← Акыда

Акыда · id 1301

التعليقات على المسائل العقدية في كتاب التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (265 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وهذا لا يُسلَّمُ له في الجانبَيْن؛ فمقاماتُ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ غايتُها إجلالُ اللهِ وتعظيمُه، والخضوعُ له والإقرارُ بربوبيَّتِهِ وكمالِ غناه؛ كيف وقد أثنى اللهُ على ملائكتِهِ بمقامِ الخوفِ؛ فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وأثنى اللهُ على أنبيائِهِ وأوليائِهِ بمقامِ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال عن رسلِهِ ﵈: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (١٢)﴾ [إبراهيم]. وأمَّا مقامُ المحبَّةِ - مع علوِّ قدرِهِ - فلا يُستغنَى به عن مقامِ الخوفِ والرجاءِ، كما تزعُمُ الصوفيَّة (١)، ومع ذلك: فللنفسِ حظٌّ في مقامِ

стр. 72

الحُبِّ، وهو ما تَجِدُهُ مِنْ اللذَّةِ في مشاهَدةِ جمالِ المحبوبِ وكمالِه؛ فلا بُدَّ مِنْ التعبُّدِ للهِ بكلِّ هذه المقامات؛ حبًّا ورجاءً وخوفًا وتوكُّلًا. قال بعضُ السلف: «مَنْ عبَدَ اللهَ تعالى بالحبِّ وحدَه، فهو زِنْدِيق، ومَن عبَدَهُ بالخوفِ وحدَه، فهو حَرُورِيٌّ، ومَن عبَدَهُ بالرجاء وحدَهُ، فهو مُرجِئٌ، ومَن عبَدَهُ بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ، فهو مُؤمِنٌ موحِّد» (١). * * * * *

стр. 73

(٢٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]: (عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم، وقيل: لا يكلِّمُهم بما يُحِبُّونه) (١). قولُهُ: (عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم … )، إلخ: فسَّر نفيَ الكلامِ بأحد وجهَيْن: - بالغضَبِ اللازمِ مِنْ تركِ الكلامِ؛ وهو مِنْ التفسيرِ باللازم. - أو بتركِ كلامٍ مخصوصٍ، وهو ما يُحِبُّونَهُ ويَسُرُّهم. والثاني هو المناسِبُ؛ لظاهِرِ اللفظ، والله أعلم (٢). * * * * *

стр. 74

(٣٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿كَمَا كُتِبَ﴾ القصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] تسهيلُ الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم، ومُلاطفةٌ جميلة) (١). قول ابن جزيٍّ: (وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم)، فيه نسبة الاعتذار إلى الله، ومعنى كلامه أن الله أخبر المؤمنين أنه كتب الصيام على من قبلهم اعتذارا منه إلى المؤمنين عن كتب الصيام عليهم، وفي نسبة الاعتذار إلى الله نظر؛ فإنه لم يرد نسبة الاعتذار إلى الله في شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإنما الذي ورد الإعذار، أي: إزالة العذر، وذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال ﷺ : ((لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين)) (٢) وبإمهال العبد في عمره إلى أمد يمكنه فيه التدارك، كما في الحديث: ((أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله، حتى بلغه ستين سنة)) (٣)، فلا حجة للعباد على الله، وقد أقام الحجة عليهم بإرسال

стр. 75

الرسل وبالإمهال، قال تعالى: ﴿رُّسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فلا عذر لمن كفر بالله وعصى رسله بعد إعذار الله إليهم. والاعتذار إنما يكون من الأدنى إلى الأعلى، فالواجب على العباد أن يعتذروا إلى ربهم بالاعتراف والتوبة من ذنوبهم، لا أن يعتذر الله إليهم بما فعله بهم؛ إذْ لم يفعل بهم إلا ما له فعله؛ لأنهم عبيده، كما قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهو سبحانه بصير بهم، كما قال: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير (٢٧)﴾ [الشورى]، وليس لأحد أن يقول: لمَ فعلتَ كذا يا ربَّنا، ولم شرعتَ كذا، على وجه الاعتراض، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون (٢٣)﴾ [الأنبياء]. * * * *

стр. 76

(٣١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]: (مقيَّدٌ بمشيئةِ الله، وموافَقةِ القَدَر؛ وهذا جوابُ مَنْ قال: كيف لا يُستجابُ الدعاءُ، مع وعدِ اللهِ بالاستجابة؟!) (١). قولُه: (مقيَّدٌ بمشيئةِ الله … )، إلخ: تضمَّنَ كلامُهُ هذا: أنَّ وعدَ اللهِ باستجابةِ دعاءِ الداعي: مشروطٌ بأمرين: - أوَّلًا: بمشيئةِ الله؛ وهذا حقٌّ؛ فإنَّ فِعلَهُ تعالى إنما يكونُ بمشيئةٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (١٨)﴾ [الحج]، وأدلَّةُ ذلك كثيرةٌ في القرآن. - ثانيًا: بموافَقةِ القَدَر؛ أي: أن يكونَ المطلوبُ قد سبَقَ القَدَرُ بكَوْنِه، وفي هذا إجمالٌ: فإنْ أراد: أنه مقدَّرٌ بدون هذا الدعاء، فهذا يَؤُولُ إلى أن يكونَ الدعاءُ لا أثَرَ له في حصولِ المطلوب؛ وهذا هو الظاهِرُ مِنْ مرادِه؛ فإنَّ هذا يَجرِي على مذهبِ نفاةِ تأثيرِ الأسباب، والدعاءُ مِنْ الأسباب، وهو مذهبُ الأشاعِرة (٢)، والظاهِرُ: أنَّ المؤلِّفَ ممَّن يذهَبُ هذا المذهَب.

стр. 77

وإنْ أراد: أنه مقدَّرُ الحصولِ بذلك الدعاءِ، فهو حقٌّ؛ لكن يصيرُ التقييدُ بذلك كالتقييدِ بالمشيئة؛ فإنه لا يكون إلا ما سبَقَ به القَدَر، كما لا يكونُ إلا ما شاءَهُ اللهُ تعالى؛ فتخلُّفُ المطلوبِ يَرجِعُ إلى أنَّ اللهَ لم يقدِّرْ حصولَهُ في سابقِ علمِهِ وكتابِه، وما كان كذلك، فإنه لا يشاؤُهُ سبحانه. فالمشيئةُ والقَدَرُ متلازِمان؛ فما شاءَهُ سبحانه، فقد سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، وما عَلِمَهُ وكتَبَهُ فإنه تعالى يشاؤُه؛ فلا يكونُ إلا ما يشاء، ولا يكونُ إلا ما سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، والله أعلم. * * * * *

стр. 78

(٣٢) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]: (﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]: تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا. وهي عند السلفِ الصالحِ ومَن تَبِعَهم: مِنْ المتشابِه؛ فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف. ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ﴾، بمعنى: يَطْلُبُونَ ذلك بجَهْلِهم؛ كقولِهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللّهُ﴾ [البقرة: ١١٨]. ﴿فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]: جمعُ ظُلَّة؛ وهي: ما عَلَاكَ مِنْ فوق؛ فإنْ كان ذلك لأمرِ الله، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه) (١). قولُه: (﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا … )، إلخ: ذكَرَ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ قولَيْن:

стр. 79

الأوَّل: تفسيرُ أهل التأويل؛ بما ذكَرَهُ مِنْ عذابِ اللهِ في الآخِرة، أو أمرِهِ في الدنيا؛ وهذه طريقةُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (١). الثاني: تفسيرُ أهل التفويض: أنَّ الآيةَ مِنْ المتشابِه، والمتشابِهُ عند المؤلِّفِ وأمثالِهِ: ما لا يَعْلَمُ معناه إلا اللهُ، وزَعْمَ ابنُ جُزَيٍّ أنَّ هذا هو مذهبُ السلفِ ومَن تَبِعَهم، ونسبةُ هذا إلى السلفِ باطلةٌ؛ فهذه الآيةُ وأمثالُها مِنْ نصوصِ الصفاتِ عند السلفِ مفهومةُ المعنى، وهم يُثبِتون ما دلَّت عليه مِنْ الصفاتِ والأفعال (٢). ولكنَّ قولَ المؤلِّف: (فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييفٍ)، كلامٌ حقٌّ يُشبِهُ ما جاء عن السلفِ في نصوصِ الصفات: «أَمِرُّوها كما جاءَتْ مِنْ غيرِ كَيْفٍ» (٣)، لكنْ يكون في كلامِ المؤلِّفِ نوعُ تناقُض:

стр. 80

فجَعْلُها مِنْ المتشابِهِ يقتضي عدَمَ الفهمِ لمعناها. وقولُهُ: (يجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف) يقتضي فهمَها وإثباتَ معناها (١). ففي تقريرِه لما زعَمَ أنه مذهَبُ السلفِ اضطرابٌ. وفي كلامِهِ ﵀ عن الآيةِ اضطرابٌ آخَر؛ فبينما يتعلَّقُ الكلامُ في: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، يَنتقِلُ إلى أن يكونَ متعلِّقًا بقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ وذلك في قولِه: (ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه)، ثم يفسِّر: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ب: «يَطْلُبون». والمعروفُ في اللغة والتفسيرِ: أنَّ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ المتعدِّيَ، معناه: يَنتظِرون (٢)؛ كقولِه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وفي هذا تهديدٌ للمكذِّبين. والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]. وقولُ المؤلِّف: (فإنْ كان ذلك لأمرِ اللهِ، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه)؛ يريدُ به:

стр. 81

- إنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمْ أمرُ الله، فلا إشكالَ في إتيانِ أمرِ اللهِ في الظُّلَلِ. - وإنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمُ اللهُ نفسُهُ، فهو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ اللهَ نفسَهُ لا يأتي في الظُّلَلِ مِنْ الغمامِ؛ لأن الظُّلَلَ مخلوقةٌ؛ واللهُ - سبحانه - لا يحيطُ به المخلوق. لعل هذا مرادَهُ ﵀؛ والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ويكونُ معنى قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ أي: مع ظُلَلٍ؛ ف «في» - على هذا - بمعنى: «مَعَ»، لا بمعنى «في» التي للظرفيَّة؛ كما يقتضيه كلام المؤلِّف (١)؛ وهذا مِنْ أحسَنِ ما عُبِّر به عن معنى «في» في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ وبذلك يَتَّجِهُ معنى الآية، ويزولُ ما يُتوهَّمُ فيها مِنْ إشكالٍ أو تشابُه. * * * *

стр. 82

(٣٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] عبارةٌ عن إماتتهم. وقيل: إن ملَكين صاحا بهم: «موتوا!»، فماتوا) (١). قوله: (عبارة عن إماتتهم) يريد أن القول عبارةٌ عن إماتتهم أو صيحة الملكين، وظاهره نفي حقيقة القول من الله، وتأويله بأحد الأمرين، فجعل القول المضاف إلى الله مجازًا، عبِّر به عن فعل الإماتة، أو عن قول الملكين، وكلٌّ من التأويلين لا دليل عليه، وهما صرف للكلام عن ظاهره بغير حجة، فتكون حقيقتهما تحريفًا للكلم عن مواضعه، والحق أن القول من الله حقيقة، وأنه تعالى تكلَّم بهذا الأمر الكوني: «موتوا»، ثم أحياهم، ولا أدري ما الذي ألجأ المؤلف إلى هذا التأويل؟ ولعله المذهب المشهور عند الأشاعرة في كلام الله أنه معنى نفسيٌّ (٢)، وما كان كذلك لا يكون قولًا، وإن كان الأمر كذلك لزم أن يُتَأول كل قول جاء في القرآن، ولا يخفى أنه لا يحصى، فكم في القرآن من إضافة القول إلى الله، ماضيًا ومضارعًا وأمرًا وخبرًا، وهذا أمر عظيم، أعني نفي حقيقة القول عن الله، وصرف هذه الآيات عن ظاهرها، وقد تبيَّن

стр. 83

أن هذا منهج ابن جزي عفا الله عنه في كل قول من الله تضمَّن أمرًا كونيًا، فانظر كلامه على قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ في سورة «البقرة»، وعلى قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ في سورة «براءة» (١)، فقد جعل القول في سورة «البقرة» عبارة عن المسخ، وفي سورة «براءة» جعله عبارة عن القضاء عليهم بالقعود. فسبحان الله العظيم عمَّا يقول الجاهلون والغالطون علوًّا كبيرًا. * * * *

стр. 84

(٣٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]: (﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾: إخبارٌ يرادُ به: الترغيبُ في الإنفاقِ) (١). ليس في العبارةِ إشكال، ووجهُ ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ: أنَّ الإنفاقَ سبَبٌ لبسطِ الرزقِ، والإقتارَ سبَبٌ لتضييقِه. * * * *

стр. 85

(٣٥) قال ابن جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: (﴿مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: مِنْ معلوماتِه؛ أي: لا يَعْلم عبادُه مِنْ معلوماته إلَّا ما شاء هو أنْ يَعلموه) (١). قوله: (﴿مِّنْ عِلْمِهِ﴾ مِنْ معلوماتِه .. ) إلخ: اقتصر المؤلفُ ﵀ على أحد القولين (٢)، وهو أنّ المراد ب ﴿عِلْمِهِ﴾: معلوماتُه سبحانه، وجَعَلَ المنفيَّ عن العباد هو علمهم بمعلومات الربّ، والمنفيُّ في الآية هو الإحاطة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، والإحاطة أخصُّ من مطلق العلم، ولكن كلٌّ منهما منتفٍ عن العباد، فلا يَعْلم العبادُ إلا ما علَّمَهُم اللهُ، ولا يحيطون بشيءٍ علمًا إلا بما شاء سبحانه. وفي الآية قولٌ آخَر: وهو أن المراد ب «العِلمِ» هو المتعلِّقُ بذاتِه - سبحانه - وأسمائِه وصفاتِه، فعلى هذا يكون المرادُ من العِلمِ: العلمَ الإلهي، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأمرين:

стр. 86

١ - لأن قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، ورد في أثناء آية الكرسي، التي هي أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على جماع أسماء الله وصفاته. ٢ - أن لهذا القول شاهدًا من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]. * * * * *

стр. 87

(٣٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤] عقيدة أهل السنة: أن السيئات لا تُبطِل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يَعلم الله مِنْ صاحبها أنه يمُنُّ أو يؤذي لا تقبل منه) (١). قوله: (السيئات لا تُبطِل الحسنات) فيه نظر؛ فنقول: دل القرآن على أن من السيئات ما يُحبط الحسنات، أي: يبطلها، فلا تقبل ولا يثاب عليها، وأعظم ذلك الردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال في مخاطبة المؤمنين للنبي ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُون (٢)﴾ [الحجرات]، وتأويل المؤلف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ بأن من علم الله أنه يمُن بصدقته أو يؤذي فإنه لا يقبل صدقته من أول الأمر= لا يخلِّص مما فرَّ منه، بل يتضمَّن معاني فاسدة؛ منها: تقدم الأثر على المؤثِّر، والمسبَّب على السبب، ومنها: أن الله لا يقبل عمل العبد قبل أن يكون منه السبب المانع من قبول عمله.

стр. 88

وعليه: فمن علم الله أنه يرتدُّ فإن الله لا يقبل عمله قبل أن تقع منه الردة. ومن علم الله أنه يمُن أو يؤذي في صدقته فإن الله لا يقبل صدقته من أول الأمر قبل أن يمُن أو يؤذي، وهذا خلاف ما فهمه السلف، وهو أن الله يقبل صدقة العبد المتصدق، فيستحق عليها الثواب، فإذا منَّ وآذى بطل عمله، وفات ثوابه، وقد ضُرب لذلك المثل الثالث في الآيات في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾، وبهذا يتبيَّن خطأ المؤلف في تأويله. ويظهر لي أن ما ذكره من التأويل مبنيٌّ على القول بأن أفعاله تعالى قديمة، فمن علم الله أنه يؤمن ويموت على الإيمان لم يزل الله راضيًا عنه حتى في حال كفره، ومن علم أنه يكفر ويموت على الكفر لم يزل الله ساخطًا عليه حتى في حال إيمانه، كما هو مذهب الكلابية (١) والأشاعرة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، وهو أن أفعاله تعالى تابعة لمشيئته، والرضا والغضب من أفعاله، فيرضى إذا شاء، ويغضب إذا شاء، ولرضاه وغضبه أسباب، هي بمشيئته تعالى، فمن قام به سبب الرضا ﵁، ومن قام به سبب الغضب غضب الله عليه، ومعنى هذا أنه تعالى قد يرضى عن العبد ثم يسخط، وقد

стр. 89

يسخط عن العبد ثم يرضى، بحسب ما يقوم به من أسباب ذلك، وأدلة هذا الأصل مبيَّنة في كتب العقائد (١).

стр. 90

سورة آل عمران (٣٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] عطفٌ على اسم ﴿اللّهُ﴾؛ أي: هم شهداءُ بالوَحدانية. ويعني بأولي العلم: العارفين بالله، الذين يقيمون البراهينَ على وَحدانيته) (١). قوله: (العارفين بالله): فسَّر «أولوا العلم» بالعارفين، ومعلوم أن أول من يدخل في أولي العلم الأنبياء والرسل، ولم يذكرهم الله باسم العارفين، وإنما يوصفون بصفة النبوة والرسالة، ولم يأت ذكر المعرفة في القرآن إلا في معرفة الأعيان بعد طول العهد، كقوله تعالى في يوسف: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُون (٥٨)﴾ [يوسف]، وفي الإقرار في مقابل الجحد والإنكار، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]، وما أثنى الله على أحد بإيتاء المعرفة، بل بإيتاء العلم، ﴿يَرْفَعِ

стр. 91

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وأثنى تعالى على المتفكرين في الآيات بالعلم دون المعرفة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين (٢٢)﴾ [الروم]، وأثنى الله على نفسه بالعلم دون المعرفة، وهو العليم، وعالم الغيب، ويعلم ما في السماوات والأرض، فمن أسمائه العليم، دون العارف. قيل من الفرق بين العلم والمعرفة: إن المعرفة لا تكون إلا بعد جهل (١)، والعارف مصطلح صوفي لا يعرف في كلام السلف في الثناء به على الراسخين في العلم، ومعناه عند أرباب التصوف من بلغ الغاية في معرفة الله حتى شهد اللهَ في كل شيء، وهذه حقيقة وحدة الوجود (٢)، ولا ريب أن ابن جزي ﵀ لا يريد بالعارف هذا المعنى، بل قد فسَّره، وأبان مراده بقوله: القادر على إقامة البراهين على وَحدانية الله، وهذا معنى حسن، وهو يؤول إلى التمكن في العلم بالحجج الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته، وصار المأخذ على المفسِّر هو العدول عن المعنى الواضح إلى لفظ مشتبه، لا أثر له في تفسير الآية، فكان الأولى أن يقول: أولو العلم هم العلماء بما بعث الله به رسله الذين يخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨].

стр. 92

(٣٨) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]: (وعبَّر عن فعلِ اللهِ بالمَكْرِ؛ مشاكَلةً لقولِه: ﴿وَمَكَرُوا﴾) (١). قولُه: (عبَّر عن فعلِ اللهِ بالمَكْرِ … )، إلخ: معناه: أنَّ اللهَ سمَّى ما يفعَلُهُ بالكافِرِينَ مِنْ العقوبةِ: مَكْرًا؛ مشاكَلةً لفظيَّة؛ ليوافِقَ مكرَ الكافِرِينَ بالرسولِ ﷺ والمؤمِنِينَ في الاسمِ؛ فيكونُ الجزاءُ مِنْ جنسِ العمَلِ لفظًا. وهذا خطأٌ، والحامِلُ عليه عند المؤلِّفِ وغيرِهِ: استقباحُ إضافةِ المكرِ إلى اللهِ حقيقةً؛ بناءً على اعتقادِ أنَّ المكرَ كلَّه مذمومٌ، وليس كذلك؛ بل مِنْ المكرِ ما هو محمودٌ، وهو ما كان على وجهِ المجازاةِ عَدْلًا (٢)، ومِن هذا: مَكْرُ اللهِ بأعدائِهِ وأعداءِ رسلِه، جزاءً وِفَاقًا، وسُنَّةُ الله أن يكونَ الجزاءُ مِنْ جنسِ العمَل.

стр. 93

ومِن مكرِ اللهِ بالكافرينَ: الإملاءُ لهم واستدراجُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين (١٨٣)﴾ [الأعراف].

стр. 94

(٣٩) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]؛ أي: إلى سمائي) (١). قولُ ابن جزي في قوله تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال: (أي: إلى سمائي)، هذا عدولٌ باللفظ عن ظاهره، بتفسيره بلازمِهِ؛ فإنَّ رفْعَ عيسى ﵇ إلى الله - الذي هو مدلولُ اللفظ - يستلزمُ رفعَه إلى السَّماء، والذي حمل ابنَ جزي وأمثالَه على هذا التأويل مذهبُهم في علوِّ الله، وهو أنه ليس سبحانه بذاتِه فوقَ سماواته، بل هو في كُلِّ مكان، كما في عددٍ من المواضِعِ التي جَرَى التعليقُ عليها، وهذا خلافُ ما دلَّتْ عليه النصوصُ، وأجمَعَ عليه أهلُ السُّنة (٢).

стр. 95

ورفعُ عيسى ﵇ إلى السّماءِ التي وجَدَهُ النَّبيُّ ﷺ فيها ليلةَ الإسراء = يتضمَّن تكريمًا وتقريبًا، فمَن كان مِنْ العباد أَعْلى مكانًا كان أقربَ إلى اللهِ تعالى، فإبراهيم وموسى ﵉ أقربُ إلى الله مِنْ المسيح، فإنَّ إبراهيم في السماء السابعة، وموسى في السادسة، وعيسى في الثانية، كما في حديث أنس عند مسلم (١). والله أعلم.

стр. 96

(٤٠) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]: (﴿لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾: اعتقادٌ منهم فاسِدٌ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ إخوانَهم لو كانوا عندَهم، لم يموتوا ولم يُقتَلُوا؛ وهذا قولُ مَنْ لا يؤمِنُ بالقَدَرِ والأجلِ المحتوم؛ ويقرُبُ منه مذهبُ المعتزِلةِ في القولِ بالأجلَيْن) (١). قوله: (ويقرُبُ منه مذهبُ المعتزِلةِ في القولِ بالأجلَيْن): من أقوال المعتزلة: أن المقتولَ مقطوعٌ عليه أجَلُهُ الذي قُدِّرَ له، أو إنَّ له أجلَيْنِ: أحدُهما: ما حصَلَ بسببِ القتل. والآخر: هو الذي لو عاشَ لَبَلَغَه (٢)، وهذا من فروع قولهم في أفعال العباد: إنها ليست معلومة لله ولا هي بقدرته ومشيئته، والقتل: من جملة أفعال العباد، وسيأتي لهذا مزيدُ تفصيلٍ عند التَّعليقين الثالث والستين، والتسعين.

стр. 97

(٤١) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ عند تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون (١٦٠)﴾ [آل عمران]: (واعلَمْ: أنَّ الناسَ في التوكُّلِ على ثلاثِ مَراتِبَ: الأولى: أن يعتمِدَ العبدُ على ربِّه؛ كاعتمادِ الإنسانِ على وكيلِهِ المأمونِ عندَهُ الذي لا يَشُكُّ في نصيحتِهِ له، وقيامِهِ بمصالِحِه. والثانية: أن يكونَ العبدُ مع ربِّه كالطِّفْلِ مع أمِّه؛ فإنه لا يَعرِفُ سواها، ولا يَلجَأُ إلَّا إليها. والثالثة: أن يكونَ العبدُ مع ربِّه كالميِّتِ بين يَدَيِ الغاسلِ، قد أسلَمَ نَفْسَهُ إليه بالكليَّة. فصاحبُ الدرجةِ الأولى: له حظٌّ مِنْ النَّظَرِ لنفسِهِ؛ بخلافِ صاحبِ الثانية. وصاحبُ الثانيةِ: له حظٌّ مِنْ المرادِ والاختيارِ، بخلافِ صاحبِ الثالثة. وهذه الدرجاتُ مبنيَّةٌ على التوحيدِ الخاصِّ الذي تكلَّمنا عليه في قولِه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فهي تَقْوَى بقُوَّتِه، وتضعُفُ بضَعْفِه) (١).

стр. 98

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولُه: (واعلَمْ: أنَّ الناسَ في التوكُّلِ على ثلاثِ مَراتِبَ … )، إلخ: التوكُّلُ مِنْ أعمال القلوب، وهو مِنْ تحقيقِ توحيدِ الربوبيَّة، ومِن مقاماتِ العبوديَّةِ القلبيَّة (١)، وجَعْلُهُ ثلاثَ درجاتٍ طريقةُ الصوفيَّة، والحقُّ: أنَّه درجتان: الأولى: توكُّلُ المقتصِدِين. والثانية: توكُّلُ المقرَّبين. وهذا يوافِقُ معنى ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ في الدرجة الأولى والثانية؛ فإنه لا إشكالَ فيهما. وأمَّا الدرجةُ الثالثةُ، فهي مِنْ بِدَعِ الصوفيَّةِ التي خالَفُوا فيها الحسَّ والعقلَ والشرعَ؛ فكونُ الإنسانِ يصلُ إلى حالةٍ يكونُ فيها كالمَيِّتِ بين يَدَيِ الغاسلِ، بحيثُ لا تكونُ له إرادةٌ في جلبٍ ولا دفعٍ: حالةٌ ممتنِعةٌ حسًّا وعقلًا، وغيرُ مطلوبةٍ شرعًا. قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ؛ تعليقًا على هذا القولِ المنسوبِ لبعضِ الصوفيَّة: «إنَّ العارِفَ يصيرُ كالميِّتِ بينَ يَدَيِ الغاسِلِ»؛ أي: في استسلامِهِ للقَدَرِ، قال الشيخ: «فهذا إنما يُمدَحُ منه سقوطُ إرادتِهِ التي لم يُؤمَرْ بها، وعدَمُ حظِّه الذي لم يُؤمَرْ بطَلَبِه، وأنه كالميِّتِ في طلَبِ ما لم يُؤمَرْ بطَلَبِه، وتركِ دَفْعِ ما لم يُؤمَرْ بدَفْعِه.

стр. 99

ومَنْ أراد بذلك: أنه تبطُلُ إرادتُهُ بالكليَّةِ، وأنه لا يُحِسُّ باللَّذَّةِ والأَلَم، والنافعِ والضارِّ؛ فهذا مخالِفٌ لضرورةِ الحسِّ والعقل، ومَن مدَحَ هذا؛ فهو مخالِفٌ لضرورةِ الدِّينِ والعقل». اه. مِنْ «العقيدة التدمريَّة» (١).

стр. 100

سورة النساء (٤٢) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا … ﴾ [النساء: ٩٣]: (وهذه الآيةُ مُعضِلةٌ على مذهبِ الأشعريَّةِ وغيرِهم ممَّن يقولُ: لا يخلَّدُ عصاةُ المؤمِنِين في النار. واحتَجَّ بها المعتزِلة وغيرُهم ممن يقولُ بتخليدِ العصاةِ في النار؛ لقولِه: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾. وتأوَّلها الأشعريَّة بأربعةِ أوجُه: أحدها: أنْ قالوا: إنها في الكافِرِ إذا قتَلَ مؤمِنًا. والثاني: قالوا: معنى المتعمِّدِ هنا: المستَحِلُّ للقتل؛ وذلك يَؤُولُ إلى الكفر. والثالث: قالوا: الخلودُ فيها ليس بمعنى الدوامِ الأَبَدِيِّ، وإنما هو عبارةٌ عن طولِ المُدَّة. والرابع: أنَّها منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].

стр. 101

وأما المعتزِلة: فحمَلُوها على ظاهِرِها، ورأَوْا أنها ناسخةٌ لقولِه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾، واحتجُّوا على ذلك بقولِ زَيْد بن ثابت: «نزَلَتِ الشديدةُ بعد الهَيِّنة» (١)، وبقولِ ابن عبَّاس: «الشِّرْكُ والقَتْلُ مَنْ مَاتَ عَلَيْهِمَا خُلِّدَ» (٢)، وبقولِ رسول الله ﷺ : ((كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ مُتَعَمِّدًا)) (٣). وتقتضي الآيةُ وهذه الآثارُ: أنَّ للقتلِ حُكْمًا يَخُصُّهُ مِنْ بينِ سائرِ المعاصي) (٤).

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قولُهُ: (وهذه الآيةُ مُعضِلةٌ على مذهبِ الأشعريَّةِ وغيرِهم … )، إلخ: ما ذكَرَه مِنْ أنَّ هذه الآيةَ مُعضِلةٌ «أي: مُشكِلةٌ إشكالًا قويًّا» على مذهبِ الأشاعِرةِ وغيرهم مِنْ القائِلِينَ بأنَّ عصاةَ الموحِّدين لا يخلَّدون في النار، وأجاب مِنْ جهةِ الأشاعِرةِ وغيرِهم مِنْ القائلِينَ بعدمِ خلودِ أهلِ الكبائرِ في النارِ بأربعةِ أجوِبة (١): أجوَدُها: تفسيرُ الخلودِ بالمُكْثِ الطويل، وأجوَدُ منه: تقييدُ الآيةِ بما تواتَرَتْ به السُّنَّةُ مِنْ خروجِ عُصاةِ الموحِّدينَ مِنْ النارِ بشفاعةِ الشافِعِين، ورحمةِ أرحَمِ الراحمين. وكذلك: ما ذكَرَهُ مِنْ احتجاجِ المعتزِلةِ بهذه الآيةِ على قولهم بتخليدِ أهلِ الكبائِرِ في النارِ: ما ذكَرَهُ مِنْ المذهبَيْنِ في تخليدِ العصاةِ صحيحٌ، ولكنَّه ﵀ ذكَرَ احتجاجَ المعتزِلةِ على مذهَبِهم بأثرِ ابن عبَّاس، وزيدٍ، وبالحديث، ولم يُجِبْ عن ذلك، بل أيَّده بقوله: «وتقتضي الآيةُ وهذه الآثارُ: أنَّ للقتلِ حُكْمًا يَخُصُّهُ مِنْ بينِ سائرِ المعاصي»؛ وهذا يَجعَلُ في كلامِهِ نوعَ تناقُض؛ لأنه قد أجاب عن الآية. وأمَّا أثَرُ ابنِ عبَّاسٍ وزيدٍ، والحديثُ، فلا تقاوِمُ دَلَالَتُها دَلَالةَ قولِه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ في موضعَيْنِ مِنْ سورة «النساءِ» (٢)،

стр. 103

وهي التي ذكَرَ فيها وعيدَ القاتِلِ بالخلودِ في النار، ولا تقاوِمُ دلالةَ السُّنَّةِ على خروجِ عصاةِ الموحِّدين مِنْ النار. وقد أجمَعَ أهلُ السُّنَّةِ على ما دلَّت عليه آيتا النساء، وما دَلَّ عليه حديثُ الشفاعةِ، والله أعلم.

стр. 104

(٤٣) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١] أي: يُدبِّرون ليلًا، وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان) (١). قوله: (أي: يُدبِّرون ليلًا) معناه: أن هؤلاء المنافقين إذا غابوا وخلا بعضهم ببعض دبروا فيما بينهم تدبيرًا لكيد النبي ﷺ والمؤمنين، وقالوا: ما لا يرضاه الله من الكلام، وقول ابن جزي: (وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان) معناه: أن التدبير أصله التفكير، وهو قولٌ في النفس، وقد يتبعه قولٌ باللسان، ولا إشكال في هذا الكلام؛ فلا يحتاج إلى تعليق.

стр. 105

(٤٤) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] المعنى: أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله بعذابكم وهو الغنيُّ عنكم! وقدَّم الشكر على الإيمان؛ لأنَّ العبد ينظر إلى النعم فيَشكر عليها ثم يؤمن بالمنعِم، فكأنَّ الشكر سببٌ للإيمان متقدِّمٌ عليه) (١). قوله: (أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله) إلخ: ما قاله ﵀ في تفسير هذه الجملة الإنشائية ﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ = قول صحيح، وهو معنى ما ذكره ابن جرير (٢)، ولكن هذا التفسير يحتاج إلى إيضاح؛ ويحصل ذلك بمعرفة أن الخطاب للمنافقين كما يقتضيه السياق، وقد توعدهم الله في أول الآية بالدرك الأسفل من النار، ثم استثنى الذين تابوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله، فهؤلاء ناجون مع المؤمنين، ومأجورون أجرًا عظيمًا، ثم أكد نفي العذاب عن التائبين؛ لأنه تعالى لا يعذب من يعذبه إلا جزاء على السيئات، فمن شكر وآمن فلا يعذبه؛ لعدم قيام سبب العذاب به، فلا يعذب أحدًا بغير ذنب، ومعنى ذلك أنه

стр. 106

لا يعذب أحدًا لحاجته إلى التعذيب، أو لمنفعة تعود إليه تعالى، كلَّا؛ فذلك ممتنع؛ لكمال عدله وكمال غناه. وأما ما علَّل به تقديم الشكر على الإيمان من أن الشكر وسيلة إلى الإيمان، فالظاهر العكس؛ فإن الإيمان بالله ورسله أعظمُ باعث على الشكر، وحينئذ فيمكن أن يقال في تقديم الشكر على الإيمان وإن كان ثمرة للإيمان: فإنه يتضمن درجة الكمال من الإيمان، وكمال الإيمان أعلى من مطلق الإيمان، ويؤيد هذا التوجيه قوله تعالى في نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقوله ﷺ : ((أفلا أكون عبدا شكورًا)) (١)، فجعل ﷺ الشكر غاية مطلوبه (٢).

стр. 107

سورة المائدة (٤٥) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين (٢٧)﴾ [المائدة]؛ استدَلَّ بها المعتزِلةُ وغيرُهم على أنَّ العاصيَ لا يُتقبَّلُ عمَلُهُ. وتأوَّلها الأشعريَّة: بأن التقوى هنا يراد بها: تقوى الشِّرْك) (١). قولُهُ: (استدَلَّ بها المعتزِلة … ) إلخ: ذكر المؤلِّفُ قولَ المعتزِلةِ وقولَ الأشاعِرة، وظاهِرُ كلامِه: أنه يرُدُّ قولَ المعتزِلة، ويرضى قولَ الأشاعِرة. وقولُ المعتزِلة ظاهِرُ الفساد؛ لأنه مبنيٌّ على أنَّ العاصيَ عندهم ليس بمؤمِنٍ، وشرطُ قَبُولِ العمَلِ: الإيمانُ. وأمَّا قولُ الأشاعِرةِ: فصحيحٌ مِنْ جهةِ أنَّ الشركَ يُحبِطُ العمَل.

стр. 108

لكنَّ هذا القولَ يقتضي أنَّ مَنْ لم يكن مشرِكًا، فاللهُ يَقبَلُ عمَلَهُ مطلَقًا. وليس هذا بمستقيمٍ؛ فإنَّ المؤمِنَ الموحِّدَ قد يَعرِضُ له في العملِ ما يُبطِلُه؛ كالرياءِ، والمَنِّ والأَذَى في الصَّدَقة، ومخالَفةِ السُّنَّة. ومِن الخطأ في فهمِ الآيةِ: ظنُّ بعضِ الناسِ أنَّ المرادَ أنَّ اللهَ لا يتقبَّلُ إلا مِنْ تَقِيٍّ فاعلٍ للمأمورات، تاركٍ للمعاصي؛ وهذا يَؤُولُ إلى قول المعتزِلة. والصوابُ في الآية: أنَّ اللهَ لا يتقبَّلُ إلا ممَّن اتقَى اللهَ في عمَلِهِ ذلك؛ بأنْ أتى به على الوجهِ المشروع؛ خالصًا صوابًا، ولم يأتِ بما يُبطِلُه، والله أعلم.

стр. 109

(٤٦) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد ﵉. ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أَخلصوا لله، وهي صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود؛ لأنهم بخلاف هذه الصفة. وليس المراد هنا: الإسلام الذي هو ضدُّ الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى؛ لأنهم لم يكفروا قط، وإنما هو كقول إبراهيم ﵇: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]) (١). قوله: (ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾ هنا: أَخلصوا لله … إلى آخره) يريد: ﵀ أن ليس معنى: أسلموا؛ أي: دخلوا في الإسلام كما يقال للكافر أسلم لأنهم لم يزالوا مسلمين فلا بد من تأويل ﴿أَسْلَمُوا﴾ ب «أخلصوا»، وقوله ﵀: (صفة مدح أُريد بها التَّعريض باليهود) يعني: أن اليهود يدعون الإسلام، ولكنهم لم يخلصوا دينهم لله، وعلى هذا فلا إشكال في كلام المؤلف فلا يحتاج إلى تعليق.

стр. 110

(٤٧) قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: (﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] قال ابن عباس: نزلت الثلاثةُ في اليهود؛ ﴿الْكَافِرُون﴾، و ﴿الظالمون﴾، و ﴿الفاسقون﴾ (١). وقد روي في هذا أحاديثُ عن النبي ﷺ (٢). وقال جماعة: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلَّا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان) (٣).
следующие страницы →