاني (٥)، وأبو حيان (٦)، والسمين الحلبي (٧)، والشوكاني (٨)، وغيرهم (٩). قال المنتَجَب: "يحتمل أن يكون محله رفعًا؛ لكونه خبرًا بعد خبر، أي: هم أحياء مقربون عنده ذوو زلفى". اهـ (١٠)

стр. 357

وفي هذا الوجه والأوجه التي تليه ليس هناك مضاف محذوف في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ٣ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾. جوّزه: أبو البقاء (١)، والسمين الحلبي (٢)، وغيرهما (٣). قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون ظرفًا لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾؛ لأنّ المعنى يحيَونَ عند الله". اهـ (٤) ٤ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف لـ ﴿يُرْزَقُونَ﴾. جوّزه: أبو البقاء (٥)، والمنتجب الهمذاني (٦)، والسمين الحلبي (٧)، وغيرهم (٨). قال السمين في أحد الأوجه التي ذكرها: " أن يكونَ ظرفاً لـ ﴿يُرْزَقُونَ﴾ أي: يقعُ رِزْقُهم في هذا المكانِ الشريف". اهـ (٩)

стр. 358

٥ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ صفة لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾؛ لأن أشباه الجُمل بعد النكراتِ صفات (١). جوّزه: أبو البقاء (٢)، والمنتجب الهمذاني (٣)، والشوكاني (٤)، وغيرهم (٥). ٦ - أنّ قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ حال من الضمير المستتر في ﴿أَحْيَاءٌ﴾. جوّزه: أبو البقاء (٦)، والسمين الحلبي (٧)، والشوكاني (٨)، وغيرهم (٩). قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أي: يحيَون مرزوقين". اهـ (١٠) وجميعَ هذا الأوجه الإعرابية صحيحة ويحتملها المعنى باستثناء قول ابن عطية؛ فيبعد أن يكون التقدير: أحياء عند كرامة ربهم يرزقون.

стр. 359

والحذف خلاف الأصل (١)؛ فلا حاجة للقول بأنه هناك مضافًا محذوفًا طالما كانت العبارة صحيحة بدون تقدير مضاف. والعِنْدِيّة كما في قوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) المراد بها القُرب (٢)، فهي متضمنة لمعنى الكرامة دون الحاجة لتقدير مضاف. وقد وردت العِنْدِيّة كثيرًا في القرآن وفي موضوعات مختلفة، كما في قوله عن الملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت: ٣٨]، وهذا كله في قُرب الملائكة مِن الله . وقد ذكر الفخر الرازي فائدة في عندية الشهداء وعندية الملائكة، فقال: " (عِنْدَ) فكما أنه مذكور هاهنا فَكَذَا في صفة الملائكة مذكورٌ، وهو قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، فإذا فهمت السعادة الحاصلة للملائكة بكونهم عند الله، فهمت السعادة الحاصلة للشهداء بكونهم عند الله، وهذه كلمات تفتح على العقلِ أبوابَ معارفِ الآخرة". اهـ (٣) * * *

стр. 360

[١٢]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]: "استثنى ﵎ منهم القليل فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص، ويحتمل أن يكون في الأفعال". اهـ (١)

стр. 361

وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه أربعةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنه لفظ ﴿خَائِنَةٍ﴾، وهمُ الأشخاصُ المذكورون في الجملة قبله، أي: لا تزالُ تَطَّلع على مَنْ يَخون منهم إلا القليلَ، فإنه لا يخون فلا تَطَّلِعُ عليه. والثاني: ذكره ابن عطية أنه الفعل، أي: لا تزال تطَّلع على فِعْل الخيانة إلا فعلاً قليلاً، وهذا واضح إنْ أُريد بالخيانة أنها صفة للفعلة المقدرة كما تقدَّم، ولكن يُبْعِدُ ما قاله ابنُ عطية قولُه بعدَه ﴿مِنْهُمْ﴾. الثالث: أنه ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، قال صاحبُ هذا القول: والمرادُ بهم المؤمنون، لأن القسوة زالَتْ عن قلوبهم. وهذا فيه بُعْدٌ كبير، لقوله: ﴿لعنَّاهم﴾. الرابع: أنه الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ مِن قوله -تعالى-: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ قاله مكيّ (١) ". ... اهـ (٢) دراسة الاستدراك: تحدث المفسرون والمعربون عن الاستثناء في قوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، وفي هذه المسألة خمسة أقوال: ١ - أنَّ الاستثناء في الأشخاص، والمعنى: إلاّ قليلاً منهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد، وهم مَن أسلم منهم، ويُحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على كفرهم لكنهم لم يخونوا.

стр. 362

وهو قول جمهور المفسرين (١)، ولم يصرِّحوا هل المستثنى منه هو لفظ ﴿خَائِنَةٍ﴾ أم هو الضمير في منهم. وقد ذكروا القولين المحتملين في ﴿خَائِنَةٍ﴾: أن يكون مصدر بمعنى خيانة، أو المراد فرقة خائنة. وقد نُقل عن مجاهد أنّ المراد بقوله ﴿خَائِنَةٍ﴾: فرقة خائنة؛ لأن الآية في اليهود (٢). قال الراغب الأصفهاني: "قوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ أي: جماعة قليلة". اهـ (٣) وقال البغوي: " ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ لم يخونوا ولم ينقضوا العهد، وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب". اهـ (٤) ٢ - أنَّ الاستثناء من الهاء والميم في ﴿خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾.

стр. 363

قاله: الطبري (١)، والنحاس (٢)، ومكي بن أبي طالب (٣)، والقرطبي (٤)، وغيرهم (٥). قال الطبري: " قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ استثناء من الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ ". اهـ (٦) وعلى هذا القول والذي يليه فالاستثناء في الأشخاص كالقول الأول. ٣ - أنَّ الاستثناء من لفظ: ﴿خَائِنَةٍ﴾. قاله: أبو البقاء (٧)، والمنتجب الهمذاني (٨)، والسمين الحلبي (٩)، وغيرهم (١٠). قال المنتجب: " كأنه قال: ولا تزال تطلع على فرقة يخونون إلا قليلاً منهم، وهم الذين آمنوا على ما فُسّر، وأعيد ذكر ﴿مِنْهُمْ﴾ على وجه التأكيد". اهـ (١١)

стр. 364

وقال السمين: "في المستثنى منه أربعةُ أقوال، أظهرُها: أنه لفظ ﴿خَائِنَةٍ﴾، وهم الأشخاصُ المذكورون في الجملة قبله، أي: لا تزالُ تطَّلع على مَن يخون منهم إلا القليلَ، فإنه لا يخون فلا تطَّلِعُ عليه". اهـ (١) ٤ - أنَّ الاستثناء في الأفعال، أي: لا تزال تطَّلع على فِعْل الخيانة إلا فعلاً قليلاً. ذكره ابنُ عطية وجهًا محتملاً (٢)، وضعفه السمين الحلبي. قال السمين: " يُبْعِدُ ما قاله ابنُ عطية قولُه بعدَه ﴿مِنْهُمْ﴾ ". اهـ (٣) يعني أنّ قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ يظهر منه أنّ الاستثناء في الأشخاص لا الأفعال. ويضعف هذا القول أيضًا أنّ الراجح في المراد بقوله: ﴿خَائِنَةٍ﴾: جماعة خائنة. قال الطبري: "وذلك أن الخبر ابتُدِئ به عن جماعتهم فقيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١]، ثم قيل: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، فإذ كان الابتداء عن الجماعة، فالختْمُ بالجماعة أولى". اهـ (٤) ٥ - أنَّ الاستثناء من ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. ذكره بعض العلماء وضعّفوه (٥).

стр. 365

قال أبو حيان: "قيل: الاستثناء من قوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، والمراد به المؤمنون، فإن القسوة زالت عن قلوبهم، وهذا فيه بُعد". اهـ (١) فهو ضعيف جدًا وغير ظاهر، لاسيما مع طول الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ولأنّ جعْل قلوبهم قاسية متفرع عن ﴿نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ونقض الميثاق يستلزم القساوة البتة (٢). والأقوال الثلاثة الأولى هي الأقوى والأظهر، وجميعها تؤدي لمعنى واحد وهو أن الاستثناء في الأشخاص لا الأفعال. أمّا القول الرابع الذي جعله ابنُ عطية قولاً محتملاً وضعفه السمين ففيه ضعف للأسباب التي تمّ بيانها. أمّا القول الخامس فهو أضعف الأقوال ولا وجه يقويه، ولم يرجحه أحد من العلماء، والذين أشاروا إليه ضعّفوه. وعليه: فاستبعاد السمين للقول الذي ذكره ابنُ عطية في محله، إلا أنَّ ابن عطية لم يُخطئ بذكره لهذا القول -أنّ الاستثناء في الأفعال-؛ فهو قد ذكره احتمالاً ولم يبدأ به ولم يرجحه. * * *

стр. 366

[١٣]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠]: " ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ معناه: أطلب لكم، من بغيت الشيء إذا طلبته، و ﴿غَيْرَ﴾ منصوبة بفعل مضمر، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن ينتصب على الحال، كأن تقدير الكلام: قال أبغيكم إلها غير الله، فهي في مكان الصفة فلمّا قُدّمت نُصبت على الحال". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "في نصب ﴿غَيْرَ﴾ وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ به ... لـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ على حذفِ اللام، تقديره: أبغي لكم غيرَ الله، أي: أطلبُ لكم، فلمَّا حذف الحرف وصل الفعل بنفسه، وهو غيرُ منقاس. والثاني من وجهي ﴿غَيْرَ﴾: أنه منصوب على الحال من ﴿إِلَهًا﴾، و ﴿إِلَهًا﴾ هو المفعول به لـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ على ما تقرَّر، والأصل: أبغي لكم إلهاً غير الله، فـ ﴿غيْرَ اللهِ﴾ صفةٌ لـ (إله) فلما قُدِّمَتْ صفةُ النكرةِ عليها نُصِبت حالاً. وقال ابن عطية: "و ﴿غير﴾ منصوبة بفعل مضمر، هذا هو الظاهر، ويجوز أن يكون حالاً" اهـ، وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةَ إليه، فإن أراد أنه على الاشتغال فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ شرطَه أن يعمل المفسِّر في ضمير الأول أو سببيِّه". اهـ (٢)

стр. 367

دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في إعراب (غير) من قوله -تعالى-: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾: لهم في ذلك أربعة أقوال: ١ - أنّ قوله: ﴿غيْرَ﴾ منصوب على الحال؛ لأنّ الصفة إذا تقدمت على الموصوف انتصبت على الحال، فقوله: ﴿غيْرَ﴾ صفة تقدمت على الموصوف ﴿إلهاً﴾ فانتصبت على الحال. قاله: عبد الرحمن الأنباري (١)، وذكره عددٌ من العلماء وجهًا محتمَلاً، منهم: ابن عطية (٢)، والباقولي (٣)، والفخر الرازي (٤)، والمنتجب الهمذاني (٥)، وغيرهم (٦). قال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿غيْرَ اللهِ﴾ منصوب على الحال؛ لأن صفة النكرة إذا تقدمت عليها انتصبت على الحال". اهـ (٧) وقال الباقولي: "ولا يجوز أن يكون ﴿غَيْر﴾ صفة لـ ﴿إِلَهًا﴾؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف". اهـ (٨)

стр. 368

٢ - أنّ قوله: ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على الاستثناء، وقد تقدم هنا على المستثنى منه ﴿إِلَهًا﴾. ذكره: الكرماني (١)، والباقولي (٢) وجهًا محتَمَلاً. قال الكرماني في أحد أوجه نصب ﴿غيْرَ﴾: "أنه نصب على الاستثناء تقدم على المستثنى منه، وهو قليل". اهـ (٣) ٣ - أنّ قوله: ﴿غَيْرَ﴾ منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر. قاله: ابنُ عطية (٤)، ولم يُبيّن الفعل المضمر. وقدّره البعض: أأطلب لكم معبودًا غير المستحق للعبادة؟ (٥). وضعّف هذا الوجه: أبو حيان (٦)، والسمين الحلبي (٧). قال أبو حيان: " لا يظهر نصبُه بفعلٍ مُضمَر؛ لأنَّ (أَبْغِي) مُفَرّغٌ لهُ، أو لقوله: ﴿إِلَهًا﴾، فإن تخيّل أنه منصوب بـ (أبغي) مضمَرَةً يُفسِّرُها هذا الظاهر فلا يصحُّ؛ لأنَّ الجملة

стр. 369

المفَسِّرَةَ لا رابط فيها لا مِن ضميرٍ ولا مِن مُلابِس يربطها بـ ﴿غَيْر﴾، فلو كان التركيب: أغير اللهِ أبغيكموه؛ لصحَّ". اهـ (١) وقال السمين معلقاً على قول ابن عطية: "وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةَ إليه، فإن أراد أنه على الاشتغال فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ شرطَه أن يعمل المفسِّر في ضمير الأول أو سببيِّه". اهـ (٢) وما قاله السمينُ قد نصَّ عليه النحويون في كلامهم عن الاشتغال (٣)، ويعني بذلك أنّ الضمير في ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ ليس هو الأول الذي قدّره ابن عطية منصوبًا بفعل يفسره ما بعده. ولو كان المفسّر: أبغيكموه؛ لصحّ ذلك؛ لاشتماله على الرابط الذي يربطه بـ ﴿غَيْر﴾. ٤ - أنّ قوله: ﴿غَيْرَ﴾ مفعول به مُقدّم للفعل (أَبْغِي)، أي: أبغي لكم غيرَ الله؟ قاله: أبو البقاء (٤)، والسمين الحلبي (٥)، وأبو السعود (٦)، والشوكاني (٧)، وغيرهم (٨).

стр. 370

قال أبو السعود: "وانتصابُ ﴿غَيْر﴾ على أنه مفعولُ (أبغي)، بحذف اللام أي: أبغي لكم، أي: أطلب لكم غيرَ الله -تعالى-". اهـ (١) ثانيًا: الترجيح: القولُ الرابع وهو أن يكون قوله: ﴿غَيْرَ﴾ مفعولاً به للفعل به المذكور بعده ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ هو أوضح الأقوال وأقربها لظاهر الآية ولا إضمار فيه. أمّا جعْل ﴿غَيْر﴾ حالاً فليس بممتنع، إلا أنّ تقدم الصفة على الموصوف وانتصابها على الحال خلاف الأصل وهو قليل (٢). أمّا نصب ﴿غَيْر﴾ على الاستثناء فليس له ما يقويه، ولذلك أعرض جمهور المعربين عن ذكره. أمّا نصب ﴿غَيْر﴾ على أنه مفعول به لفعل مضمر - وهو القول الذي بدأ به ابن عطية- فهو أضعف الأقوال؛ إذ أن الإضمار والتقدير خلاف الأصل ولا حاجة إليه هنا، ثم

стр. 371

إنّ الاشتغال هنا لم يتحقق شرطه؛ لخلو الفعل ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ من رابط يربطه بـ ﴿غَيْر﴾ (١). وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، لاسيما وأنه قد بدأ بأضعف الأقوال، حتى إن جمهور المعربين الذين ذكروا أكثر من وجه في إعراب ﴿غَيْر﴾ لم يشيروا إلى هذا القول. * * *

стр. 372

[١٤]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]: "و ﴿أَرْبَعِينَ﴾ في هذه الآية في موضع الحال، ويصح أن تكون ﴿أَرْبَعِينَ﴾ ظرفًا مِن حيث هي عدد أزمنة". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "وفي نصب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ أوجهٌ، أحدها: أنه حال، قال الزمخشري: " ﴿أَرْبَعِينَ﴾ نصب على الحال، أي: تَمَّ بالغاً هذا العدد". اهـ (٢) قال الشيخ: "فعلى هذا لا تكونُ الحال ﴿أَرْبَعِينَ﴾، بل الحالُ هذا المحذوفُ فيُنافى قوله". اهـ (٣) قلت: لا تنافي فيه؛ لأن النحاة لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حَذْف عامله المنوبِ عنه، وله شواهد منها: «زيد في الدار أو عندك» فيقولون: الجارُّ والظرف خبر، والخبر في الحقيقة إنما هو الحَدَثُ المقدَّر العاملُ فيهما، وكذا يقولون: «جاء زيد بثيابه»، «بثيابه» حال، والحال إنما هو العامل فيه، إلى غير ذلك. وقدَّره الفارسي بـ (معدودًا) قال: "كقولك: «تمَّ القوم عشرين رجلاً» أي: معدودين هذا العدد" اهـ (٤)، وهو تقديرٌ حسن. الثاني: أن ينتصب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ على المفعول به، قال أبو البقاء: "لأنَّ معناه: بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرضك جَرِيبَيْن (٥) " اهـ (٦)، أي يُضَمِّن (تَمَّ) معنى (بلغ).

стр. 373

الثالث: أنه منصوبٌ على الظرف، قال ابن عطية: "ويصحُّ أن تكون ﴿أَرْبَعِينَ﴾ ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة" اهـ، وفي هذا نظر؛ كيف يكون ظرفاً للتمام، والتمام إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوز بعيد: وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التمامُ. الرابع: أن ينتصب على التمييز، قال الشيخ: "والأصل: فتمَّ أربعون ميقاتُ ربه، ثم أسند التمام إلى ميقات، وانتصب (أربعون) على التمييز" اهـ (١)، فهو منقولٌ من الفاعلية، يعني فيكون كقولِه: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وهذا الذي قاله وجَعَلَه هو الذي يظهر يُشكل بما ذكره هو في الردِّ على الحَوْفيّ، حيث قال هناك: إن الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمّ (٢)، كذلك ينبغي أن يُقالَ هنا إن الأربعين لم تكن ناقصةً فتتمَّ، فكيف يُقَدِّر: فتمَّ أربعون ميقات ربه؟ فإنْ أجابَ هنا بجواب فهو جوابٌ هناك لِمَنْ اعترض عليه". اهـ (٣) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في إعراب ﴿أَرْبَعِينَ﴾ من قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: ١ - أنّ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ منصوب على أنه حال من الميقات، أي: فتم ميقات ربه بالغًا هذا العدد، أو: فتم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة.

стр. 374

قاله: مكي بن أبي طالب (١)، والزمخشري (٢)، والباقولي (٣)، وعبد الرحمن الأنباري (٤)، والفخر الرازي (٥)، وأبو البقاء (٦)، والمنتجب الهمذاني (٧)، والسمين الحلبي (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 375

قال مكي: "انتصب الأربعون على أنه في موضع الحال، كأنه قال: فتمّ ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة، أو مقدراً هذا القدر". اهـ (١) وقال الأنباري: " ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ منصوب على الحال، كأنه قال: فتم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة". اهـ (٢) وضعّف أبو حيان هذا الوجه قائلاً: "فعلى هذا لا تكونُ الحال ﴿أَرْبَعِينَ﴾، بل الحالُ هذا المحذوفُ فيُنافى قوله". اهـ (٣) ورد السمين على أبي حيان بأنه لا تنافي في قول الزمخشري؛ لأن النحاة ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حذف عامله المنوب عنه (٤). ٢ - أنّ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ مفعول به للفعل (تمّ) اللازم؛ لأنه بمعنى الفعل (بلغَ) المتعدي. قاله: أبو البقاء (٥)، والمنتجب الهمذاني (٦)، وغيرهما (٧) وجهاً محتملاً. قال المنتجب في أوجه انتصاب ﴿أَرْبَعِينَ﴾: "على أنه مفعول به لقوله: (فتمَّ) على تضمين (تمَّ) معنى: بلغَ.

стр. 376

فإن قلت: ما حملك على هذا التضمين، وهلاّ تركته على حاله ونصبت الأربعين كما زعم بعضهم؟ قلت: حملني على ذلك عدم تعديه؛ لأن (تمّ) فعل غير متعد، و (بلغ) في معناه، وهو متعدٍ". اهـ (١) ٣ - أنّ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ ظرف مِن حيث هو عدد أزمنة. جوّزه: الكرماني (٢)، وابن عطية (٣). وضعّفه السمين الحلبي وغيره (٤). قال السمين: "وفي هذا نظر كيف يكون ظرفاً للتمام، والتمام إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوز بعيد: وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التمامُ". اهـ (٥) ٤ - أنّ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ تمييز مُحَوَّل مِن الفاعل، وأصله: فتمّ أربعون ميقات ربه، أي كمل، ثم أسند التمام للميقات، وانتصب (أربعون) على التمييز. قاله: أبو حيان (٦).

стр. 377

وعلّق عليه السمين قائلاً: "وهذا الذي قاله وجَعَلَه هو الذي يظهر يُشكل بما ذكره هو في الردِّ على الحَوْفي، حيث قال هناك: إن الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمَّ، كذلك ينبغي أن يُقالَ هنا: إن الأربعين لم تكن ناقصةً فتتمَّ، فكيف يُقَدِّر: فتمَّ أربعون ميقات ربه؟ فإنْ أجابَ هنا بجواب فهو جوابٌ هناك لِمَنْ اعترض عليه". اهـ (١) ثانيًا: الترجيح: يصح أن يكون قوله: ﴿أَرْبَعِينَ﴾ حالاً، أي: فتم ميقات ربه معدودًا أربعين ليلة، وقد تقرر في علم النحو أن الحال قد تكون دالة على عدد، و ﴿أَرْبَعِينَ﴾ هنا حال دالة على عدد (٢). و (أربعين) هنا حال؛ لأنها تدل على الهيئة التي كان عليها ذلك التمام. ويصح أيضاً أن يكون ﴿أَرْبَعِينَ﴾ مفعول به على تضمين (تمّ) معنى: بَلَغَ. أمّا القول بأن ﴿أَرْبَعِينَ﴾ ظرف من حيث هو عدد أزمنة - وهو الوجه الذي جوزه ابن عطية- فهو قول ضعيف كما قال السمين، فيبعد أن يكون ظرفاً؛ لأن الفعل (تمّ) لم

стр. 378

يحصل في الأربعين، أي أن التمام لم يحدث إلا بانقضاء الليلة الأخيرة، والليالي السابقة لها لم تكن ظرفًا للفعل (تمّ)؛ لأن التمام لم يحدث فيها وإنما حدث في الليلة الأربعين. وليس المعنى: تمّ في أربعين، والتمام لم يقع في كل جزء من أجزاء الأربعين ليلة ولا في بعضها، بل بآخر جزء من تلك الأزمنة (١). * * *

стр. 379

[١٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥]: " ﴿وَيَوْمَ﴾ عطف على موضع قوله: ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، أو على لفظة بتقدير: وفي يوم، فانحذف حرف الخفض". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: " ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه عطفٌ على محلِّ قوله: ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، عَطَفَ ظرف الزمان من غير واسطة (في) على ظرفِ المكان المجرورِ بها. ولا غَرْو في نسق ظرف زمان على مكان أو العكسِ تقول: «سرت أمامك يوم الجمعة»، إلا أنَّ الأحسنَ أن يُتْركَ العاطفُ مثله. الثاني: زعم ابن عطية أنه يجوز أن يُعْطَفَ على لفظ ﴿مَوَاطِنَ﴾ بتقدير: وفي، فحذف حرفَ الخفض، وهذا لا حاجةَ إليه". اهـ (٢)

стр. 380

دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو إعراب قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة أقوال: ١ - أنّ ﴿يَوْمَ﴾ عطف على محل ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، والمعنى: ونصركم يوم حنين. قاله: مكي بن أبي طالب (١)، والكِرماني (٢)، وعبد الرحمن الأنباري (٣)، وأبو البقاء (٤)، والسمين (٥)، وغيرهم (٦). قال مكي: "نصب ﴿يَوْمَ﴾ على العطف على موضع ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٧)، تقديره: ونصركم يوم حُنَين". اهـ (٨) وهذا أظهر الأوجه، ولم أجد أحدًا مِن العلماء ضعّفه. ٢ - أنّ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب بفعل مضمر، والتقدير: ونصركم يومَ حنين.

стр. 381

قاله: الزمخشري (١)، وابنُ جُزَي (٢)، وغيرهما (٣). قال الزمخشري في احتجاجه لهذا الوجه: "الواجب أن يكون ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ منصوباً بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أنّ قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح، لأنّ كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيراً في جميعها، فبقى أن يكون ناصبه فعلا خاصاً به". اهـ (٤) وقال ابنُ جُزَي: "وهذا أحسن لوجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ مختص بحنين، ولا يصح في غيره من المواطن؛ فيضعف عطف ﴿يَوْمَ حُنَيْن﴾ على المواطن؛ للاختلاف الذي بينهما في ذلك، والآخر: أن مواطن ظرف مكان، و ﴿يَوْمَ حُنَيْن﴾ ظرف زمان، فيضعف عطف أحدهما على الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات". اهـ (٥) وقد رُدّ على ذلك بأن إبدال قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ منه لا يمنع أن يعطف على موضع ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف حتى

стр. 382

يقتضي كثرتهم وإعجابهم بها في جميع المواطن؛ فالعطف لا يجب فيه تشارك المتعاطفين في جميع ما ثبت للمعطوف (١). أمّا عطف الزمان على المكان والعكس فهو جائز على القول الراجح ولا مانع منه طالما أمن اللبس، نحو: قابلتك أمام بيتك هذا ويوم الخميس (٢). وقد استحسن السمينُ قولَ الزمخشري وشَرَحَه ثمّ استدرك حيث قال: "وتقديره أن الفعلَ مقيدٌ بظرفِ المكان، فإذا جعلنا ﴿إذ﴾ بدلاً من ﴿يَوْم﴾ كان معمولاً له؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدل منه، فيلزم أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتُهم في مواطن كثيرة، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة، إلا أنه قد ينقدح فإنه - تعالى- لم يقل: في جميع المواطن حتى يلزم ما قال". اهـ (٣) ٣ - أنّ ﴿يَوْمَ﴾ معطوف على لفظ ﴿مَوَاطِنَ﴾، بتقدير: وفي يوم، فانحذف حرف الجر. ذكره ابن عطية (٤)، واستبعده السمين الحلبي وقال: " وهذا لا حاجةَ إليه" اهـ (٥). ووجه ضعفه أنّ ﴿مَوَاطِنَ﴾ مجرورة بـ ﴿في﴾، و ﴿يَوْم﴾ منصوب على الظرفية، فلو كان معطوفًا عليه لجُرّ (٦).

стр. 383

٤ - أنّ ﴿يَوْمَ﴾ مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذكر، أي: واذكروا يوم حنين. قاله: الباقولي (١)، والفخر الرازي (٢)، وغيرهما (٣). قال الفخر الرازي: "أي: واذكروا يومَ حُنَيْنٍ مِن جملة تلك المواطن حالَ ما أعجبتكم كثرتكم". اهـ (٤) والراجح: أنّ ﴿يَوْمَ﴾ عطف على موضع ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، والتقدير: ونصركم يوم حنين؛ فهذا أصح الأوجه لسلامته من جهتي المعنى والصناعة النحوية. ويصح أيضًا أن يكون ﴿يَوْم﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره: ونصركم، وإن كان في كلام مَن اختار هذا الوجه بعض مناقشة إلا أن معناه يؤول لنفس معنى القول الراجح: ونصركم يومَ حُنين. أمّا القول بأن ﴿يَوْم﴾ مفعول لفعل مقدر: أذكر، فهو قول محتمل، ولكن لا ضرورة هنا تقتضي إضمار فعل تقديره: أذكر. أمّا العطف على لفظ ﴿مَوَاطِنَ﴾ وهو الوجه الذي ذكره ابن عطية فهو أضعف الأقوال؛ لأنّ لفظ ﴿مَوَاطِنَ﴾ مجرور، و ﴿يَوْم﴾ منصوب، فلو كان معطوفاً عليه لجاء مجرورًا. وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، فالعطف هنا ليس على لفظ ﴿مَوَاطِنَ﴾ المجرور، وإنما على محل ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ المنصوب على الظرفية. * * *

стр. 384

[١٦]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]: " ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التمييز، ويجوز أن يكون حالا". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿مَثَلًا﴾ تمييز، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل: هل يَسْتوي مَثَلُهما، كقوله - تعالى-: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. وجوَّز ابنُ عطية ﵀ أن يكون حالاً، وفيه بُعد صناعة ومعنى؛ لأنه على معنى (مِنْ) لا على معنى (في) ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو إعراب ﴿مَثَلًا﴾ حيث ذهب كل مِن ابن عطية والسمين إلى أنه تمييز، إلا أن ابن عطية أجاز وجهًا آخرًا وهو أن يكون حالاً، واستبعد السمين ذلك. فهناك وجهان في إعراب ﴿مَثَلًا﴾: الأول: أنه تمييز محوّل عن الفاعل، والمعنى: هل يستوي مثلهما. قاله الجمهور، ومنهم: ابن عطية (٣)، وأبو البقاء (٤)، والمنتجب الهمذاني (٥)، والقرطبي (٦)، والسمين (٧)، والشوكاني (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 385

والثاني: أنه حال. قاله مكي بن أبي طالب (١)، وجوّزه ابنُ عطية (٢). واستبعده أبو حيان ولم يبيّن سببَ بُعده (٣)، وبيّن ذلك السمينُ الحلبي بأن فيه بُعد صناعة ومعنى؛ لأنه هنا على معنى (مِن) لا على معنى (في) (٤). أي أن التمييز يكون على معنى (مِن)، والحال على معنى (في)، والمعنى هنا: هل يستويان مِن مَثَل؛ فهو تمييزٌ لا حال. وما قاله السمين فيه بعض مناقشة؛ لأنّه لا يمتنع أنّ يكون المعنى هنا: هل يستويان في المثل، وقد نصّ على هذا المعنى بعض المفسرين، كالواحدي (٥)، وابن الجوزي (٦)، وغيرهما (٧).

стр. 386

ولكن يبقى كونه تمييز هو الوجه الأظهر والأقوى، ومما يقوي أنه تمييز لا حال: كونه نكرة، غير مشتق، والحال يأتي غالباً مشتق مبيِّن للهيئات كما تقرر في علم النحو (١). وأيضًا فإنّ ﴿ ... مَثَلًا﴾ هنا انتصب على التمييز مِن فاعِل ﴿يَسْتَوِيَانِ﴾ (٢)، والفاعل ذاتٌ لا هيئة. علمًا بأنّ الوجه الذي جوّزه ابنُ عطية هنا لم يجوزه في مواضع أخرى مشابهة، كما في قوله - تعالى-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] حيث ذكرَ وجهًا واحدًا في إعراب (مَثَلًا) وهو النصب على التمييز (٣). * * * [١٧]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]: "المعنى: أن في هذه القرى وما حلَّ بها لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة، وتوقع أن يناله عذابها فنظر وتأمل، فإن نظره يؤديه إلى الإيمان بالله - تعالى-، ثم عظّم الله أمر يوم القيامة بوصفه بما تلبس بأجنبي

стр. 387

منه للسبب المتصل بينهما، ويعود الضمير عليه، و ﴿النَّاسُ﴾ - على هذا- مفعول لم يُسمَّ فاعله، ويصح أن يكون ﴿النَّاسُ﴾ رفعا بالابتداء و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: " ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامة، المدلولِ عليه بالسياق من قوله: ﴿عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ صفةٌ لـ ﴿يَوْمٌ﴾ جَرَتْ على غير مَنْ هي له فلذلك رَفَعَت الظاهرَ وهو ﴿النَّاسُ﴾، وهذا هو الإِعراب نحو: مررت برجلٍ مضروبٍ غلامُه. وأعرب ابن عطية ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخراً و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبره مقدماً عليه، وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف. وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في له، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة؛ فكذلك ما قبله". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال المعربين في إعراب قوله - تعالى-: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾: ١ - أنّ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ﴾ خبره، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لـ ﴿يَوْمٌ﴾، و ﴿لَهُ﴾ متعلق باسم المفعول ﴿مَجْمُوعٌ﴾، و ﴿النَّاسُ﴾ نائب فاعل لاسم المفعول. وهذا قول الجمهور (٣).

стр. 388

قال النحاس: " ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ ابتداء وخبر، ﴿مَجْمُوعٌ﴾ مِن نعته، ﴿النَّاسُ﴾ اسم ما لم يسمّ فاعله، ولهذا لم يقل: مجموعون". اهـ (١) وقال المنتجب الهمذاني: " ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لليوم، و ﴿النَّاسُ﴾ رُفع باسم المفعول الذي هو ﴿مَجْمُوعٌ﴾ على طريق ما لم يُسمّ فاعله، كما يرفع بفعله إذا قلت: يُجمع له الناس، و ﴿لَهُ﴾ مِن صلة ﴿مَجْمُوعٌ﴾ ". اهـ (٢) ٢ - أنّ قوله: ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم. جوّزه: ابن عطية (٣)، وضعّفه غير واحد مِن المعربين (٤)، منهم: السمين الحلبي، حيث قال: "وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف.

стр. 389

وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في ﴿له﴾، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة فكذلك ما قبله". اهـ (١) ثانيًا: القول الراجح: ما قاله الجمهور هو الوجه الظاهر والراجح، فـ ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لليوم، و ﴿النَّاسُ﴾ نائب فاعل. أمّا قول ابن عطية أنّ ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم ففيه بُعد؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: مجموعون (٢)، كما يُقال: الناس مجموعون؛ هذا هو القياس بناء على إعراب ابن عطية. قال الفرّاء: "إذا أردت جمع الشيء المتفرق قلت: جمعت القوم، فهم مجموعون". اهـ (٣) فلو كانت الجملة من مبتدأ وخبر كما قال ابن عطية لقيل: مجموعون، كما يُقال عن الناس: هم مجموعون، لا هم مجموع. والعلةُ الأخرى التي ذكرها السمين في تضعيفه لقول ابن عطية بأنه على إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، لأن الجملة صفة لليوم، والعائد هو الهاء في ﴿لَهُ﴾، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة لليوم فكذلك ما قبله ﴿مَجْمُوعٌ﴾ علةٌ واردة، وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، وقول الجمهور هو الصحيح. * * *

стр. 390

[١٨]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]: "و ﴿أَرْضًا﴾ مفعول ثانٍ بإسقاط حرف الجر، لأن (طرَحَ) لا يتعدى إلى مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة: هو نصب على الظرف، وذلك خطأ؛ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهمًا وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك، فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض، فتبيّن أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريبٌ مِن أبيه". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي في أوجه نصب ﴿أَرْضًا﴾: "والثاني: النصب على الظرفية، قال الزمخشري: " ﴿أَرْضًا﴾: أرضًا منكورةً مجهولةً بعيدةً من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائِها من الناس، ولإِبهامِها من هذا الوجه نُصِبَتْ نَصْبَ الظروفِ المبهمة". اهـ (٢) وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه فقال: "وذلك خطأ؛ لأنَّ الظرفَ ينبغي أن يكون مبهماً، وهذه ليست كذلك بل هي أرضٌ مقيَّدة بأنها بعيدة أو قاصِيَةٌ أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامُها، ومعلومٌ أنَّ يوسفَ لم يَخْلُ مِن الكون في أرضٍ، فتبيَّن أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غيرَ التي هو فيها قريبٌ مِن أبيه". اهـ (٣)
следующие страницы →