كان الصحابي من المكثرين فإنه يرتب احاديثه حسب الرواة عنه، ثم يرتب الرواة عنه حسب حروف المعجم، ويضع تحت كل راوٍ أحاديثه التي رواها عن هذا الصحابي، فأنت إذا أمكنك تحديد اسم الراوي عن أبي هريرة، وليكن سعيد بن المسيب مثلًا، فهذا سييسر عليك الأمر؛ لأن سعيدًا راوٍ من جملة الرواة عن أبي هريرة، ومعنى ذلك أن جملة الأحاديث التي رواها سعيد عن أبي هريرة أقل بكثير من المجموع الكلي لاحاديث أبي هريرة، فدائرة البحث الآن أصبحت مختصرة شيئًا ما عن المرة الأولى، إلا أن سعيدًا أيضًا من المكثرين عن أبي هريرة.
ولذلك أعطاك الإمام المزي خدمة ثانية، وهي إن كان هذا التابعي أيضًا قد أكثر من الرواية عن هذا الصحابي؛ فإنه يرتب الرواة عنه على حروف المعجم أيضًا، ويضع تحت كل اسم تابع تابعي ما يرويه عن التابعي، فأنت إن أمكنك تحديد اسم الراوي عن سعيد بن المسيب، وليكن الزهري مثلًا، فستضيق معك دائرة البحث مرة أخرى.
ولعلك أيضًا تستكثر أحاديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة مع أنها أقل بكثير من ذي قبل.
إلا أن الإمام المزي يعطيك خدمة أخيرة في هذا الجانب، وهي إن كان أحد أتباع أتباع التابعين مكثرًا عمن قبله، رتب الرواة عنه حسب حروف المعجم، ووضع تحت اسم كل واحد من أتباع أتباع التابعين ما يرويه عن تابع التابعي، وهذا أَنْزَلُ ما عنده.
فأنت يمكنك تضييق الدائرة ولآخر مرة لو عَرَفت اسم الراوي عن الزهري، وليكن مثلًا سفيان بن عيينة، وهكذا تضييق دائرة بحثك عن مجموع
стр. 37
ثلاثة آلاف وست مئة إلى حوالي عشرين حديثًا فقط.
تقسيم الكتاب:
قَسَّم الإمام المزي الكتاب إلى قسمين:
أ- قسم المسانيد.
ب- قسم المراسيل.
أ- قسم المسانيد: هذا القسم خاص بالاحاديث التي يكون الراوي الأعلى فيها من طبقة الصحابة، وهذا القسم أكثر حديثًا من القسم الآخر.
وهذا القسم أيضًا مرتب إلى قسمين:
١ - قسم يتعلق بالرجال.
٢ - قسم يتعلق بالنساء.
قسم الرجال: رتب الصحابة في هذا القسم على الأسماء، ثم الكُنى، ثم المنسوبين إلى آبائهم أو أجدادهم، ثم المبهمات، ورتب المبهمات على الحرف الأول فما بعده فيمن روى عنهم، ثم المبهمات عن المبهمات.
قسم النساء: نفس ترتيب الرجال، ابتدأ بمن عرف اسمها، ثم بالكنى، ثم بالمبهمات منهم، وهكذا.
ب- قسم المراسيل: هذا القسم خصه المزي بالذين هم دون طبقة الصحابة؛ كالتابعين، ومَن تحتهم.
стр. 38
محقق الكتاب وجهده فيه
حقق هذا الكتاب الشيخ عبد الصمد شرف الدين جزاه الله خيرًا، ولقد بذل فيه جهدًا طيبًا، يتلخص في الآتي:
١ - ذكر أرقام الأبواب وأرقام الاحاديث في الأبواب؛ تيسيرًا على الباحث.
٢ - رَقَّم أسماء الصحابة بأرقام جانبية عربية (١، ٢، ٣)، والتابعين بأرقام أجنبية (٣، ٢، ١).
٣ - ضبط بعض أسماء الرواة، وبعض الكلمات الغريبة في الحديث.
٤ - وضع علامة النجمة هكذا «*» للتابعين، وهكذا «***» لأتباع التابعين، وهكذا «***» لتبع الأتباع.
٥ - إذا قال المزي: (مضى أو سيأتي)، يذكر مضى في حديث رقم كذا، وسيأتي في حديث رقم كذا.
٦ - وضع رموز الكتاب في نهاية كل صفحتين متقابلتين.
٧ - وضع أعلى الصفحة اسم الصحابي بخط كبير نسبيًّا، واسم الراوي عنه بخط أصغر، واسم الراوي عن التابعي بخط أصغر وأصغر.
٨ - جعل كتاب «النكت الظراف» للحافظ ابن حجر في أسفل «التحفة»، فالحديث الذي يورده المزي، ويكون لابن حجر فيه بعض التعليقات - يجعله في أسفله، ويقوم هو بنقل الاستدراكات إلى الأصل، الذي هو في
стр. 39
«التحفة» ويجعلها بين قوسين، هذا بالإضافة إلى جهود أخرى.
كيف تخرج حديثًا من هذا الكتاب؟
إذا أردت تخريج حديث من هذا الكتاب، فلا بد من معرفتك اسم الراوي الأعلى لهذا الحديث، فإن كان هذا الراوي من المكثرين، فالأفضل لك أن تعرف الراوي عنه، وإلا استغرقت وقتًا طويلًا في البحث، وبالمثال يتضح المقال.
أمثلة توضيحية لما سبق
المثال الأول:
حديث يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَني أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».
إذا أردنا أن نخرج هذا الحديث ننظر إلى الراوي الأعلى للحديث من هو؟ هو أنس بن مالك ﵁، إذًا علينا أن نبحث عن مسند أنس في كتاب «التحفة»، كيف ذلك؟
إن محقق الكتاب وضع على كعب كل جزء إشارة لما يتضمنه هذا الجزء من الأسماء، وهذه الإشارة هي أنه كتب أول اسم في الجزء وآخر اسم في الجزء من أسماء الصحابة، وعلى ذلك يمكنك أن تتعرف على الجزء الذي شمل مسند
стр. 40
أنس، من خلال النظر إلى كعوب الاجزاء، وستجد بإذن الله مسند أنس يقع في الجزء الأول، وهذه هي الخطوة الأولى.
ثم ماذا؟ ثم إنك إذا نظرت إلى مسند أنس تجده يشمل احاديث كثيرة، إذًا يجب عليك أن تتبع الخطوة الثانية، وهي البحث عن الراوي عن أنس في هذا الحديث وهو ابن شهاب الزهري، ولكنك ستجد أن الزهري روى عن أنس أيضًا أحاديث كثيرة؛ لأنه من المكثرين، وهنا ينبغي لك أن تبحث عن الراوي عن الزهري، وهو يونس بن يزيد الأيلي، وستجد أحاديث يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن أنس قليلة جدًّا، فهي أقل من عشرين حديثًا، وحينئذٍ تستطيع أن تصل إلى حديثك بكل سهولة، وها هو أنت قد وصلت إليه، وإليك نَقْل ما هو موجود في الكتاب:
* ١٥٥٨ (خ م) حديث: «إنّ قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء، فيه من الأباريق … » الحديث. (خ) في ذر الحوض (الرقاق ٥٣: ٥) عن سعيد بن عُفير (م) في فضائل النبيِّ (الفضائل ٩: ٢٦) عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عنه بهز
• توضيح ما سبق:
معنى هذا: أن البخاري أخرج الحديث في كتاب الرقاق باب الحوض، الباب رقم (٥٣)، الحديث رقم (٥)، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل، الباب رقم (٩)، الحديث رقم (٢٦).
وبهذا تكون قد خَرَّجت الحديث من «التحفة»، ويتبقى أن ترجع إلى المصادر الأصلية التي عزاك إليها.
стр. 41
المثال الثاني:
حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ علىَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ خَالَتُهُ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بنتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُنَّ إِلَيْهِ. قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ: أَتُحَرِّمُ الضَّبَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنيِ».
إذا أردنا أن نُخرج هذا الحديث ننظر إلى الراوي الأعلى للحديث، من هو؟ هو خالد بن الوليد، إذًا علينا أن نبحث في مسند خالد في كتاب «التحفة»، كيف يكون ذلك؟ يكون ذلك بالطريقة التي أوضحناها في المثال السابق، وستجد بإذن الله تعالى مسند خالد بن الوليد يقع في الجزء الثالث، وهذه هي الخطوة الأولى.
ثم ماذا؟ ثم إنك إذا نظرت إلى مسند خالد تجده يشمل أحاديث قليلة، وذلك لأن خالدًا من المقلين، وهذا مما ييسر عليك عملية البحث، ويعينك على وجود حديثك بكل سهولة، وها هو أنت قد وصلت إليه، وإليك نقل ما هو موجود في الكتاب:
* ٣٥٠٤ (خ م د س ق) حديث: «أنَّه دخل مع النبي على ميمونة فوجد عندها ضبًّا محنوذًا .... » الحديث (خ) في الأطعمة (١٠) عن محمد بن
стр. 42
مقاتل، عن ابن مبارك، عن يونس و (١٤) عن علي بن عبد الله، عن هشام بن يوسف، عن معمر، وفي الذبائح (٣٣: ٢) عن القعنبيِّ، عن مالك، ثلاثتهم عن الزهريِّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس، عنه به. (م) في الذبائح (٧: ٩) عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى …
• توضيح ما سبق:
«خ م د س ق» إشارة إلى أن الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ثم ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم بعد ذلك شرع في تخريج الحديث تفصيلًا، فيقول: «(خ) في الأطعمة (١٠) عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن يونس» أي أن البخاري أخرجه في كتاب الأطعمة باب رقم (١٠) ثم ذكر السند الذي أورده له البخاري في هذا الباب، ولم يكتف بذكر هذا الطريق عند البخاري، فأخذ يشير إلى كل المواطن التي أخرج فيها البخاري هذا الحديث، وأجدك الآن تستطيع أن تكمل باقي التوضيح.
ثم إني أَلفت النظر إلى أن زبدة هذا الكتاب تتمثل في هذا الذي رأيت من جمع أسانيد الحديث الواحد من الكتب الستة وما يجرى مجراها في موضع واحد، وبأسلوب فريد، مع الإشارة لما فيها من أوجه الخلاف إن وُجد.
تاريخ ومدة تأليف هذا الكتاب:
قال المزي: وكان الشروع فيه يوم عاشوراء سنة ست وتسعين وست مئة «٦٩٦ هـ»، وتم في الثالث من ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة «٧٢٢ هـ».
ومعنى ذلك أنه مكث في تأليفه ستًّا وعشرين يومًا.
стр. 43
كتاب النكت الظراف (١)
المؤلف:
شيخ الإسلام، حافظُ العصر، أمير المؤمنين في الحيث، رحلة الطالبين، شهاب الجين، أبو الفضل احمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد، الشهير بابن حجر الكناني، العسقلاني الأصل، المصري المولد، والمنشأ والدار والوفاة، الشافعي.
المولد:
وُلد في الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة (٧٧٣) من الهجرة.
النشأة:
مات والده وهو حدث بالسن، فكفله بعض أوصياء والده إلى أن كَبِر، وحفظ القرآن، كان ولوعًا بالنظم والشعر، وأقبل على علم الحديث، وسمع الكثير بمصر وغيرها، فلقد سمع من شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، والحافظَين ابن الملقن والعراقي، هذا بالإضافة إلى الكثيرين من المحدثين، وارتحل إلى غزة وسمع من علمائها، كذلك ارتحل إلى مكة واليمن، وكثير من البلدان، برع في علم الفقه والعربية حتى صار حافظ الإسلام، وشيخ
стр. 44
المحدثين، فلقد تمكَّن من علم الرجال والعلل، فإليه المرجع في هذا الميدان، وتعلم على يديه الكثير من العلماء.
مصنفاته:
صَنَّفَ في الحديث، والتاريخ، والأدب، والفقه حتى زادت مصنفاته على مئة وخمسين مصنفًا، منها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، و «الإصابة في تمييز الصحابة»، و «الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة»، و «شرح على الإرشاد في فروع الفقه الشافعي»، و «ديوان شعر».
الوفاة:
تُوفي ﵀ سنة (٨٥٢) من الهجرة.
موضوع الكتاب:
هذا الكتاب تابه لكتاب «تحفة الأشراف» فلقد حظي كتاب «تحفة الأشراف» باهتمام كبير من أهل العلم، فمنهم مَنْ اختصره، ومنهم مَنْ جَمَع أوهامه، ومنهم من أعاد ترتيبه، وهذا شأن الكتب العظيمة، حتى إن أول من أعاد النظر فيه هو الإمام المزي نفسه، فلقد أَلَّف جزءًا فيه سماه «لحق الأطراف».
ثم جاء الحافظ مغلطاي فجمع فيه أوهامًا، وأكثر تعليقات مغلطاي كانت من «السنن الكبرى» للنسائي، وهذا أمر طبيعي، فـ «السنن الكبرى» كانت تسبب معاناة للعلماء السابقين حتى إن المزي كان قد استدرك على ابن عساكر أيضًا أشياءَ فاتته من «السنن الكبرى»، لم تكن مكتملة عند ابن عساكر، ولم تكن مكتملة تمامًا عند المزي عندما أَلَّف «تحفة الأشراف».
стр. 45
لكن المزي بعدما انتهى من «التحفة» وفرغ منها، وجد فيها أحاديث وطرقًا زائدة، كان الأَوْلى أن يُدخلها في الكتاب، لكن إدخالها في كتاب مرتب ترتيبًا دقيقًا مثل هذا - يصعب؛ لأن هذا يحتم عليه إعادة نسخ الكتاب مرة أخرى حتى يلحق الزيادات في مواضعها، فصنع ملحقًا مستقلًّا، وسماه «الحق الأطراف» [أشرنا إليه قريبًا].
ولعل مغلطاي لم يطلع على «لحق الأطراف» قبل أن يصنف كتابه، وكتاب مغلطاي اسمه «أوهام الأطراف».
ثم جاء بعد ذلك الحافظ ابن كثير «كان ابن كثير تلميذًا للمزي وزوجًا لابنته»، فأخذ كتاب «لحق الأطراف» من شيخه المزي، ثم علقها على هامش نسخته من «تحفة الأشراف».
وكذلك علق عليه الحافظ أثناء تدريس هذا الكتاب لتلاميذه، ونوه على بعض الاستدراكات.
ثم جاء من بعده ولده أو زرعة، واستدرك بعض الاستدراكات، وقام بضم استدراكاته إلى استدراكات أبيه في كتاب سماه «الإطراف بأوهام الاطراف» -[مطبوع]-.
حتى جاء الحافظ ابن حجر فلما شرع في شرح كتاب «صحيح البخاري»، كان في حاجة إلى كتاب «تحفة الأشراف»، وذلك لأن البخاري تقطعت عنده متون الاحاديث في مواكن كثيرة، فاعتمد الحافظ ابن حجر في معرفة هذه المواطن على «التحفة»، وأثناء الشرح كان الحافظ ابن حجر يستدرك بعض الأشياء على المزي، فيدونها «أضف إلى ذلك أن ابن حجر قد أفاد من جهود مَنْ سبقه من أهل العلم في استدراكاتهم على التحفة».
стр. 46
ثم لمَّا انتهى من الشرح جمع استدراكاته إلى استدراكات مَنْ سبقه في كتاب ماتع سماه «النكت الظراف»، وهذا هو الكتاب الذي نتحدث عنه الآن، وكتاب «النكت» هذا مطبوع بحاشية «التحفة».
стр. 47
جهود الحافظ في هذا الكتاب
١ - جمع بين استدراكاته واستدراكات المتقدمين حتى أصبح من أجود ما صُنف في الاستدراكات على «التحفة».
٢ - انتهج نفس ترتيب المزي تيسيرًا على الباحث.
٣ - استدرك على المزي بعض الروايات التي سقطت منه، ولكنها ليست كثيرة.
٤ - صَوَّب بعض الأوهام التي وقع فيها المزي، ولكن بإشارة لطيفة؛ كأن يقول: «فيه سهو، والصواب كذا» أو يقول: صَوَّبه المزي في مكان كذا.
٥ - ضَبَط ألفاظ الحديث، فقد يذكر المزي الحديث بشيء من المخالفة فيتعقبه الحافظ.
٦ - ضبط الأسماء، فقد يذكر المزي الاسم على غير الوجه الصحيح؛ وذلك لعلة التشابه، فيصوب ذلك الحافظ.
٧ - إضافة بعض المصادر التي قد يغفل عنها المزي.
هذا وجهد الحافظ أعظم من أن ينحصر في بعض هذه النقاط، ولعلك تقف على المزيد بإذن الله مع كثرة الدربة والمتابعة.
стр. 48
كتاب ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث (١)
المؤلف:
الشيخ الهمام، الإمام العلامة إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم، المعروف بالنابلسي، الحنفي الدمشقي.
المولد: وُلد في دمشق خمسين وألف (١٠٥٠ هـ).
النشأة:
نشأ في كنف والده وسمع وقرأ على جماعة من محدثي عصره؛ منهم والده المشار إليه، أُعطي تدريس السليمية بصالحية دمشق، وقرأ فيها الدروس وباحثَ فيها وناظرَ.
الوفاة: تُوفي ليلة الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي القعدة (١١٤٣ هـ)، ودُفن بمقبرة باب الصغير بالمدفن المعروف بهم، بالقرب من جامع الجراح.
موضوع الكتاب:
صَنَّف الإمام النابلسي هذا الكتاب بغية فهرسة أحاديث «الكتب الستة»،
стр. 49
بالإضافة إلى «موطأ مالك»، لماذا؟ ذلك لأنه رأى المشارقة يعدون ابن ماجه سادس الكتب الستة، بينما المغاربة يعدون سادس الكتب الستة «موطأ مالك» لذلك أراد العلامة النابلسي أن يجمع بين الوجهين.
منهج الكتاب:
١ - الأحاديث مرتبة حسب الراوي الأعلى، فهو يذكر أحاديث كل راوٍ على حدة.
٢ - يعزو الاحاديث إلى مَنْ أخرجها من أصحاب الكتب، ذاكرًا شيخ كل إمام فقط، دون ذكر بقية السند.
٣ - استخدم الرموز في الدلالة على أصحاب الكتب.
٤ - عدد أحاديث الكتاب (١٢٣٠٢) حديث.
٥ - لم يتحرَّ لفظ الرواية، وإنما يكتفي بذكر المعاني الدالة عليها.
رموز الكتاب:
الكتاب الرمز صحيح البخاري خ صحيح مسلم م سنن أبي داود د سنن الترمذي ت سنن النسائي س سنن ابن ماجه هـ موطأ مالك ط
стр. 50
ترتيب الكتاب
الكتاب ينقسم إلى سبعة أبواب، ستة أبواب خاصة بالصحابة، ثلاثة أبواب منها خاصة بالرجال، وثلاثة خاصة بالنساء، والباب السابع خاص بالأحاديث المرسلة، وإليك بيان هذا بالتفصيل:
ترتيب أبواب الرجال من الصحابة:
١ - أسماء الصحابة مرتبة على حروف الهجاء.
٢ - ذكْر مَنْ اشتهر من الصحابة بكنيته مرتبًا ذلك على حروف الهجاء، ويكون الترتيب بعد حذف «أبو».
٣ - ذكر المبهمين من أسماء الرواة مرتبًا ذلك حَسَب أسماء الراوين عنهم.
ترتيب أبواب النساء من الصحابة:
٤ - أسماء الروايات عن رسول الله ﷺ مرتبة على حروف الهجاء.
٥ - ذكر من اشتهرت بكنيتها من النساء.
٦ - ذكر المبهمات من النساء.
الباب السابع الخاص بالأحاديث المرسلة:
٧ - ذكر المراسيل من الاحاديث مرتبة على حروف الهجاء، وذلك حَسَب من أرسلها من الرواة.
стр. 51
مؤاخذات على هذا الكتاب:
يؤخذ على هذا الكتاب نفس المؤاخذات التي تؤخذ على كتب «الأطراف» عامة من أنه «لا يمكن استخدامها دون معرفة الراوي الأعلى للحديث، وقد يكون الراوي أيضًا من المكثرين من الخبر، وهذا يُلزمك قراءة كل مروياته، وذلك أمرٌ صعب.
أيضًا: يؤخذ على المصنف حذفه الأسانيد، مع أن أهل العلم لمَّا أَلَّفوا في هذه الطريقة حَرَصوا على أن يكون الإسناد بتمامه، وذلك لأن فكرة الأطراف قائمة على الأسانيد، فالمحقق يستفيد أيما إفادة من جمع الأسانيد المتناثرة في مكان واحد.
كما أن المصنف لم يتحرَّ لفظ الرواية؛ مما يجعل الأمر عسيرًا شيئًا ما على الباحث، إلا أن الكتاب في جملته مبارك، ونفع الله به كثيرًا من اهل العلم.
كيف تخرج حديثًا من هذا الكتاب؟
إذا أردت تخريج حديث من هذا الكتاب، فلا بد من معرفتك اسم الراوي الأعلى لهذا الحديث، وإلا فلن تستطيع، ثم بعد ذلك تنتقل إلى المرحلة الثانية وهي: هل هذا الراوي من الصحابة أم لا؟ فإن كان من الصحابة بحثت في الستة أبواب الأُول، وإن كان الراوي من غير الصحابة فلا بد من معرفة هل هو من الرجال أم من النساء، فإن كان من الرجال بحثت هل الذي لديك اسمه أم كنيته أم كان الاسم لديك مبهمًا؟ ثم تذهب إليه في بابه وهكذا … فإذا وجدت اسم الراوي فابحث عن حديثك، وستجده بإذن الله
стр. 52
تعالى، ثم إذا عثرت على الحديث فما عليك إلا أن تنظر إلى الرموز المشار غليها، وتخرج الحديث من مصادره الأصلية.
مثال توضيحي لما سبق
حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «كَانَ النبي ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى».
• كيف نخرج هذا الحديث من كتاب «الذخائر»؟
أولًا: ننظر في اسم الراوي الأعلى هل هو من الصحابة أم لا؟ الجواب: هو من الصحابة؛ إذًا السؤال: هل هو لدينا اسم أم كنية أم مبهم؟ الجواب: هو اسم، إذًا علينا أن نبحث في الأسماء عن أُبي، وبالفعل وجدنا أحاديث أُبي تقع في الجزء الأول (ص ٧)، وتنتهي في (ص ١١)، وهذا يسير جدًّا، فمن السهل أن نبحث في أحاديثه.
وبعد البحث في احاديث أُبي وجدنا الشيخ قد ذكره، وإليك نصه:
٣٨ (حديث): «كان النبي ﷺ يوتر بسبح اسم ربك الأعلى». (د) في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة، وعن محمد بن يحيى بن فارس (س) فيه عن علي بن ميمون الرقي، وعن إسحاق بن إبراهيم، وعن يحيى بن موسى وعنه أيضًا وعن محمد بن الحسين بن إبراهيم (هـ) فيه عن عثمان بن أبي شيبة، وعن علي بن ميمون الرقي.
• بيان هذا المثال:
(د) في الصلاة: أي ان الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة «عن
стр. 53
عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى بن فارس» هذا ذكر لأسماء مشايخ أبي داود في هذا الحديث.
(س): أي أن الحديث مخرج عند الإمام النسائي في «سننه» فيه «عن علي بن ميمون الرقي .... » وهذا ذكر لأسماء مشايخ لنسائي.
(هـ): أي أن الإمام ابن ماجه أخرجه في «سننه».
стр. 54
كتب المعاجم (١)
كتب المعاجم: المعاجم جمع معجم، وهو الذي تُذكر فيه الاحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء.
بعض المؤلفات في المعاجم:
١ - «المعجم الكبير» للطبراني.
٢ - «المعجم الأوسط» للطبراني.
٣ - «المعجم الصغير» للطبراني.
٤ - «معجم الصحابة» لأحمد بن علي الهمداني.
٥ - «معجم الصحابة» لأبي الحسين بن قانع.
٦ - «معجم الصحابة» لأبي منصور الباوردي.
٧ - «معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي.
٨ - «معجم الصحابة» لأبي القاسم ابن عساكر.
٩ - «معجم النسوان» لأبي القاسم ابن عساكر.
стр. 55
١٠ - «معجم البلدان» لأبي القاسم ابن عساكر.
١١ - «معجم الشيوخ» لأبي بكر الإسماعيلي.
١٢ - «معجم الشيوخ» لأبي نعيم الأصبهاني.
١٣ - «معجم الشيوخ» لأبي عبد الله الحاكم.
١٤ - «معجم مشيخة أصبهان» لابي طاهر احمد بن محمد السلفي.
هذه بعض المعاجم، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب الفهارس، كـ «الرسالة المستطرفة»، وغيرها من الكتب، ثم إنني سأتحدث بالتفصيل عن «المعجم الكبير» للطبراني، مع الإشارة إلى معاجم الطبراني الثلاثة.
стр. 56
معاجم الطبراني الثلاثة (١)
المؤلف:
الشيخ الهمام، محدث دهره، وحافظ عصره، أبو القاسم سليمان بن أحمد ابن أيوب بن مطير اللخمي، الطبراني.
«اللخمي» نسبة إلى لخم، ولخم قبيلة من العرب قَدِموا من اليمن إلى بيت المقدس، ونزلوا بالمكان الذي وُلد فيه عيسى ﵇، وبينه وبين بيت المقدس فرسخان، والعامة تسميه بيت لحم، بالحاء المهملة، والصواب بيت لخم بالخاء المعجمة.
و «الطبراني» نسبة إلى طبرية بالشام.
المولد:
ولد في طبرية بالشام في صفر سنة (٢٦٠ هـ).
النشأة:
بدأ في سماع الحديث سنة (٢٧٣ هـ) أي: بعد ثلاث عشرة سنة، ورحل في طلب الحديث إلى الشام، والعراق، والحجاز، واليمن، ومصر، وبلاد الجزيرة العربية، وسمع الكثير، وهو أحد الحفاظ المكثرين الرحالين، سمع الكثير، وصَنَّف
стр. 57
المصنفات الحسان، منها «المعجم الكبير» في اسامي الصحابة، و «المعجم الاوسط» في غرائب شيوخه، و «المعجم الصغير» في اسامي شيوخه، وكتاب «الدعاء»، و «عِشرة النساء»، و «حديث الشاميين»، و «المناسك»، و «الاوائل»، و «السنة»، و «النوادر»، و «مسند أبي هريرة»، و «التفسير»، و «دلائل النبوة»، وغير ذلك.
الوفاة:
تُوفي في شهر ذي القعدة سنة (٣٦٠ هـ) عن مئة عام، وعشرة أشهر.
معاجم الطبراني الثلاثة (١):
أَلَّف الطبراني ثلاثة معاجم: الكبير، والأوسط، والصغير، لكن منهجه في الكبير يختلف عن منهجه في الأوسط عن منهجه في الصغير، وعلة ذلك أنه رتب الكبير حَسَب الراوي الأعلى وهو الصحابي، أما بالنسبة للأوسط والصغير، فلقد رتبهما حسب الراوي الأدنى، الذي هو شيخه مباشرةً.
والفارق بين المعجم الصغير والأوسط، أن الطبراني في الأوسط روى عن طريق كل شيخ عددًا كبيرًا من الاحاديث، قد تصل إلى خمسين حديثًا، وقد نقل بحسب كثرة الرواية عن الشيخ أو قِلتها، وغرضه من ذلك بيان الغرائب والفرائد التي تقع من بعض الرواة عن بعض، فلا يكاد يورد حديثًا إلا ويقول فيه: «تفرد به فلان» أو: «لم يروه عن فلان إلا فلان».
أما الصغير فإن الطبراني ل م يخرج فيه عن كل شيخ إلا حديثًا أو حديثين؛ وذلك لأن العلة من الصغير هي معرفة أسماء مشايخه.
стр. 58
سؤال: فَرق بين معاجم الطبراني الثلاثة؟
الجواب: الغرض من الكبير ذِكْر مرويات كل صحابي على حدة.
الغرض من الأوسط بيان فرائد وغرائب مشايخه.
الغرض من الصغير سرد أسماء مشايخه، وذِكْر بعض حديثه عنهم.
لعل مما سبق يتبين لك أن الكتاب الذي يختص بطريقتنا هذه «التخريج حسب الراوي الأعلى» هو «المعجم الكبير»؛ لذلك سأتحدث عنه بالتفصيل.
стр. 59
المعجم الكبير للطبراني (١)
موضوع الكتاب:
هذا الكتاب مرتب حسب الراوي الأعلى للحديث، ولعلَّ سائلًا يسأل: كتب المسانيد مرتبة أيضًا حسب الراوي الأعلى للحديث، فما الفارق إذًا بين كتب «المعاجم»، وكتب «المسانيد»؟
والإجابة عن هذا السؤال تتمثل في بيان الفارق بينهما من خلال هذا الكتاب الذي معنا، فهذا الكتاب معجم صحابة في الأصل؛ إذ إن الطبراني يترجم للصحابة، ويُعرف بهم وَفْق منهج معين، وهذا حال باقي المعاجم على اختلاف أنواعها، ويشهد لهذا أن الطبراني في هذا الكتاب أفرد قسمًا لبعض الصحابة الذين ليس لهم رواية عن النبي محمد ﷺ .
قال الطبراني في المقدمة:
هذا كتاب أَلَّفناه، جامع لعدد ما انتهى إلينا ممن روى عن رسول الله ﷺ من الرجال، والنساء على حروف ألف، ب، ت، ث، بدأت فيه بالعَشَرة ﵃؛ لئلا يتقدمهم أحدٌ غيرهم، خَرَّجت عن كل واحدٍ منهم حديثًا، وحديثين وثلاثًا، وأكثر من ذلك، على حسب كثرة روايتهم وقِلتها، ومَن كان من المقلين خَرَّجت حديثه أجمع، ومن لم يكن له رواية عن رسول الله ﷺ ،
стр. 60
وكان له ذكْر من أصحابه ممن استشهد مع رسول الله ﷺ ، أو تقدم موته؛ ذكرته من كتب المغازي، وتاريخ العلماء؛ ليوقف على عدد الرواة عن رسول الله ﷺ ، وذكر أصحابه ﵃.
منهج الكتاب:
• ينقسم الكتاب إلى قسمين: قسم له رواية عن النبي محمد ﷺ ، وقسم ليست له رواية عن النبي محمد ﷺ ثم قَسَّم القسم الاول إلى قسمين: قسم خاص بالمكثرين، وقسم خاص بالمقلين.
• لا يُخرج للمكثرين إلا القليل من الاحاديث، بل أحيانًا لا يأتي لهم بأحاديث إطلاقًا؛ وعلة ذلك أنه يفرد لهم مسانيد خاصة؛ مثل أبي هريرة، فإن الطبراني لم يورد له أي حديث؛ لأنه أفرد له مصنفًا خاصًّا.
• يحاول جمع أحاديث المقلين كلها، وذلك بحسب ما تَيَسَّر له، فقد قال في مقدمته: مَنْ كان من المقلين خرجت حديثه أجمع.
الصحابة الذين ليس لهم رواية عن رسول الله ﷺ يُعرف بهم فقط.
الصحابة مرتبون على حروف المعجم.
ترتيب الكتاب
• ابتدأ الكتاب بالعَشَرة المبشرين؛ وذلك لعلو قَدْرهم.
• رتب الأسماء على حروف الهجاء مراعيًا الحرف الأول فقط.
• بعد الأسماء ذكر الصحابة المشهورين بكنيتهم.
стр. 61
• ثم رتب النسوة أيضًا على حروف المعجم، إلا أنه ابتدأ ببنات النبي ﷺ ثم زوجاته.
• ثم جاء بصواحب الكنى من النساء.
• ثم ختم هذا الترتيب بذكر الصحابيات المبهمات.
• عند بداية مسند أي صحابي تجد المصنف قد وضع تعريفًا لهذا الصحابي، وهذا التعريف يتضمن «اسمه، نسبه، أوصافه، أخلاقه، فضائله، شهوده المغازي».
• لم يضع المصنف ترتيبًا معينًا لسرد الاحاديث، فأحيانًا يرتب أحاديث الصحابة المكثرين حسب تلاميذهم، وقد صنع هذا في مسند عبد الله بن عباس، وأحيانًا يرتب أحاديث الراوي الواحد حسب الموضوعات، فأحاديث الكتاب على هذا النحو غير مرتبة.
عدد أحاديث هذا الكتاب:
يصعب حصر أحاديث هذا الكتاب، والسبب في ذلك فقدان جزء منه.
• قال الكتاني (١):
يقال: إنه أورد فيه ستين ألف حديث في اثني عشر مجلدًا، وفيه قال ابن دحية: هو أكبر معاجم الدنيا، وإذا أُطلق في كلامهم المعجم فهو المراد، وإذا أُريد غيره قُيد.
стр. 62
وعلى هذا الذي ذكره الكتاني فإنه يُعد من الموسوعات الحديثية الكبيرة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أي الكتابين أكثر حديثًا، «مسند الإمام أحمد» أم «المعجم»؟
والجواب عن هذا يتلخص في أن عدد أحاديث الإمام احمد المرفوعة - أكثر من احاديث المعجم، أما إذا أضيف إلى ذلك جملة الآثار وعدد الطرق التي جاءت عن الصحابة، وما قيل في أوصافهم، فيكون عدد احاديث المعجم أكبر.
الخدمات المقدمة لهذا الكتاب:
هذا الكتاب يعد موسوعة حديثية كبيرة؛ لذلك فغنك تجد أن أهل العلم قد اهتموا به كثيرًا، ومن جملة الاهتمامات ما يلي:
• رتبه على الأبواب الإمام علاء الدين أبو الحسن علي بن بلبان بن عبد الإله الفارسي الحنفي.
• زوائد هذا الكتاب على الكتب الستة داخلة في كتاب «مجمع الزوائد» للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي المتوفي سنة (٨٠٧ هـ).
стр. 63
كيف تخرج حديثًا من هذا الكتاب؟
إذا أردت أن تخرج حديثًا من هذا الكتاب، فعليك بدايةً أن تعرف اسم الراوي الاعلى للحديث، ثم تبحث عنه في مسنده، وما عليك إلا أن تتبع الاحاديث، وستجد حديثك بإذن الله تعالى.
أمثلة توضيحية من هذا الكتاب
• مثال (١):
نسبةُ أبي بكر الصديق، واسمه ﵁: أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرة.
١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَمْرِو بن خَالِدٍ الْحَرَّانُّي، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ اسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بن عُثْمانَ ابن عَامِرِ بن عَمْرِو بن كَعْبِ بن سَعْدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ، شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأُمُّ أَبِي بَكْرٍ ﵁: أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بنتُ صَخْرِ بن عَامِرِ بن عَمْرِو بن كَعْبِ بن سَعْدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكٍ، وَأُمُّ أُمِّ الْخَيْرِ: دِلافُ وَهِي أُمَيْمَةُ بنتُ عُبَيْدِ بن النَّاقِدِ الُخُزَاعِيِّ، وَجَدَّةُ أَبِي بَكْرٍ: أُمُّ أَبِي قُحَافَةَ أَمِينَةُ بنتُ عَبْدِ الْعُزَّى بن حُرْثَانَ بن عَوْفِ بن عُبَيْدِ بن عُوَيْجِ بن عَدِيِّ ابن كَعْبٍ.
٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَلِيٍّ الْمَدِينِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن رُشَيْدٍ، عَنِ الْهَيْثَمِ
стр. 64
ابن عَدِيٍّ، قَالَ: أُمُّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ الْخَيْرِ بنتُ صَخْرِ بن عَامِرٍ، وَهَلَكَ أَبُو بَكْرٍ فَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ جَميعًا، وَكَانَا قَدْ أَسْلَمَا، وَماتَتْ أُمُّ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَ أَبِيِه.
٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن شَبِيبٍ الْدَنِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن يَحْيَى بن هَانِي الشَّجَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ خَازِمِ بن الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ بن عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، قَالَ: أِسْلَمَتْ أُمُّ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمُّ عُثْمَانَ، وَأُمُّ طَلْحَةَ، وَأُمُّ الزُّبَيْرِ،، وَأُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، وَأُمُّ عَمَّارِ بن يَاسِرٍ ﵃، وَيُقَالُ: عَتِيقُ بن عُثْمَانَ، وَإِنَّما سُمِّيَ عَتِيقًا لِحُسْنِ وَجْهِهِ.
٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ ابن رَبِيعَة، عَنِ اللَّيْثِ بن سَعْدٍ، قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَتِيقًا لَجَمَالِ وَجْهِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بن عُثْمَانَ.
٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن مُحَمَّدِ بن صَدَقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَفْصٍ عَمْرَو بن عَلِيٍّ، يَقُولُ: كانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَتِيقًا لِعَتَاقَةِ وَجْهِهِ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ بن عُثْمَانَ، وِقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّاهُ عَتِيقًا مِنَ النَّار.
إذا نظرت في المثال السابق تجد أن المصنف بدأ مسند الصحابي بتعريفه، وذكْر نسبه وصفاته وفضائله … وهكذا، والذي أريد منك أن تنتبه إليه أنه لا يذكر أي شيء إلا بإسناد كما هو موضح، وكل سند من هذه الأسانيد يعد حديثًا.
ثم إنني أضرب لك مثالًا آخر فيه ذكر الاحاديث التي رواها أحد الصحابة عن النبي محمد ﷺ :
стр. 65
• مثال (٢) جزء من حديث عبد الله بن مسعود:
٩٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَكَّارٍ الْعَيْشيُّ، (ح) وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بن يَحْيَى السَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا حُميْدُ بن مَسْعَدَةَ، قَالا: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بن نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بن قَيْسٍ الرَّحَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: «لا يَزُولُ قَدْمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَشَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ».
٩٦٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أَيُّوبَ الْعَلافُ، وَعَمْرُو بن أَبِي الطَّاهِرِ بن سَرْحٍ الْمِصْرِيَّانِ، قَالا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبِي مَرْيَمَ، أنا مُوسَى بن يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ عَامِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ إِسْلامِهِمْ وَبَيْنَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يُعاتِبُهُمُ اللَّهُ إِلا أَرْبَعُ سِنِينَ: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
стр. 66
كتب المسانيد (١)
المسانيد هي الكتب التي تذكر أحاديث كل صحابي على حدة مع مراعاة ترتيب أسماء الصحابة، إما على حروف المعجم، وإما حسب السبق للإسلام، وإما حسب البلدان، وإما حسب الأفضلية.
• قال الكتاني (٢):
المسانيد جمع مسند، وهي الكتب التي موضوعها جَعْل حديث كل صحابي على حدة صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا، مرتبين على حروف الهجاء في أسماء الصحابة كما فعله غير واحد، وهو أسهل تناولًا، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية أو غير ذلك، وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كـ «مسند أبي بكر» أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة أو العشرة أو طائفة مخصوصة جمعها وصف واحد كـ «مسند المُقلين»، و «مسند الصحابة الذين نزلوا مصر» إلى غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جدًّا منها «مسند أحمد»، وهو أعلاها، وهو المراد عند الإطلاق، وإذا أريد غيره قُيد .... ومنها «مسند البخاري الكبير»، و «المسند الكبير على الرجال» لمسلم بن الحجاج.
وقد يطلق المسند عندهم على كتاب مرتب على الأبواب أو الحروف
стр. 67
والكلمات لا على الصحابة؛ لكون أحاديثه مسندة ومرفوعة أو أُسندت ورُفعت إلى النبي ﷺ كـ «صحيح البخاري» فغنه يسمى بـ «المسند الصحيح»، وكذا «صحيح مسلم»، وكـ «سنن الدرامي» فإنها تسمى «مسند الدرامي» على ما فيها من الاحاديث المرسلة، والمنقطعة، والمعضلة، على أن له مسندًا عن الصحابة.
وكـ «مسند أبي عبد الرحمن بَقِيّ - بوزن عَلِيّ - بن مَخْلد الأندلسي القرطبي» الحافظ، شيخ الإسلام، صاحب «التفسير» أيضًا وغيره، المتوفى سنة ست وسبعين ومئتين.
قال ابن حزم: روى فيه عن ألف وثلاث مئة صحابي ونيف، ورتبه على أبواب الفقه، مسند ومصنف ليس لأحد مثله. أهـ.
كـ «مسند أبي العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران السراج» بشدِّ الراء، نسبة إلى عمل السروج، الثقفي، مولاهم النيسابوري، محدث خراسان ومُسْنِدها، الحافظ الثقة الصالح، المتوفى سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، فإنه مرتب على الأبواب، ولم يوجد منه إلا الطهارة وما معها في أربعة عشر جزءًا، وكـ «مسند كتاب الفردوس» لأبي منصور شهر دار بن شيرويه الديلمي الهمداني، المتوفي سنة ثمانٍ وخمسين وخمس مئة، يتصل نسبه بالضحاك بن فيروز الديلمي الصحابي.
وكتاب «الفردوس» لوالده المحدث المؤرخ سيد حفاظ زمانه أبي شجاع شيرويه بن شهردار شيرويه الديلمي الهمداني مؤرخ همدان، المتوفى سنة سنة تسع وخمس مئة، أورد فيه عشرة آلاف حديث من الاحاديث القصار مرتبة على نحو من عشرين حرفًا من حروف المعجم.
стр. 68
• مَنْ أول من صَنَّف مسندًا؟
قال الكتاني (١): وقد قال الدارقطني: أول من صَنَّف مسندًا «مسدد بن مسرهد» وتبعه نعيم بن حماد، قال الخطيب: وقد صَنَّف «أسد بن موسى»، وهو أكبر منه سنًّا وأقدم سماعًا [يقصد أبا نعيم]. وقال الحاكم: أول من صَنَّف المسند على تراجم الرجال في الإسلام «عبيد الله بن موسى العبسي»، و «أبو داود الطيالسي».
وقال ابن عدي: يقال: إن «يحيى بن عبد الحميد الحماني» أول من صَنَّف المسند بالكوفة، وأول مَنْ صَنَّف المسند بالبصرة «مسدد»، وأول مَنْ صَنَّف المسند بمصر «أسد بن موسى»، وهو قبلهما وأقدم موتًا.
стр. 69
بعض المؤلفات في المسانيد (١)
١ - «مسند» أبي داود الطيالسي.
٢ - «مسند» أسد بن موسى.
٣ - «مسند» محمد بن يوسف بن واقد.
٤ - «مسند» الحُميدي.
٥ - «مسند» نُعيم بن حماد.
٦ - «مسند» يحيى بن عبد الحميد الحماني.
٧ - «مسند» مسدد بن مسرهد.
٨ - «مسند» عبد الله بن محمد المسندي.
٩ - «مسند» زهير بن حرب.
١٠ - «مسند» إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم «ابن راهويه».
هذا غَيْض من فَيْض، وإلا فالمسانيد كثيرة، وقد اخترت «مسند الإمام أحمد بن حنبل» لأتحدث عنه بالتفصيل.
стр. 70
مسند الإمام أحمد (١)
المؤلف:
الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان الشيباني، المروزي، البغدادي.
المولد:
قَدِمت أمه بغداد وهي حامل، فولدته في ربيع الأول (١٦٤ هـ).
النشأة:
تُوفي والده وهو ابن ثلاث سنين، ثم نشأ ببغداد، وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، وتوفي ببغداد لثلاث عشرة ليلة بقين من ربيع الأول، وقيل: من ربيع الآخر.
مؤلفاته:
«المسند» الذي هو محل حديثنا، و «الناسخ والمنسوخ»، و «الزهد»، و «السنة»،
стр. 71
و «طاعة الرسول»، و «العلل»، «الأشربة»، و «التفسير»، و «فضائل الصحابة»، و «حديث شعبة»، و «الرد على الجهمية»، وغيرها.
الوفاة: توفي ﵀ يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (٢٤١ هـ).
موضوع الكتاب (١):
انتقى الإمام أحمد المسند من جملة ما يزيد عن سبع مئة ألف حديث وخمسين ألفًا، وبغيته في هذا الكتاب جَمْع كل ما يحتاجه المسلم من امور دينه؛ لذلك أُثر عنه أنه قال: «عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سُنة عن رسول الله ﷺ رجعوا إليه».
ترتيب الكتاب (٢)
وهو كتاب جليل من جملة أصول الإسلام، وقد وقع له فيه ما يزيد على ثلاث مئة حديث ثلاثية الإسناد، وذُكر أن أحمد بن حنبل شرط فيه ألا يورد إلا حديثًا صحيحًا عنده.
الكتاب مرتب على مسانيد الصحابة وذلك على النحو التالي:
١ - ابتدأ الكتاب بذكر العشرة المبشرين بالجنة، على هذا المنهج «بدأ في الجزء
стр. 72
الأول بأبي بكر الصديق، ثم بالفاروق عمر بن الخطاب، ثم بعثمان بن عفان، ثم بعلي بن أبي طالب، ثم بطلحة بن عبيد الله، ثم بالزبير بن العوام، ثم بسعد ابن أبي وقاص، ثم بسعيد بن زيدن ثم بعبد الرحمن بن عوف، ثم يأبي عبيدة بن الجراح».
٢ - جاء بعد ذلك بمسند عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعندما انتهى من مسند عبد الرحمن جاء بمسند ثلاثة من الصحابة، وهم زيد بن خارجة، الحارث بن خزمة، سعد مولى أبي بكر الصديق، ولا يدرى ما السبب الذي دفع المصنف إلى الإتيان بهم بعد العشرة!! جاء بعد ذلك بمسند أهل البيت، فذكر أحاديث الحسن بن علي، والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وأخيه جعفر، وابنه عبد الله بن جعفر.
٣ - جاء بعد ذلك بمسند بني هاشم، وهذا المسند يتضمن مسند العباس بن عبد المطلب، ومسند عبد الله بن عباس، ومسند الفضل بن العباس … وهكذا.
٤ - جاء بعد ذلك ببعض مشاهير الصحابة.
٥ - راعى بعد ذلك البلدان، فجاء بمسند المكيين، ثم المدنيين، ثم الكوفيين، ثم البصريين، ثم المصريين، ثم الشاميين، ثم الأنصار.
٦ - أنهى مسنده بمسند النساء، وابتدأ بمسند عائشة، ثم فاطمة، ثم حفصة، ثم حديث بعض زوجات النبي ﷺ ، ثم أم سلمة، ثم زينب، ثم جويرية، ثم أم حبيبة … وهكذا إلا أنه أتى بمسانيد بعض الصحابة، وأدخلها في مسند النساء؛ كحديث ميمون بن أمية، وأُبي بن بكر الثقفي، واختتم المسند بحديث شداد بن الهاد.
стр. 73
• من خلال ما سبق يتبين لك أنه ليس للإمام أحمد ترتيب مقصود، سواء من حيث ترتيب أسماء الصحابة على حروف المعجم، أو ترتيب الطرق عنهم.
الأحاديث في المسند متفرقة وغير مرتبة، فلم يرتب الاحاديث حسب حروف المعجم، ولا حسب الموضوعات، ولا حتى حسب الأصحية.
• يلاحظ أن الإمام أحمد راعى في كتابة القبائل، والنوع، والجنس.
• هناك أمر آخر سلبي، وهو أنك تجد بعض أحاديث الصحابي مفرقة في أحاديث صحابي آخر.
الخدمات المقدمة للمسند (١):
هذا الكتاب يعد أكبر موسوعة حديثية؛ لذلك تجد أهلَ العلم قد قَدَّموا له خدمات كثيرة، شأنه في ذلك شأن المصنفات والأعمال العظيمة، فالعلماء في خدمته قديمًا وحديثًا؛ فمنهم من فسر غريبه، ومنهم من أعاد ترتيب حديثه على الأبواب، ومنهم من شرحه، ومنهم من خرج أحاديثه، وإليك بعض هذه الخدمات:
- «فهرس الصحابة الذين لهم روايات في مسند أحمد» لابن عساكر.
- «جامع المسانيد» لابن كثير.
- «مجمع الزوائد» للهيثمي.
- «الفتح الرباني» للساعاتي.
стр. 74
• «فهرس المسند» لبسيوني زغلول.
• «مرشد المحتار لما في المسند من الأحاديث والآثار» للشيخ حمدي السلفي.
عدد أحاديث هذا الكتاب (١):
يصعب حصر أحاديث هذا الكتاب، والسبب في ذلك فقدان جزء منه، فبمطالعة فهرس ابن عساكر يتضح أن عدد الصحابة الذين في المسند أكثر من عدد الصحابة الذين وُجدوا في الطبعات الموجودة الآن، إلا أن عدد أحاديث المسند الموجودة الآن بدون المكرر - حوالي ثلاثون ألف حديث، وبالمكرر حوالي أربعون ألف حديث.
الأحاديث التي يحويها المسند (٢):
أحاديث المسند عبارة عن أصل، وزوائد، وإليك التفصيل:
أصل المسند: الاحاديث التي هي من رواية الإمام أحمد نفسه، وهذه الأحاديث تمثل القدر الأكبر من المسند، أو بمعنى أصح هذا القدر هو المسند.
الزوائد: الأحاديث التي ليست من رواية الإمام أحمد، ولكن من رواية غيره.
وهذه الزوائد على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الأحاديث التي زادها عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه.
النوع الثاني: الاحاديث التي هي من زيادة الراوي عن عبد الله ابن الإمام
стр. 75
أحمد وهو: أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي.
النوع الثالث: أحاديث من رواية عبد الله عن الإمام أحمد، ولكن ليست من أصل المسند، إنما أخذها عبد الله عن أبيه من غير رواية المسند، فوضعها في المسند اجتهادًا، أو كانت من أصل المسند، ولكن الإمام أحمد أمر بشطبها وإبعادها عن المسند، فاجتهد ولده فأبقاها.
سؤال: اذكر دليلًا على ما ذكر في النوع الثالث.
الجواب: أدلل على ذلك بأن هناك أحاديث يعقب عليها عبد الله ابن الإمام أحمد بقوله: «وجدت في كتاب أبي بخط يده».
وإليك الأمثلة:
١٧١٨١ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ - أَوْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَالَ - يَعْنِي - ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ عَلَى فَرْجِهِ.
١٩٥٩٩ - قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: وَجَدْتُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فيِ كِتَابِ أَبِي بِخَطِّ يَدِهِ، حَدَّثَنَا هَوْذَةُ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ». قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
أما الاحاديث التي كانت من أصل المسند، ولكن الإمام أحمد أمر بشطبها وإبعادها عن المسند، فاجتهد ولده فأبقاها، فإليك الامثلة عليها: