دراسة الاستدراك:
ذهب ابنُ عطية إلى جواز عَوْد الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على المأكول وعلى الأكل، بينما استبعد السمين عَوْدَه على الأكل، ففي مرجع الضمير هنا قولان رئيسان:
أولهما: أنّ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على الأكل أو على الملئ، فالأكل مستفاد مِن قوله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾، والمَلء مأخوذ مِن قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.
وهذا القول ذكره عددٌ مِن العلماء وجهاً محتملاً وجوّزوه، منهم: الفراء (١)، وابنُ عطية (٢)، والبقاعي (٣)، والشوكاني (٤).
قال الفراء: "إن شئت كان على الشجر، وإن شئت فعلى الأكل". اهـ (٥)
وقال البقاعي: " ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي على هذا الملء أو الأكل". اهـ (٦)
واستبعد السمينُ الحلبي عَودَه على الأكل، ولم يوضح سبب بُعده (٧).
стр. 457
وقد تعددت التوجيهات لهذا القول؛ فقال بعضهم: هو الأُكُل -بضم الهمزة والكاف، وليس الأَكْل - المصدر-. (١)
وهذا التوجيه وإن كان واردًا فهو ممتنع بإجازة وجهين: الأكل والمأكول، فذلك يعني بالضرورة أنّ الأكل هو المصدر وليس الأُكُل، وإلا كان قولاً واحدًا؛ فالأُكُل هو المأكول.
وصرّح ابنُ عاشور بأن الضمير عائد على الأَكْل بتأويل المصدر باسم المفعول، أي: أنّ الأكل بمعنى المأكول (٢).
الثاني: أنّ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على المأكول، وهو شجر الزقوم.
قاله: الأخفش (٣)، والطبري (٤)، والنحاس (٥)، ومكي بن أبي طالب (٦)، والزمخشري (٧)، والفخر الرازي (٨)، والسمين (٩)، وغيرهم (١٠).
стр. 458
أمّا تأنيث الضمير في قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ثم تذكيره في قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ ... فذلك لأنه عائد على الشجر وهو اسم جنس؛ يجوز تذكيره وتأنيثه، وقيل: التأنيث أولاً باعتبار المعنى، والتذكير ثانيًا باعتبار اللفظ (١).
قال الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا القول الثاني، وهو أن قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ مراد به من الشجر؛ أنّث للمعنى، وقال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ مذكرًا؛ للفظ الشجر". اهـ (٢)
وقال الزمخشري: "وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكّره على اللفظ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ و ﴿عَلَيْهِ﴾، وإنما ذكّر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه تفسيرها وهي في معناه". اهـ (٣)
والراجح: عوْدُ الضمير على شجر الزقوم؛ لأنّ ذلك مأخوذ مِن ظاهر اللفظ كما هو: ﴿مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾، بخلاف عوده على الأكل؛ فذلك مستفاد من قوله: ﴿لَآكِلُونَ﴾، ولأنَّ الشرب على المأكول لا على تناوله (٤)، وجعْل الشرب على الأكل - المصدر- هو مِن باب المجاز (٥).
ومما يُضعف عَوْده على الأَكْل: تصريحُ البعض بأنّ ذلك على تأويل المصدر باسم المفعول، فهو بذلك يدخل في القول الراجح وهو عوده على شجر الزقوم - المأكول-.
стр. 459
وعَوْدُ الضمير على المَلء أقوى مِن عَوْدِه على الأَكْل؛ لأنّ المَلء أقرب ذِكرًا مِن الأكل.
وبالجملة فإن عَوْد الضمير على الأَكْل ليس بممتنع ولا بعيد ولكن غيره أقوى منه، فابن عطية لم يخطئ بذكره لهذا القول، لاسيما وأنه قد ذكره ثانيًا ولم يبدأ به ولم يرجحه.
* * *
[٣١]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧]: "وقوله - تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ) تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التَّهَمُّم به، وإنما الاعتراض قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، وقد قال قوم: إن قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ اعتراض، وإن ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض في اعتراض، والتحرير هو الذي ذكرناه". اهـ (١)
وقال السمينُ الحلبيّ: "في الكلام اعتراضان، أحدُهما: الاعتراضُ بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ بين القسمِ والمُقْسَم عليه، والثاني: الاعتراضُ بقولِه: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الصفةِ والموصوفِ.
стр. 460
وأبَى ابنُ عطية أَنْ يُجْعَلَ قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ اعتراضاً فقال: " ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ تأكيدٌ للأمرِ وتنبيه من المُقْسَم به، وليس هذا باعتراضٍ بين الكلامَيْن، بل هذا معنىً قُصِدَ التَّهَمُّمُ به، وإنما الاعتراضُ قولُه: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ". اهـ
قلت: وكونُه تأكيداً ومُنَبِّهاً على تعظيمِ المُقْسَمِ به لا يُنافي الاعتراضَ بل هذا معنى الاعتراضِ وفائدتُه". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
ذهب الجمهور إلى أنّ جملة: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ معترضة؛ لتأكيد القَسَم، وأنّ قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض في اعتراض (٢).
قال ابنُ جنّي: "قال الله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ [الواقعة]: هذا فيه اعتراضان: أحدهما قوله:
стр. 461
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾؛ لأنه اعترض به بين القسم الذي هو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وبين جوابه الذي هو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف الذي هو (قَسَم) وبين صفته التي هي ﴿عَظِيمٌ﴾ وهو قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، فذانك اعتراضان كما ترى، ولو جاء الكلام غير معترض فيه لوجب أن يكون: فلا أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم وإنه لقسم عظيم لو تعلمون". اهـ (١)
وقال الزركشي متحدثًا عن أغراض الاعتراض: "منها: قَصْدُ التأكيد، كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة]، وفيها اعتراضان، فإنه اعترَضَ بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ بين القسم وجوابه، واعترض بقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الصِّفةِ والموصوف، والمراد تعظيم شأنِ ما أَقسَمَ به مِن مواقع النجوم، وتأكيد إجلاله في النفوس لا سِيَّما بقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ". اهـ (٢)
أمّا ابنُ عطية فلم يوافق الجمهور في أنّ جملة ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ معترضة، حيث قال: ... " ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهَمُّم به". اهـ (٣)
واستدرك عليه السمين قائلاً: "وكونُه تأكيداً ومُنَبِّهاً على تعظيمِ المُقْسَمِ به لا يُنافي الاعتراضَ، بل هذا معنى الاعتراضِ وفائدتُه". اهـ (٤)
стр. 462
وما قاله السمين موافق لما تقرر في اللغة؛ فإن الجملة المعترضة لها أغراض، ومِن أبرز فوائدها: التأكيد والتنبيه على تعظيم معنىً ما في جملةٍ مِن الجُمَل (١).
فقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ اعتراض قُصد به تحقيق وتأكيد مضمون الجملة القَسَميّة (٢).
قال ابنُ هشام: "وأمّا قول ابن عطية: ليس فيها إلا اعتراض واحد وهو ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ لأنّ ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ توكيد لا اعتراض فمردود؛ لأنّ التوكيد والاعتراض لا يتنافيان". اهـ (٣)
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية في محله، إلا أن الخلاف بين قول ابن عطية وقول الجمهور، هو خلاف لفظي ولا خلاف بينهما في المضمون؛ فعلى كلا القولين جملة: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ قُصد بها التأكيد والتعظيم
* * *
[٣٢]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة]: "القول بأن ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ نهي قولٌ فيه ضعف؛ وذلك أنّه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: ﴿تَنْزِيلٌ﴾: صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء معنى أجنبيًا معترضًا بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام، فتدبّره.
стр. 463
وفي حرف ابن مسعود: (ما يمسه) (١)، وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي معناه: حقّه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر". اهـ (٢)
وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: في ﴿لا﴾ هذه وجهان، أحدهما: أنها نافيةٌ فالضمةُ في ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ ضمةُ إعرابٍ، وعلى هذا القولِ ففي الجملةِ وجهان، أحدهما: أنَّ محلَّها الجرُّ صفةً لـ ﴿كِتَاب﴾ والمرادُ بـ ﴿كِتَاب﴾: إمَّا اللوحُ المحفوظُ، و ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ حينئذٍ الملائكةُ، أو المرادُ به المصاحف، والمرادُ بالمُطهَّرين المكلَّفون كلُّهم.
والثاني: أن محلَّها الرفعُ صفةً لقرآنِ، والمرادُ بالمطهَّرينِ الملائكةُ فقط أي: لا يَطَّلع عليه أو لا يَمَسُّ لَوْحَه. لا بُدَّ من أحد هَذَيْن التجوُّزَيْن؛ لأن نسبةَ المسِّ إلى المعاني حقيقةً متعذَّرٌ.
ويؤيِّد كونَ هذه نفياً قراءةُ عبد الله: (ما يَمَسُّه) بـ (ما) النافيةِ.
والثاني من الوجهين الأوَّلَيْن: أنها ناهيةٌ، والفعلُ بعدها مجزومٌ؛ لأنه لو فُكَّ عن الإِدغامِ لظهر ذلك فيه كقولِه: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أَدْغم، ولَمَّا أُدْغِمَ حُرِّك آخرُه بالضمِّ لأجلِ هاء ضميرِ المذكرِ الغائب".
ثم قال السمين: "وبهذا الذي ذكرْتُه يظهر فسادُ رَدِّ مَنْ رَدَّ: بأنَّ هذا لو كان نَهْياً لكان يُقال: (لا يَمَسَّه) بالفتح؛ لأنه خَفي عليه جوازُ ضَمِّ ما قبل الهاءِ في هذا النحوِ، لا سيما على رأيِ سيبويه فإنه لا يُجيز غيرَه (٣).
стр. 464
وقد ضَعَّفَ ابنُ عطية كونَه نهياً: بأنه إذا كان خبراً فهو في موضعِ الصفةِ، وقولُه بعد ذلك: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفةٌ، فإذا جعلناه نَهْياً كان أجنبياً معترضاً بين الصفاتِ وذلك لا يَحْسُن في رَصْفِ الكلامِ، فتدبَّرْه، وفي حرف ابن مسعود: (ما يمسُّه) " انتهى.
وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ؛ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضِ، ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ ... فـ ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا: بأنه طلبٌ، فيُجاب: بأنه على إضمارِ القولِ أي: مقولٌ فيه: لا يمسُّه". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
استبعدَ ابنُ عطية أن يكون قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ نهي، بينما لم يوافقه السمين في تضعيف هذا القول، ودافع عنه ووجّهه.
وهذه المسألة فيها تفصيل، وهي عبارة عن مسائل متداخلة ومرتبطة ببعضها البعض.
القول الأول في هذه المسألة، وهو قول الجمهور: أنّ ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ نفي، والضمير عائد على الكتاب الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة (٢).
стр. 465
وهذا القول موافق لما جاء عن السلف في تفسير الآية (١)، فعن عبد الله بن عباس-﵄: الكتاب الذي في السَّماء لا يمسهُ إلا الملائكة. (٢)
وفي رواية أخرى عنه قال: إذا أراد الله أن ينزل كتابًا نسخته السَفَرَة، فلا يمسه إلا المطهرون، يعني الملائكة. (٣)
وقال الإمام مالك: " أحسنُ ما سمعت في هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] إنَّما هي بمنزلة هذه الآية التي في ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، قولُ اللَّهِ ﵎: ... ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس] ". اهـ (٤)
فهذا من قول مالك يدل على أنه نفي والجملة خبرية. (٥)
ويؤيد القول بالنفي قراءةُ عبد الله بن مسعود: (ما يمسه)؛ ما: نافية.
قال الواحدي: " أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ تعود إلى الكتاب المكنون، و ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ هم الملائكة". اهـ (٦)
стр. 466
وقال عبد الرحمن الأنباري: " ﴿لا﴾ نافية لا ناهية، ولهذا كان ﴿يَمَسُّهُ﴾ مرفوعًا، ويكون المراد بقوله: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ الملائكة". اهـ (١)
وجملة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ صفة لـ ﴿كِتَاب﴾، والضمير في ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ عائد على الكتاب المكنون؛ لأنه أقرب مذكور. (٢)
وزاد بعضهم فقالوا: هو نفي ومعناه النهي (٣)؛ كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فالجملة خبرية، ومعناها: الأمر، وكقوله ﷺ : ... (المسلمُ أخُو المسلمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ) (٤) والمعنى: لا ينبغي له أن يظلمه.
ويؤيد أنّ معناها النهي ما جاء في كتاب عمرو بن حزم (٥): (أنْ لا يمسّ القرآن إلا طاهر) (٦).
стр. 467
ولذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز للجنب والحائض والمحدث مسّ المصحف (١)، وهذا النهي المأخوذ من النفي هو في حقّ الإنسان المكلّف لا الملائكة.
والقول الثاني في هذه المسألة أنّ ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ نهي، والضمير عائد على المصحف الذي بأيدينا، والفعل ﴿يَمَسُّهُ﴾ مجزوم، والضمة ضمة بناء، وإنما حُرّك بالضم؛ لأجل ضميرِ المذكرِ الغائب، والمطهرون: هم المطهرون من الأحداث.
وجملة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ صفة للقرآن.
ذكرَ هذا القول مكيُّ بن أبي طالب وجهاً محتملاً (٢)، ورجّحه القرطبي (٣)، وجوّزه السمين الحلبيّ (٤).
قال مكي: "قيل: ﴿لا﴾ للنهي، والضمة في ﴿يمسهُ﴾ بناء، والفعل مجزوم". اهـ (٥)
стр. 468
وضعّف ابنُ عطية أن يكون قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نهياً؛ وذلك أنَّه إذا كان خبرًا فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: ﴿تَنْزِيلٌ﴾: صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء معنى أجنبيًا معترضًا بين الصفات (١).
وردَّ عليه السمينُ قائلاً: "وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو تنزيلٌ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضِ.
ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ فـ ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا: بأنه طلبٌ، فيُجاب: بأنه على إضمارِ القولِ أي: مقولٌ فيه: لا يمسُّه". اهـ (٢)
وما ذكره السمين في دفاعه عن هذا القول بأن ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ فذلك جائز.
أمّا قوله بأن جملة: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ فيها إضمار قول، فهذا احتمال بعيد ولا حاجة للقول بالإضمار.
والعلة التي ذكرها ابنُ عطية في تضعيف هذا القول ليست علة قوية، فهذا الوجه ضعيف من وجوه أظهر وأقوى من ذلك، سيأتي ذكرها في الترجيح.
والقول الثالث في هذه المسألة: التفصيل؛ فإن كان قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ صفة للكتاب الذي في السماء، فذلك نفي، والمطهرون هم الملائكة، وإن كان
стр. 469
صفة للمصحف الذي بين أيدينا، فهو نهي أو نفي ومعناه النهي، والمطهرون هم المطهرون من الأحداث أو المطهرون من الشرك ونحوه مِن البشر.
قاله: ابنُ الجوزي (١)، والمنتجب الهمذاني (٢)، وأبو حيان (٣)، وغيرهم (٤).
الترجيح:
الراجح أن قوله - تعالى-: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفي، والضمير عائد على الكتاب الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة، والجملة: صفة للكتاب، ولهذا القول عدد من المرجحات، منها:
١ - يترجح عود الضمير على الكتاب الذي في السماء لا القرآن الذي بأيدينا؛ لأنّ الكتاب أقرب والضمير يعود على أقرب مذكور. (٥)
٢ - لو كانت (لا) ناهية لفُكَّ التضعيف وظهرت الحركة: (يَمْسَسْه) (٦) كما في قوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]، أو لبقي التضعيف وجاءت السين مفتوحة؛ منعاً لالتقاء
стр. 470
الساكنين (يمسَّه)، أمّا جواز الضم فهو قول سيبويه ولم يقل به الجمهور، وجعْلُها ضمة بناء فيه إلباس (١).
٣ - وصف الكتاب بالمكنون أي المستور عن الأعين يدل على أنه الكتاب الذي في السماء، وليس الذي بأيدينا، ووصفه بكونه مكنوناً نظير وصفه بكونه محفوظاً؛ فقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ [الواقعة] كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ [البروج]. (٢)
٤ - لأنه قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فهم الملائكة، ولو أراد المؤمنين المتوضئين لقال: لا يمسه إلا المتطهرون، كما قال - تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فالملائكة مطهرون، والمؤمنون المتوضئون متطهرون (٣).
٥ - لأنّ الآيات رد على من قال: إن الشيطان جاء بهذا القرآن، فأخبر- سبحانه تعالى- أنه في كتاب مكنون لا تناله الشياطين، ولا وصول لها إليه، كما قال - تعالى- في سورة الشعراء: ... ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾، وإنما تناله الأرواح المطهرة، وهم الملائكة (٤).
стр. 471
٦ - لأنّ الآية مكية، في سورة مكية، تتضمن تقرير التوحيد، والرد على الكفار، وهذا المعنى -أن (لا) نافية، والكتاب هو الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة- أليق بالمقصود مِن فرع عملي، وهو حكم مس المحدث المصحف (١).
٧ - لأنه لو أريد به الكتاب الذي بأيدي الناس لم يكن في الإقسام على ذلك بهذا القسم العظيم كثير فائدة، ومن المعلوم أن كل كلام فهو قابل لأن يكون في كتاب، حقا أو باطلا، بخلاف ما إذا وقع القسم على أنه في كتاب مصون مستور عن العيون عند الله، لا يصل إليه شيطان، ولا ينال منه، ولا يمسه إلا الأرواح الطاهرة، فهذا المعنى أليق وأجل بالآية (٢).
٨ - لأنّ الظاهر أن جملة ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ صفة، والأصل فيها أن تكون خبرية (٣).
٩ - يؤيد كونها نافية قراءة عبد الله بن مسعود: (ما يمسه)؛ ما: نافية (٤).
١٠ - لأن القول بأنها نافية، والكتاب هو الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة هو القول الموافق لتفسير الصحابة والتابعين لهذه الآية.
١١ - أن هذا أبلغ في الرد على المكذبين وأبلغ في تعظيم القرآن من كون المصحف لا يمسه مُحدِث (٥).
стр. 472
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وتجويزه أن تكون (لا) ناهية والفعل بعدها مجزوم ليس في محله.
وما جاء في الآية وإن كان نفياً والمطهرون هم الملائكة، إلا أنه يُستفاد منه النهي في حق المكلفين من البشر.
قال ابنُ القيم: "سمعت شيخ الإسلام يقرر الاستدلال بالآية على أن المصحف لا يمسه المحدث بوجه آخر، فقال: هذا من باب التنبيه والإشارة إذا كانت الصحف التي في السماء لا يمسها إلا المطهرون؛ فكذلك الصحف التي بأيدينا من القرآن لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر". ... اهـ (١)
والآية أفادت تعظيم شأن القرآن، والمس بغير طهر مخل بتعظيمه فتأباه الآية (٢).
قال ابن عاشور: "وإذ قد ثبتت هذه المرتبة الشريفة للقرآن؛ كان حقيقًا بأن تُعظّمَ تلاوته وكتابته، ولذلك كان من المأمور به: أن لا يمس مكتوب القرآن إلا المتطهّر تشبهًا بحال الملائكة في تناول القرآن". اهـ (٣)
стр. 473
وقال أيضًا: "فهذه الآية ليست دليلاً لحكم مسّ القرآن بأيدي الناس ولكن ذِكر الله إياها لا يخلو مِن إرادةِ أن يُقاس الناس على الملائكة في أنهم لا يمسون القرآن إلا إذا كانوا طاهرين كالملائكة، أيْ بقدر الإمكان مِن طهارة الآدميين.
فثبت بهذا أنّ الأمر بالتطهر لمن يُمسك مكتوبًا مِن القرآن قد تقرّرَ بين المسلمين مِن صدرِ الإسلام في مكة". اهـ (١)
* * *
[٣٣]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٧ - ٨]: "قوله - تعالى-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بيان
стр. 474
لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، فكرر لام الجر لَمّا كانت الأولى مجرورة باللام؛ ليبين أن البدل إنما هو منها". اهـ (١)
وقال السمينُ الحلبيّ: "قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ مِن ﴿لذِي القُربى﴾، قاله أبو البقاء والزمخشري.
قال أبو البقاء: "قيل هو بدلٌ مِن ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وما بعده" اهـ (٢)، وقال الزمخشري: "بدلٌ مِن قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وما عُطِف عليه، والذي مَنَعَ الإِبدالَ من ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ والمعطوفِ عليهما وإنْ كان المعنى لرسول الله: أنّ اللهَ أخرجَ رسوله من الفقراءِ في قولِه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وأنه - تعالى- يترفَّعُ برسوله عن تسميته بالفقير، وأنَّ الإبدالَ على ظاهرِ اللفظ مِن خلافِ الواجب في تعظيم الله ". اهـ (٣)
يعني لو قيل: بأنَّه بَدَلٌ مِنْ ﴿لله﴾ وما بعدَه لَزِمَ فيه ما ذُكِرَ: مِن أنَّ البدلَ على ظاهرِ اللفظِ يكونُ من الجلالةِ فيُقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدلٌ مِنْ ﴿لله﴾ ومِن ﴿للرَّسُولِ﴾ وهو قبيحٌ لفظاٌ، وإن كان المعنى على خلافِ هذا الظاهرِ، كما قال: إن معناه لرسولِ الله، وإنما ذُكر اللهُ تفخيماً، وإلاَّ فاللهُ - تعالى- غنيٌّ عن الفَيْءِ وغيره، وإنما جعله بدلاً مِنْ ﴿لذي القُرْبى﴾ لأنه حنفيٌّ، والحنفية يشترطون الفقرَ في إعطاءِ ذوي القُربى مِن الفَيْءِ.
الثاني: أنه بيانٌ لقولِه: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، وكُرِّرتُ لامُ الجر لَمَّا كانت الأُولى مجرورةً باللام؛ ليُبَيِّنَ أنَّ البدلَ إنما هو منها، قاله ابنُ عطية، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ جداً.
стр. 475
الثالث: أن ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ولكنَّ الفَيْءَ للفقراء، وقيل: تقديرُه: ولكن يكونُ للفقراء، وقيل: تقديرُه: اعجَبوا للفقراء". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أولاً: أقوال العلماء في إعراب قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾:
لهم في ذلك أربعة أقوال رئيسة:
١ - أنّ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل مِن ﴿ذي القُربَى﴾ وما عُطف عليه، ولا يصح أن يكون بدلاً مِن الرسول؛ لئلا يستلزم وصف رسول الله ﷺ بالفقر.
قاله: النحّاس (٢)، والزمخشري (٣)، والفخر الرازي (٤)، وأبو البقاء (٥)، والبيضاوي (٦)، وغيرهم (٧).
стр. 476
قال الفخر الرازي: "هذا بَدَلٌ مِن قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، كأنه قيل: أعني بأولئك الأربعة هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين مِن صِفتهم كَذا وكذا". اهـ (١)
وقال البيضاوي: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بدل من ﴿لِذِي القُرْبَى﴾ وما عطف عليه؛ فإن الرَّسول لا يسمى فقيراً". اهـ (٢)
ومُقتضى البدلية اشتراط الفقر في الأقرباء (٣) والأصناف المذكورة، أي أنّ الفقر شرط في كل الأصناف الأربعة (٤).
٢ - أنّ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بيانٌ لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
قاله ابن عطية (٥)، ووافقه الثعالبي (٦).
قال ابنُ عطية: " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بيان لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فكرر لام الجر لَمّا كانت الأولى مجرورة باللام؛ ليبين أن البدل إنما هو منها". اهـ (٧)
وضعّف السمينُ ما قاله ابنُ عطية قائلاً: "وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ جداً". اهـ (٨)
стр. 477
٣ - أنّ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف يدل عليه قوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾، والتقدير: ولكن يكون للفقراء، وما بينهما اعتراض، وقيل: هو متعلق بفعل محذوف تقديره: اعجَبوا للفقراء.
ذكره بعض العلماء وجهًا محتملاً، منهم: المنتجب الهمذاني (١)، والقرطبي (٢)، والسمين (٣)، والشوكاني (٤).
قال القرطبي: "قيل: كي لا يكونَ دُولَةً بين الأغنياء ولكن يكونُ للفقراء". اهـ (٥)
وقال الشوكاني: "قيل: التقدير: كيْ لا يكونَ دُولَةً ولكن يكونُ للفقراء، وقيل: التقدير: اعجَبُوا للفقراء". اهـ (٦)
ومقتضى هذا التوجيه عدم اشتراط الفقر في الأقرباء، والمعنى: اعجبوا لهؤلاء الفقراء المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم (٧).
٤ - أنّ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ عطف على ما مضى، ولم يأتِ بواو العطف، كقول القائل: المال لزيد لعمرو لبكر.
стр. 478
ذكره: القرطبي (١) والشوكاني (٢) وجهًا محتملاً.
قال القرطبي: "قيل: هو عطفٌ على ما مضى، ولم يَأْتِ بواو العطف، كقولك: هذا المالُ لزيدٍ لِبَكْرٍ لفلان لفلان". اهـ (٣)
ثانيًا: الترجيح:
الراجح أن قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بدل مما يصلح أن يكون بدلاً منه مِن أسماء الأصناف المتقدمة (٤): ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، والذي منع الإبدال من (للهِ وللرسولِ) أنّ الواجب تعظيمهما (٥).
وأعيد اللام مع البدل لربطه بالْمُبْدَلِ منه لانفصال ما بينهما بطول الكلام مِن تعليل وتحذير، ولإفادة التأكيد (٦).
وهو قول أكثر المعربين (٧).
стр. 479
ويصحّ أيضاً أن يكون قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ عطف على ما مضى مِن الأصناف المتقدمة: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ بحذف حرف العطف، فقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ هؤلاء صنف آخر مِن المستحقين لمال الفيء (١).
وهذا قول قويٌ مع قلة مَن قال به من المعربين.
أمّا قول ابنُ عطية: أنّ قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بيانٌ لقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: فهذا تخصيص لا وجه له.
أمّا مَن قالوا: التقدير: ولكن يكون للفقراء، أو: اعجبوا للفقراء: فقولهم وإن كان جائزاً من حيث المعنى، إلا أنه بعيد من ناحية الصناعة؛ فلا حاجة لادعاء الحذف والتقدير.
وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية وارد؛ فقول ابن عطية فيه ضعف، حتى إنّ جمهور العلماء لم يذكروه ضمن الأعاريب المحتملة؛ ممّا يدل على بُعدِه.
* * *
стр. 480
[٣٤]: قال ابنُ عطية في معرض تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]: " ﴿وُجُوهٌ﴾ رفع بالابتداء، وابتدأ بالنكرة لأنها تخصصت بقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبر ﴿وُجُوهٌ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة هي في موضع خبر بعد خبر". ... اهـ (١)
وقال السمين الحلبي في وجوه إعراب قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾: "الرابع: أنْ يكونَ ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأً و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبرَه، و ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملةً في موضعِ خبرٍ ثانٍ، قاله ابن عطية، وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يَنعَقِدُ منهما كلامٌ، إذ الظاهرُ تعلُّقُ ﴿إِلَى﴾ بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾،
стр. 481
اللهمَّ إلاَّ أنْ يعنيَ أنَّ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هي ناظرةٌ إلى ربِّها، وهذه الجملةُ خبرٌ ثانٍ، وفيه تَعَسُّفٌ ". اهـ (١)
دراسة الاستدراك:
أولاً: أقوال المعربين في إعراب قوله - تعالى-: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة]:
لهم في ذلك خمسة أقوال رئيسة:
١ - أنّ قوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ نعت للوجوه، و ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ متعلق بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هو خبر المبتدأ.
والمعنى: الوجوه الحسنة يومَ القيامة ناظرة إلى ربها.
قاله: النحّاس (٢)، ومكي بن أبي طالب (٣)، وغيرهما (٤).
وهو اختيار السمين الحلبي (٥).
قال النحّاس: " ﴿وُجُوهٌ﴾ رفع بالابتداء، ﴿نَاضِرَةٌ﴾ نعت لها، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ خبر الابتداء". ... اهـ (٦)
стр. 482
وقال السمين معلقاً على هذا الوجه ومعناه: "هذا معنىً صحيحٌ وتخريجٌ سَهْلٌ". اهـ (١)
٢ - أنّ ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبره، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ خبر ثان، أو نعت للوجوه، أو خبر لمبتدأ محذوف، و ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ متعلق بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾.
قاله: الكرماني (٢)، وأبو السعود (٣)، وغيرهما (٤).
قال الكرماني: " ﴿نَاضِرَةٌ﴾ و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ خبران للمبتدأ وهو ﴿وُجُوهٌ﴾ ". اهـ (٥)
وقال أبو السعود: " ﴿وُجُوهٌ) مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبرُهُ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ منصوبٌ بـ ﴿نَاضِرَةٌ﴾، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ في قولِه -تعالَى-: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ خبرٌ ثانٍ للمبتدأ، أو نعتٌ ... لـ ﴿نَاضِرَةٌ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ متعلقٌ بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾.
وصحةُ وقوعِ النكرةِ مبتدأ؛ لأنَّ المقامَ مقامُ تفصيلٍ، لا على أنَّ ﴿نَاضِرَةٌ﴾ صفةٌ ... لـ ﴿وُجُوهٌ﴾ والخبرُ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ كمَا قيلَ؛ لِمَا هُو المشهورُ مِنْ أنَّ حق الصفة أن تكون معلومةَ
стр. 483
الانتسابِ إلى الموصوف عندَ السامع، وحيثُ لمْ يكُنْ ثبوتُ النضرةِ للوجوهِ كذلكَ فحقُّه أنْ يخبَر به". اهـ (١)
٣ - أنّ ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبره، و ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة في محل خبرٍ ثانٍ.
قاله: ابنُ عطية (٢)، والمنتجب الهمذاني (٣).
قال ابنُ عطية: " ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبر ﴿وُجُوهٌ﴾، وقوله -تعالى-: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة هي في موضع خبر بعد خبر". اهـ (٤)
وضعّف هذا القول السمينُ الحلبي قائلاً: "وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لا يَنْعَقِدُ منهما كلامٌ، إذ الظاهرُ تعلُّقُ ﴿إِلَى﴾ بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾ ". اهـ (٥)
٤ - أنّ ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: وجوهٌ يومئذٍ ثَمَّ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ صفة، وكذلك ﴿نَاظِرَةٌ﴾.
стр. 484
جوّزه أبو البقاء (١)، واستبعده السمين الحلبي فقال: "وهو بعيدٌ لعدمِ الحاجةِ إلى ذلك، ولا أدري ما الذي حَمَلهم على هذا مع ظهورِ الوجهِ الأولِ وخُلُوصِه من هذه التعسُّفات؟ وكونُ ﴿إِلَى﴾ حرفَ جرّ، و ﴿رَبِّهَا﴾ مجروراً بها هو المتبادَرُ للذِّهن". اهـ (٢)
٥ - أنّ ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ نعت لـ ﴿نَاضِرَةٌ﴾ أو نعت للوجوه، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبر ﴿وُجُوهٌ﴾.
جوّزه: النحاس (٣)، ومكي بن أبي طالب (٤).
وليس بظاهر.
ثانيًا: الترجيح:
القول الأول هو الراجح، وهو أنّ قوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ صفة، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ خبر المبتدأ؛ فهذا أوضح وأصحّ الأوجه من ناحيتي المعنى والصناعة.
ومعنى هذا القول: أنّ الوجوه الحسنة يومَ القيامة ناظرة إلى ربها، وهذا المعنى صحيح وظاهر، وموافق لما جاء عن السلف في تفسير الآية، حيث فسّرها غير واحد من السلف: وجوه حسنة ناظرة إلى ربها (٥).
стр. 485
ويجوز أنّ يكون قوله: ﴿وُجُوهٌ﴾ مبتدأ، و ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبره، و ﴿نَاظِرَةٌ﴾ نعت للوجوه، أو خبر ثان.
أمّا استدراك السمين على ابن عطية فوارد؛ وذلك لأنّ قول ابن عطية: أنّ ﴿نَاضِرَةٌ﴾ خبر ﴿وُجُوهٌ﴾ و ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة في موضع خبر ثانٍ قولٌ فيه بُعد؛ لأنَّه لا يَنعقدُ منهما كلامٌ، والظاهرُ تعلُّقُ ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ بـ ﴿نَاظِرَةٌ﴾، وقد نصّ جمهور المعربين على ذلك (١).
* * *
стр. 486
الفصل الثالث:
استدراكات السمين على ابن عطية في التفسير بالرأي .
[١]: قال ابنُ عطية في تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]: "والرِّياح جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله - تعالى-: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام، وفي الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا هبت الريح يقول: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) (١).
قال القاضي أبو محمد: وذلك لأنّ ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة؛ فلذلك هي رياح، وأفردت مع الفلك؛ لأنّ ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وُصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب". اهـ (٢)
قال السمينُ الحلبيّ مستدركًا على ابن عطية: "وهذا الذي قاله يَرُدُّه اختلافُ القراءِ في أحدَ عشر موضعاً يأتي تفصيلُها، وإنما الذي يقال: إنَّ الجمعَ لم يأتِ مع العذابِ أصلاً؛ وأمَّا المفردُ فجاء فيهما، ولذلك اختصَّها ﵇ في دعائه بصيغة الجمع". اهـ (٣)
стр. 487
دراسة الاستدراك:
ذكر بعضُ أهل التفسير وعلوم القرآن قاعدةً في ورود لفظتي (الريح) و (الرياح) في القرآن؛ فقالوا بأنّ هذه اللفظة تأتي مفردة مع العذاب، ومجموعة مع الرحمة، وتلك قاعدة أغلبية (١).
وممن قال بذلك: ابنُ عطية؛ حيث قال: " (الرِّياح) جمع ريح، وجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله - تعالى-: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، وهذا أغلب وقوعها في الكلام". اهـ (٢)
واحتج ابنُ عطية وغيرُه بحديث: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا)، وهذا الاحتجاج لا يصح، لعدم ثبوت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ .
أمّا السمين فلم يوافق ابنَ عطية فيما ذهب إليه، رادًّا عليه باختلاف القراء في أحد عشرَ موضعًا، وتلك مِن أوجه عناية السمين بالقراءات، حيث يحتج بها لردِّ بعض الأقوال أو تأييدها.
ثم قال السمين: "وإنما الذي يقال: إنَّ الجمعَ لم يأتِ مع العذابِ أصلاً؛ وأمَّا المفردُ فجاءَ فيهما، ولذلك اختصَّها ﵇ في دعائِه بصيغةِ الجمعِ". اهـ (٣)
وفي هذه المسألة تفصيل، وهناك بعضُ مناقشةٍ لكلام كلٍّ مِن ابن عطية والسمين.
стр. 488
أولاً: الفرق بين (الريح) و (الرياح):
(الريح) بالإفراد على إرادة الجنس، وبالجمع (الرياح) لأنها مختلفة المجاري والمنافع.
فيُقال في الرحمة (رياح)؛ لتعددها، فهي الجنوب، والشمال، والصَّبا، أمّا ريح العذاب فهي واحدة شديدة ملتئمة الأجزاء كأنها جسم واحد (١).
قال القرطبي: "مَن وَحَّد الرِّيحَ فلأنّه اسمٌ للجنس يدل على القليل والكثير، ومَن جمعَ فلاختلاف الجهات تَهُبُّ منها الرياح". اهـ (٢)
وقال ابنُ القيم: "يخبر الله -سُبحانه- عَن ريَاح الرحمة بصيغة الجمع لاختلاف منافعها وما يحدث منها؛ فريح تثير السَّحاب، وريح تلقحه، وريح تحمله على متونها، وريح تغذى النَّبات، ولماّ كانت الرِّياح مختلفة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحِدَّتها، وَيبقى لينها ورحمتها، فرياح الرحمة مُتعدِّدة.
وأمّا ريح العذاب فإنه ريح واحدة ترسل من وجه واحد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه، فلا تقوم لها ريح أخرى تقابلها وتكسر سَوْرَتهَا وتدفع حدَّتها، بل تكون كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء؛ يدمر كل ما أتى عليه". اهـ (٣)
стр. 489
ثانيًا: في كون القاعدة أغلبية:
كل مَن قرّر تلك القاعدة أشار إلى أنها أغلبية وليست على إطلاقها، فاستثنوا منها ما جاء في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ... [يونس: ٢٢]، حيث وردت الريح هنا مفردة في سياق الرحمة، وقد ذكروا العلة في إفراد الريح في هذا الموضع، فقالوا بأنها أفردت هنا مع الفُلك؛ لأن ريح إجراء السفن إنما هي واحدة متصلة، ثم وصفت بالطيب فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب (١).
قال ابنُ القيم: " تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد؛ لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها؛ فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد، فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك، فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح، وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب؛ دفعا لتوهم أن تكون ريحا عاصفة، بل هي مما يفرح بها لطيبها". اهـ (٢)
стр. 490
ثالثاً: مناقشة قولي ابن عطية والسمين، والترجيح:
أمّا قول ابن عطية ومَن وافقه: فلو صحّ أنّ تلك القاعدة أغلبية، فذلك من اجتهادهم ورأيهم، أمّا احتجاجهم بالحديث فلا يصح.
وكذا ردَّ أبو جعفر النحاس على مَن احتج بذلك الحديث بأنه ضعيف ولا أصل له (١).
أمّا استدراك السمين على ابن عطية بأنّ ما قاله يرده اختلاف القراء: فإن ابن عطية قد ثنّى بذكر اختلاف القراء في هذه اللفظة بعد قوله مباشرة حيث قال: "وأما القراء السبعة فاختلفوا؛ فقرأ نافع (الرِّياحِ) في اثني عشر موضعا: هنا وفي الأعراف: ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وفي إبراهيم: (اشتَدّتْ به الرياح) [إبراهيم: ١٨]، وفي الحجر: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وفي الكهف: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وفي الفرقان: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [الفرقان: ٤٨]، وفي النمل: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [النمل: ٦٣]، وفي الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]، ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم: ٤٨]، وفي فاطر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩] وفي الجاثية: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [الجاثية: ٥]، وفي حم عسق: (يُسكِن الرياح) [الشورى: ٣٣].
وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر موضعين من هذه بالإفراد: في إبراهيم، وفي حم عسق، وقرؤوا سائرها كقراءة نافع.
стр. 491
وقرأ ابن كثير بالجمع في خمسة مواضع: هنا وفي الحِجر، وفي الكهف، وفي الروم الحرف الأول، وفي الجاثية، وباقي ما في القرآن بالإفراد.
وقرأ حمزة بالجمع في موضعين: في الفرقان وفي الروم الحرف الأول، وأفرد سائر ما في القرآن، وقرأ الكسائي كحمزة وزاد عليه في الحجر: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢].
ولم يختلفوا في توحيد ما ليس فيه ألف ولام (١) ". اهـ (٢)
ويُعترض على ابن عطية ترجيحه قراءة الجمع (الرياح) على قراءة الإفراد (الريح) وهي قراءة صحيحة ثابتة معتمدًا على تلك القاعدة التي ذكرها! حيث قال: "قراءة الجمع أوْجَه؛ لأن عُرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب" اهـ (٣)، ومثل هذا الترجيح بين القراءات الصحيحة لا ينبغي.
قال الآلوسي: "في كلام ابن عطية غفول عن التأويل الذي تتوافق به القراءتان ... ولا يسوغ أن يُقال في تلك القراءة أنها أوجَه مِن القراءة الأخرى مع أن كلاً منهما متواتر". اهـ (٤)
стр. 492
أمّا ما قاله السمين والفراء (١) مِن قبله بأن الرياح مجموعة لم تأتِ مع العذاب أصلاً، والريح أتت في سياق الرحمة والعذاب: فهذا الكلام أدق مِن سابقه إلا أنه ينتقض بقراءة أبي جعفر: (قاصِفًا مِن الرياح) (٢) [الإسراء: ٦٩] بالجمع في سياق العذاب.
والصواب أنّ القول بأن الريح تأتي مفردة مع العذاب ومجموعة مع الرحمة لا يثبت حتى كقاعدة أغلبية؛ نظرًا لأن اختلاف القراء العشرة في هذه اللفظة لم يكن في مواضع قليلة بل كان في أكثر من أحد عشر موضعًا، ولا ينبغي أن نُقعّد قاعدة في ألفاظ القرآن اعتمادًا على بعض القراءات الصحيحة دون بعضها الآخر.
والأصوب أن تُجعل هذه القاعدة على قراءة حفص وحده دون التعميم، فيُقال: على قراءة حفص: كل ما جاء من لفظة (الريح) مفردًا فهو في سياق العذاب، وما جاء مجموعاً فهو في سياق الرحمة، باستثناء ما جاء في آية يونس: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وذلك الإفراد جاء لعلة وحكمة - سبق ذكرها-.
علمًا بأنّ هناك مواضع وردت فيها هذه اللفظة مفردة ومجموعة في سياقات أخرى غير الرحمة والعذاب، كسياق الأمثال، كما في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١].
* * *
стр. 493
[٢]: قال ابنُ عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣]: "ذكر الله -تعالى- عن هذه الطائفة من أهل الكتاب، أنهم قالوا: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة". اهـ (١)
وقال السمينُ الحلبيّ: "واختلفوا في الجملة مِن قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ هل هي مِن مقولِ الطائفة أم من مقول الله - تعالى-، على معنى أن الله - تعالى- خاطب به المؤمنين تثبيتاً لقلوبِهم وتسكيناً لجأشِهم؛ لئلا يَشُكُّوا عند تلبيس اليهود عليهم وتزويرهم؟ وقد نَقلَ ابنُ عطية الإِجماعَ من أهلِ التأويل على أنه من مقول الطائفة، وليس بسديدٍ لما نقله الناسُ من الخلاف". اهـ (٢)
стр. 494
دراسة الاستدراك:
اختلف المفسرون في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هل هو من كلام الطائفة، أم خطاب من الله - تعالى- للمؤمنين؟
فذهب الجمهور إلى أن ذلك من قول الطائفة (١)، ثم اختلفوا في تفصيل هذا القول؛
فقال بعضهم: هو قول رؤساء اليهود وأحبارهم للسفلة منهم (٢)، وقال آخرون: هو قول يهود خيبر ليهود المدينة (٣).
قال الطبري: "يعني بذلك - جلَّ ثناؤه-: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديًّا.
وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ ". اهـ (٤)
وقال الفخر الرازي: "المعنى: ولا تُصَدِّقُوا إلا نبيّاً يُقَرِّرُ شرائع التوراة، فأمّا مَن جاء بتغيير شيءٍ من أحكام التوراة فلا تُصَدِّقُوه". اهـ (٥)
стр. 495
وقال الشوكاني في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: " هذا من كلام اليهود بعضِهم لبعض، أي: قال ذلك الرؤساء للسفلةِ: لا تُصَدِّقُوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينَكم مِن أهل الملة التي أنتم عليها، وأمّا غيرهم ممن قد أسلم فأظهِروا لهم خداعًا وجهَ النهار واكفروا آخره؛ ليَفتَتِنُوا". اهـ (١)
وقد نقل ابنُ عطية إجماعَ المفسرين على أنّ ذلك من مقول الطائفة (٢)، واعترض عليه السمين قائلاً: "وليس بسديدٍ؛ لما نقله الناسُ مِن الخلاف". اهـ (٣)
ولم يتفرد ابنُ عطية بنقل الإجماع على ذلك، فقد وافقه الفخر الرازي (٤)، وغيره (٥).
قال الفخر الرازي: "اتفقَ المفسرون على أنّ هذا مِن بقية كلام اليهود". اهـ (٦)
وقد رجّح الطبري أنّ يكون كل ما جاء في الآية هو خبر من الله عن قول الطائفة باستثناء قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وقال: "وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها؛ لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على