← Акыда

Акыда · id 1301

التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (265 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يعذب أحدًا لحاجته إلى التعذيب، أو لمنفعة تعود إليه تعالى، كلَّا؛ فذلك ممتنع؛ لكمال عدله وكمال غناه. وأما ما علَّل به تقديم الشكر على الإيمان من أن الشكر وسيلة إلى الإيمان، فالظاهر العكس؛ فإن الإيمان بالله ورسله أعظمُ باعث على الشكر، وحينئذ فيمكن أن يقال في تقديم الشكر على الإيمان وإن كان ثمرة للإيمان: فإنه يتضمن درجة الكمال من الإيمان، وكمال الإيمان أعلى من مطلق الإيمان، ويؤيد هذا التوجيه قوله تعالى في نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقوله ﷺ : ((أفلا أكون عبدا شكورًا)) (١)، فجعل ﷺ الشكر غاية مطلوبه (٢).

стр. 107

سورة المائدة (٤٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين (٢٧)﴾ [المائدة]؛ استدَلَّ بها المعتزِلةُ وغيرُهم على أنَّ العاصيَ لا يُتقبَّلُ عمَلُهُ. وتأوَّلها الأشعريَّة: بأن التقوى هنا يراد بها: تقوى الشِّرْك) (١). قولُهُ: (استدَلَّ بها المعتزِلة … ) إلخ: ذكر المؤلِّفُ قولَ المعتزِلةِ وقولَ الأشاعِرة، وظاهِرُ كلامِه: أنه يرُدُّ قولَ المعتزِلة، ويرضى قولَ الأشاعِرة. وقولُ المعتزِلة ظاهِرُ الفساد؛ لأنه مبنيٌّ على أنَّ العاصيَ عندهم ليس بمؤمِنٍ، وشرطُ قَبُولِ العمَلِ: الإيمانُ. وأمَّا قولُ الأشاعِرةِ: فصحيحٌ مِنْ جهةِ أنَّ الشركَ يُحبِطُ العمَل.

стр. 108

لكنَّ هذا القولَ يقتضي أنَّ مَنْ لم يكن مشرِكًا، فاللهُ يَقبَلُ عمَلَهُ مطلَقًا. وليس هذا بمستقيمٍ؛ فإنَّ المؤمِنَ الموحِّدَ قد يَعرِضُ له في العملِ ما يُبطِلُه؛ كالرياءِ، والمَنِّ والأَذَى في الصَّدَقة، ومخالَفةِ السُّنَّة. ومِن الخطأ في فهمِ الآيةِ: ظنُّ بعضِ الناسِ أنَّ المرادَ أنَّ اللهَ لا يتقبَّلُ إلا مِنْ تَقِيٍّ فاعلٍ للمأمورات، تاركٍ للمعاصي؛ وهذا يَؤُولُ إلى قول المعتزِلة. والصوابُ في الآية: أنَّ اللهَ لا يتقبَّلُ إلا ممَّن اتقَى اللهَ في عمَلِهِ ذلك؛ بأنْ أتى به على الوجهِ المشروع؛ خالصًا صوابًا، ولم يأتِ بما يُبطِلُه، والله أعلم.

стр. 109

(٤٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد ﵉. ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أَخلصوا لله، وهي صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود؛ لأنهم بخلاف هذه الصفة. وليس المراد هنا: الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى؛ لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول إبراهيم ﵇: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]) (١). قوله: (ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أَخلصوا لله … إلى آخره) يريد: ﵀ أن ليس معنى: أسلموا؛ أي: دخلوا في الإسلام كما يقال للكافر أسلم لأنهم لم يزالوا مسلمين فلا بد من تأويل ﴿أَسْلَمُوا﴾ ب «أخلصوا»، وقوله ﵀: (صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود) يعني: أن اليهود يدعون الإسلام، ولكنهم لم يخلصوا دينهم لله، وعلى هذا فلا إشكال في كلام المؤلف فلا يحتاج إلى تعليق.

стр. 110

(٤٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس: نزلت الثلاثةُ في اليهود؛ ﴿الْكَافِرُون﴾، و ﴿الظالمون﴾، و ﴿الفاسقون﴾ (١). وقد روي في هذا أحاديثُ عن النبي ﷺ (٢). وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلَّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان) (٣).

стр. 111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: (إلَّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان) في هذا الإطلاق نظر؛ فإن حكم المسلم بغير شرع الله له أحوال: منها ما هو كفر أكبر، أي: ردة عن الإسلام، وذلك إذا اتخذ قانونًا بدلًا عن الشريعة، يحكم بهذا القانون، ويفرض الحكم به والتحاكم إليه، ولو خالف حكم الشريعة. وتارة يحكم القاضي المسلم في قضية جزئية بخلاف ما يعلمه من حكم الشريعة لهوًى من محاباة صديق أو قريب، أو لرشوة تبذل له، فهذا معصية، ويمكن أن يقال: كفر دون كفر، وعليه ينزَّل قول ابن عباس في الآية: «كفر دون كفر» (١)، وقد فات المفسِّرَ ﵀ مراعاة هذا التفصيل الذي نبَّه عليه بعض أهل العلم في هذا العصر؛ لما ابتليت به الأمة في كثير من البلاد الإسلامية من تحكيم القوانين المخالفة لشريعة الإسلام، وإعطاء هذه القوانين كل ما يجب بشريعة الله من وجوب الحكم بها، والتحاكم إليها، والرضا، وعقوبة من خالفها، وفي حكم من وضع القانون وفرضه مَنْ رضي

стр. 112

به وحكم به (١). نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمنَّ علينا بالعفو والعافية في ديننا ودنيانا.

стр. 113

(٤٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] تغليظٌ في الوعيد، فمن كان يعتقد مُعتقَدهم فهو منهم من كل وجه، ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبَّهم فهو منهم في المقت عند الله، واستحقاقِ العقوبة) (١). قوله ﵀: (تغليظ في الوعيد) إلخ، وجهه: أن ظاهر الآية كفرُ كلِّ من يتولاهم، والتولي درجات، فلا بد من التفصيل في حكم المتولِّي، ولهذا فصَّل ﵀، وفرَّق بين من تولَّاهم بموافقتهم على اعتقادهم، فقال: إنه منهم من كل وجه، فيكون كافرا كَكُفر اليهود والنصارى، أمَّا من لم يوافقهم لكن أحبَّهم، فلا يكون كذلك، أي: كافرا، لكن يشركهم في الوعيد، فيكون ممقوتًا عند الله؛ لمحبته أعداءه، وهذا تفصيل حسنٌ، لكنه غير كافٍ ولا شافٍ؛ لأنه جعل التولِّي على درجتين، والتولِّي أكثر من ذلك؛ فإنه يكون بالدخول في دينهم، وحينئذ يكون منهم حقيقة، ويكون بإظهار الرضا عن دينهم مصانعة لهم، وبهذا يرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، وتارة يكون بنصرهم في حربهم للمسلمين، وهذا كالذي قبله، وتولي المنافقين من هذا القبيل.

стр. 114

وتارة يكون بمحبتهم المحبة الطبيعية لقرابة أو منفعة دنيوية، وهذه المحبة تكون معصية إذا اقترنت بترك واجب كالجهاد في سبيل الله أو فعل محرم؛ كطاعتهم فيما لا يصل إلى نوع من الكفر؛ فإن طاعتهم في الكفر كفر، وطاعتهم فيما دونه معصية، وهذا مقام عظيم، أعني حكم تولِّي الكفار؛ فإنه يتفاوت تفاوتًا عظيمًا بحسب ما يقوم بالقلوب، وبحسب ما يظهر من الأقوال والأعمال، فأمر تولي الكافرين مقام عظيم يجب التفقه فيه، والحذر من الوقوع فيه.

стр. 115

(٤٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]: (عبارةٌ عن إنعامِهِ وجُودِه؛ وإنما ثُنِّيَتِ اليدانِ هنا، وأُفرِدَتْ في قول اليهود: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ ليكونَ ردًّا عليهم، ومبالَغةً في وصفِهِ تعالى بالجُود؛ كقول العرَب: فلانٌ يُعطِي بكلتا يدَيْهِ: إذا كان عظيمَ السَّخَاءِ) (١). قولُهُ في تفسير بسط اليدين: (عبارةٌ عن إنعامِهِ وجُودِهِ … ) إلخ: إنْ أراد بذلك تفسيرَ اليدَيْنِ، فهذا تأويلٌ يجري على طريقةِ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (٢)؛ فإنَّهم يَجمَعون بين التعطيلِ والتحريفِ. وإنْ أراد ما يدلُّ عليه بسطُ اليدَيْنِ من الجودِ كثرةِ الإنفاقِ، فهو معنًى صحيحٌ؛ يؤيِّدُهُ قولُهُ تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، ولا يقتضي ذلك نفيَ حقيقةِ اليدَيْنِ؛ وسياقُ كلامِ المؤلِّفِ يُشعِرُ بالنفيِ،

стр. 116

ولْيُرْجَعْ في معرِفةِ حقيقةِ مذهبِهِ إلى كلامِهِ عندَ قولِه تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]: فإنه قال هناك: «قولُه: ﴿بِيَدَيَّ﴾ مِنْ المتشابِه الذي ينبغي الإيمانُ به، وتسليمُ علمِ حقيقتِهِ إلى الله. وقال المتأوِّلُونَ: هو عبارةٌ عن القُدْرة». اه. وقال نظيرَ ذلك عند قولِهِ تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١] (١). ويظهَرُ مِنْ ذلك: أنَّ ابنَ جُزَيٍّ يذهبُ إلى التفويضِ، وحقيقتُهُ: إجراءُ النصوصِ ألفاظًا مِنْ غير فَهْمٍ لمعناها. والتفويضُ والتأويلُ مذهبانِ لنفاةِ الصفاتِ؛ كلِّها أو بعضِها.

стр. 117

(٥٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]: (أي: تَعلَمُ معلومي، ولا أَعلَمُ معلومَك، ولكنه سَلَكَ باللفظِ مسلَكَ المشاكَلةِ؛ فقال: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾؛ مقابَلةً لقولِه: ﴿فِي نَفْسِي﴾) (١). قولُهُ في تفسيرِ الآية: (أي: تَعلَمُ معلومي، ولا أعلَمُ معلومَك … )، إلخ: هذا تفسيرٌ منه للموصولِ في الموضعَيْنِ: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾، و ﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ فيكونُ المعنى: تَعلَمُ الذي أَعْلَمُه، ولا أَعلَمُ الذي تَعلَمُه، وهذا يَشمَلُ ما يُبدِي وما يُخفِي، وهذا أعَمُّ مما يدلُّ عليه لفظُ الآية. واللهُ تعالى يعلمُ ما يبديهِ العبدُ وما يخفيهِ: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. والعبدُ يعلمُ مِنْ معلومِ اللهِ ما أعلَمَه به، ولا يعلمُ العبدُ ما يخفيهِ سبحانه؛ فلا يعلمُ ما استأثَرَ اللهُ بعلمِه، ولا كلَّ ما أَعلَمَ به بعضَ عبادِه؛ فقولُ عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: ما أُخْفِيهِ، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: ما تُخْفِيهِ.

стр. 118

ولم يذكُرِ المؤلِّفُ ﵀ معنى «النَّفْسِ» في الآية، وأَلْيَقُ معاني «النَّفْسِ» في مثلِ هذا السياق: أنْ يرادَ بها الذاتُ؛ كما يقالُ: جاء محمَّدٌ نَفْسُهُ، وهذا الشيءُ نَفْسُ ذاك؛ أي: هو هو، ومِن هذا القبيلِ قولُهُ تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]، وما ذُكر من تفسير النفس بالذات نقله شيخُ الإسلام ابن تيمية عن جمهور العلماء (١)، والله أعلم.

стр. 119

سورة الأنعام (٥١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: ( … ثُمَّ أقام عَلَيه الحُجَّة بقولِهِ: ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين (٧٦)﴾ [الأنعام] أي: لا أُحبُّ عبادةَ المتغيِّرين؛ لأن التغيُّرَ دليلٌ على الحدوثِ، والحدوثُ ليسَ مِنْ صفاتِ الإلهِ، ثُمَّ استمرَّ على ذلك المنهاجِ في القمرِ وفي الشَّمسِ، فلمَّا أوضح البرهانَ، وأقامَ عليهم الحُجةَ، جاهَرَهم بالبراءَةِ مِنْ باطلِهم؛ فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون (٧٨)﴾ [الأنعام]، ثُمَّ أعلَنَ بعبادتِهِ لله وتوحيدِهِ له فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ووصف اللهَ تعالى بوصْفٍ يقتضي توحيدَهُ وانفرادَهُ بالملْك. فإن قيل: لمَ احتَجَّ بالأُفولِ دُون الطُّلوع، وكلاهما دليلٌ على الحدُوث؛ لأنهما انتقالٌ مِنْ حَالٍ إلى حال؟ فالجواب: أنه أظهرُ في الدلالة؛ لأنه انتقالٌ مع اختفاء واحتجاب) (١).

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: ( .. ثم أقام عليهِ الحجةَ بقوله: ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين (٧٦)﴾ أي: لا أحب عبادةَ المتغيِّرين؛ لأن التغيُّرَ دليلٌ على الحدوثِ)، إلخ، عليه في هذا الكلام مأخذان: أحدهما: تفسير الأفول بالتغيُّر، وهو من التَّفسيرِ باللازم؛ فإنَّ أفلَ في اللغة بمعنى: غاب (١)، والأُفُولُ هو: الغيابُ بعْدَ الظُّهور، فعليه؛ يكون ﴿قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين (٧٦)﴾ أي: الغائبين بعد الظهور (٢). الثاني: جزمُه بأنَّ كلَّ متغيِّرٍ محدَثٌ؛ فيقتضي ذلك نفيَ التغيُّرِ عن اللهِ، وابنُ جزي وأمثالُه يطلقون نفيَ التغيُّرِ عنِ الله بهذه الشُّبهة (٣)،

стр. 121

والصواب: أنَّ التَّغيُّرَ مِنْ الألفاظِ المحدَثةِ المجمَلَةِ التي لا تجوز إضافتُها إلى الله، لا نفيًا ولا إثباتًا، إلا بعد الاستفصال عن مُرادِ المتكلِّمِ بها؛ فإنْ أرادَ حقًّا قُبِل، وإنْ أرادَ باطلًا رُدَّ، وإن أرادهما؛ مُيِّز الباطلُ مِنْ الحقِّ. فعلى هذا؛ إنْ أُريد بالتغيُّرِ: قيامُ الأفعالِ الاختياريَّةِ بهِ سبحانه؛ فالنفيُ باطلٌ، والإثباتُ حقٌّ، وإنْ أُريد بالتغيُّر: النقصُ بعدَ الكمالِ في ذاتِه تعالى وصفاتِه = فالنَّفيُ حقٌّ، والإثباتُ باطلٌ (١)، وابنُ جزي وأمثالُهُ هُمْ مِنْ نُفاة الصِّفاتِ الفعليَّةِ في الجُملَة.

стр. 122

(٥٢) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُون (١٣١)﴾ [الأنعام]: (﴿بِظُلْمٍ﴾، فيه وجهان: أحدُهما: أنَّ اللهَ لم يكنْ لِيُهْلِكَ القُرى دون بعثِ رسلٍ إليهم؛ فيكونَ إهلاكُهم ظُلْمًا؛ إذْ لم يُنذِرْهم؛ فهو كقولِه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾ [الإسراء]. والآخَر: أنَّ اللهَ لا يُهلِكُ القُرى بظلمٍ إذا ظلَمُوا دون أن يُنذِرَهم؛ ففاعلُ الظُّلْمِ - على هذا -: أهلُ القُرى، وغَفْلَتُهم: عدَمُ إنذارِهم. حكى الوجهَيْنِ ابنُ عطيَّةَ (١) والزمخشريُّ (٢)، والوجهُ الأوَّلُ صحيح على مذهبِ المعتزِلة، ولا يصحُّ على مذهبِ أهلِ السُّنَّة؛ لأنَّ اللهَ لو أهلَكَ عبادَهُ بغيرِ ذنبٍ، لم يكنْ ظالمًا عندَهم) (٣). قولُه: (ولا يصحُّ على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ)، يريدُ: الأشاعرةَ؛ فمِن مذهَبِهم: أنَّ كلَّ ممكِنٍ جائزٌ على الربِّ فِعْلُهُ؛ فعندَهم: يجوز أن يعذِّبَ

стр. 123

أولياءَه، وأن ينعِّمَ أعداءَه (١)؛ فعليه: يجوزُ أن يعذِّبَ مَنْ شاءَ بغيرِ ذنبٍ، أو يعذِّبَهُ بذنبِ غيرِه. ومنشأُ هذا المذهَبِ: هو أنَّ مَرَدَّ أفعالِ الله تعالى وشَرْعِهِ عندهم محضُ المشيئة؛ فلا حِكْمةَ ولا غايةَ في مفعولاتِهِ ومأموراتِه، والظلمُ عندَهم هو المستحيلُ لذاتِه؛ كالجمعِ بين النقيضَيْنِ؛ قال ابن القيِّم: وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ المُحَالُ لِذَاتِهِ … أَنَّى يُنَزَّهُ عَنْهُ ذُو السُّلْطَانِ؟ (٢) وأمَّا الظلمُ عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، فهو أن يعذِّبَ أحدًا بغيرِ ذنب، أو أن يعذِّبَهُ بذنبِ غيرِه (٣)، وقد حرَّم اللهُ تعالى ذلك على نَفْسِه؛ قال في الحديثِ القدسيِّ: ((يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا)) (٤)، وقد نزَّه اللهُ نَفْسَهُ عن الظلمِ في آياتٍ كثيرة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِين (١٠٨)﴾ [آل عمران]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد (٤٦)﴾ [فصلت]. والظلمُ عند أهلِ السُّنَّةِ: مقدورٌ لله، لكنَّه لا يَفعَلُهُ؛ لكمالِ عدلِهِ وحكمتِه (٥) وأمَّا الظلمُ عند الأشاعِرة: فهو غيرُ مقدورٍ له؛ لأنه عندهم

стр. 124

من الممتنعِ لذاتِه (١). والمدحُ والكمالُ إنما يكونُ في تركِ الظلمِ مع القُدْرةِ عليه.

стр. 125

سورة الأعراف (٥٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ حيثُ وقَع: حمَلَهُ قومٌ على ظاهِره؛ منهم ابنُ أبي زَيْدٍ (١) وغيرُه. وتأوَّلَهُ قومٌ: بمعنى: قصَدَ؛ كقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩]. ولو كان كذلك، لقال: ثُمَّ استَوَى إلى العرش. وتأوَّله الأشعريَّة: أنَّ معنى استَوَى: استَوْلَى بالمُلْكِ والقُدْرةِ.

стр. 126

والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم، وللهِ دَرُّ الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ في قولِهِ للذي سألَهُ عن ذلك: «الاستواءُ معلوم، والكيفيَّةُ مجهولة، والسؤالُ عن هذا بِدْعة» (١). وقد رُوِيَ مثلُ قولِ مالكٍ عن أبي حَنِيفة (٢)، وجَعْفَرٍ الصادق، والحسَنِ البَصْري (٣). ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواءِ، بل أمسَكُوا عنه؛ ولذلك قال مالك: «السؤالُ عنه بِدْعة») (٤). قولُهُ: (﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ حيثُ وقَع … ) إلخ: ذكَرَ فيه مذاهب: الأوَّل: إجراؤُهُ على ظاهِرِه، ونسَبَهُ لابنِ أبي زَيْدٍ المالكي.

стр. 127

الثاني: مذهبُ أهلِ التأويل، ومنهم الأشاعِرة، وبعضُهم قال: استَوَى: قصَدَ، وقالتِ الأشاعِرة: استَوَى بالمُلْكِ والقُدْرة (١). الثالث: مذهبُ الصحابةِ والأئمَّة، وهو الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ، وقرَّر هذا القولَ بقوله: «والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم». وكلامُهُ هنا متردِّدٌ بين الإثباتِ مِنْ غيرِ تكييف، وبين التفويض؛ ولذا استشهَدَ بقولِ الإمامِ مالكٍ وغيرِه: «الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول»، ولكنه قال: «ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواء، بل أمسَكُوا عنه»، قال: «ولذا قال مالك: والسؤالُ عنه بِدْعة». ومفهومُ كلامِ المؤلِّف ﵀: أنَّ السؤالَ عن معنى الاستواءِ بِدْعة. وهذا خطأ؛ فالذي سُئِلَ عنه مالك، وقال: «السؤالُ عنه بِدْعة» هو الكيفيَّة؛ لأنه قال: «الاستواءُ معلوم»؛ أي: معناه، «والكَيْفُ مجهول، والسؤالُ عنه بِدْعة»؛ أي: السؤالُ عن الكَيْف (٢). وقد أخطَأَ ابنُ جُزَيٍّ ﵀ أيضًا في زعمِهِ: أنَّ الصحابةَ والتابِعِينَ لم يتكلَّموا في معنى «استَوَى» (٣).

стр. 128

والصوابُ: هو إثباتُ الاستواءِ للهِ على العَرْشِ بمعناه المعلومِ - وهو: علا وارتفَعَ - مع نَفْيِ التمثيل، ونفيِ العلمِ بالكيفيَّة. ومَن يتدبَّرْ كلامَ ابنِ جُزَيٍّ، يُدرِكْ أنه إلى التفويضِ أميَلُ؛ أي: تفويضِ معنى الاستواء، أو هو قولُهُ الذي يقولُ به، والله أعلم.

стр. 129

(٥٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (واعلم أن الخوف على ثلاث درجات: الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطُر على القلب، ولا يؤثِّر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم. والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة، ويحمله على الاستقامة. والثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها. * والناس في الخوف على ثلاث مقامات: فخوف العامة: من الذنوب. وخوف الخاصة: من الخاتمة. وخوف خاصة الخاصة: من السَّابقة؛ فإن الخاتمة مبنيَّةٌ عليها. * والرجاء على ثلاث درجات: الأولى: رجاء رحمة الله مع التسبُّب فيها بفعل طاعته وترك معصيته؛ فهذا هو الرجاء المحمود. والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان؛ فهذا غرورٌ.

стр. 130

والثالثة: أن يَقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن؛ فهذا حرام. * والناس في الرجاء على ثلاث مقامات: فمقام العامة: رجاء ثواب الله. ومقام الخاصة: رجاء رضوان الله. ومقام خاصة الخاصة: رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه) (١). قوله ﵀: (الخوف على ثلاث درجات) إلخ، الخوف منزلة من منازل الإيمان، ومن أفضل أعمال القلوب، وأصله خوف الله، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وقول المؤلف: إنه على ثلاث درجات: صحيح. وقوله: ضعيف لا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر: هو صحيح أيضًا، ولكن قوله: وجوده كعدمه: فيه نظر؛ لأن هذا القدر من الخوف دليلُ الإيمان، وعدمه دليلٌ على عدم الإيمان. وقوله: (الثانية: أن يكون قويًّا) إلخ: صحيح. وقوله: (الثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس) إلخ: صحيح، ولكن قوله: (لا يجوز): فيه قصور، بل القنوط من رحمة الله

стр. 131

كبيرة من كبائر الذنوب، وقد يؤول إلى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف]. وقول المؤلف: (خير الأمور أوساطها): حقٌّ. وقوله: (والناس في الخوف على ثلاث مقامات). في هذا التصنيف نظر؛ فإن تقسيم المؤمنين إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة من مصطلحات الصوفية؛ فجميع المؤمنين يخافون من الذنوب، ومن سوء الخاتمة، ومما سبق به القدر من السعادة والشقاوة، وأصل الخوف هو خوف الله وخوف عذابه، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والذنوب لا يعصم منها إلا الله، وما وقع منها فبقدر الله، وأمر الخاتمة إلى الله، فعاد الأمر كلُّه لله، ولا ريب أن المؤمنين متفاضلون في الخوف الواجب، وهو ما تضمَّنته الدرجة الثانية، لا الخوف الضعيف ولا الشديد؛ فأهل هذه الدرجة منهم الكُمَّل، ومنهم المقصِّرون، ومنهم المقتصدون، على حد قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر]. وقوله: (والرجاء على ثلاث درجات) إلخ: الرجاء منزلة من منازل قلوب السائرين إلى الله، وهو طمع في محبوب، وهو مقابل للخوف؛ لأنه حذر من مرهوب، وكلٌّ منهما - أعني الخوف والرجاء - من العبد مطلوب، وقد أثنى الله على الراجين أعظم من ثنائه على الخائفين؛

стр. 132

لأن مبنى الرجاء حسنُ الظن بالله، وقد ورد ذكر الرجاء في القرآن في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]. وقد جعل المفسِّر الرجاء ثلاث درجات باعتبار ما يُحمد وما يُذم: فالمحمود منها هو الدرجة الأولى، وهو الرجاء مع التصديق بالعمل، والثانية مذمومة؛ لأنه رجاء مع التفريط، فهو رجاء كاذب، وحقيقته التمنِّي، والدرجة الثالثة قال فيها المفسِّر: حرام؛ لأنه متضمِّن لعدم الخوف من الله، وحقيقته الأمن من مكر الله، وهو من كبائر الذنوب، واقتصار المؤلف فيه على مطلق التحريم تقصير. ثم جعل الناس في الرجاء ثلاثة مقامات، وذلك باعتبار متعلَّق الرجاء عندهم؛ وهي: مقام العامة، ومقام الخاصَّة، ومقام خاصَّة الخاصَّة، وفي هذا التقسيم جرى المؤلف على طريقة الصوفية بذكر الخاصَّة وخاصَّة الخاصَّة، وهو تعبير لا يعرف في كلام السلف من الصحابة والتابعين، وأيضًا: لم يحرر المؤلف متعلَّق الرجاء، ولم يذكر دليله؛ فإنَّ رضا الله ولقاءه - وهما مطلب أهل المقام الثاني والثالث - داخلان في المعنى العام للثواب الذي جعله المؤلف مطلب أهل

стр. 133

المقام الأول، وكأنه خصَّ الثواب بما في الجنة من المطاعم والمشارب والأزواج، والحقُّ أن الثواب لا يختص بذلك. نعم: بعض الثواب أعلى من بعض، ولهذا قال بعض المحققين من أهل العلم: إن النظر إلى الله تعالى ورضوانه داخل في معنى الجنة التي وعد الله بها المؤمنين؛ لأن كل من دخل الجنة نال رضوان الله، وفاز بلقائه (١). وأما الأدلة من القرآن على فضل الرجاء ومتعلَّقه فقد تقدمت الإشارة إليها أول التعليق.

стр. 134

(٥٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا، وأنها لو كانت محالًا لم يسألها موسى؛ فإن الأنبياء ﵈ يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل عليه) (١). قوله: (واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلاً) إلخ: من المعروف أن الأشاعرة يثبتون رؤية المؤمنين لربهم، مع أنهم في حقيقة الأمر لا يثبتون الرؤية التي دلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة، بل ولا الرؤية التي يدل عليها العقل؛ إذ يقولون: إنه تعالى يُرى لا في جهة، والحامل لهم على ذلك نفيهم العلو، ومعنى هذا أنه يُرى، لكن لا عن الأيمان، ولا عن الشمال، ولا فوق، فضلا عن التحت، وهذه رؤية لا حقيقة لها في العقل ولا في الشرع، ولهذا ألحقهم بعض أئمة السنة بمن ينفي الرؤية، كالمعتزلة (٢).

стр. 135

وقول المفسِّر: إن الأشاعرة استدلوا على جواز الرؤية عقلا بسؤال موسى ﵇ رؤية ربه، فيه تقصير من وجهين: أحدهما: تخصيص هذا الاستدلال بالأشاعرة؛ فأهل السنة يشاركونهم في ذلك. الثاني: أن هذه الآية هي الدليل على إثبات الرؤية، ولمثبتي الرؤية من أهل السنة والأشاعرة أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وقوله ﷺ : ((إنكم سترون ربكم)) (١). والحق أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، كما يقتضيه قوله ﷺ : ((إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب)) (٢)، وهذا من تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي؛ فرؤية المؤمنين لربهم كرؤية الناس للشمس والقمر من وجوه؛ كعدم الإحاطة، والرؤية من فوق، والوضوح (٣)؛ لذلك فلا يضامون في رؤيته، ولا يضارُّون، كما جاء في الحديث (٤). والله أعلم.

стр. 136

(٥٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: سمُّوه بأسمائه، وهذا إباحةٌ لإطلاق الأسماء على الله تعالى: فأمَّا ما ورد منها في القرآن أو في الحديث: فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا. وأمَّا ما لم يَرِد، وفيه مدحٌ لا تتعلَّق به شبهة: فأجاز أبو بكر ابن الطيب (١) إطلاقَه على الله. ومنع ذلك أبو الحسن الأشعريُّ وغيره، ورأوا أن أسماء الله موقوفةٌ على ما ورد في القرآن والحديث) (٢). قوله: (أي: سمُّوه بأسمائه) إلخ، هذا أحد التفسيرين في معنى ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والباء على هذا للتعدية، وقيل: ادعوه بها، أي: توسلوا

стр. 137

بها، كما تقول: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، والباء على هذا سببية (١)، ثم ما ذكره المؤلف من التفصيل في أسماء الله مستقيم، ومضمونه أنَّ الله لا يسمَّى إلا بما سمَّى به نفسه أو ما سمَّاه به رسوله ﷺ ، وهو معنى قول المؤلف: (موقوفة)، أي: توقيفية، وأما ما لم يرد في كتاب ولا سنة، وهو صفة مدح، فيجوز الإخبار به عن الله، ولا يعدُّ من أسمائه، كالقديم والمنشئ والمحْكِم والصانع (٢).

стр. 138

(٥٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين (١٨٣)﴾ [الأعراف]؛ سمَّى فِعْلَهُ بهم كَيْدًا؛ لأنه شبيهٌ بالكَيْدِ في أنَّ ظاهرَهُ إحسان، وباطِنَهُ خِذْلان) (١). قولُهُ: (سمَّى فِعْلَهُ بهم كَيْدًا … )، إلخ: هذا يتضمَّنُ أنَّ ما يفعلُهُ الربُّ بالكافِرِينَ مِنَ الاستدراجِ ليس بكَيْدٍ حقيقةً، بل هو مجرَّدُ تسميةٍ؛ فهو كيدٌ لفظًا لا معنًى. وهذا خطأ؛ لأنه صرفٌ لِلَّفْظِ عن ظاهِرِهِ بلا مُوجِب (٢)؛ كيف وقد أكَّده اللهُ بالمصدَرِ المؤكِّدِ كما في قولِهِ: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٦]؟! فهو تعالى يكيدُ الكافِرِينَ ويمكُرُ بهم؛ جزاءً على كَيْدِهم ومَكْرِهم؛ جزاءً وفاقًا.

стр. 139

سورة الأنفال (٥٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] أي: قَوِي تصديقهم ويقينهم، خلافًا لمن قال: إن الإيمان لا يزيد، وإن زيادته إنما هي بالعمل) (١). قوله: «قَوِي تصديقهم ويقينهم» إلخ، ما اختار المؤلف من إثبات زيادة الإيمان ومتعلَّقها، وهو إيمان القلب ويقينه هو الصواب، وقوله: «خلافًا لمن قال: إن الإيمان لا يزيد، وإن زيادته إنما هي بالعمل»، وهم المرجئة، ومنهم الأشاعرة، ويخصون زيادته بزيادة العمل، وما اختار المؤلف هو مذهب أهل السنة، فمن أصولهم أن الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف، ودلائل ذلك من الكتاب والسنة كثيرة معلومة، كقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله سبحانه: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : ((وذلك أضعف الإيمان)) (٢).

стр. 140

سورة التوبة (٥٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]: تسميةٌ للعقوبةِ باسمِ الذَّنْب) (١). قولُ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: (تسميةٌ للعقوبةِ باسمِ الذَّنْب): معنى كلامِهِ: أنَّ الله لا يَسْخَرُ حقيقةً بالمنافِقِين، بل هذا مِنْ تسميةِ العقوبةِ باسمِ الذَّنْبِ الذي ارتكَبُوهُ، وهو سُخْرِيَتُهم بالمؤمِنِينَ المتصدِّقين؛ وهذا معنى قولِ بعضهم: هذا مِنْ قَبِيلِ المشاكَلةِ؛ يَعْنُونَ: المشاكَلَةَ اللفظيَّة؛ كما قالوا مثلَ ذلك في المَكْرِ والكَيْدِ والاستهزاءِ والخِدَاع (٢). وليس هذا صوابًا، بل الصوابُ: أنَّ اللهَ يمكُرُ حقيقةً بالماكِرِينَ مِنْ الكافِرِينَ والمنافِقين، ويَخدَعُ المخادِعِين، ويَستهزِئُ بالمستهزِئِين، ويسخَرُ بالساخِرِينَ.

стр. 141

ومِن ذلك: إملاؤُهُ تعالى للكافِرِينَ واستدراجُهم، وإظهارُهُ سبحانه قَبُولَ ما أظهَرَهُ المنافِقُونَ مِنْ الإيمان، فيَحسَبُونَ أنهم خدَعُوا اللهَ بما أظهَرُوهُ مِنْ العمل، وهو تعالى محمودٌ على ذلك؛ لأنه عدلٌ. ومِن مكرِ اللهِ واستهزائِهِ بالمنافِقِينَ يومَ القيامةِ: أنهم يكونون مع المؤمنين، فيُعْطَوْنَ أنوارًا حتى يظنُّوا أنهم ناجُونَ، وليسوا بناجين؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ … ﴾ الآياتِ [الحديد: ١٣ - ١٥]. ومِن مكرِ الله بالكافِرِين: ما ذكَرَهُ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُون (٤٤)﴾ [الأنعام]، والله أعلم.

стр. 142

(٦٠) قال ابن جزي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]: (قيل: معناه: يأمر بها، وقيل: يقبلها من عباده) (١). قوله ﵀: (قيل: معناه: يأمر بها، وقيل: يقبلها من عباده) ذكَر في تفسير أخذ الله الصدقات قولين؛ أحدهما: أن معناه الأمر بها، والثاني: أنه يقبلها، ولم يرجِّح، ولا ريب أن تفسير الأخذ بالأمر صرفٌ للكلام عن ظاهره إلى معنى بعيد عن مدلول اللفظ، وأما تفسيره بالقبول، فهو قريب، فيكون من قبيل التجوز بالأخذ عن القبول؛ لأنه سببه، ومع ذلك فلا موجب لصرف اللفظ عن حقيقته، وهو الأخذ باليد، كيف وقد جاء التصريح بالأخذ باليمين في الحديث المتفق عليه، وهو قوله ﷺ : ((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه)) الحديث (٢)، وفي مسلم: ((إلا أخذها الرحمن بيمينه)) الحديث (٣)، فثبت أن الأخذ في الآية على حقيقته، ويؤيده أنه قد جاء التصريح بالأخذ باليد في غير الصدقة، وهو قوله

стр. 143

ﷺ : ((يأخذ الله سماواته وأرضيه بيديه)) الحديث (١)، فعلم ممَّا تقدم أن الأخذ فعلٌ من أفعال الرب تعالى التي تكون بمشيئته، وقائمة بذاته، فيجب فيها ما يجب في سائر الصفات، وهو إجراؤها على ظاهرها وإثباتها مع نفي التشبيه، ونفي العلم بالكيفية، ومما يؤكد ما سبق أن الله تعالى ذكر الأخذ مضافًا إلى الرسول ﷺ في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فدلَّ ذلك أن الأخذ من الأفعال التي تضاف إلى الخالق على ما يليق به، وتضاف إلى المخلوق على ما يليق به، كالحبِّ والرِّضا والاستواء، وليس الحب كالحب، ولا الرضا كالرضا، ولا الاستواء كالاستواء، وكذلك ليس الأخذ كالأخذ، والله أعلم.

стр. 144

سورة يونس (٦١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] أي: عبادة غير الله ضلالٌ بعد وضوح الحق. وتدلُّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة في علم الاعتقادات؛ إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع) (١). قوله: (وتدلُّ الآية على أنه ليس بين الحق والباطل منزلة) إلخ؛ ما قاله ﵀ من دلالة الآية على أنه لا واسطة بين الحق والباطل صحيح، وهو ظاهر الآية، كما قال، فمعنى الآية: فما لم يكن من الحق فهو باطل؛ فالحق والباطل نقيضان، لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فلا يكون الشيء حقًّا باطلًا، ولا يكون لا حقًّا ولا باطلًا، وهذا معنى قول المؤلف: إنه لا واسطة بين الحق والباطل، لكن المؤلف ﵀ قصر الآية على مسائل الاعتقاد دون مسائل الفروع، والصواب أن الآية

стр. 145

عامة، ولا ريب أن الاختلاف في العقائد اختلاف تضاد، فما خرج عن الحق الذي قام عليه الدليل فهو باطل، وأما الاختلاف في الفروع فهو نوعان: اختلاف تضاد، واختلاف تنوع (١)؛ فما كان من اختلاف التضاد فيدخل في معنى الآية، مثل من يقول في شيء: هذا حلال، ويقول المخالف: بل هو حرام، فما كان منهما هو الحق فالآخر باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾، ومعلوم أنه لا يمتنع أن يكون الشيء حلالًا حرامًا من وجه واحد، ولا يكون لا حلالًا ولا حرامًا، وعليه فلا يكون المختلفان في اختلاف التضاد مصيبَيْن، ولا يكون كلٌّ منهما مخطئًا؛ لأنه في الأول ينتفي النقيضان، وفي الثاني يجتمع النقيضان، وخلاصة القول أن ما علم أنه الحق بالدليل، فما خالفه فهو باطل ولا بد، وعليه فتبقى الآية على إطلاقها، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾.
следующие страницы →