← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولكن يبقى كونه تمييز هو الوجه الأظهر والأقوى، ومما يقوي أنه تمييز لا حال: كونه نكرة، غير مشتق، والحال يأتي غالباً مشتق مبيِّن للهيئات كما تقرر في علم النحو (١). وأيضًا فإنّ ﴿ ... مَثَلًا﴾ هنا انتصب على التمييز مِن فاعِل ﴿يَسْتَوِيَانِ﴾ (٢)، والفاعل ذاتٌ لا هيئة. علمًا بأنّ الوجه الذي جوّزه ابنُ عطية هنا لم يجوزه في مواضع أخرى مشابهة، كما في قوله - تعالى-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: ٢٩] حيث ذكرَ وجهًا واحدًا في إعراب (مَثَلًا) وهو النصب على التمييز (٣). * * * [١٧]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]: "المعنى: أن في هذه القرى وما حلَّ بها لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة، وتوقع أن يناله عذابها فنظر وتأمل، فإن نظره يؤديه إلى الإيمان بالله - تعالى-، ثم عظّم الله أمر يوم القيامة بوصفه بما تلبس بأجنبي

стр. 387

منه للسبب المتصل بينهما، ويعود الضمير عليه، و ﴿النَّاسُ﴾ - على هذا- مفعول لم يُسمَّ فاعله، ويصح أن يكون ﴿النَّاسُ﴾ رفعا بالابتداء و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: " ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامة، المدلولِ عليه بالسياق من قوله: ﴿عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ صفةٌ لـ ﴿يَوْمٌ﴾ جَرَتْ على غير مَنْ هي له فلذلك رَفَعَت الظاهرَ وهو ﴿النَّاسُ﴾، وهذا هو الإِعراب نحو: مررت برجلٍ مضروبٍ غلامُه. وأعرب ابن عطية ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخراً و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبره مقدماً عليه، وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف. وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في له، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة؛ فكذلك ما قبله". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال المعربين في إعراب قوله - تعالى-: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾: ١ - أنّ ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ﴾ خبره، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لـ ﴿يَوْمٌ﴾، و ﴿لَهُ﴾ متعلق باسم المفعول ﴿مَجْمُوعٌ﴾، و ﴿النَّاسُ﴾ نائب فاعل لاسم المفعول. وهذا قول الجمهور (٣).

стр. 388

قال النحاس: " ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ﴾ ابتداء وخبر، ﴿مَجْمُوعٌ﴾ مِن نعته، ﴿النَّاسُ﴾ اسم ما لم يسمّ فاعله، ولهذا لم يقل: مجموعون". اهـ (١) وقال المنتجب الهمذاني: " ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لليوم، و ﴿النَّاسُ﴾ رُفع باسم المفعول الذي هو ﴿مَجْمُوعٌ﴾ على طريق ما لم يُسمّ فاعله، كما يرفع بفعله إذا قلت: يُجمع له الناس، و ﴿لَهُ﴾ مِن صلة ﴿مَجْمُوعٌ﴾ ". اهـ (٢) ٢ - أنّ قوله: ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم. جوّزه: ابن عطية (٣)، وضعّفه غير واحد مِن المعربين (٤)، منهم: السمين الحلبي، حيث قال: "وفيه ضعف؛ إذ لو كان كذلك لقيل: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروب إلا بضعف.

стр. 389

وعلى إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، إذ الجملةُ صفة لليوم، وهو الهاء في ﴿له﴾، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة فكذلك ما قبله". اهـ (١) ثانيًا: القول الراجح: ما قاله الجمهور هو الوجه الظاهر والراجح، فـ ﴿مَجْمُوعٌ﴾ نعت لليوم، و ﴿النَّاسُ﴾ نائب فاعل. أمّا قول ابن عطية أنّ ﴿النَّاسُ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مَجْمُوعٌ﴾ خبر مقدم ففيه بُعد؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: مجموعون (٢)، كما يُقال: الناس مجموعون؛ هذا هو القياس بناء على إعراب ابن عطية. قال الفرّاء: "إذا أردت جمع الشيء المتفرق قلت: جمعت القوم، فهم مجموعون". اهـ (٣) فلو كانت الجملة من مبتدأ وخبر كما قال ابن عطية لقيل: مجموعون، كما يُقال عن الناس: هم مجموعون، لا هم مجموع. والعلةُ الأخرى التي ذكرها السمين في تضعيفه لقول ابن عطية بأنه على إعرابه يحتاج إلى حذف عائد، لأن الجملة صفة لليوم، والعائد هو الهاء في ﴿لَهُ﴾، أي: الناس مجموع له، و ﴿مَشْهُودٌ﴾ متعيِّنٌ لأن يكونَ صفة لليوم فكذلك ما قبله ﴿مَجْمُوعٌ﴾ علةٌ واردة، وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، وقول الجمهور هو الصحيح. * * *

стр. 390

[١٨]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩]: "و ﴿أَرْضًا﴾ مفعول ثانٍ بإسقاط حرف الجر، لأن (طرَحَ) لا يتعدى إلى مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة: هو نصب على الظرف، وذلك خطأ؛ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهمًا وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك، فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض، فتبيّن أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريبٌ مِن أبيه". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي في أوجه نصب ﴿أَرْضًا﴾: "والثاني: النصب على الظرفية، قال الزمخشري: " ﴿أَرْضًا﴾: أرضًا منكورةً مجهولةً بعيدةً من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائِها من الناس، ولإِبهامِها من هذا الوجه نُصِبَتْ نَصْبَ الظروفِ المبهمة". اهـ (٢) وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه فقال: "وذلك خطأ؛ لأنَّ الظرفَ ينبغي أن يكون مبهماً، وهذه ليست كذلك بل هي أرضٌ مقيَّدة بأنها بعيدة أو قاصِيَةٌ أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامُها، ومعلومٌ أنَّ يوسفَ لم يَخْلُ مِن الكون في أرضٍ، فتبيَّن أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غيرَ التي هو فيها قريبٌ مِن أبيه". اهـ (٣)

стр. 391

واستحسن الشيخ هذا الردَ وقال: "وهذا الردُّ صحيح لو قلت: جلست داراً بعيدة أو مكاناً بعيداً لم يصحَّ إلا بواسطة (في)، ولا يجوز حذفُها إلا في ضرورة شعرٍ، أو مع (دَخَلْتُ) على الخلاف في (دَخَلْتُ) أهي لازمةٌ أم متعديةٌ؟ " اهـ (١) قلتُ: وفي الكلامَيْن نظرٌ؛ إذ الظرفُ المبهم عبارة عَمَّا ليس له حدودٌ تَحْصُره ولا أقطارٌ تحويه، و ﴿أَرْضًا﴾ في الآية الكريمة من هذا القبيل". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو إعراب قوله: ﴿أَرْضًا﴾، وهذه المسألة للمعربين فيها ثلاثة أقوال، ذكر ابنُ عطية قولين منها وضعف أحدهما، وذكر السمين الأقوال الثلاثة وردّ على تضعيف ابن عطية لأحد الأقوال كما سيأتي. أولاً: الأقوال في إعراب ﴿أَرْضًا﴾: ١ - أنّ ﴿أَرْضًا﴾ منصوب بنزع الخافض (في)، أي: في أرض. قاله: الأخفش (٣)، والنحاس (٤)، والخطيب (٥) التَبْرِيزِي (٦)، وغيرهم (٧).

стр. 392

قال الأخفش: "وليس الأَرْضُ هاهنا بظرف، ولكن حذف منها (في) ثم أعمل فيها الفعل كما تقول: تَوَجَّهْتُ مَكَّةَ". اهـ (١) وقال الخطيب التبريزي: "منصوبة على إسقاط (في) وإفضاء الفعل، لأنها ليست من الظروف المبهمة". اهـ (٢) ٢ - أنّ ﴿أَرْضًا﴾ منصوب على أنه ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿اطْرَحُوهُ﴾. قاله: الزمخشري (٣)، وعبد الرحمن الأنباري (٤)، وأبو البقاء (٥)، والمنتجب الهمذاني (٦)، وغيرهم (٧).

стр. 393

قال الزمخشري: " ﴿أَرْضًا﴾ منكورة مجهولة بعيدة مِن العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نُصبت نصبَ الظروف المبهمة". اهـ (١) وقال الأنباري: " ﴿أَرْضًا﴾ منصوب على أنه ظرف مكان، وتعدى إليه ﴿اطْرَحُوهُ﴾ وهو لازم، لأنه ظرف مكان مبهَم، وليس له حدود بحصره، ولا نهاية تحيط به". اهـ (٢) وضعّف هذا الوجه عدد من المعربين، منهم: الأخفش (٣)، والنحاس (٤)، ومكي بن أبي طالب (٥)، وابن عطية (٦)، وأبو حيان (٧). وسبب تضعيفهم لهذا الوجه: أن الظرف ينبغي أن يكون مبهمًا، وهذه ليست كذلك، بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية. قال مكي: "ليس بظرف؛ لأنه غير مبهم". اهـ (٨)

стр. 394

وقال ابن عطية: "ذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهما وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك، فزال بذلك إبهامها". اهـ (١) ودافع السمين الحلبي عن هذا الوجه قائلاً: "الظرفُ المبهم عبارة عَمَّا ليس له حدودٌ تَحْصُره ولا أقطارٌ تحويه، و ﴿أَرْضًا﴾ في الآية الكريمة من هذا القبيل". اهـ (٢) ٣ - أنّ ﴿أَرْضًا﴾ مفعول به ثان، على تضمين ﴿اطْرَحُوهُ﴾ - اللازم- معنى: أَنْزِلُوهُ - المتعدي-. قاله: أبو البقاء (٣)، وأبو حيان (٤)، والسمين (٥)، وغيرهم (٦) وجهاً محتملاً. قال أبو حيان: "مفعول ثانٍ على تضمين ﴿اطْرَحُوهُ﴾ مَعْنَى: أَنْزِلُوهُ، كما تقول: أنزلتُ زَيْدًا الدَّارَ". اهـ (٧) وضعّف المنتجب الهمذاني هذا الوجه قائلاً: "وليس بشيء؛ لأنّ (طرَحَ) فعل يتعدى إلى مفعول واحد". اهـ (٨)

стр. 395

ثانيًا: الترجيح: أقرب الأقوال للصواب هو أنّ ﴿أَرْضًا﴾ منصوب على نزع الخافض، أي: في أرض، ويجوز أيضاً نصب ﴿أَرْضًا﴾ على الظرفية، والقول بأنها أرض بعيدة لا يناقض ظرفيتها، فهي هنا أرض مبهمة مجهولة تدل على مكان غير محدد ولا محصور (١). ثم إنه لا يلزم أن تكون الأرض بعيدة، بل قصدوا أن يكون فيها هلاك (٢) ليوسف ... ﵇ وهذا الهلاك قد يكون ببعد الأرض عن العمران وخلوها من أسباب الحياة، أو بوجود سباع فيها ونحو ذلك، وقد نصّ على هذا بعض المفسرين (٣)، فالمقصود طرحه في أيِّ أرضٍ فيها هلاك وقتل غير مباشر ليوسف ﵇ بدليل قول أحد إخوة يوسف بعد ذلك مباشرة: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠]، وتلك الأرض غير محصورة بل هي مبهمة، وزاد إبهامها بالتنكير، فعوملت معاملة أسماء الجهات (٤). وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في رده للقول بظرفيتها وما قاله السمين في جواز ذلك كلام في محله. * * *

стр. 396

[١٩]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]: "والكاف من قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ متعلقة بمضمر تقديره: جرت أفعالنا وأقدارناكَذلِكَ لِنَصْرِفَ، ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير: عصمتنا له كذلك لنصرف". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ في هذه الكافِ أوجهٌ، أحدُها: أنَّها في محلِّ نصب، فقدَّره الزمخشري: "مثل ذلك التثبيت ثَبَّتناه" اهـ (٢)، وقَدَّره ابن عطية: "جَرَتْ أفعالُنا وأقدارُنا كذلك لِنصرف" اهـ (٣). الثاني: أن الكاف في محلِّ رفعٍ، فقدَّره الزمخشري (٤) وأبو البقاء (٥): الأمر مثل ذلك، وقدَّره ابن عطية: "عِصمتُه كذلك" اهـ (٦). الثالث: أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: هَمَّتْ به وهمَّ بها كذلك، ثم قال: "لولا أن رأى برهان ربه لنصرِفَ عنه ما همَّ بها" هذا نصّ ابن عطية، وليس بشيءٍ، إذ مع تسليمِ جواز التقديم والتأخير لا معنى لِما ذكره". اهـ (٧)

стр. 397

دراسة الاستدراك: تحدّث ابنُ عطية عن الكاف من قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ فذكر فيها وجهين: أحدهما: أن هذه الكاف متعلقة بمضمر، تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا كَذلِكَ لِنَصْرِف، والثاني: أن تكون الكاف في موضع رفع، بتقدير: عصمتنا له كذلك لنصرف (١). ونسبَ أبو حيان لابن عطية قولاً ثالثاً لم أجده عند ابن عطية، وهو أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: هَمَّتْ به وهمَّ بها كذلك، ثم قال: لولا أن رأى برهان ربه لنصرِفَ عنه ما همَّ بها (٢). وهذا القول الذي نسبه أبو حيان لابن عطية نقله السمين عن شيخه ثم قال: "هذا نصّ ابن عطية، وليس بشيءٍ، إذ مع تسليمِ جواز التقديم والتأخير لا معنى لِما ذكره". اهـ (٣) وعند مراجعة تفسير ابن عطية لم أجده يشير إلى هذا المعنى فضلاً عن أن يكون نصاً، فقد اكتفى بذكر الوجهين الأولين، ثم تحدث عن القراءات في الآية، ثم انتقل إلى الآية التي تليها (٤). وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية ساقط، لعدم صحة نسبة القول لابن عطية. * * *

стр. 398

[٢٠]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨]: "وقوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ بمثابة قولهم: لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أَربًا ليعقوب قضاه ... فجواب ﴿لَمَّا﴾ في معنى قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ". ثم قال: "ويحتمل أن يكون جواب ﴿لَمَّا﴾ في هذه الآية محذوفاً مقدرًا، ثم يخبر عن دخولهم أنه ما كانَ يُغْنِي". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "قوله - تعالى-: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: في جواب ﴿لَمَّا﴾ هذه ثلاثة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنه الجملةُ المنفية من قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾، وفيه حجةٌ لمَنْ يَدَّعي كونَ (لَمَّا) حرفاً لا ظرفاً؛ إذ لو كانت ظرفاً لعمل فيها جوابُها، إذ لا يَصْلح للعملِ سواه، لكن ما بعد (ما) النافية لا يَعْمل فيما قبلها، لا يجوز: «حين قام أخوك ما قام أبوك»، مع جواز «لمَّا قام أخوك ما قام أبوك». والثاني: أنَّ جوابَها محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء: امتثلوا وقَضَوا حاجةَ أبيهم (٢)، وإليه نحا ابن عطية أيضاً، وهو تَعَسُّفٌ؛ لأنَّ في الكلام ما هو جوابٌ صريحٌ كما قَدَّمتُه. والثالث: أنَّ الجوابَ هو قولُه: ﴿آوَى﴾ (٣) قال أبو البقاء: "وهو جوابُ ﴿لَمَّا﴾ الأولى والثانية، كقولك: «لَمَّا جِئْتني، ولمَّا كَلَّمْتك أَجَبْتَني»، وحَسَّن ذلك أنَّ دخولَهم على

стр. 399

يوسف ﵇ يَعْقُبُ دخولهم من الأبواب" اهـ (١)، يعني أنَّ ﴿آوَى﴾ جوابُ الأولى والثانية، وهو واضح". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال المعربين في جواب (لَمَّا) من قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: ذكروا في ذلك أربعة أوجه: ١ - أنّ جواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف دلَّ عليه معنى ﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾، أي: أصابهم ما أصابهم (٣). قاله: ابن عطية (٤)، وجوّزه: أبو البقاء (٥)، والمنتجب الهمذاني (٦). قال أبو البقاء: "ويجوز أنْ يكونَ الجوابُ معنى ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ". اهـ (٧)

стр. 400

وقد ناقشَ الآلوسي هذا الوجه بشيء من التفصيل حيث قال: "واعترض القول بعدم ترتب الغرض على التدبير بأن الغرض ليس إلا دفع إصابة العين لهم وقد تحقق بدخولهم متفرقين. وأجيب بأن المراد بدفع العين أن لا يمسهم سوء ما، وإنما خصت إصابة العين لظهورها، وقيل: إن ما أصابهم من العين أيضًا فلم يترتب الغرض على التدبير بل تخلف ما أراده ﵇ عن تدبيره، وتعقب بأنه تكلف، واستظهر أن المراد أنه ﵇ خشي عليهم شر العين فأصابهم شرٌ آخر لم يخطر بباله فلم يفد دفع ما خافه شيئًا، وحينئذ يدعي أن دخولهم من حيث أمرهم أبوهم كان مفيدًا لهم من حيث إنه دفع العين عنهم، إلا أنه لَمَّا أصابهم ما أصابهم مِن إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك مع أخيهم بوجدان الصواع في رَحْلِه وتَضاعُف المصيبة على أبيهم لم يُعد ذلك فائدة، فكأن دخولهم لم يفدهم شيئًا". اهـ (١) ٢ - أنّ جواب ﴿لَمَّا﴾ هو قوله: ﴿آوَى﴾، وهو جواب ﴿لَمَّا﴾ الأولى: ... ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾، وجواب ﴿لَمَّا﴾ الثانية: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾. قاله: أبو البقاء (٢)، والمنتجب الهمذاني (٣).

стр. 401

قال أبو البقاء: " ﴿آوَى﴾ هو جواب ﴿لَمَّا﴾ الأولى والثانية; كقولِكَ: لَمَّا جئتُكَ ولَمَّا كَلَّمْتُكَ أجَبتَنِي، وحَسَّنَ ذلك أنَّ دخولهم على يوسف يعقب دخولهم مِن الأبواب". اهـ (١) ٣ - أنّ جواب ﴿لَمَّا﴾ محذوف، تقديره: امتثلوا أو قضوا حاجة أبيهم. ذكره: ابنُ عطية (٢)، وأبو البقاء (٣)، والمنتجب الهمذاني (٤) وجهاً محتملاً. قال ابن عطية: "ويحتمل أن يكون جواب لَمَّا في هذه الآية محذوفاً مقدرًا، ثم يخبر عن دخولهم أنه ما كانَ يُغْنِي". اهـ (٥) وقال أبو البقاء: "محذوف، تقديره: امتثلوا أو قَضَوا حاجة أبيهم ونحوه". اهـ (٦) وضعّف السمين هذا الوجه حيث قال: "وهو تَعَسُّفٌ؛ لأنَّ في الكلام ما هو جوابٌ صريحٌ ". اهـ (٧) ٤ - أنّ جواب ﴿لَمَّا﴾ قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهو جواب شرط غير جازم. قاله: أبو حيان (٨)، والسمين (٩)، وابن عجيبة (١٠)، والشوكاني (١١)، وغيرهم (١٢).

стр. 402

قال أبو حيان: "جواب ﴿لَمَّا﴾ قولُهُ: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ". اهـ (١) وقال الشوكاني: "وجواب ﴿لَمَّا﴾: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذلك الدخول ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي مِن جِهتِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ مِن الأشياء مِمَّا قدَّره اللَّهُ عليهم؛ لأنَّ الحذر لا يدفع القدر". اهـ (٢) وقد ذكر بعضُ المفسرين فائدة في هذا الوجه، وهي أنّ في الآية جمع بين صيغة الماضي ﴿دَخَلُوا﴾ وصيغة المستقبل ﴿يُغْنِي﴾؛ وذلك لتحقيق المقارنةِ الواجبةِ بين جوابِ ﴿لَمَّا﴾ ومدخولِه، فإن عدمَ الإغناءِ بالفعل إنما يتحقق عند نزولِ المحذورِ لا وقت الدخول، وإنما المتحققُ حينئذ ما أفاده الجمعُ المذكور مِن عدم كونِ الدخولِ المذكورِ مغْنياً فيما سيأتي (٣). ثانيًا: الترجيح:

стр. 403

الراجح أنّ قوله: ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ هو جواب الشرط، ولا حاجة للقول بأنّ الجواب محذوف طالما جاء في ظاهر الآية ما يصلح أن يكون جواباً، فالإعراب الخالي من التقديرات أولى من الإعراب المشتمل على الحذف والتقدير. وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد، وأيضاً فإن القول بأنَّ الجواب محذوف والتقدير: امتثلوا ونحو ذلك، لا ضرورة تدعو إليه، فهذا المعنى مفهوم ومستفاد مِن قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ ... فهذه الجملة دلَّت على أنهم ارتحلوا ودخلوا من حيث أمرهم أبوهم وامثلوا لأمره وقضوا الغرض الذي في نفسه (١). * * * [٢١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥]: "قوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ منصوب بفعل مضمر، تقديره: وجعل أو وخلق أنهارا. قال القاضي أبو محمد: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص لـ ﴿أَلْقَى﴾، ولو كانت ﴿أَلْقَى﴾ بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار". اهـ (٢)

стр. 404

وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ عطفٌ على ﴿رَوَاسِيَ﴾ لأنَّ الإلقاءَ بمعنى الخلق، وادِّعاءُ ابن عطية أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ، أي: وجَعَل فيها أنهاراً، ليس كما ذكره، وقدَّره أبو البقاء: وشَقَّ فيها أنهارا (١)، وهو مناسبٌ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في إعراب ﴿أنهاراً﴾ من قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا﴾: في إعراب ﴿أنهارًا﴾ ثلاثة أقوال: ١ - أنَّ قوله: ﴿أنهارًا﴾ معطوف على ﴿رَوَاسِيَ﴾، لأنّ الإلقاء بمعنى الجعل؛ إذ الإلقاء جعْلٌ مخصوص. قاله: الطبري (٣)، ومكي بن أبي طالب (٤)، والفخر الرازي (٥)، والسمين (٦)، وغيرهم (٧).

стр. 405

قال الطبري: "عطف بالأنهار على الرواسي، وأعمل فيها ما أعمل في الرواسي، إذ كان مفهومًا معنى الكلام والمراد منه". اهـ (١) وقال الفخر الرازي: " ﴿وَأَنْهَارًا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾، والتقدير: وألقى رواسيَ وأنهارًا. وخَلْقُ الأنهار لا يَبْعُدُ أَنْ يُسمى بالإلقاء، فيقال: ألقى الله في الأرض أنهارا كما قال: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٧]، والإلقاء معناهُ الجَعْلُ ألا تَر أنه - تعالى- قالَ في آيةٍ أخرى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ١٠] ". اهـ (٢) ٢ - أنَّ ﴿أنهارًا﴾ منصوب بفعل مضمَر، أي: وجعل أو وخلقَ أنهارًا. قاله: ابنُ عطية (٣)، وضعّفه: السمين الحلبي (٤). قال ابن عطية: "وقوله: ﴿أَنْهاراً﴾ منصوب بفعل مضمر، تقديره: وجعل أو وخلق أنهارا". ثم قال: "وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص لـ ﴿أَلْقى﴾، ولو كانت ﴿أَلْقى﴾ بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار". اهـ (٥)

стр. 406

فقوله: ﴿أنهارًا﴾ عند ابن عطية ليس معطوفاً على ﴿رواسي﴾، ولكنه عطف جملة على جملة، والتقدير: وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وجعل أنهارًا. ٣ - أنَّ ﴿أنهارًا﴾ مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: وشقّ أنهارًا. قاله: أبو البقاء (١)، واستحسنه السمين الحلبي (٢). قال أبو البقاء: "أي: وشقَّ أنهارًا". اهـ (٣) قال السمين معلقًا على هذا التقدير: "وهو مناسِبٌ ". اهـ (٤) ففي هذا القول إضمار فعل كقول ابن عطية، مع اختلاف الفعل المقدر. ثانياً: الترجيح: الراجح أنّ قوله: ﴿أنهارًا﴾ معطوف على ﴿رَوَاسِيَ﴾ منصوب، فهو أقوى الأقوال لأنه لا إضمار فيه.

стр. 407

والعامل في ﴿أنهارًا﴾ هو الفعل ﴿ألقى﴾، وذلك باعتبار المعنى، قال مكي بن أبي طالب: "ولا يحسن حمله على ﴿ألقى﴾ لأنه لا يقال: ألقى الله الأنهار والسبل، ولكن حمل على المعنى؛ لأن معنى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جعل فيها رواسي، فعطف ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ على هذا المعنى". اهـ (١) أمّا قول ابن عطية بأن أنهارًا مفعول به لفعل مقدر، والتقدير: وجعل أنهارًا، فليس بضعيف كما قال السمين، بل هو جائز، وهو أولى من التقدير الآخر الذي استحسنه: شَقّ أنهارًا، لأن (جَعَلَ) له ما يشهد له بخلاف (شَقّ)؛ قال- تعالى-: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣]، وقال: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١]. ولكن الخطأ إنما هو فيما قاله ابن عطية بعد ذلك، حيث ادعى الإجماع على إضمار فعل، وقال بأن في هذا الإجماع دليل على أنّ ﴿ألقى﴾ ليست بمعنى (جعل) أو (خلق) (٢). والسمين لم يوضح ذلك في استدراكه على ابن عطية، وصرّح بذلك أبو حيان حيث قال: "وأيّ إجماع في هذا، وقد حُكِيَ عن المتأولين أنَّ ﴿أَلْقَى﴾ بمعنى: خَلقَ وجَعَل". اهـ (٣)

стр. 408

فهذا الإجماع الذي ادعاه ابنُ عطية لا يصح، وقد صرّح الجمهور (١) بأنَّ ﴿ألقى﴾ في الآية بمعنى (جَعلَ) و (خَلَقَ). قال الزجّاج: "المعنى: وجعل فيها رَوَاسيَ وأنهاراً وسُبُلاً، لأن معنى ألقى في الأرض رواسي: جعل فيها رواسي، ودليل ذلك قوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧] ". اهـ (٢) وقال الزمخشري: " ﴿وَأَنْهَارًا﴾: وجعل فيها أنهاراً، لأن ألقى فيه معنى: جعل، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٦، ٧] ". اهـ (٣) وما ذكره العلماء بأنّ ﴿ألقى﴾ بمعنى (جَعلَ) هو الصحيح - خلافاً لابن عطية-، بدليل آية النبأ - السابق ذكرها-، وقوله- تعالى-: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾ [الرعد: ٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ [النمل: ٦١]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧]. * * *

стр. 409

[٢٢]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]: "قوله: ﴿طِينًا﴾ يصح أن يكون تمييزًا، ويصح أن يكون حالاً". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله- تعالى-: ﴿طِينًا﴾ فيه أوجه، أحدُها: أنه حالٌ مِن ﴿لِمَنْ﴾ فالعاملُ فيها ﴿أَأَسْجُدُ﴾، أو مِنْ عائد هذا الموصولِ، أي: خلقَته طِيناً، فالعاملُ فيها ﴿خَلَقْتَ﴾، وجاز وقوعُ (طين) حالاً، وإن كان جامداً؛ لدلالتِه على الأصالةِ، كأنه قال: متأصِّلاً من طين. الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاطِ الخافضِ، أي: مِنْ طين، كما صَرَّح به في الآية الأخرى: ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]. الثالث: أن منتصبٌ على التمييز، قاله الزجاج، وتبعه ابنُ عطية، ولا يظهرُ ذلك إذ لم يتقدَّم إبهامُ ذاتٍ ولا نسبة". اهـ (٢)

стр. 410

دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في إعراب قوله: ﴿طِينًا﴾: في ذلك ثلاثة أقوال: ١ - أنَّ قوله: ﴿طِينًا﴾ منصوب بنزع الخافض، والتقدير: مِن طين، فلمّا حذف حرف الجر اتصل به الفعل فنصبه. قاله: الطبري (١)، والباقولي (٢)، وعبد الرحمن الأنباري (٣)، والبيضاوي (٤)، وغيرهم (٥).

стр. 411

قال الطبري: " ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ يقول: لمن خلقته من طين؛ فلما حذفت (مِن) تعلَّق به قوله ﴿خَلَقْتَ﴾ فنصب". اهـ (١) ٢ - أنَّ ﴿طِينًا﴾ منصوب على التمييز، وعامِلُه الفعل ﴿خَلَقْتَ﴾. قاله: الزجّاج (٢)، والخطيب التبريزي (٣)، وابن عطية (٤)، وغيرهم (٥). قال الزجّاج: "و ﴿طِينًا﴾ منصوب على جهتين: إحداهما: التمييز، والمعنى لمن خلقته مِنْ طِينٍ". اهـ (٦) وضعّف هذا الوجه عددٌ من المعربين، منهم السمين الحلبي؛ لأنه لم يتقدم إبهام ذات ولا نسبة. (٧) ٣ - أنَّ ﴿طِينًا﴾ حال مِن الموصول ﴿مَن﴾، أو مِن العائد المحذوف - الهاء -، أي: خلقتَه.

стр. 412

وجاز أن يكون ﴿طِينًا﴾ حال على الرغم مِن جموده؛ لدلالته على الأصالة، كأنه قال: متأصلاً مِن طين. قاله: مكي بن أبي طالب (١)، والسمعاني (٢)، والزمخشري (٣)، وأبو البقاء (٤)، والسمين الحلبي (٥)، وغيرهم (٦). قال الزمخشري: " ﴿طِينًا﴾ حال إمّا مِن الموصول والعامل فيه أسجد، على: أأسجد له وهو طين، أي: أصله طين، أو من الراجع إليه من الصلة على: أأسجد لمن كان في وقت خلقه طينًا". اهـ (٧)

стр. 413

ثانيًا: الترجيح: الراجح أنّ قوله: ﴿طِينًا﴾ منصوب بحذف حذف الجر (مِن)؛ بدليل التصريح بهذا الجار في آياتٍ أخرى، كقوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]. وقد نصّ جمهور المفسرين على أنّ معنى قوله: ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]: لمن خلقته مِن طين (١). ويجوز أن يكون قوله: ﴿طِينًا﴾ حال دالة على الأصالة (٢)، أي: متأصلاً مِن طين، وهذا صحيح مِن ناحية الصناعة النحوية، وكذا مِن ناحية المعنى، فمعنى كونه متأصلاً مِن طين، أي: أصله وبداية خلقته مِن طين، وقد قال - تعالى-: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. أمّا القول بأنّ ﴿طِينًا﴾ منصوب على التمييز - وهو قول ابن عطية- فهو أضعف الأقوال (٣)؛ لأنه لم يتقدم إبهام ذات ولا نسبة -كما قال السمين-، فهذا الوجه ضعيف من

стр. 414

الناحية الصناعية، أمّا مِن ناحية المعنى فهو يقرب مِن مُؤدَى القول الراجح، فإن التمييز كما تقرر في علم النحو متضمن معنى (مِن) (١)، أي: مِن طين، فهو من هذه الجهة يقرب من القول الراجح. ولكن يبقى استدراك السمين على ابن عطية في محله، فابن عطية قد بدأ بأضعف الأقوال، ولم يُشر إلى أنّ المعنى: مِن طين، لا مِن جهة الإعراب ولا مِن جهة التفسير. * * *

стр. 415

[٢٣]: قال ابنُ عطية في إعرابه لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: "قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ تقديره: وهم يصدون، وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي، وقالت فرقة: الواو زائدة، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله: ﴿وَالْبَادِ﴾، تقديره: خسروا أو هلكوا". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾: فيه ثلاثةُ أوجه". وذكر هذه الأوجه الثلاثة بالتفصيل، وفي الوجه الثالث قال: " أنَّ الواوَ في ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ مزيدةٌ في خبر ﴿إنَّ﴾ تقديرُه: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون. وزيادةُ الواوِ مذهبٌ كوفي تقدَّم بُطلانُه، وقال ابنُ عطية: "وهذا مْفْسِدٌ للمعنى المقصودِ". اهـ، قلت: ولا أَدْري فسادَ المعنى من أيِّ جهة؟ ألا ترى أنه لو صُرِّح بقولِنا: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون لم يكنْ فيه فسادُ معنى، فالمانع إنما هو أمرٌ صناعيٌّ عند أهل البصرة لا معنويّ، اللهم إلاَّ أنْ يريدَ معنىً خاصًا يَفْسُدُ لهذا التقديرِ فيُحتاج إلى بيانه". اهـ (٢)

стр. 416

دراسة الاستدراك: اختلف العلماء في إعراب قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ وتعددت تقديراتهم وتوجيهاتهم، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال رئيسة: ١ - أنّ الواو عاطفة، فقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ معطوف على ما قبله. قاله: الطبري (١)، والزجّاج (٢)، والنحّاس (٣)، ومكيّ بن أبي طالب (٤)، وابن عطية (٥)، وغيرهم (٦). وفي عطف المستقبل ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ على الماضي ﴿كَفَرُوا﴾ أربعة تأويلات:

стр. 417

أحدها: أن المضارع ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ لا يُراد به الحال والاستقبال، بل يراد به استمرار حدوث الفعل منهم، وهو الصد، وذلك مثل قوله- تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨]. (١) قال الطبري: "عطف بـ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ وهو مستقبل على ﴿كَفَرُوا﴾ وهو ماض؛ لأن الصدّ بمعنى الصفة لهم والدوام، وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي، وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] ". اهـ (٢) الثاني: أنّ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ مضارع أريد به الماضي (٣)، أي: ما مضى من الصدِّ، والتقدير: إن الذين كفروا وصدّوا. قال البغوي: عَطَفَ المستقبل على الماضي؛ لأنَّ المراد مِن لفظِ المستقبل الماضي، كما قال - تعالى- في موضع آخر: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١] ". اهـ (٤)

стр. 418

الثالث: أنّ الماضي ﴿كَفَرُوا﴾ يراد به المستقبل، والتقدير: يكفرون ويصدون (١). قال السمين الحلبي متحدثاً عن هذا التأويل: " أنّ ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ على بابِه، والماضي قبله مُؤَوَّل بالمستقبل". اهـ (٢) الرابع: أنّ المراد: إنّ الذين كفروا فيما تقدّم، ويصدون عن سبيل الله في الحال، والتقدير: إنَّ الذين كفروا وهم يَصُدُّون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية. (٣) قال السمعاني: "قال بعضهم: معناه: إن الَّذين كفرُوا فيما تقدَّم". اهـ (٤) وقال الفخر الرازي: "التقدير: إنَّ الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون". اهـ (٥) وقال ابنُ عطية: "تقديره: وهم يصدون، وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي". ... اهـ (٦)

стр. 419

والذين اتفقوا على أنّ الواو عاطفة اختلفوا في خبر ﴿إنَّ﴾، فذهب الجمهور (١) إلى أنه محذوف، دل عليه آخر الآية، والتقدير: إنّ الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله هلكوا أو خسروا، أو: مُعذَّبون. قال ابنُ عطية: "الخبر محذوف مقدَّر عند قوله ﴿وَالْبَادِ﴾، تقديره: خسروا أو هلكوا". ... اهـ (٢) وقال عبد الرحمن الأنباري: "خبر ﴿إنَّ﴾ مقدر، وتقديره: إنّ الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله مُعذَّبون". اهـ (٣) وذهب الزجاج إلى أنّ الخبر هو قوله: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤)، وضعّف قولَ الزجاج هذا عددٌ من العلماء منهم: النحاس (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦). قال النحاس: "هذا غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه؛ لأنه جاء بخبر ﴿إنّ﴾ جزمًا، وأيضًا فإنه جواب الشرط، ولو كان خبرًا لبقي الشرط بلا جواب ولا سيما والفعل الذي للشرط مستقبل فلا بد له من جواب". اهـ (٧)

стр. 420

وقال مكي: "قال أبو إسحاق: "الخبر: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ " اهـ، وهذا غلط؛ لأنه جواب الشرط". اهـ (١) ٢ - أنَّ الواو في ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ واو الحال، وجملة ﴿يَصُدُّون﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿كفروا﴾. وخبر ﴿إنّ﴾ محذوف - كما في القول السابق-، دل عليه آخر الآية، تقديره: مُعذَّبون. قاله: أبو البقاء (٢)، وجوّزه: الباقولي (٣)، وعبد الرحمن الأنباري (٤)، والبيضاوي (٥)، وغيرهم (٦). وضعّف السمين الحلبي أن تكون الجملة حالية قائلاً: "وهو فاسدٌ ظاهراً؛ لأنه مضارعٌ مثبتٌ، وما كان كذلك لا تَدْخُل عليه الواو، وما ورد منه على قِلَّتِه مؤولٌ فلا يُحْمل عليه القرآن". اهـ (٧)

стр. 421

٣ - أنَّ الواو زائدة، وجملة ﴿يَصُدُّون﴾ في محل رفع خبر ﴿إنّ﴾، والتقدير: إن الذين كفروا يصدون. قاله: الخليل بن أحمد (١). وذكره بعض العلماء وجهًا محتملاً، منهم: مكي بن أبي طالب (٢)، والكرماني (٣)، وأبو البقاء (٤)، والشوكاني (٥). قال الخليل بن أحمد: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ معناه: يصدون، والواو فيه واو إقحام". اهـ (٦) وضعّف هذا القول عددٌ من العلماء (٧)، منهم ابن عطية وجعله ممتنعاً من جهة المعنى، حيث قال: "وقالت فرقة: الواو زائدة و ﴿يَصُدُّونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وهذا مفسد للمعنى المقصود". اهـ (٨) واستدرك عليه السمين حيث ذهب إلى أن المعنى ليس بفاسد، والضعف إنما هو من الناحية الصناعية لا المعنوية، حيث قال: "ولا أَدْري فسادَ المعنى من أيِّ جهة؟ ألا ترى أنه لو صُرِّح بقولِنا: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون؛ لم يكنْ فيه فسادُ معنى، فالمانع إنما هو أمرٌ صناعيٌّ عند

стр. 422

أهل البصرة لا معنويّ، اللهم إلاَّ أنْ يريدَ معنىً خاصاً يَفْسُدُ لهذا التقديرِ فيُحتاج إلى بيانه". ... اهـ (١) وقد ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، واحتجوا بعدد من الأدلة، أمّا البصريون فقد ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن تقع الواو العاطفة زائدة، وقد ناقش هذه المسألة عبد الرحمن الأنباري في (الإنصاف)، وردَّ على أدلة الكوفيين، وخلص إلى أنّ الواو فيما استشهدوا به مِن أدلة إنما هي عاطفة لا زائدة (٢). فالسمين الحلبي ضعّف هذا القول من الناحية الصناعية، ولم يوافق ابن عطية في فساده من ناحية المعنى. والصواب أن يُقال: حتى مع التسليم بأن المعنى على ذلك ليس بفاسد، فيبقى هذا القول على ضعفه؛ لأنه ليس له ما يقويه أو يشهد له، والواو في الأصل حرف وُضِعَ لمعنى؛ فلا يجوز أن يحكم بزيادته مهما أمكن أن يُجْرى على أصله، وقد أمكن هاهنا (٣). وقد قال- تعالى- في مواضع أخرى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢]، فالواو مثبتة في جميع هذه المواضع المشاكِلَة لما جاء في الآية موضع الاستدراك، مِمّا يُضعف القول بزيادتها.

стр. 423

أمّا الراجح مِن هذه الأقوال الثلاثة فهو القول الأول، وهو أنّ الواو عاطفة، وأمّا خبر ﴿إنّ﴾ فالراجح أنه محذوف، تقديره: معذبون، وهو التقدير هو الأقرب لظاهر اللفظ في آخر الآية: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بخلاف التقدير الآخر: هالكون أو خاسرون؛ فهو موافق لمعنى آخر الآية دون لفظها. وهذا القول صحيح من جهتي الصناعة والمعنى، وليس ثمة ما يضعفه، وقد رجحه عدد كبير من العلماء (١). * * * [٢٤]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]: "قوله: ﴿عُصْبَةٌ﴾ رفع على البدل من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، والتقدير: إنَّ فِعْل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة مِن أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ". اهـ (٢) وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾: في خبر ﴿إنَّ﴾ وجهان، أحدهما: أنه ﴿عُصْبَةٌ﴾ و ﴿مِنْكُمْ﴾ صفتُه، قال أبو البقاء: "وبه أفادَ الخبر". اهـ (٣) والثاني: أنَّ الخبرَ الجملةُ مِنْ قولِه: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، ويكونُ ﴿عُصْبَةٌ﴾ بدلاً مِن فاعل ﴿جَاءُوا﴾.

стр. 424

قال ابن عطية: "التقديرُ: إنَّ فِعْلَ الذين، وهذا أنْسَقُ في المعنى وأكثرُ فائدةً من أَنْ يكونَ ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبرَ ﴿إنَّ﴾ " اهـ، كذا أورده عنه الشيخ غيرَ معترِضٍ عليه (١)، والاعتراضُ عليه واضحٌ مِن حيث إنه أوقع خبرَ ﴿إنَّ﴾ جملةً طلبيةً، وقد تقدم أنه لا يجوز". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في خبر ﴿إنَّ﴾ في الآية: للعلماء في ذلك قولان: ١ - أنَّ قوله: ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع، و ﴿مِنْكُمْ﴾ نعت لـ ﴿عُصْبَةٌ﴾، وجملة ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ مستأنفة. وهو قول جمهور المعربين (٣).

стр. 425

قال أبو جعفر النحاس: " ﴿ ... الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾، ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبرها". اهـ (١) وقال أبو البقاء: " ﴿عُصْبَةٌ﴾: هي خبرُ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ نعتٌ لها، وبه أفاد الخبرُ، وقوله - تعالى-: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾: مستأنف". اهـ (٢) ٢ - أنَّ قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾، أمّا ﴿عُصْبَةٌ﴾ فهو مرفوع على البدل من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾. قاله ابنُ عطية (٣)، وجوّزه الشوكاني (٤)، وبه بدأ ابن عاشور (٥). قال ابنُ عطية: "خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، والتقدير: إنَّ فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة مِن أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ". اهـ (٦) قال الشوكاني معلقًا على قول ابن عطية: "جملةُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ وإِنْ كانت طلبية، فَجَعْلُها خبرًا يَصحُّ بتقدير". اهـ (٧)
следующие страницы →