← Акыда

Акыда · id 1302

التوضيح للمسائل العقدية في مقدمة الرسالة القيروانية

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (210 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مكي بن أبي طالب (١)، والقاضي عبد الوهاب (٢)، ومعلومٌ أنَّ تلاميذه أعلمُ بمراده، فتدبَّر (٣).

стр. 72

فإذا ثَبتَ أنه تعالى فوق العرشِ بذاته؛ بطلَ قولُ الجهمية ومَن تَبعهم؛ إنه تعالى في كلِّ مكان. و «مجيد»: صفةٌ للعرش؛ لأنه المُناسبُ في هذا السِّياقِ، والآيةُ في سورة البروجِ فيها قراءَتان (١) بالجرِّ: صفةٌ للعرش، وبالرفع: صفةٌ لله.

стр. 73

والمحرِّفون اختاروا قراءةَ الرفع؛ ليكون معنى قول ابن أبي زيد: المجيدُ بذاته، وهذا الموضعُ مما يتميزُ به ﵀ عن جمهور الأشاعرة، وهو إثباتُه لفوقية الذات، ولهذا عُدَّ من أهل السنَّةِ والجماعةِ. قوله: (وهو في كلِّ مكانٍ بعلمِه): في هذه الجملة مع التي قبلها تحقيقٌ لمذهب أهلِ السنَّة، وهو أنه تعالى بذاته فوق العرش، وعلمه في كلِّ مكان، وفي هذا إبطالٌ لقول الحلولية نفاة الفوقية القائلين بأنَّه تعالى في كلِّ مكانٍ بذاته، وليس هو تعالى فوق العرش. فنصوصُ العلم ونصوصُ المعيَّةِ تدلُّ على أنه تعالى وإنْ كان فوق العرشِ؛ فعلمُه مُحيطٌ بكلِّ شيءٍ، وسمعُه واسعٌ لجميعِ الأصوات، وبصرُه نافذٌ لجميع المخلوقات، فيعلمُ ما يُسِرُّ العباد وما يُعلنُون، فلا تخفى عليه خافيةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. إذن: هو نفسُه تعالى فوق العرشِ، وهو مع العبادِ بسمعِه وبصرِه وعلمه . وقد وضَّحَ العلماءُ معنى المعيةِ العامة بأنها معيَّةُ العلمِ (١)، فليس هو معهم بذاتِه بمعنى أنه مُختلطٌ بهم. يقول شيخُ الإسلام: «فإن هذا

стр. 74

لا تُوجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق» (١)، وليس قولُ أهل السنَّة بأنه تعالى معهم بعلمه من التأويل كما يزعمه المخالفون؛ بل هذا قد دلَّت عليه آيةُ المعيةِ، فإنَّها بُدِأت بالعلم وخُتِمت بالعلم، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧)﴾ [المجادلة] (٢). وما قاله المؤلف مطابق لما صحَّ عن الإمام مالك، وهو قوله: «اللَّه ﵎ في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان»، رواه أحمد، وأبو داود (٣). قوله: (خلق الإنسانَ ويعلم ما توسوسُ به نفسه، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد): هذا تفصيلٌ لما أجملَه في قوله: وعلمُه في كلِّ مكانٍ. أخذه من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾ [ق]، فخصَّ بالعلم ما توسوس به نفسه؛ لأنَّه من أخفى الأشياء، وهذا كثيرٌ في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ

стр. 75

الصُّدُور (١٥٤)﴾ [آل عمران]: يعلم ما في أنفسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾: اختلفَ المفسرون في هذا القُرْب، فقِيل - وهو أكثرُ ما جاءَ عن المُفسِّرين من السلفِ -: إنَّ المُرادَ قربُه تعالى بملائكتِه المُوكَّلين بالعبدِ بحفظِ عمله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾، نظيرُ قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون (٨٥)﴾ [الواقعة]، وأنَّ المرادَ قربُ الملائكةِ، وهم ملائكةُ التوفّي المُوكَّلين بتوفِّي أرواحِ العباد، وعلى هذا فلا تدلُّ الآيةُ على إثباتِ القربِ العامّ. وقِيل؛ المرادُ بالآيتين: قربه تعالى بنفسه، وأنَّ هذا القربَ هو قربُه بعلمِه كما قِيل ذلك في المعية العامة. والمصنِّفُ مشى على هذا المعنى الأخير؛ حيث قالَ: (وهو أقربُ إليه من حبلِ الوريدِ)، فظاهرُ هذا التعبيرِ أنَّه يُثبت القربَ العام، ولا إشكالَ على كلِّ تقديرٍ ولله الحمدُ، لكنَّ الأوَّلَ هو الراجحُ في تفسيرِ الآية، وهو المأثورُ عن أكثر السَّلفِ، وأنَّ المرادَ: قربُه تعالى بملائكته كآيةِ الواقعةِ (١).

стр. 76

والوريدُ: عرقٌ في جانب العنقُ مُتَّصلٌ بالقلب (١). وأمَّا القربُ في قوله ﷺ : «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا» (٢)، فهو القربُ الخاصُّ بالدَّاعين والعابدين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. فمن أهلِ العلم مَنْ يجعل القربَ عامًا وخاصًا كالمعية (٣)، ومن العلماء مَنْ لا يُثبت إلَّا القربَ الخاصَّ؛ كما في الآية والحديث. قوله: (وما تسقطُ من ورقةٍ إلَّا يعلمها، ولا حبَّةٍ في ظُلمات الأرض ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ مبينٍ): هذه الجملةُ مُقتبسةٌ من آية في سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ … ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩]، وهو من التفصيل في علم الله، فهو تعالى يعلمُ كلَّ شيء، ويعلم ما في السماواتِ والأرض، ومن ذلك أنَّ علمَه مُحيطٌ بهذه الأشياء الدقيقةِ الكثيرة التي لا يعلمُ عددَها ولا يُحصِيها إلا الله.

стр. 77

وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾: نكرةٌ في سياقِ النفي، دخلت عليها «من» الزائدة فتكون نصًّا في العموم، فيدخل فيها كلُّ ورقةٍ تسقط من أوراق الأشجارِ، وهذا غايةٌ في الكثرة والدِّقةِ، وعلمُ الله محيطٌ بجميع ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، فهذه الآيةُ قد تضمَّنَت إثباتَ إحاطةِ علمِه بالجزئياتِ، وإحاطةَ كتابِه بكل هذه المعلومات؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]. * * * * *

стр. 78

معاني المجد والجلال من صفاته تعالى (على العرش استوى، وعلى المُلك احتوى، وله الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العُلى، لم يَزل بجميع صفاتِه وأسمائِه، تعالى أن تكون صفاتُه مخلوقةً، وأسماؤه مُحدثةً. كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاتِه، لا خلقٌ من خلقه، وتجلَّى للجبل فصار دكًّا من جلاله). يقولُ المؤلف في ذكرِه لبعضِ ما يجبُ الإيمانُ به من أسماءِ الله وصفاتِه: (على العرش استوى)؛ يعني: يجبُ الإيمانُ بأنَّه تعالى على العرشِ استوى؛ كما أخبرَ بذلك في سبعِ آياتٍ من القرآن، في ستةِ مواضعَ منها بلفظ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في الأعراف ويونس والرعد والفرقان والسجدة والحديد، وفي طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]. وقد دلَّت هذه الآياتُ على أنَّ استواءَه على العرشِ كان بعد خلقِ السماواتِ والأرض، فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤].

стр. 79

واستواؤُه على العرشِ يتضمَّنُ علوَّه تعالى على جميعِ المخلوقات؛ لأنَّ العرشَ أعلى المخلوقات، ولهذا تُعَدُّ الآياتُ والأحاديثُ الدالةُ على استوائِه تعالى على العرش من جملة أدلَّة العلوِّ (١). والاستواءُ على العرش جاءَ تفسيرُه عن السَّلف بأربع عبارات: علا وارتفعَ واستقرَّ وصعدَ، وهي معانٍ متقاربةٌ، وقد نظمها ابنُ القيم في نونيَّته (٢)؛ فقال: فلهم عبارات عليها أربعٌ … قد حُصِّلَت للفارس الطعَّان وهي استقر وقد علا وكذلك ار … تَفَعَ الذي ما فيه من نُكران وكذاك قد صعد الذي هو رابعٌ … وأبو عُبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره … أدرى من الجهميِّ بالقرآن وأهلُ السنَّةِ والجماعة يُثبتون هذه الصفة، بأنَّ الله تعالى فوقَ العرشِ كما تقدَّمَ (٣)، وأنَّه فوق العرشِ المجيدِ بذاتِه، يؤمنون بذلك على المعنى المفهوم من استوَى في لغة العرب؛ لأنَّ الله خاطبَ عبادَه بلسانٍ عربيٍّ مُبين.

стр. 80

ولهذا لَمَّا قيل للإمام مالك: كيف استوى؟ قال: «الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ» (١). إذن: أهلُ السنَّة والجماعة يُثبتون العلوَّ والاستواء، وهما معنيان بينهما تناسُبٌ، كما تقدَّم أنَّ الاستواءَ يتضمنُ العلوَّ، لكن العلوَّ صفةٌ ثابتةٌ ذاتيةٌ لله تعالى أزلًا وأبدًا، والاستواءُ صفةٌ فعليَّةٌ، والعلوُّ: هو على جميعِ المخلوقاتِ ففيه عمومٌ، فتقول: اللهُ عالٍ على جميعِ خلقه، لكن في الاستواءِ لا يقال إلَّا أنَّه مستوٍ على العرش، فالاستواءُ مختصٌّ بالعرشِ. ومن الفروق بين العلوِّ والاستواء: أنَّ الاستواءَ طريقُ العلمِ به هو الكتابُ والسنَّةُ والإجماعُ؛ أمَّا العلوُّ: فطريقُ العلم به السمعُ والعقل، فعلوُّه على خلقه ثابتٌ بالكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ والعقلِ والفطرةِ (٢). وأنكرَت المُعطلةُ: الجهميةُ والمُعتزلةُ ومَن وافقَهم كالأشاعرةِ عُلوَّه تعالى بذاتِه واستواءَه على عرشه، كما تقدَّم (٣)، وزعموا أنَّ ذلك يدلُّ على حصره تعالى في مكان، ويستلزمُ أن يكون جسمًا؛ قالوا: والأجسام مُتماثلةٌ، فيلزمُ من ذلك التشبيه. ولهم سوى ذلك شبهات قد كشَفها علماءُ أهلِ السنَّة وللهِ الحمدُ، وهي شبهاتٌ داحضةٌ، وما أخبرَ الله به عن نفسِه وأخبرَ به عنه رسولُه حقٌّ، فكلُّ ما عارضَه فهو باطلٌ، فالاستواءُ يجب الإيمانُ به كما جاءَ في جوابِ الإمام مالك وغيره، فيجبُ إثباتُ حقيقةِ الاستواءِ لله، مع

стр. 81

نفي مُماثلتِه لاستواءِ المخلوق، فالمخلوقُ يُوصفُ بالاستواء؛ كما قال تعالى: ﴿﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]. لكن استواءه تعالى لا يُماثل استواءَ المخلوق، كما أنَّ ذاتَه لا تُماثل ذواتَ المخلوقين، ولا نعلمُ ولا نعقلُ كُنْهَ استوائِه كما تقدَّمَ، فلا يبلغُ كُنهَ صفاتِه الواصفون، فيجبُ الإثباتُ ونفيُ التمثيل ونفيُ العلمِ بالكيفية، فهذا ما يقومُ عليه مذهبُ أهل السنَّة، وهو تعالى مستوٍ على العرش، ولا يلزمُ من ذلك ما يلزمُ في استواءِ المخلوق على المخلوقِ، لأنه يستلزمُ حاجته وافتقارَه إليه، وأمَّا الله فهو مُستوٍ على العرش مع غِناه عنه، فإنَّه هو المُمسِكُ للعرش وما دون العرشِ، فلا بدَّ من هذا الفرقِ. فعُلِمَ: أنَّ وصفَه بالاستواءِ لا يستلزمُ محظورًا، فاستواءُ المخلوق على المخلوقِ يستلزمُ خصائصَ المخلوق، أمَّا استواءُ الربِّ فلا يستلزمُ شيئًا من خصائصِ المخلوق. وقوله: (وعلى المُلك احتوى): كلمةُ «احتوى» ما علمتُ أنها وردَت في حديثٍ ولا أثرٍ، لكنَّها وردت في كلام بعض العلماء؛ مثل ابن أبي زيدٍ، وعبد القادر الجيلاني رحمهما الله (١) وابن طالب المالكي (٢)، وهو أقدم

стр. 82

من رويت عنه (١)، ونقلها عنهما أهل العلم ولم ينكروها (٢)، ومعناه حقٌّ، وهو عموم الملك، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]. ويلاحظ أنَّ اللهَ كثيرًا ما يَقْرِنُ بين ذِكرِ استوائِه على العرش، ومُلكِه للسماوات والأرض؛ كما في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ [طه] يعني: هو على العرشِ استوى، وقد أحاطَ ملكه بكل شيء؛ كما في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]. ويمكن أن يشبهُ هذا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، إلى قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٥٤)﴾ [الأعراف].

стр. 83

والذين يَنفُون حقيقةَ الاستواءِ منهم مَنْ يتأوَّلُه بالاستيلاء، وهم أهلُ التأويل (١)، ومنهم مَنْ يُفوِّضُ، فيقول: اللهُ أعلمُ بمراده، وهم أهلُ التفويض، وسمَّاهم شيخُ الإسلام أهل التجهيل (٢)؛ لأنَّ مذهبَهم يتضمَّنُ تجهيلَ الرسولِ والصحابة بمعاني نصوصِ الصفات، وهذه التسميةُ أدلُّ على حقيقة مذهبهم من تسميتهم أهل التفويض؛ لأنَّ التفويضَ منه ما هو واجبٌ؛ وهو التفويضُ في كيفيَّة الصفات، ويُقابلُهم أهلُ التأويل الذين يُفسِّرون الآياتَ بتفسيرٍ يُخرجونها به عن ظاهرِها، وكلٌّ من المذهبين - أعني التفويضَ والتأويل - باطلٌ، ومبنيٌّ على باطلٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما مبنيٌّ على نفيِ الصفات، فأهلُ التأويلِ وقعوا في التحريفِ، وأهلُ التفويضِ وقعوا في التجهيلِ. قوله: (وله الأسماءُ الحُسنَى): اللهُ له الأسماءُ الحسنى، وهذا من الإثباتِ المُجمل؛ لأنَّها كلمةٌ عامة، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء

стр. 84

الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه]، وقال: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. فكلُّ الأسماء الحسنى ثابتةٌ له سبحانه، لكن هذه الأسماءُ منها ما أطلعَ اللهُ عليه مَنْ شاءَ من العباد، ومنها ما استأثرَ بعلمِه كما في حديث دعاءِ الهمِّ: «أَسأَلُك بِكُلِّ اسمٍ هو لكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نفْسَك، أَوْ أَنْزَلتهُ فِي كِتابِكَ، أو عَلَّمتَه أَحدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتأْثرتَ به فِي عِلمِ الغَيبِ عِندكَ» (١).

стр. 85

وأسماؤه تعالى ليست محصورةً في تسعةٍ وتسعين كما قد يُفهم من حديثِ: «إنَّ لله تِسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلَّا واحدًا، مَنْ أحصاها دَخلَ الجنةَ» (١). قال العلماء: إنَّ هذا ليس فيه حصرٌ لأسمائه في هذا العددِ، بل فيه الإخبارُ عن أنَّ من أسمائه تسعة وتسعين اسمًا، مِنْ شأنها ومِن صفتِها وفضلِها: أنَّ من أحصَاها دخلَ الجنة، وهذا لا ينفي أن تكونَ له أسماءٌ أخرى، فيجبُ التنبُّهُ لذلك، فأسماؤُه كثيرةٌ، منها ما علَّمَه لمن شاءَ من عبادِه، ومنها ما استأثرَ بعلمه، يوضِّحُ ذلك لو قال قائلٌ: عندي مئة فرسٍ أعددتها للجهاد، لم يدلَّ على أنَّه ليس عنده سواها (٢).

стр. 86

والحُسنى: اسمُ تفضيلٍ، مثلُ الأحسنِ، وهذا أكملُ من أن يُقالَ: له الأسماءُ الحَسَنَةُ، فالأحسنُ والحُسنى: البالغُ في الحُسنِ غايته (١). فأسماؤُه مُتضمِّنةٌ لصفاتِ الكمال على وجهِ الكمال، وفي هذا الرد على الجهمية والمعتزلة. قوله: (والصفاتُ العُلى): الصفاتُ هي المعاني الثابتة القائمة به ، من علمِه، وسمعِه، وبصره، وكلامه، وأفعاله؛ كنزولِه، واستوائِه على العرش، ومحبته، وغضبه، ورضاه إلى غير ذلك من نُعوت جَلاله. لكن ينبغي أن يُعلمَ أنَّ كلَّ اسم متضمِّنٌ لصفة، فهو العليمُ، والعلمُ صفته، فاسمُ العليمِ تضمَّنَ العلمَ، والحيُّ يتضمَّنُ الحياةَ، والسميعُ يتضمَّنُ السمعَ، والبصيرُ يتضمَّنُ البصرَ، وهكذا (٢). لكن ليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ له تعالى منها اسمٌ، فمثلًا قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، فلا تقُلْ: إنَّه تعالى المحبُّ والرَّاضي والكارهُ، وما إلى ذلك، فكلُّ اسمٍ مُتضمِّن لصفةٍ، فاسمُه العليمُ يدلُّ على ذاتِه وصفةِ العلمِ، وأمَّا الأفعالُ والصفاتُ الأخرى؛ فلا يلزمُ من ذلك أنْ يُشتقَّ له منها أسماءٌ (٣).

стр. 87

والصفاتُ العُلى يعني من حيث المعنى صفاتٌ عالية، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]. هذا من الإثباتِ المجملِ؛ يعني له الوصفُ الأكملُ والأطيبُ والأفضلُ، فله المثلُ الأعلى في جميعِ نعوته . قوله: (لم يزل بجميع صفاته وأسمائه): يعني: أنَّ أسماءَه وصفاته ثابتةٌ له في الأزل، لم تحدث بعد أن لم تكن، وهذا فعلٌ يدلُّ على الاستمرارِ في الماضي، ما زالَ في الماضي ولا يزال في المستقبل، كما يقولُ الطحَّاوي: «ما زالَ بصفاتِه قديمًا قبل خلقِه، لم يزدَدْ بكونهم شيئًا لم يكن قبلُهم من صفتِه، وكما كان بصفاتِه أزليًا، كذلك لا يزالُ عليها أبديًا» (١). فصفاتُه الذاتية كلها لم تَزَلْ، يعني لم يَزَل عليمًا ولا يزال عليمًا، فليس لعلمه بداية ولا نهاية، ولم يزل حيًّا قيُّومًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل سميعًا بصيرًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل قديرًا، لم تحدثْ له قدرةٌ بعد أن لم يكن قادرًا؛ بل لم يزل على كلِّ شيءٍ قديرًا، ولا يزالُ كذلك، ولم يزل عزيزًا، والعزةُ صفته، ولا يزالُ كذلك، وهذا في الصفاتِ الذاتية ظاهرٌ. أمَّا الصفاتُ الفعليةُ ففيها تفصيلٌ؛ لأنَّها تابعةٌ لمشيئته، فجنسُ الفعل وبعضُ أنواعه ممكن أن تقول: الله تعالى لم يزل فعَّالًا لِمَا يُريد، فكونُه فعَّالًا هذا صفةٌ لازمةٌ لذاته، فلم يزل قادرًا على الفعلِ، فعَّالًا لِمَا يريد، فما أرادَ أن يفعلَه فعلَه؛ لأنه لا يُعجزُه شيءٌ، ولا يمنعُه شيءٌ ممَّا أرادَه .

стр. 88

كذلك صفةُ الكلامِ هي صفةٌ ذاتيةٌ فعلية، ولهذا تقول: اللهُ لم يزل مُتكلِّمًا إذا شاءَ، فينبغي التقييدُ بما شاء. أمَّا أنواعُ الفعلِ مثل الاستواءِ؛ فلا تقلْ: اللهُ لم يزل مُستويًا على العرش؛ فالعرشُ مُحدَثٌ مخلوقٌ، فلا يُتَصوَّرُ أن تقولَ: إنَّه تعالى لم يزل مستويًا على العرش، بل تقول: لم يزل فعَّالًا لِمَا يريدُ، والاستواءُ من أفعاله، وكذلك المجيءُ يومَ القيامة من أفعاله، وكذلك النزولُ كلَّ ليلةٍ حين يبقى ثلثُ الليلِ الآخر (١)، وإذا عُلِمَ أنَّه تعالى لم يزل فعَّالًا لِمَا يريد؛ فمعنى ذلك دوامُ فاعليته ودوامُ أفعالِه؛ بمعنى: أنَّه ما من فعلٍ إلَّا وقَبْله فعل، وهذا لازمٌ من دوام فاعليته، ويُعبَّرُ عنه بتَسَلْسُلِ الأفعال؛ أي: أفعال الرب، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السنَّة (٢). قوله: (تعالى أن تكونَ صفاتُه مخلوقةً، وأسماؤُه مُحدثةً): هذا فيه تفصيلٌ؛ فالصفاتُ الفعلية نوعُها في الجملة قديمٌ، وأفرادُها حادثةٌ؛ مثل الكلامِ، يقولُ أهلُ العلم المُحقِّقون: إنَّ الكلامَ قديمُ النوعِ حادثُ الآحاد (٣).

стр. 89

ومعنى «قديم»: ما لا بدايةَ له (١)، وتكليمُه لموسى إنما حصلَ في وقته، وتكليمُه للأبوين في وقتِه، وتكليمُه لأهل الموقفِ يكون يومَ القيامة، فليس قديمًا، لكن نوعُ الكلام قديمٌ؛ بمعنى: أنَّ اللهَ لم يزل يتكلَّم بما شاء. وأهلُ الكلام عندَهم اضطرابٌ في الصفاتِ الفعلية: منهم مَنْ ينفي الصفات الفعلية كما ينفي غيرها؛ وهم الجهميةُ والمعتزلةُ، ومنهم مَنْ يُثبتُها لكن يقولُ: إنها لازمةٌ لذاته لا تتعلقُ بها المشيئةُ؛ وهم الكُلَّابيَّة (٢)؛ مثل الغضبِ، والرضا، والحبِّ، والبغضِ (٣).

стр. 90

والأشاعرةُ وإن أثبتوا الصفات السبع المعروفة، فإنهم ينفون الصفاتِ الفعلية بناءً على أصلهم في نفي حلول الحوادث، وما ينفونه من الصفات كالمحبَّةِ والرضا والبُغضِ والغضبِ؛ منهم مَنْ يوجب فيها التفويض، ومنهم مَنْ يوجب فيها التأويل، فيؤولونها إمَّا بالإرادةِ، وإمَّا ببعضِ المخلوقاتِ من النِّعمِ والعقوباتِ (١). قوله: (كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه): في هذا تقريرٌ لإثباتِ كلام الله، وأهلُ السنَّةِ والجماعة يُثبتون الكلامَ كما يُثبتون سائرَ الصفات، فيقولون: إنَّ الله كلَّمَ ويُكلِّمُ، وقال ويقول، وأنَّه يتكلم إذا شاءَ بما شاء كيف شاء، ويستشهدون بالنصوص الكثيرةِ من الكتابِ والسنَّةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، ويقولون: إنَّ كلامَ الله قائمٌ به، وليس بمخلوقٍ، وأنه يتكلَّمُ بصوتٍ، ولهذا جاءَ وصْفُ كلامِه بالنِّداء؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]. فيقولُ المؤلف: (كلَّمَ موسى): أي: اللهُ كلَّمَ موسى يوم كلَّمَه، وهو سبحانه كلَّمَ موسى مرتين: عند إرسالِه، وعندما واعدَه، فالتكليمُ الأوَّلُ لم يكن عن ميعادٍ، والتكليمُ الثاني كان عن ميعادٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فكلَّمَ موسى بكلامِه الذي هو صفةُ ذاته؛ أي: بكلام قائم بذاتِه كغيره من الصفات؛ فإنَّ

стр. 91

الصفةَ لا بدَّ أن تقومَ بالموصوفِ، فهذا هو المعقولُ، لا بكلامٍ مخلوقٍ كما يقولُ المعتزلة والجهميةُ: إنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ، ولا يقومُ به الكلامُ، ومعنى هذا أنَّ كلامَه تعالى الذي كلَّمَ به موسى مخلوقٌ، فقالوا: خلقَ الله كلامًا في الشجرة فسمعَه موسى (١)، وبناء على هذا قالوا: القرآنُ مخلوقٌ وهي القضيةُ التي وقعَت بسببها الفتنةُ والمحنةُ وثَبَّتَ اللهُ مَنْ ثبَّتَه من أهلِ السنَّةِ، وحفظَ اللهُ دينَه (٢). فعبارةُ المؤلفِ جيدةٌ حيث قالَ: (كلَّمَ موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه)، ففيه إثباتُ الكلامِ للهِ بكلام هو صفةُ ذاته ليس بمخلوق؛ يعني: كأنَّه يقول: خلافًا لمن زعمَ أنَّ كلامَ الله مخلوقٌ، والقرآنَ مخلوقٌ، وهناك مذاهبُ أُخرى لطوائف المتكلِّمين كالكُلَّابية؛ وهم أتباعُ أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب (٣)، وهو أحدُ المتكلِّمين المنتسبين إلى السنَّة، وكان يردُّ على المعتزلة، وعلى منهجه دَرجَ أبو الحسن الأشعري، وهؤلاء يقولون: إنَّ كلامَ الله معنىً نفسيٌ قائم بذاته، ليس بحرفٍ ولا صوت، وإنه قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ. لكن ابن كُلَّاب يقول: إنَّه أربعة معانٍ: أمرٌ، ونهيٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، وأمَّا الأشعري في المذهب المشهور الموروث عنه فيقول: إنَّه معنىً واحد لا تعدُّد فيه، وهو قديمٌ لا تتعلَّقُ به المشيئةُ، وهو معنىً نفسيٌّ

стр. 92

ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وهذا هو مذهب الأشاعرةِ الذي يتكلَّمون به ويُقرِّرونه. ومذهب الكُلَّابيةِ والأشاعرةِ قريبان في المعنى (١). ويشهد لقول المؤلف أنَّ الله: (كلَّم موسى بكلامه الذي هو صفةُ ذاته، لا خلقٌ من خلقه) ما روي عن مالك من قوله: «كلَّم اللَّه موسى ﵇». ويقول: «القرآن كلام اللَّه» (٢). قوله: (وتجلَّى للجبل فصار دكًّا من جلاله): أي: ظهرَ للجبلِ قدْرًا من التجلِّي بإشراقٍ ونورٍ (٣)، فجعله دكًّا؛ أي: ساخَ ولم يستقر، وقد قالَ اللهُ لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فلمَّا رأى موسى هذا المشهدَ العظيمَ؛ خرَّ موسى صَعِقًا، أي: صعقَ وغابَ عقلُه من هولِ المشهد، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين (١٤٣)﴾ [الأعراف]، فهو تعالى مُحتجبٌ بالنور الذي هو حجابُه، ويتجلَّى إذا شاءَ لمن شاء ولِما شاءَ، وتجلِّيه بكشف حجابِه؛ كما في حديث أبي موسى قال رسول الله ﷺ : «حِجَابُه النُّورُ لو كشفَه لأحرَقتْ سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه» (٤).

стр. 93

وقد دلَّت النصوصُ على أنَّه يتجلَّى يومَ القيامةِ، ويراه المؤمنون، والمنافقون (١)، وفي الجنةِ يتجلَّى لأهلِ الجنةِ ويَرَوْنه. قال ابن عبد البر: «وفي قول الله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليًا للجبل … ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فلينظر في تفسير بَقِيِّ بن مَخلد (٢) ومحمد بن جرير (٣) وليقف على ما ذَكَرَا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق» (٤). فكأنَّ المؤلف بهذا يشيرُ إلى إثباتِ الرؤيةِ، وأنَّ الله يَظهرُ لمن شاءَ ويتجلَّى لمن شاء، ويراه مَنْ شاءَ إذا شاء، وقد أخبرَ الله في كتابه أنَّ الوجوهَ الناضرةَ تنظرُ إلى ربِّها، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا

стр. 94

نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، فهذه الآيةُ هي أدلُّ دليلٍ من القرآن على إثبات رؤيةِ المؤمنين لله تعالى ؛ لأنها لا تحتمل إلَّا نظر العين، وأمَّا الكفارُ فإنهم يُحجبون عنه، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]. إذن: المؤمنون لا يُحجبون بل يرونه وينظرون إليه، قال تعالى: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، وفي الحديث الصحيح: «إنكم سترون ربَّكم كما ترون هذا القمرَ لا تُضامون في رؤيته» (١)، وقد تضمَّن الحديثُ: تشبيهَ رؤية المؤمنين لربهم برؤية الشمس والقمر، فالمشبَّه والمشبَّه به هو الرؤية، فشبَّهَ الرؤية بالرؤية، ولم يُشبِّه المرئي بالمرئي، فلا يُقال: إنَّ اللهَ تعالى كالشمس والقمر، فقوله ﷺ : «إنكم سترون ربَّكم كما ترون»، يعني: ترون ربَّكم رؤيةً؛ كرؤيتكم للشمس والقمر، ووجهُ الشَّبه بين الرؤيتين: أوَّلًا: أنَّها رؤية بصرية لا عِلمية، ونفاةُ الرؤيةِ يُفسِّرون هذه الرؤيةَ بالرؤية العلمية؛ أي: يزداد علمهم بالله يوم القيامة، لا أنَّهم يرونه بأبصارهم. ثانيًا: أنَّهم يرونه في العلو كما يُرى القمران في العلو. ثالثًا: أنَّها رؤية من غير إحاطةٍ، فالمؤمنون يرون ربهم يومَ القيامة من غير إحاطةٍ، كما أنَّ الناسَ في الدنيا يرون الشمسَ والقمرَ من غير إحاطةٍ.

стр. 95

رابعًا: أنَّها رؤية واضحة لا تَكلُّف فيها، وهو معنى: «لا تضامون في رؤيته» أو «لا تُضارُّون» (١)، (٢). وأمَّا مذاهبُ المتكلِّمين في الرؤية: فالمعتزلةُ والجهميةُ أنكروا الرؤية مطلقًا، وكذَّبوا بها، وتأوَّلوا النصوصَ أو ردُّوها، فما قدروا على ردِّه ردُّوه، وما لم يقدروا على ردِّه - كالقرآن - أوَّلوه، بل حرَّفوه، فأمْرُهم دائرٌ بين التكذيب والتحريف، وبنوا هذا على أصولٍ فاسدةٍ، زعموا أنَّها عقليات؛ وهي في حقيقتها جهليات، فهم ينفون العلو، وينفون قيامَ الصفات به، وأنَّ الرؤيةَ تستلزم المقابلة، وأنَّ المرئي لا بدَّ أن يكون ذا لونٍ، ونحو ذلك من الخيالات التي يُعارضون بها النصوصَ الصريحةَ الصحيحةَ. وأمَّا الأشاعرةُ: فإنَّ طريقتهم في الرؤية طريقةٌ فيها تذبذبٌ، فليسوا مع المعتزلة ولا مع أهل السنَّة، فهم يقولون: إنَّ اللهَ يُرى لا في جهةٍ؛ لا من فوقٍ، ولا عن يمينٍ، ولا عن شمالٍ، ولا من أمامٍ، ولا غير ذلك من الجهات، وبهذا أضحكوا عليهم العقلاء، وفتحوا الباب للمُعارضين؛ إذ أنَّهم يثبتون رؤيةً لا حقيقةَ لها ولا معنى، وإذا حُقق مذهبهم: تبيَّن أنَّهم لا يثبتون الرؤية؛ لأنَّ ما أثبتوه منها غير معقولٍ (٣).

стр. 96

ما يجب اعتقاده في القرآن (وأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، ليس بمخلوقٍ فيَبِيد، ولا صفة لمخلوقٍ فينفد): هذا تخصيصٌ للقرآن ببيان ما يجب اعتقاده فيه؛ فقد بيَّن فيما سبق أنَّ كلامَ الله من صفات ذاته وليس بمخلوقٍ، كذلك بيَّن هنا أنَّ القرآن ليس بمخلوقٍ، فالقرآنُ كلامُه، تكلَّمَ به حقيقةً، وليس بمخلوقٍ كما يقول المُبطلُون من الجهميةِ والمُعتزلة. وعلى قولِ هؤلاء الضالين يصيرُ القرآن مثلَ سائرِ الكلام، فكلامُ الناس مخلوقٌ، وكلامُ الملائكةِ مخلوقٌ، وكلامُ الجِنِّ مخلوقٌ، فكلامُ المخلوق مخلوقٌ، وكلامُ الخالقِ ليس بمخلوقٍ، كعلمِه وسمعه وبصره، والقرآنُ كلامه، بل هو صفةٌ له تعالى، تكلَّمَ به وسمعَه جبريلُ، والله يُكلِّم مَنْ شاءَ، ومَن كَلَّمَه سمعَ كلامه كما سمعَ موسى كلامَ الله من الله بلا واسطةٍ، لكن من وراءِ حجابٍ. والقرآنُ ليس بمخلوقٍ فيَبِيدُ ويذهبُ، قالَ الله تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، فكلامُ الله لا نهايةَ له، لا أزلًا ولا أبدًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا

стр. 97

فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]. * * * * *

стр. 98

وجوب الإيمان بالقدر ومراتبه (والإيمانُ بالقدر خيره وشرِّه، حُلوِه ومُرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا، ومقاديرُ الأمور بيده، ومصدرُها عن قضائه، عَلِمَ كلَّ شيءٍ قبل كَونه، فجرى على قَدَره، لا يكون مِنْ عباده قولٌ ولا عملٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلمُه به: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]، يُضلُّ مَنْ يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَنْ يشاء فيُوفِّقُه بفضله، فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيره إلى ما سَبَق من علمه وقَدَره من شقيٍّ أو سعيدٍ، تعالى اللهُ أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنى، أو يكون خالقٌ لشيءٍ، إلَّا هو، ربُّ العباد، وربُّ أعمالهم، والمقدرُ لحركاتهم وآجالهم). في هذه الجملةِ انتقالٌ من ذكرِ أسماءِ الله وصفاتِه إلى الكلامِ في الأصل السادس من أصول الإيمان، وهو الإيمان بالقدر كما جاء في جواب النبيِّ ﵊ في حديثِ جبريل؛ قال: «وتُؤمن بالقَدَرِ خيرِه وشرِّهِ» (١)، فالمؤلفُ في هذه العبارةِ يُقرِّرُ مذهبَ أهل السنَّةِ والجماعة، ومعنى الإيمانُ بالقَدَر؛ الإيمانُ بأنَّ كلَّ شيءٍ بقدَرٍ، وأنَّ اللهَ قد قدَّرَ

стр. 99

مقاديرَ كلِّ شيءٍ، فكلُّ ما في هذا الوجودِ فإنَّه بقدرِ الله، والخيرُ والشرُّ بقدرِ الله. والقدَرُ يُطلَقُ على فعلِ الربِّ وهو تقديرُه لمقاديرِ الأشياء، ويُطلَقُ على الشيءِ المُقدَّرِ؛ فتقولُ للحادثِ المعيَّن: «هذا قدرٌ»؛ يعني هذا مُقدَّرٌ؛ من إطلاق المصدرِ على اسم المفعول، وهذه لغةُ المسلمين إذا شهدوا أمرًا قالوا: هذا قدَرٌ، يعني هذا مقدَّرٌ، وله تعالى الحكمةُ في أقداره. والإيمانُ بالقدرِ لا بدَّ فيه من أربعةِ أصولٍ، لا يكونُ الإنسان مؤمنًا بالقدر إلَّا بها: الأصلُ الأول: الإيمانُ بعلمِ الله القديم السابقِ لكلِّ شيء، بما في ذلك أفعالُ العبادِ من طاعاتِهم ومعاصيهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٧٥)﴾ [الأنفال]. الأصلُ الثاني: الإيمانُ بكتابةِ المقادير؛ وذلك بأنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الأشياءِ، وكتبَ ذلك في أمِّ الكتابِ، اللوحِ المحفوظِ، وقد جمعَ الله بين هذين الأصلين في غير آيةٍ: العلمَ والكتابَ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (١١)﴾ [فاطر]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي

стр. 100

الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٢٢)﴾ [الحديد]. الأصلُ الثالث: الإيمانُ بعمومِ مشيئةِ الله، وأنَّه لا خروجَ لشيءٍ عن مشيئته، فما شاءَ كان، وما لم يشأ لم يكن. فهذا الوجودُ كلُّه حاصلٌ وموجودٌ بمشيئته وقدرته، فقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، بما في ذلك أفعالُ العباد؛ فهي واقعةٌ بمشيئته؛ كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يُرِيد (١٦)﴾ [الحج]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [فاطر: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور (٤٩)﴾ [الشورى]، وقال تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى: ١٢]. الأصلُ الرابع: الإيمانُ بعمومِ خَلْقِه؛ يعني أنَّه خالقُ كلِّ شيءٍ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل (٦٢)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر]. فهذه أربعةُ أصول، لا يتحقَّقُ الإيمانُ بالقدرِ إلَّا بالإيمان بها (١). وضلَّ في القدرِ طائفتان: الجبريةُ الذين أثبتُوا القدر، ولكنهم غلوا فيه؛ فنفوا أفعالَ العباد، وقالوا: العبادُ لا فِعلَ لهم، ولا مشيئةَ ولا قدرةَ، فالعبادُ يتحركون ويتصرَّفُون كالحركات اللاإرادية؛ كحركةِ المُرتعشِ

стр. 101

والنائمِ، وكالريشة في مَهبِّ الريح. فهؤلاء اسمُهم جبريةٌ، وهو مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا وحسًّا، ولا يستقيمُ معه أمرُ دينٍ ولا دنيا، وجاءت الأشاعرةُ فلفَّقوا كعادتهم وقالوا: أفعالُ العباد خلْقٌ لله، وكسبٌ من العباد، لكن مفهوم الكسب عندهم هو: الفعلُ المقارنُ للقدرة المحدثة التي لا أثر لها في الفعل، وهذا مبنيٌّ على نفي الأسباب عندهم. فيرون أنَّ العلاقةَ بين الأسبابِ والمسبَّبَاتِ، وبين قدرةِ العبد وأفعاله مجرَّد الاقتران، فيقولون: إنَّ اللهَ يفعل عند الأسباب لا بها، فليس عندهم باء سببية؛ بل يرونها للمصاحبة. فهم يَقْرُبون في هذا من قول الجبرية، بل هم جبرية؛ لأنَّ قولَهم يتضمَّنُ: أنه لا أثر لقدرتهم في وجود أفعالهم (١). ويُقابلُ أولئك: القدريةُ النُّفاةُ الذين ينفون القدرَ، وهم طائفتان: غلاةٌ ينفون المراتبَ الأربع؛ العلم والكتابة وعموم المشيئة وعموم الخلق، والطائفةُ الثانيةُ ينفون عمومَ المشيئة وعمومَ الخلق ويُثبتون

стр. 102

العلمَ والكتابَ، فكلُّ القدرية النُّفاة يُخرجون أفعالَ العبادِ عن مشيئةِ الله وقدرتِه وخلقه (١). فعندهم: أنَّ العبادَ هم الخالقون لأفعالِهم، وأنَّ اللهَ لا يَقْدر على أن يجعلَ المؤمنَ كافرًا أو الكافرَ مؤمنًا، والعاصي مُطيعًا والمُطيع عاصيًا، بل ولا يجعلُ القاعدَ قائمًا أو القائمَ قاعدًا، وهكذا سائرُ الأفعالِ؛ لأنَّ أفعالَ العبادِ هم مُستقلون بها. وأهلُ السنَّةِ والجماعةِ آمنوا بالقدرِ بكلِّ مراتبه، وبأنَّ العبادَ فاعلون حقيقةً، وأنَّ اللهَ خالقُهم وخالقُ أفعالِهم، طاعاتِهم ومعاصيهم. فهذا خلاصةُ القول في هذا الأصل، وأدلةُ الحقِّ في هذا ظاهرةٌ في كتاب الله، وفيها إثباتُ شمول علمِه وكتابه للمقاديرِ، وعمومِ مشيئته وخلقه. قوله: (والإيمانُ بالقدر خيره وشرِّه، حُلوِه ومُرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا): كأنَّه يريدُ الإيمانَ بتقدير الله الخيرَ والشرَّ، فالخيرُ والشرُّ الواقعُ في الوجودِ هو بتقديرٍ من الله، فمِن الإيمان: الإيمانُ بتقديره تعالى لكلِّ شيء خيرًا كان أو شرًّا، حلوًا كان أو مرًّا، والقدرُ الذي هو فعلُ الربِّ وهو تقديرُه وقضاؤُه وحُكمه لا شرَّ فيه، بل هو عدلٌ وحكمةٌ، وهو تعالى محمودٌ على كلِّ أفعالِه .

стр. 103

لكنَّ الشرَّ إنما يكون في المخلوقاتِ المفعولات، فإبليسُ وجنودُه شرٌّ، وهكذا الأشياءُ الضارَّةُ؛ كالحيَّاتِ والعقارب فيها شرٌّ، لكنْ خَلْقُ الله لهذه المخلوقاتِ الضارةِ والشريرةِ لحكمةٍ، إذن: فخلقُه تعالى ومشيئتُه لها عدلٌ وحكمةٌ، وهو تعالى محمودٌ على ذلك، فله الحكمةُ البالغة، علِمنا ذلك أو لم نعلمه، لكنَّنا نعلمُ علمًا إجماليًّا ونُؤمن إيمانًا مُجملًا بأنَّه تعالى حكيمٌ، لا يخلقُ شيئًا عبثًا، ولا يخلقُ شيئًا إلا لحكمةٍ هو أعلمُ بها. وقوله: (حُلوِه ومُرِّه): كأنَّ هذا التعبيرَ من تنويع الكلام؛ لأنَّ الأمورَ المقدَّرةَ منها ما هو حلوٌ في حسِّ وذوقِ الناس؛ كالنِّعم والأشياء المستطابة. والمرُّ: الأشياءُ الكريهةُ؛ كالمصائب؛ لأنَّ لها مرارة في النفوس. ويُفسَّرُ الخيرُ باللذات وأسبابها، والشرُّ بالآلام وأسبابها، لكن هناك لذَّاتٌ في نفسها لكنها أسباب لآلامٍ طويلةٍ، فتكون في ذاتها خيرًا، لكنها شرٌّ باعتبار ما تُفضي إليه، فالمعاصي شرٌّ وإن استلذَّتها النفوسُ؛ لأنها تفضي إلى أعظم الآلام. والطاعاتُ خيرٌ في ذاتها ومآلها، وإن اشتملت على بعض المشاقِّ والكُلَف، لكنها خير؛ لأنَّها نفسها مصالحُ ومنافعُ عظيمة، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : «حُفَّت الجنةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشهوات» (١)، واللهُ تعالى اقتضت حكمته تنويعَ الخلْقِ، وخلْقَ الأضداد في هذا الوجود، فخلَقَ الخيرَ والشرَّ، والنافعَ والضارَّ، والحسنَ والقبيحَ في الذوات والصفات والأفعال، فخلقَ النورَ والظلمات، وخلقَ

стр. 104

الملائكة والشياطين، وخلقَ الصحةَ والمرضَ والحياةَ والموتَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢]. إذن؛ الأشياءُ المخلوقةُ فيها خيرٌ وشرٌّ، واللهُ خالقُ الخير والشر، أمَّا فعلُ الربِّ سبحانه: حُكمه وقضاؤه وتقديره؛ فكلُّه خيرٌ، ليس فيه شرٌّ، والشرُّ لا يُضاف إلى الله اسمًا، ولا صفةً ولا فعلًا، فلا يكون في أسمائه، فكلُّها حُسنى، ولا في صفاته فكلُّها صفاتُ كمالٍ وحمدٍ، ولا في أفعاله فكلُّها أفعالُ عدلٍ وحكمةٍ، وإنَّما يكون في مفعولاته؛ أي: مخلوقاته. وهذا ما فُسِّر به قولُ النبي ﷺ : «والشرُّ ليس إليك» (١)؛ أنه تعالى لا يخلق شرًّا محضًا؛ بل كلُّ الشرِّ الذي في المخلوقات شرٌّ نسبيٌّ ليس شرًا محضًا، وهذا يرجع إلى الإيمان بحكمته ، وأنه حكيمٌ، ما خَلَق شيئًا عبثًا، فلم يخلق شيئًا إلا لمصالحَ وحِكمٍ يعلمُها سبحانه، وليس من شرط ذلك أن تكون عائدةً للعبد، بل قد يكون فيها شرٌّ لبعض الناس، وهو شرٌّ جزئي إضافي، فأمَّا شرٌّ كليٌّ، أو شرٌّ مطلقٌ؛ فاللهُ تعالى منزَّهٌ عنه. وكلُّ ما خلقه اللهُ إمَّا أن يكون خيرًا محضًا، أو أنَّ وجودَه خيرٌ من عدمه باعتبار الحكمةِ العامة، فاللهُ خلقَ هذه الأضداد لحِكمٍ بالغةٍ، ومن حِكمه تعالى في خلقه: الابتلاء، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ

стр. 105

أَحْسَنُ عَمَلاً (٧)﴾ [الكهف]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧]. والشرُّ الذي في المخلوقات لا يُضاف إلى الله مفردًا أبدًا؛ بل إمَّا يدخل في عموم المخلوقات؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وكقوله: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، يعني: الخيرَ والشرَّ. وإمَّا بصيغة البناء للمفعول؛ كقوله تعالى عن الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠]، وإما أن يُضاف إلى خلقه سبحانه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَق (٢)﴾. هذه هي الوجوهُ التي يُعبَّرُ بها في إضافة الشرِّ المخلوق (١). وعلى هذا فلا ينبغي أن تقول: اللهُ خالقُ الشرَّ، لكن قل: اللهُ خالقُ كلِّ شيء، وهذا معنى التعبير بالعموم، وقل: فلانٌ أُريدَ به السوءُ، ولا تقل: أَرادَ اللهُ به. وكذلك إذا أردت أن تُخبر عن خلق اللهِ للمخلوقات، قل: اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، واللهُ خالقُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولا تقل: اللهُ خالقُ الحشراتِ وخالقُ الكلابِ، أو: اللهُ ربُّ الكلابِ، هذا منكرٌ؛ بل قل: ربُّ السماواتِ والأرضِ، وربُّ كلِّ شيءٍ، هذا الذي فيه التعظيم، كما تَمَدَّح

стр. 106

بذلك في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦)﴾ [المؤمنون]، وهكذا في النفع والضر فلا تقل: الله هو الضار؛ بل قل: اللهُ هو النافعُ الضارُّ، وهذا من جنس الأوَّل في التعبير بالعموم. ومن هذا ما ذَكر اللهُ من قول إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين (٨٠)﴾ [الشعراء]، ولم يقل: وإذا أمرضني شفاني، وهذا من الأدب في الإخبار عن الله . قوله: (ومصدرُها عن قضائه): أي: مصدرُ الأمورِ كلِّها، هو مالكُها بيده؛ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، ومصدرُها عن حُكمِه وقضائِه ومشيئته. قوله: (عَلِمَ كلَّ شيءٍ قبل كونه): هذه المرتبةُ الأولى، وهي الإيمانُ بعلمِ الله السابق بكلِّ شيءٍ. قوله: (فجرى على قدره): أي: كل شيء قدَّره الله وخَلَقه جرى على وِفق ما قدَّره، وعلى وفق ما علِمه لأنَّه لا يكون شيءٌ إلا بمشيئته مطابقًا لعلمه وكتابه. قوله: (لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلمُه به: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (١٤)﴾ [الملك]، يُضلُّ مَنْ يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَنْ يشاء فيُوفِّقُه بفضله): في هذا إثباتُ المشيئةِ لله وإثبات القدر، والإيمان بالمشيئة العامة هي المرتبة الثالثة، قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل:

стр. 107

٩٣]، والآياتُ الدالَّةُ على تعلُّقِ المشيئةِ بالموجودات كثيرةٌ كما أُشيرَ إلى بعضِها، وقد تضمن كلام المؤلف: إثبات علم الله القديم بكل شيء، والإيمان بذلك هو المرتبة الأولى من الإيمان بالقدر، وقد روي عن الإمام مالك ما يُشبِه قول المؤلف في إثبات المشيئة، وهو قوله لرجلٍ: «سألتني أمس عن القدر؟ قال: نعم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١٣)﴾ [السجدة]. فلا بد أن يكون ما قال الله تعالى». روى ذلك أبو نعيم في الحلية عن ابن وهب (١)؛ قال سمعت مالك يقول: … إلى آخره (٢). قوله: (فكلٌّ ميسَّرٌ بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقَدَره من شقيٍّ أو سعيدٍ): يعني: المُكلَّفُون قد علمَ الله ما هم عاملون من طاعاتٍ ومعاصٍ، قد سبقَ علمه وكتابه بذلك، وقد سُئِلَ النبي ﵊: هل ما يعملُه الناس قد جفَّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قيل: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميَّسَر لما خُلق له، أمَّا من كان من أهل السعادة

стр. 108

فيُيَّسَر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاء فيُيَّسَر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل] الآية (١)، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له من شقاوةٍ وسعادة، فمَن كان من أهلِ السعادة؛ فيُيسَّرُ لعملِ أهل السعادةِ فيصيرُ من السعداء، ومَن كان من أهلِ الشقاوة؛ يُيسَّرُ لعملِ أهلِ الشقاوةِ فيكون شقيًّا. قوله: (تعالى اللهُ أن يكون في ملكه ما لا يريد): هذا تنزيهٌ لله عن العجز، وفيه الردُّ على القدرية النفاةِ القائلين بأنَّ أفعالَ العباد ليست بمشيئةِ الله، وأنها خارجةٌ عن قدرته عن ذلك، فلازم كلامِهم: أنَّ الله يكونُ في ملكِه ما لا يريد؛ كالكفر والمعاصي، بل كل ذلك يكون قهرًا على الله. ولهذا قالَ أهلُ السنَّةِ: إنَّ قولَ القدريةِ يتضمنُ تعجيزَ الرب؛ أي أنَّه عاجز، فلا يقدرُ أن يهدي ضالًّا ولا أن يُضِلَّ مُهتديًا، ولا يتصرَّفُ في أفعال العباد، لأنَّها لا تدخل تحت قدرته (٢)، وهذا مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا؛ واللهُ قد أكذبهم في غير ما آيةٍ من كتابِه الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقد رُوي أنَّ القاضي عبد

стр. 109

الجبار الهمذاني المعتزلي (١) دخل على أبي إسحاق الإسفرائيني (٢) فقال: «سبحان مَنْ تَنَزَّه عن الفحشاء»، وهذا كلامٌ طَيِّبٌ في ظاهره، لكنَّه يرمز به إلى شيءٍ من مذهبه، فهو يريد أن يعترضَ به على من يُثبِتُ القدرَ، فيقول: «سبحان مَنْ تَنزَّهَ عن الفحشاء»؛ يعني: سبحان مَنْ تَنزَّه عن أن يريد الكفر والمعاصي، ففَهِم أبو إسحاق الإسفرائيني مغزاه، فأجابه على الفور قائلًا: «سبحان مَنْ لا يكون في مُلكه إلا ما يشاء» (٣). والإرادةُ نوعان: إرادةٌ كونية، وهي بمعنى المشيئةِ، وإرادةٌ شرعيةٌ وتتضمنُ المحبةَ، وفرَّق العلماءُ بينهما، فمن شواهدِ الإرادةِ الكونية؛

стр. 110

قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج]، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيد (١٦)﴾ [الحج]، ومن شواهدِ الإرادة الشرعية؛ قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. والفرقُ بين الإرادتين: أنَّ الإرادةَ الكونية عامَّةٌ لجميع الموجوداتِ، المحبوبُ منها والمبغوضُ، وأنَّ مُتعلَّقَها لا بدَّ أن يكون، فما شاءَ اللهُ كان ولا بدَّ. وأمَّا الإرادةُ الشرعيةُ؛ فهي مُختصَّةٌ بِمَحَابِّه ، ثم مُتعلّقها قد يكونُ وقد لا يكون. وتجتمعُ الإرادَتان: الكونيةُ والشرعية في إيمانِ المؤمن، فإيمانُ أبي بكرٍ واقعٌ بالإرادتين، وتنفردُ الإرادة الكونيةُ بكفرِ الكافر، فهو واقع بمشيئتِه وتقديره ، وليس مرادًا شرعًا، وتنفردُ الإرادةُ الشرعية بإيمان الكافرِ الذي لم يحصُلْ، فهو مطلوبٌ شرعًا ولكنه لم تتعلَّقْ به المشيئةُ، فلذلك لم يحصل (١). وتقسيمُ الإرادةِ إلى كونيةٍ وشرعيةٍ يجري مثلُه في معانٍ متعددةٍ مضافةٍ إلى الله في القرآن؛ كالإذنِ والبعث والإرسال والقضاء والتحريم والحكم والأمر، فكلٌّ من هذه المذكورات وغيرها تنقسم إلى كونيةٍ
следующие страницы →