← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٣ - أنَّ الواو زائدة، وجملة ﴿يَصُدُّون﴾ في محل رفع خبر ﴿إنّ﴾، والتقدير: إن الذين كفروا يصدون. قاله: الخليل بن أحمد (١). وذكره بعض العلماء وجهًا محتملاً، منهم: مكي بن أبي طالب (٢)، والكرماني (٣)، وأبو البقاء (٤)، والشوكاني (٥). قال الخليل بن أحمد: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ معناه: يصدون، والواو فيه واو إقحام". اهـ (٦) وضعّف هذا القول عددٌ من العلماء (٧)، منهم ابن عطية وجعله ممتنعاً من جهة المعنى، حيث قال: "وقالت فرقة: الواو زائدة و ﴿يَصُدُّونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وهذا مفسد للمعنى المقصود". اهـ (٨) واستدرك عليه السمين حيث ذهب إلى أن المعنى ليس بفاسد، والضعف إنما هو من الناحية الصناعية لا المعنوية، حيث قال: "ولا أَدْري فسادَ المعنى من أيِّ جهة؟ ألا ترى أنه لو صُرِّح بقولِنا: إنَّ الذين كفروا يَصُدُّون؛ لم يكنْ فيه فسادُ معنى، فالمانع إنما هو أمرٌ صناعيٌّ عند

стр. 422

أهل البصرة لا معنويّ، اللهم إلاَّ أنْ يريدَ معنىً خاصاً يَفْسُدُ لهذا التقديرِ فيُحتاج إلى بيانه". ... اهـ (١) وقد ذهب الكوفيون إلى أن الواو العاطفة يجوز أن تقع زائدة، واحتجوا بعدد من الأدلة، أمّا البصريون فقد ذهبوا إلى أنه لا يجوز أن تقع الواو العاطفة زائدة، وقد ناقش هذه المسألة عبد الرحمن الأنباري في (الإنصاف)، وردَّ على أدلة الكوفيين، وخلص إلى أنّ الواو فيما استشهدوا به مِن أدلة إنما هي عاطفة لا زائدة (٢). فالسمين الحلبي ضعّف هذا القول من الناحية الصناعية، ولم يوافق ابن عطية في فساده من ناحية المعنى. والصواب أن يُقال: حتى مع التسليم بأن المعنى على ذلك ليس بفاسد، فيبقى هذا القول على ضعفه؛ لأنه ليس له ما يقويه أو يشهد له، والواو في الأصل حرف وُضِعَ لمعنى؛ فلا يجوز أن يحكم بزيادته مهما أمكن أن يُجْرى على أصله، وقد أمكن هاهنا (٣). وقد قال- تعالى- في مواضع أخرى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢]، فالواو مثبتة في جميع هذه المواضع المشاكِلَة لما جاء في الآية موضع الاستدراك، مِمّا يُضعف القول بزيادتها.

стр. 423

أمّا الراجح مِن هذه الأقوال الثلاثة فهو القول الأول، وهو أنّ الواو عاطفة، وأمّا خبر ﴿إنّ﴾ فالراجح أنه محذوف، تقديره: معذبون، وهو التقدير هو الأقرب لظاهر اللفظ في آخر الآية: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بخلاف التقدير الآخر: هالكون أو خاسرون؛ فهو موافق لمعنى آخر الآية دون لفظها. وهذا القول صحيح من جهتي الصناعة والمعنى، وليس ثمة ما يضعفه، وقد رجحه عدد كبير من العلماء (١). * * * [٢٤]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]: "قوله: ﴿عُصْبَةٌ﴾ رفع على البدل من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾، وخبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، والتقدير: إنَّ فِعْل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة مِن أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ". اهـ (٢) وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾: في خبر ﴿إنَّ﴾ وجهان، أحدهما: أنه ﴿عُصْبَةٌ﴾ و ﴿مِنْكُمْ﴾ صفتُه، قال أبو البقاء: "وبه أفادَ الخبر". اهـ (٣) والثاني: أنَّ الخبرَ الجملةُ مِنْ قولِه: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، ويكونُ ﴿عُصْبَةٌ﴾ بدلاً مِن فاعل ﴿جَاءُوا﴾.

стр. 424

قال ابن عطية: "التقديرُ: إنَّ فِعْلَ الذين، وهذا أنْسَقُ في المعنى وأكثرُ فائدةً من أَنْ يكونَ ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبرَ ﴿إنَّ﴾ " اهـ، كذا أورده عنه الشيخ غيرَ معترِضٍ عليه (١)، والاعتراضُ عليه واضحٌ مِن حيث إنه أوقع خبرَ ﴿إنَّ﴾ جملةً طلبيةً، وقد تقدم أنه لا يجوز". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في خبر ﴿إنَّ﴾ في الآية: للعلماء في ذلك قولان: ١ - أنَّ قوله: ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع، و ﴿مِنْكُمْ﴾ نعت لـ ﴿عُصْبَةٌ﴾، وجملة ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ مستأنفة. وهو قول جمهور المعربين (٣).

стр. 425

قال أبو جعفر النحاس: " ﴿ ... الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾، ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبرها". اهـ (١) وقال أبو البقاء: " ﴿عُصْبَةٌ﴾: هي خبرُ ﴿إِنَّ﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ نعتٌ لها، وبه أفاد الخبرُ، وقوله - تعالى-: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾: مستأنف". اهـ (٢) ٢ - أنَّ قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾، أمّا ﴿عُصْبَةٌ﴾ فهو مرفوع على البدل من الضمير في ﴿جَاءُوا﴾. قاله ابنُ عطية (٣)، وجوّزه الشوكاني (٤)، وبه بدأ ابن عاشور (٥). قال ابنُ عطية: "خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾، والتقدير: إنَّ فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة مِن أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ". اهـ (٦) قال الشوكاني معلقًا على قول ابن عطية: "جملةُ: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ وإِنْ كانت طلبية، فَجَعْلُها خبرًا يَصحُّ بتقدير". اهـ (٧)

стр. 426

وضعّف هذا الوجه بعض العلماء، منهم: ابن جُزي (١)، والسمين الحلبي (٢)، والآلوسي (٣). قال السمين: "والاعتراضُ عليه واضحٌ مِن حيث إنه أوقع خبر ﴿إنَّ﴾ جملةً طلبيةً، وقد تقدم أنه لا يجوزُ". اهـ (٤) وقال الآلوسي: "ولا يخفى أنه تكلف". اهـ (٥) ثانياً: حكم وقوع خبر (إنَّ) جملة طلبية: ذهب جمهور النحويين إلى أنه لا يجوز أن يكون خبر (إنّ) جملة طلبية، وإن ورد شيء منه أُوّل (٦)؛ فأولوا قول الشاعر (٧): إنَّ الذين قتلتم أمس سيدهم ... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما بأنه على إضمار قول يقع خبراً لـ (إنّ)، وتقع هذه الجملة الإنشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، والتقدير: إنَّ الذين قتلتم سيدهم أمس مقول في شأنهم لا تحسبوا (٨). ورَدَّ بعضهم هذه التأويلات، وقالوا بأنها تكلف والتزام ما لا لزوم له (٩).

стр. 427

وذهب بعضهم إلى جواز وقوع الخبر في جملة النهي دون غيرها من الجمل الطلبية (١). والظاهر أنَّ خبر (إنّ) يجوز أن يقع جملة طلبية مطلقاً، إلا أنّ ذلك لم يقع بكثرة في كلام العرب، وقد ثبت وقوعه في القرآن مقترناً بالفاء، قال - تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، فخبر ﴿إنّ﴾ قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ (٢) جملة طلبية، ومِن الملاحظ أنّ المعربين لهذه الآية اهتموا بتعليل وقوع الفاء في خبر ﴿إنّ﴾، إلا أنهم لم يتحدثوا عن وقوع الخبر هنا جملة طلبية. قال الزمخشري: "فإن قلتَ: لم دخلت الفاء في خبر ﴿إن﴾؟ قلتُ: لتضمن اسمها معنى الجزاء، كأنه قيل: الذين يكفرون فبشِّرهم، بمعنى: مَن يكفر فبَشِّرهم، و (إنّ) لا تغير معنى الابتداء، فكأنّ دخولها كلا دخول". اهـ (٣) وقال أبو البقاء: "ودخلت الفاء فيه حيث كانت صِلَةَ (الذي) فِعلاً، وذلك مُؤْذِنٌ باستحقاق البِشارة بالعذاب جزاءً على الكفر، ولا تَمنَعُ (إِنَّ) مِن دخول الفاء في الخبر؛ لأنها لم تُغَيِّر معنى الابتداء بل أكّدته". اهـ (٤)

стр. 428

فالذي يظهر أنّ وقوع خبر (إنّ) جملة طلبية جائز على قِلَّتِه. ثالثاً: الترجيح: الراجح أنَّ قوله: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ اسم ﴿إنّ﴾، وخبرها ﴿عُصْبَةٌ﴾، وهذا هو الظاهر. أمّا قول ابن عطية بأنّ قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ هو خبر ﴿إنّ﴾، فهو قول بعيد، لما يلي: ١ - أنه مُفتقر إلى تقدير ليصح به التركيب الكلامي (١)، بخلاف قول الجمهور فهو متسق مع ظاهر الآية ولا تقدير فيه. وتقدير الكلام عند ابن عطية: إنّ فِعْل الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم (٢)، وهذا التقدير فيه تكلف ولا حاجة إليه. ٢ - أنّ قوله: ﴿الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ اسم ﴿إنّ﴾، فيترجح أن يكون الخبر عن الذين جاءوا بالإفك لا عن الإفك ذاته، وعليه فالخبر: ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، ولو وقف القارئ هنا فالجملة صحيحة مشتملة على اسم ﴿إن﴾ وخبرها، وقد أفادت معنى. وفائدة الإخبار عنهم بأنهم عصبة: التسلية بأنّ الذين جاءوا بذلك الإفك فرقة متعاونة وذلك مِن أمارات كونه إفكًا لا أصل له، وقيل: الأَوْلى أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يُجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم (٣). * * *

стр. 429

[٢٥]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]: "جواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف يقتضيه الكلام، تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾: هي الامتناعيةُ، و ﴿أنْ﴾ وما في حَيِّزها في موضع رفعٍ بالابتداء، أي: ولولا إصابتُهم المصيبةَ، وجوابُها محذوفٌ، فقدَّره الزجاج: ما أرْسَلْنا إليهم رُسُلاً (٢)، يعني: أنَّ الحاملَ على إرسالِ الرسلِ إزاحةُ عِلَلِهم بهذا القولِ، فهو

стр. 430

كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقدَّره ابنُ عطية: "لعاجَلْناهم" اهـ (١)، ولا معنى لهذا ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: اتفقَ المعربون على أنّ جواب ﴿لَوْلا﴾ في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ محذوف، واختلفوا في تقديره على قولين: أولهما: أنَّ الجواب محذوف؛ لدلالة السياق عليه، وتقديره: ما أرسلنا إليهم رسلاً، أو لم نحتج لإرسال الرسل. قاله: الزجّاج (٣)، والنحّاس (٤)، والزمخشري (٥)، والمنتجَب الهمذاني (٦)، والبيضاوي (٧)، وغيرهم (٨).

стр. 431

والمعنى: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: ربّنا هلاّ أرسلت إلينا رسولاً يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين؛ لما بعثناك إليهم رسولا، وعاقبناهم بكفرهم من غير إنذار سابق على العقاب، ولكن بعثناك إليهم قطعًا لاعتذارهم، وإلزامًا للحجة عليهم، نظير قوله -تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. (١) قال الزجّاج: "أي: لولا ذلك لم يحتج إلى إرسالِ الرسُل، ومواترة الاحتجاج". اهـ (٢) ولَمّا كانت العقوبة سبباً للقول جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال، فدخلت ﴿لَوْلا﴾ الامتناعية عليها، فرجع المعنى إلى: ولولا قولهم هذا، إذا أصابتهم مصيبة، لَمَا أرسلناك. قال الزمخشري: "فإن قلتَ: كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول، لدخول حرف الامتناع عليها دونه؟ قلتُ: القول هو المقصود بأن يكون سببًا لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لمَاّ كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها ﴿لَوْلا﴾، وجيء بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك: ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة: وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين: لم يقولوا: لوْلا أرسلتَ إلينا رسولاً، وإنما

стр. 432

السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير، لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم". اهـ (١) وقال ابنُ عاشور: "وإنما حِيكَ نَظْمُ الكلام على هذا المِنوالِ ولم يَقُلْ: ولولا أنْ يقولوا ربنا ... حين تصيبهم مُصيبةٌ؛ لِنُكتةِ الاهتمام بالتحذير مِن إصابة المصيبة، فَوُضِعَتْ في موضع المبتدأ دُونَ موضع الظرف لِتُسَاوِي المبتدأ المقصود مِن جملة شرط ﴿لَوْلا﴾ فيصبح هو وظرفه عُمْدَتَيْنِ في الكلام، فالتقدير هُنا: ولولا إصابتهم بمصيبة يعقبها قولهم: ربنا لَوْلا أرسلت ... إِلَخ، لَمَا عَبَأنا بإرسالك إليهم؛ لأنهم أهلُ عنادٍ وتصميم على الكفر". اهـ (٢) والثاني: أنَّ جواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، وتقديره: لعاجلناهم بالعقوبة. قاله: الثعلبيّ (٣)، ومكيّ بن أبي طالب (٤)، والواحدي (٥)، وابن عطية (٦)، وغيرهم (٧).

стр. 433

قال مكيّ: "جواب لولا محذوف، والتقدير: لولا أن يقول هؤلاء الذين أرسلناك إليهم يا محمد إذا حلّ عليهم العذاب على كفرهم قبل إرسالك إليهم: هلاّ أرسلت إلينا رسولاً من قبل أن يحل بنا سخطك ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لعاجلهم العذاب". اهـ (١) وقال ابنُ عطية: "جواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف يقتضيه الكلام، تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه". اهـ (٢) وقال ابنُ الجوزي: "جواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف، تقديره: لولا أنهم يحتجُّون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة". اهـ (٣) واعترض السمينُ الحلبي على هذا التقدير قائلاً: "ولا معنى لهذا ". اهـ (٤) والراجح: أن جواب الشرط محذوف، تقديره: لما أرسلنا رسلاً، ويَبعُد أن يكون المعنى: لولا قولهم واحتجاجهم لعاجلناهم بالعقوبة، فالتقدير الثاني الذي ذكره ابنُ عطية وغيره ليس له ما يقويه، بخلاف التقدير الأول، فقد ورد في مواضع أخرى مِن القرآن آياتٌ معناها يقوي التقدير الأول، وفيها إثبات أنّ إرسال الرسل جاء قطعاً لمعاذير القوم وإلزاماً للحجة عليهم، حتى لا يقولوا: ما جاءنا مِن رسول، ولولا قولهم هذا لما أرسل الله الرسلَ إليهم رسولاً بعد آخر، قال - تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾

стр. 434

[النساء: ١٦٥]، وقال - تعالى-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. ويجوز في تقدير جواب الشرط المحذوف الجمع بين المعنيين: المعاجلة بالعقوبة وترك إرسال الرسل، أي: لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلنا إليهم رسولاً (١)، أمّا الاقتصار على المعاجلة بالعقوبة فلا يظهر، وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله. * * *

стр. 435

[٢٦]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ: ١٥]: " ﴿جَنَّتَانِ﴾ ابتداء، وخبره في قوله: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، أو خبر ابتداء، تقديره: هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم، والبدل مِن ﴿آيَةٌ﴾ ضعيف، وقد قاله مكّي (١) وغيره". اهـ (٢) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ على البدلِ من ﴿آيَةٌ﴾ وأبدلَ مثنَّى مِن مفرد؛ لأنَّ هذا المفردَ يَصْدُقُ على هذا المثنى. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وضَعَّفَ ابنُ عطيةَ الأولَ ولم يُبيِّنه، ولا يَظهرُ ضَعفُه بل قوتُه، وكأنه توهَّم أنهما مختلفان إفراداً وتثنية؛ فلذلك ضَعُفَ البدلُ عنده - واللَّهُ أعلم-. الثالث: - وإليه نحا ابن عطية - أَنْ يكونَ ﴿جَنَّتَانِ﴾ مبتدأً، وخبرُه ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، ورَدَّه الشيخُ: بأنه ابتداءُ نكرةٍ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ (٣)، واعتذر عنه: بأنه قد يُعتقَد حَذْفُ صفةٍ؛ أي: جنتان لهم، أو جنتان عظيمتان إنْ صَحَّ ما ذهبَ إليه". اهـ (٤)

стр. 436

دراسة الاستدراك: أولاً: أقوال العلماء في إعراب قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾: لهم في ذلك ثلاثة أقوال: ١ - أنَّ قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ مرفوع على أنه بدل مِن ﴿آيَةٌ﴾. قاله: الفرّاء (١)، والزجّاج (٢)، والنحّاس (٣)، ومكّي بن أبي طالب (٤)، والباقولي (٥)، وغيرهم (٦).

стр. 437

وأبدلَ المثنَّى ﴿جَنَّتَانِ﴾ مِنْ المفرد ﴿آيَةٌ﴾؛ لأنَّ هذا المفردَ يَصْدُقُ على هذا المثنى، فمجموع الجنتين بمنزلة آية واحدة (١). وضّعف هذا الوجه ابنُ عطية ولم يبيّن جهة ضعفه (٢)، قال السمين: "وضَعَّفَ ابنُ عطية الأولَ ولم يبيّنه، ولا يَظهرُ ضَعْفُه بل قوتُه، وكأنه توهَّمَ أنهما مختلفان إفراداً وتثنية؛ فلذلك ضَعُفَ البدلُ عنده". اهـ (٣) ٢ - أنَّ قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ مرفوع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي جنتان، أو: الآية جنتان. جوّزه: النحّاس (٤)، والزمخشري (٥)، وعبد الرحمن الأنباري (٦)، وأبو البقاء (٧)، وغيرهم (٨).

стр. 438

قال الأنباري مجوزًا هذا الوجه: " أن يكون مرفوعًا؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هي جنّتان". اهـ (١) ٣ - أنَّ قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ مبتدأ، وخبره في قوله: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. قاله ابنُ عطية (٢). وضُعّف بأنّ ﴿جَنَّتَانِ﴾ نكرة لا مسوّغ للابتداء بها، وإن قيل بأنّ في الكلام صفة محذوفة والتقدير: جنتان لهم، أو جنتان عظيمتان؛ ففي ذلك فصل للكلام عمّا قبله (٣). ثانياً: المناقشة والترجيح: الراجح أنّ قوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل مِن ﴿آيَةٌ﴾؛ وذلك لأنه تكملة لما قبله (٤)، فقوله: ﴿جَنَّتَانِ﴾ هو عبارة عن تفسير وبيان للآية، حتى إنّ بعض النحويين يُسمّون البدل: تفسير، كما في هذه الآية (٥)، فقد عللوا رفع ﴿جَنَّتَانِ﴾ بأنها تفسير للآية. وليس هذا القول بضعيف كما توهم ابنُ عطية، بل هو أقوى الأقوال، ولا يُشترط في البدل المطابقة إفرادًا وغيره (٦).

стр. 439

أمّا القول الثاني وهو أنّ ﴿جَنَّتَانِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، فهو جائز، ولكن الأول أقوى؛ لخلوه من التقديرات. وأمّا قول ابن عطية بأن ﴿جَنَّتَانِ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ فهو ضعيف؛ لأنّ ﴿جَنَّتَانِ﴾ نكرة لا مسوغ للابتداء بها (١)، وحتى لو قيل بأنّ الابتداء بها هنا له مسوغ، فإن جعْل الكلام متصلاً بما قبله مُفسِّرًا له أولى مِن جعْل قوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ جملة جديدة مِن مبتدأ وخبر. (٢) وعليه: فإن دفاع السمين الحلبي عن القول بالبدلية وردِّه على ابن عطية في محله، فالقول بأن ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل مِن ﴿آيَةٌ﴾ هو أقوى الأقوال وليس بضعيف كما توهّم ابنُ عطية. * * *

стр. 440

[٢٧]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ [يس: ٤٣]: "والكلام تام في قوله: ﴿نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ استئناف إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين فهم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلا برحمة الله، وليس قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطًا بالمغرقين، وقد يصح ربطه به، والأول أحسن، فتأمله". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: " والفاءُ في قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ﴾ رابطةٌ لهذه الجملةِ بما قبلها، فالضميرُ في ﴿لَهُمْ﴾ عائدٌ على المُغرَقين. وجوَّز ابن عطية هذا ووجهاً آخرَ، وجعله أحسنَ منه: وهو أنْ يكونَ استئنافَ إخبارٍ عن المسافرين في البحر ناجين كانوا أو مُغرَقين، هم بهذه الحالةِ لا نجاةَ لهم إلاَّ برحمةِ اللَّه، وليس قولُه: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين. وليس جَعْلُه هذا الأحسنَ بالحسن؛ لئلا تخرجَ الفاءُ عن موضوعها والكلامُ عن التئامِه". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: موضوع هذا الاستدراك هو الفاء من قوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، حيث رجّح ابنُ عطية أن تكون استئنافية، بينما ذهب السمين إلى أنها رابطة للجملة بما قبلها، ولم يوافق ابنَ عطية فيما ذهب إليه. ففي هذه الفاء قولان للعلماء:

стр. 441

١ - أنّها حرف استئناف، وجملة ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ استئنافية، غير مربوطة بالمغرقين المذكورين في الجملة السابقة، بل هي إخبار عن السائرين في البحر ناجين كانوا أو مغرقين، فهم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلا برحمة الله. وهو قول ابنُ عطية (١)، وقد ضعّفه السمين الحلبي (٢) وغيره من العلماء (٣)؛ لأنَّ جعْلَها استئنافية فيه قطع للكلام، والفاء تُعلِّق ما بعدها بما قبلها تعلقًا واضحًا. ٢ - أنّها عاطفة، رابطة للجملة بما قبلها، فجملة ﴿فَلَا صَرِيخَ﴾ معطوفة على جملة ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾. وهو قول الجمهور (٤)، وهو الراجح؛ فالفاء في قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ﴾ تُعلِّق الجملة بما قبلها تعلقًا ظاهرًا. والخلاص من العذاب بما يدفعه من أصله، فنُفيَ بقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، وبما يرفعه بعد وقوعه، فنُفيَ بقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (٥).

стр. 442

وهذه الفاء هي الفاء (الفصيحة) (١) التي تُفصح عن محذوف، وتدل على ما نشأ عنه، فهذه الفاء يُؤتى بها للإفصاح عن كلام مُقدر مستفاد من كلام سابق عليها (٢). ومثالها: ما جاء في قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فالفاء في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أفصحت عن شرط محذوف، فكأنها رابطة لجواب الشرط المحذوف، والتقدير: فأفطر فعدة مِن أيامٍ أُخَر (٣)، ومثل هذا التقدير لابد منه؛ لأن العدة لا تكون إلا لمَن أفطر. وكذا في قوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، والمقدّر هنا هو حصول الغرق. وعليه: فاستدراك السمين الحلبيّ على ابن عطية في محله؛ لأنّ جعْل الفاء استئنافية فيه قطع للكلام، والفاء ظاهرة في تعلِّق ما بعدها بما قبلها. * * *

стр. 443

[٢٨]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]: "وقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال مما أبدل منه قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ أو مما تنضاف إليه القلوب، لأن المراد إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، وهذا كقوله - تعالى-: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أراد: تشخص فيه أبصارهم". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبي: "قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ نصب على الحال، واختلفوا في صاحبها والعاملِ فيها. قال الحوفي: " ﴿الْقُلُوبُ﴾ مبتدأ، و ﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ خبرُه، و ﴿كَاظِمِينَ﴾ حالٌ من الضميرِ المستكنِّ فيه" اهـ (٢)، قلت: ولا بُدَّ مِن جوابٍ عن جمع القلوبِ جمعَ مَن يَعقِل: وهو أنْ يكونَ لَمَّا أسند إليهم ما يُسنَدُ للعقلاءِ جُمِعَتْ جَمْعَه، كقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. الثاني: أنها حالٌ من ﴿الْقُلُوبُ﴾ وفيه السؤالُ والجوابُ المتقدِّمان. الثالث: أنه حالٌ من أصحاب القلوب. قال الزمخشري: " هو حالٌ مِنْ أصحاب القلوب على المعنى؛ إذ المعنى: إذْ قلوبُهم لدى الحناجر كاظمين عليها" اهـ (٣)، قلت: فكأنَّه في قوةِ أنْ جَعَلَ (أل) عِوَضاً من الضمير في حناجرهم.

стр. 444

الرابع: أنْ يكونَ حالاً مِنْ (هم) في ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾، وتكونُ حالاً مقدرةً؛ لأنهم وقتَ الإنذارِ غيرُ كاظمين. وقال ابن عطية: " ﴿كَاظِمِينَ﴾ حالٌ ممَّا أُبْدِلَ منه ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ أو ممَّا تُضاف القلوبُ إليه؛ إذ المرادُ: إذ قلوبُ الناس لدى حناجرِهم، وهذا كقولِه: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] أراد: تشخص فيه أبصارهم". اهـ (١) قلتُ: ظاهرُ قولِه أنه حالٌ ممَّا أُبدِل منه، وقوله: "إذ القلوبُ" مُشْكِلٌ؛ لأنه أُبدِل مِن قوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ وهذا لا يَصِحُّ البتةَ، وإنما يريد بذلك على الوجه الثاني: وهو أن يكونَ بدلاً مِنْ (هم) في ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ بدلَ اشتمالٍ، وحينئذ يَصِحُّ". اهـ (٢) دراسة الاستدراك: اتفق العلماء على أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال، واختلفوا في صاحبها، ولهم في ذلك خمسة أقوال: ١ - أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من أصحاب القلوب على المعنى؛ إذ الأصل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم، أي: إذ قلوبهم لدى حناجرهم في حال كونهم كاظمين. قاله: الفراء (٣)، والزجاج (٤)، والزمخشري (٥)، وغيرهم (٦).

стр. 445

قال الفراء: "وقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر، والمعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين". اهـ (١) وقال الزمخشري: "هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها". اهـ (٢) ٢ - أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال مما أُبدل منه قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾. قاله ابنُ عطية، وبه بدأ (٣)، واستشكله السمين الحلبي (٤)؛ لأنّ قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ أُبدل مِن قوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾، فكيف يكون قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾؟! ٣ - أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿لَدَى﴾. قاله: الباقولي (٥)، وعبد الرحمن الأنباري (٦)، والمنتجب الهمذاني (٧)، وغيرهم (٨).

стр. 446

قال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿كَاظِمِينَ﴾ منصوب على الحال من المضمر في ﴿لَدَى﴾ ". ... اهـ (١) ٤ - أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من ﴿الْقُلُوبُ﴾؛ لأن المراد أصحابها، والمعنى: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال. قاله: الأخفش (٢)، وأبو البقاء (٣)، وغيرهما (٤). وضعّف هذا الوجه غيرُ واحد من العلماء، منهم: المنتجب الهمذاني (٥)، والشهاب الخفاجي (٦)؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ ضعيف جدًا عند جمهور النحويين، والمبتدأ هنا هو ﴿الْقُلُوبُ﴾. ٥ - أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من الضمير في ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾، وتكونُ حالاً مقدرة؛ لأنهم وقتَ الإنذارِ غيرُ كاظمين.

стр. 447

جوّزه: الفراء (١)، والزمخشري (٢)، وأبو البقاء (٣)، والمنتجب الهمذاني (٤)، وغيرهم (٥). قال الزمخشري: "ويجوز أن يكون حالا عن قوله: وأنذرهم، أي: وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم". اهـ (٦) والراجح: أنَّ قوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من أصحاب القلوب على المعنى، ويجوز أيضًا أن يكون حال من ﴿الْقُلُوبُ﴾، حيث وُصفت بالكظم الذي هو صفة أصحابها (٧)، وذلك على رأي مَن يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ويجوز أيضًا أن يكون حال من الضمير في ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾. وهذه الأقوال الثلاثة لا تعارض بينها من ناحية المعنى، وهي الأقرب للصواب.

стр. 448

أمّا قول ابنُ عطية بأنّ ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال مما أبدل منه ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾، فهو يؤدي إلى معنى غير صحيح؛ فقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ أُبدل مِن قوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾، وعليه: فقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من ﴿يوم الآزفة﴾ وذلك لا يصح، وإنما يتوجه الذي قاله بأن يكون حال من ضمير ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ في ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ فظاهر كلام ابن عطية مُشكِل ومعناه ممتنع. * * * [٢٩]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]: "و ﴿قُرْبَانًا﴾ إمّا أن يكون المفعول الثاني بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه، وإمّا أن يكون حالاً، و ﴿آلِهَةً﴾ المفعول الثاني، والمفعول الأول هو الضمير العائد على: ﴿الَّذِينَ﴾؛ التقدير: اتخذوهم". اهـ (١)

стр. 449

وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أوجَهُها: أنَّ المفعولَ الأولَ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ محذوفٌ هو عائدُ الموصول، و ﴿قُرْبَانًا﴾ نُصِبَ على الحال، و ﴿آلِهَةً﴾ هو المفعولُ الثاني للاتخاذ، والتقدير: فهَلاَّ نَصَرهم الذين اتَّخَذُوْهم مُتَقَرَّباً بهم آلهةً. الثاني: أنَّ المفعولَ الأولَ محذوفٌ، كما تقدَّم تقريرُه، و ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿آلِهَةً﴾ بدلٌ منه، وإليه نحا ابنُ عطية وأبو البقاء (١)، إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ مَنعَ هذا الوجهَ قال: "لفسادِ المعنى" اهـ (٢)، ولم يُبَيِّنْ جهةَ الفساد، قال الشيخ: "ويَظْهَرُ أنَّ المعنى صحيحٌ على ذلك الإِعراب" اهـ (٣). قلت: ووجهُ الفسادِ - واللَّهُ أعلم - أنَّ القُربان اسمٌ لِما يُتَقَرَّبُ به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً، و ﴿آلِهَةً﴾ بدلاً منه لَزِمَ أنْ يكونَ الشيءُ المتقرَّبُ به آلهةً، والفَرَضُ أنه غيرُ الآلهةِ، بل هو شيءٌ يُتَقرَّب به إليها فهو غيرُها، فكيف تكون الآلهةُ بدلاً منه؟ هذا ما لا يجوزُ". اهـ (٤) ثمّ ذكرَ السمينُ بقيةَ الأوجه.

стр. 450

دراسة الاستدراك: اختلف المعربون في إعراب قوله: ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، ولهم في ذلك عدة أقوال، أشهرها أربعة: أولها: أنَّ ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول لأجله للفعل ﴿اتَّخَذُوا﴾، والمعنى: لأجل التقرب بها، و ﴿آلِهَةً﴾ مفعول ثانٍ للفعل ﴿اتَّخَذُوا﴾، والمفعول الأول محذوف وهو عائد الموصول، أي: الذين اتخذوهم. قاله: النحاس (١)، ومكي بن أبي طالب (٢)، والمنتجب الهمذاني (٣)، وغيرهم (٤). وضعّف ابنُ هشام هذا الوجه؛ إذ استبعد أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول لأجله؛ لأنّ المفعول لأجله لا يكون إلا مصدرًا أو اسم مصدر، قال: "والقربان اسم لما يتقرب به (٥)، وليس اسمًا للحدث". اهـ (٦)

стр. 451

الثاني: أنَّ ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعول ثانٍ، و ﴿آلِهَةً﴾ مفعول أول، والتقدير: الذين اتخذوا من دون الله آلهة قرباناً. قاله: الباقولي (١). وضُعّف بأنه يُؤدي إلى خلوّ الكلام من الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾ (٢). الثالث: أنَّ ﴿قُرْبَانًا﴾ هو المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، و ﴿آلِهَةً﴾ بدل من ﴿قُرْبَانًا﴾، وأول مفعوليّ ﴿اتَّخَذُوا﴾ الراجع إلى ﴿الَّذِينَ﴾ محذوف، أي: اتخذوهم. قاله: ابنُ عطية (٣)، وأبو البقاء (٤)، والبيضاوي (٥)، وغيرهم (٦). وجعله الزمخشري فاسدَ المعنى (٧)، وردَّ عليه أبو حيان بأنَّ المعنى صحيح على ذلك الإعراب (٨).

стр. 452

وبيّن وجهَ فساد المعنى على هذا الإعراب عددٌ من العلماء، منهم: السمين الحلبي (١)، وابن هشام (٢)، وأبو السعود (٣)، وابن عجيبة (٤). قال السمين: "ووجهُ الفسادِ - والله أعلم- أنَّ القُرْبان اسمٌ لِما يُتَقرَّبُ به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً، وآلهةً بدلاً منه لَزِمَ أنْ يكونَ الشيءُ المتقرَّبُ به آلهةً، والفَرضُ أنه غيرُ الآلهةِ، بل هو شيءٌ يُتقرَّب به إليها فهو غيرُها، فكيف تكون الآلهةُ بدلاً منه؟ هذا ما لا يجوزُ". اهـ (٥) وقال ابنُ هشام: " وَوجهه أَنهم إِذا ذموا على اتخاذهم قربانًا من دون الله اقتضى مفهومه الحث على أن يتخذوا الله -سبحانه- قربانا كما أنّك إذا قلت: "أتتخذ فلانًا معلما دوني" كنتَ آمرا لهُ أن يتخذك معلمًا له دونه والله -تعالى- يتقرَّب إليه بغيره، ولا يتقرب به إلى غيره". اهـ (٦) وقال أبو السعود: "ولا مساغَ لجعلِ ﴿قُرْبَانًا﴾ مفعولاً ثانياً و ﴿آلِهَةً﴾ بدلاً منه لفسادِ المعنى؛ فإنَّ البدلَ وإن كان هو المقصود لكنه لابد في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه، ولا ريب أن في قولنا: اتخذوهم من دون الله قرباناً أي: متقربًا به مما لا صحة له قطعًا؛ لأنه - تعالى- متقرب إليه لا متقرب به، فلا يصح أنهم اتخذوهم قرباناً متجاوزين الله في ذلك".اهـ (٧)

стр. 453

وقال ابنُ عجيبة: "ووجه فساده: أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً؛ لأن القُربان مقصود لغيره، والآلهة مقصودة بنفسها، فتأمله". اهـ (١) الرابع: أنَّ ﴿قُرْبَانًا﴾ حال، و ﴿آلِهَةً﴾ المفعولُ الثاني للاتخاذ، والمفعول الأول محذوف وهو عائد الموصول، أي: الذين اتخذوهم. قاله: الزمخشري (٢)، والقرطبي (٣)، والسمين الحلبي (٤)، وأبو السعود (٥)، وغيرهم (٦). قال السمين: "والتقدير: فهَلاَّ نَصَرهم الذين اتَّخَذُوْهم مُتَقَرَّباً بهم آلهةً". اهـ (٧) وقال أبو السعود: "والتقديرُ: فهلاَّ نصرهُم وخلَّصُهم من العذابِ الذين اتخذُوهم آلهةً حالَ كونِها متقرَّباً بها إلى الله -تعالى-، حيثُ كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ". اهـ (٨)

стр. 454

والوجه الرابع هو الراجح؛ لصحته معنًى وصناعة، ولم أجد أحدًا مِن العلماء ضعّفه. وما ذكره السمين في بيان فساد المعنى بناء على إعراب ابن عطية كلامٌ وجيه، فجعْلُ ﴿قُرْبَانًا﴾ المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ و ﴿آلِهَةً﴾ بدل منه وجهٌ يؤدي إلى معنًى غير صحيح كما وضّح ذلك عددٌ من العلماء. وهذا الاستدراك يُظهر عناية السمين بالمعنى في الإعراب، فلا بد مِن صحة المعنى بناء على الإعراب حتى يُقبل الوجه الإعرابي؛ فكونه صحيحاً من ناحية الصناعة النحوية لا يجعل منه إعراباً صحيحًا إذا أدى إلى معنىً فاسد. ولكن يُحمد لابن عطية ذكره احتمالاً ثانياً في إعراب ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾، وهو أن يكون ﴿قُرْبَانًا﴾ حال، و ﴿آلِهَةً﴾ المفعولُ الثاني للاتخاذ (١)، وهذا الاحتمال الثاني هو القول الراجح. * * *

стр. 455

[٣٠]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٤]: "الضمير في (عَلَيْهِ) عائد على المأكول أو على الأكل". اهـ (١) وقال السمين الحلبي: "والضميرُ في ﴿مِنْهَا﴾ عائدٌ على الشجر، وفي ﴿عَلَيْهِ﴾ للشجر أيضاً، وقد تقدَّم أنه يجوزُ تذكيرُ اسم الجنس وتأنيثُه، وأنهما لغتان، وقيل: في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على الزقوم، وقال أبو البقاء: " للمأكول" اهـ (٢). وقال ابن عطية: "للمأكول أو الأكل" انتهى، وفي قوله: "الأكل" بُعْدٌ ". اهـ (٣)

стр. 456

دراسة الاستدراك: ذهب ابنُ عطية إلى جواز عَوْد الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على المأكول وعلى الأكل، بينما استبعد السمين عَوْدَه على الأكل، ففي مرجع الضمير هنا قولان رئيسان: أولهما: أنّ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على الأكل أو على الملئ، فالأكل مستفاد مِن قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾، والمَلء مأخوذ مِن قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. وهذا القول ذكره عددٌ مِن العلماء وجهاً محتملاً وجوّزوه، منهم: الفراء (١)، وابنُ عطية (٢)، والبقاعي (٣)، والشوكاني (٤). قال الفراء: "إن شئت كان على الشجر، وإن شئت فعلى الأكل". اهـ (٥) وقال البقاعي: " ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي على هذا الملء أو الأكل". اهـ (٦) واستبعد السمينُ الحلبي عَودَه على الأكل، ولم يوضح سبب بُعده (٧).

стр. 457

وقد تعددت التوجيهات لهذا القول؛ فقال بعضهم: هو الأُكُل -بضم الهمزة والكاف، وليس الأَكْل - المصدر-. (١) وهذا التوجيه وإن كان واردًا فهو ممتنع بإجازة وجهين: الأكل والمأكول، فذلك يعني بالضرورة أنّ الأكل هو المصدر وليس الأُكُل، وإلا كان قولاً واحدًا؛ فالأُكُل هو المأكول. وصرّح ابنُ عاشور بأن الضمير عائد على الأَكْل بتأويل المصدر باسم المفعول، أي: أنّ الأكل بمعنى المأكول (٢). الثاني: أنّ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على المأكول، وهو شجر الزقوم. قاله: الأخفش (٣)، والطبري (٤)، والنحاس (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦)، والزمخشري (٧)، والفخر الرازي (٨)، والسمين (٩)، وغيرهم (١٠).

стр. 458

أمّا تأنيث الضمير في قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ثم تذكيره في قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ ... فذلك لأنه عائد على الشجر وهو اسم جنس؛ يجوز تذكيره وتأنيثه، وقيل: التأنيث أولاً باعتبار المعنى، والتذكير ثانيًا باعتبار اللفظ (١). قال الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا القول الثاني، وهو أن قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ مراد به من الشجر؛ أنّث للمعنى، وقال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ مذكرًا؛ للفظ الشجر". اهـ (٢) وقال الزمخشري: "وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكّره على اللفظ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾، وإنما ذكّر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه". اهـ (٣) والراجح: عوْدُ الضمير على شجر الزقوم؛ لأنّ ذلك مأخوذ مِن ظاهر اللفظ كما هو: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾، بخلاف عوده على الأكل؛ فذلك مستفاد من قوله: ﴿لَآكِلُونَ﴾، ولأنَّ الشرب على المأكول لا على تناوله (٤)، وجعْل الشرب على الأكل - المصدر- هو مِن باب المجاز (٥). ومما يُضعف عَوْده على الأَكْل: تصريحُ البعض بأنّ ذلك على تأويل المصدر باسم المفعول، فهو بذلك يدخل في القول الراجح وهو عوده على شجر الزقوم - المأكول-.

стр. 459

وعَوْدُ الضمير على المَلء أقوى مِن عَوْدِه على الأَكْل؛ لأنّ المَلء أقرب ذِكرًا مِن الأكل. وبالجملة فإن عَوْد الضمير على الأَكْل ليس بممتنع ولا بعيد ولكن غيره أقوى منه، فابن عطية لم يخطئ بذكره لهذا القول، لاسيما وأنه قد ذكره ثانيًا ولم يبدأ به ولم يرجحه. * * * [٣١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧]: "وقوله - تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ) تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التَّهَمُّم به، وإنما الاعتراض قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقد قال قوم: إن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ اعتراض، وإن ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض في اعتراض، والتحرير هو الذي ذكرناه". اهـ (١) وقال السمينُ الحلبيّ: "في الكلام اعتراضان، أحدُهما: الاعتراضُ بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ بين القسمِ والمُقْسَم عليه، والثاني: الاعتراضُ بقولِه: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الصفةِ والموصوفِ.

стр. 460

وأبَى ابنُ عطية أَنْ يُجْعَلَ قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ اعتراضاً فقال: " ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ تأكيدٌ للأمرِ وتنبيه من المُقْسَم به، وليس هذا باعتراضٍ بين الكلامَيْن، بل هذا معنىً قُصِدَ التَّهَمُّمُ به، وإنما الاعتراضُ قولُه: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ". اهـ قلت: وكونُه تأكيداً ومُنَبِّهاً على تعظيمِ المُقْسَمِ به لا يُنافي الاعتراضَ بل هذا معنى الاعتراضِ وفائدتُه". اهـ (١) دراسة الاستدراك: ذهب الجمهور إلى أنّ جملة: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ معترضة؛ لتأكيد القَسَم، وأنّ قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض في اعتراض (٢). قال ابنُ جنّي: "قال الله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة]: هذا فيه اعتراضان: أحدهما قوله:
следующие страницы →