Полный текст (291 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لَا لِسُوءٍ مِنَ الْبَلَاءِ وَلَكِنْ ... ظَهَرَتْ نِعْمَةٌ عَلَيَّ فَهَاعُوا
فَهُمْ يَهْمِزُونَ مِنِّي قَنَاةً ... لَيْسَ يَأْلُونَ صَدْعَهَا مَا اسْتَطَاعُوا
مَا كَذَا يَفْعَلُ الْكِرَامُ وَلَكِنْ ... هَكَذَا يَفْعَلُ اللِّئَامُ الْوِضَاعُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ:
[البحر الوافر]
وَأَبْعَدَنِي عَنِ الْإِخْوَانِ عِلْمِي ... بِهِمْ فَبَقِيتُ مَهْجُورَ النَّوَاحِي
فَكَمْ ذَمٍّ لَهُمْ فِي جَنْبِ مَدْحٍ ... وَجَدٍّ تَحْتَ أَثْنَاءِ الْمُزَاحِ
أَنْشَدُونَا لِابْنِ لَنْكَكٍ:
[البحر الوافر]
مَضَى الْأَحْرَارُ وَانْقَرَضُوا جَمِيعًا ... وَخَلَّفَنِي الزَّمَانُ عَلَى عُلُوجِ
وَقَالُوا قَدْ لَزِمْتَ الْبَيْتَ جِدًّا ... فَقُلْتُ لِفَقْدِ فَائِدَةِ الْخُرُوجِ
стр. 177
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى، يُنْشِدُ:
حَالَ عَمَّا عَهِدْتُ رَيْبُ الزَّمَانِ ... وَاسْتَحَالَتْ مَوَدَّةُ الْخِلَّانِ
وَاسْتَوَى النَّاسُ فِي الْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ ... فَكُلٌّ لِسَانُهُ اثْنَانِ
قُلْ لِمَنْ يَبْتَغِي السَّلَامَةَ وَالصِّحَّةَ ... عِشْ وَاحِدًا بِلَا إِخْوَانِ
فَلَعَمْرِي لَئِنْ بَلَوْتَ أَصَحَّ النَّا ... سِ وُدًّا وَجَدْتَ ذَا أَلْوَانِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: أَنْشَدَنِي أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ:
[البحر الوافر]
أَلَا ذَهَبَ التَّذَمُّمُ وَالْوَفَاءُ ... وَبَادَ رِجَالُهُ وَبَقَى الْغُثَاءُ
وَأَسْلَمَنِي الزَّمَانُ إِلَى أُنَاسٍ ... كَأَنَّهُمُ الذِّئَابُ لَهُمْ عُوَاءُ
إِذَا مَا جِئْتَهُمْ يَتَدَافَعُونِي ... كَأَنِّي أَجْرَبٌ أَعْدَاهُ دَاءُ
صَدِيقٌ لِي إِذَا اسْتَغْنَيْتُ عَنْهُمْ ... وَأَعْدَاءٌ إِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ
أَقُولُ وَلَا أُلَامُ عَلَى مَقَالِي ... عَلَى الْأِخْوَانِ كُلُّهُمُ الْعَفَاءُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا قَوْلٌ بَشِعٌ وَكَلَامٌ جَافٍ وَالْأُخُوَّةُ مَصُونَةٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَحَاشَا لِلْإِخَاءِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْعَفَاءُ. وَإِنَّمَا غَلَطَ الْقَوْمُ
стр. 178
بِالِاسْمِ فَنَحَلُوهُ غَيْرَ أَهْلِهِ وَبَذَلُوهُ غَيْرَ مُسْتَحِقِّهِ. فَسَمُّوا الْمَعَارِفَ إِخْوَانًا ثُمَّ أَنْشَأُوا يَذُمُّونَ الْأُخُوَّةَ وَيَعِيبُونَ الصَّدَاقَةَ مِنْ أَجْلِهِمْ وَهَذَا جَوْرٌ وَعُدْوَانٌ وَشَبِيهٌ بِهِ مَا أَنْشَدَنِي ابْنُ الْفَارِسِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمً الْجُمَحِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ:
لَا يُضِيعُ الْأَمِينُ سِرًّا وَلَكِنْ ... رُبَّمَا يُحْسَبُ الْمُضِيعُ أَمِينَا
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي آخَرُ فِي مَعْنَاهُ:
[البحر الوافر]
إِذَا مَا كُنْتَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ... فَلَا تَأْمَنْ خَلِيلَكَ أَنْ يَخُونَا
فَإِنَّكَ لَمْ يَخُنْكَ أَخٌ أَمِينٌ ... وَلَكِنْ قَلَّ مَنْ تَلْقَى أَمِينَا
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَكَيْفَ يَكُونُ لَكَ صَدِيقًا مَنْ لَا يَصْدُقُكَ لِسَانُهُ عَنْ قَلْبِهِ وَلَا عِيَانُهُ عَنْ غَيْبِهِ، إِذَا رَآكَ قَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَهُوَ يَتَمَنَّى فَنَاءَ عُمُرِكَ وَقَصْرَ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَأَكْرَمَكَ اللَّهُ وَهُوَ يُرِيدُ هَوَانَكَ وَهَلَاكَكَ، وَسَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَهُوَ يَتَمَنَّى أَنْ يُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَلَا يَصُونَكَ. وَهَلْ يَكُونُ مَنْ هَذِا صِفَتُهُ أَخًا أَوْ صَدِيقًا؟ لَا وَحَقِّكَ إِنَّهُ أَعْدَى الْأَعْدَاءِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَسَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْعَتَبِيَّ، يُنْشِدُ لِعَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ:
[البحر الوافر]
تَوَقَّ النَّاسَ يَا ابْنَ أَبِي وَأُمِّي ... فَهُمْ نَبْعُ الْمَخَافَةِ وَالرَّجَاءِ
أَلَمْ تَرَ مُظْهِرِينَ عَلَيَّ عُتْبًا ... وَكَانُوا أَمْسِ إِخْوَانَ الصَّفَاءِ
بُلِيتُ بِنَكْبَةٍ فَغَدَوْا وَرَاحُوا ... عَلَيَّ أَشَدَّ أَسْبَابِ الْقَضَاءِ
أَبَتْ أَقْدَارُهُمْ أَنْ يَنْصُرُونِي ... بِمَالٍ أَوْ بِجَاهٍ أَوْ بِرَائِي
وَخَافُوا أَنْ يُقَالَ لَهُمْ عَذَلْتُمْ ... صَدِيقًا فَادَّعُوا قِدَمَ الْجَفَاءِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِابْنِ الرُّومِيِّ:
[البحر المتقارب]
رَأَيْتُ الْأَخِلَّاءَ فِي دَهْرِنَا ... بِظَهْرِ الْمَوَدَّةِ إِلَّا قَلِيلَا
بُطَاءٌ عَنِ الْمُبْتَغَى نَصْرُهُمْ ... إِلَى أَنْ يُغَادِرَ شِلْوًا أَكِيلَا
стр. 179
وَإِنْ حَشَدُوا لِامْرِئٍ مَرَّةً ... أَدَلُّوا عَلَيْهِ دِلَالًا ثَقِيلَا
وَلَا تَفْزَعَنَّ إِلَى نَصْرِهِمْ ... وَعِشْ عَيْشَ حُرٍّ عَزِيزًا ذَلِيلَا
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَلَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا:
لَسَاءَ اتِّقَاؤُكَ إِمَّا اتَّقَيْتَ أَنْ تُسْتَضَامَ بِأَنْ تُسْتَرَقَّا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ وَهُوَ يَمُوتُ: مَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: أَشْتَهِي أَنْ يَكُونَ زَلْزَلُ عَنْ يَمِينِي وَمُخَارِقٌ عَنْ يَسَارِي فِي حِجْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُودٌ. يَدْخُلَا مِنْ وَتَرٍ وَاحِدٍ وَيُغَنِّيَانِي بِهَذَا الْبَيْتِ:
[البحر الطويل]
سَيُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِي وَتُنْسَى مَوَدَّتِي ... وَيَحْدُثُ بَعْدِي لِلْخَلِيلِ خَلِيلُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ:
[البحر الرمل]
دَهْرُنَا دَهْرُ افْتِرَاقِ ... لَيْسَ ذَا دَهْرَ تَلَاقِ
قَلَّ مَنْ يَلْقَاكَ إِلَّا ... بِسَلَامٍ وَاعْتِنَاقِ
فَإِذَا وَلَّيْتَ عَنْهُ ... بِنْتَ مِنْهُ بِطَلَاقِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي شُكْرٌ قَالَ: أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّيْمِيُّ:
[البحر الطويل]
وَلَيْسَ أَخِي مَنْ وَدَّنِي بِلِسَانِهِ ... وَلَكِنَّ أَخِي مَنْ وَدَّنِي فِي النَّوَائِبِ
وَمَنْ مَالُهُ مَالِي إِذَا كُنْتُ مُعْدَمًا ... وَمَالِي لَهُ إِنْ عَضَّ دَهْرٌ بِغَارِبِ
فَلَا تَحْمَدَنَّ عِنْدَ الرَّخَاءِ مُؤَاخِيًا ... فَقَدْ يُنْكِرُ الْأَخَوَانُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ
стр. 180
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْخَلَدِيُّ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الطُّوسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النِّبَاجِيُّ:
[البحر الرجز]
ارْفُضِ النَّاسَ فَكُلٌّ مَشْغَلَهْ
⦗٦٧⦘
قَدْ بَخِلَ النَّاسُ بِمِثْلِ الْخَرْدَلَةْ
لَا تَسْأَلِ النَّاسَ وَسَلْ مَنْ أَنْتَ لَهْ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي الْخُزَيْمِيُّ:
[البحر الكامل]
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ ... وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
стр. 181
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الدَّرَافِسِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَضَاءٌ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: «يَلُومُنَا النَّاسُ أَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْهُمْ وَيُوشِكُ أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُمْ فَنَهُونَ عَلَيْهِمْ وَيُوشِكُ أَنْ نَسْأَلَهُمْ فَلَا يُعْطُونَنَا» قال وَرُوِّينَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ لَا يُعْطُونَكَ بِقَدْرِ مَا يُغْنُونَكَ إِنَّمَا يُعْطُونَكَ بِقَدْرِ مَا يَفْضَحُونَكَ هَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَقُولُ لَهُ: «إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ» لِأَنَّ عِزَّةَ الْإِسْلَامِ تَأْبَى الذِّلَّةَ وَالْخُضُوعَ لِغَيْرِ الْخَالِقِ الَّذِي لَهُ الْمِنَّةُ فَإِنَّ سُؤَالَ شَخْصٍ مِثْلِكَ يَسُوقُكَ إِلَى الْخُمُولِ وَاعْتِبَارِ الْمَسْئُولِ إِمَّا أَعْلَى مِنَ الْبَشَرِيَّةِ وَهَذَا يُخَالِفُ التَّوْحِيدَ الصِّرْفَ وَإِمَّا أَنَّهُ فِي مَرْتَبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فَيَكُونُ السَّائِلُ أَحَطَّ قَدْرًا مِنَ الْإِنْسَانِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُ بَشَرًا سَوِيًّا
стр. 182
بَابٌ فِي فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ
стр. 183
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُسْتَوْرِدٍ الْفِهْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَتَبْقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعِيرِ لَا يُبَالِي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ حُثَالَةُ الشَّعِيرِ رَذَالَتُهُ وَمَا لَا خَيْرَ فِيهِ مِنْهُ، يَقُولُ: كَمَا لَا يُؤْكَلُ مَا يَبْقَى مِنْ حُثَالَةِ الشَّعِيرِ، كَذَلِكَ لَا يَصْحَبُ مَنْ يَبْقَى مِنَ النَّاسِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ
стр. 184
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " ذَهَبَ النَّاسُ وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ. فَقِيلَ لَهُ: مَا النَّسْنَاسُ؟ قَالَ: يُشْبِهُونَ النَّاسَ وَلَيْسُوا بِنَاسٍ "
стр. 185
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْزمُقْرِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «النَّاسُ بِزَمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ»
стр. 186
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: " قَرَأْتُ كِتَابَ دَانْيَالَ فَإِذَا فِيهِ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَرَى حَكِيمٌ فِيهِ قُرَّةَ عَيْنٍ "
стр. 187
قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «مَا بَكَيْتُ مِنْ زَمَانٍ إِلَّا بَكَيْتُ عَلَيْهِ»
стр. 188
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ الْوَلَدُ فِيِه غَيْظًا وَيَكُونُ الْمَطَرُ قَيْظًا وَيَفِيضُ فِيهِ اللِّئَامُ فَيْضًا، وَيَغِيضُ الْكِرَامُ فِيهِ غَيْضًا»
стр. 189
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُخَوَّلٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ: «مَا أُبَالِي بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً لَوْ دَهْدَهْتُ حَجَرًا مِنْ فَوْقِ مَسْجِدِكُمْ فَقَتَلْتُ مِنْكُمْ عَشَرَةً»
стр. 190
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ جَدِّي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ هَمَّامَ بْنَ سَلَمَةَ، يَقُولُ: قَالَ جَعْفَرُ ⦗٦٩⦘ بْنُ مُحَمَّدٍ: «إِذَا كَانَتِ السَّنَةُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَخَيْرُ أَوْلَادِكُمُ الْبَنَاتُ وَخَيْرُ نِسَائِكُمُ الْعُقَّرُ»
стр. 191
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْةَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْجُنَيْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الْأَعْمَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَافِيَةُ الْقَاضِي، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: قَالَ: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُقَالُ لَهُ زَمَانُ الذِّئَابِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَلْبًا أَكَلُوهُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ قُتَيْبَةُ: هُوَ هَذَا الزَّمَانُ
стр. 192
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
[البحر الكامل]
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي جِلْدٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ
يَتَحَدَّثُونَ مَخَانَةً وَمَلَاذَةً ... وَيُعَابُ قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ"
стр. 193
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «وَيْحَ لَبِيدٍ لَوْ أَدْرَكَ هَذَا الزَّمَانَ» . قَالَ عُرْوَةُ: وَكَيْفَ لَوْ عَاشَتْ عَائِشَةُ ﵂ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ؟ قَالَ هِشَامٌ: فَكَيْفَ لَوْ بَقِيَ عُرْوَةُ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ؟ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: فَكَيْفَ لَوْ بَقِيَ هِشَامٌ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ؟ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَحْوَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ: وَقَالَ ابْنُ فِرَاسٍ مِثْلَهُ
стр. 194
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدَوَيْةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَشْكِ بْنِ مَحْرِنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، أَوْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂ وَسَرَدَ الْحِكَايَةَ إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ هَذَا الزَّمَانَ؟»
стр. 195
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَشَكٍ قُلْنَا لِسَلَمَةَ لَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَيْهِ: " مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ مِثْلِي أَنَا أَقُولُ التُّرَابُ عَلَى رَأْسِي»
стр. 196
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ اللَّخْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ فِي شَيْءٍ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَحَدٌ يَشْفِيكَ مِنْ هَذَا احْتِيجَ إِلَيَّ احْتِيجَ إِلَيَّ. إِنَّ دَهْرًا صِرْتُ فِيهِ فَقِيهَ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَدَهْرُ سُوءٍ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَعْنَى التَّوَاضُعِ وَسَبِيلِ الِاهْتِضَامِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ عَيْبٍ لِلزَّمَانِ وَإِزْرَاءٍ بِهِ وَتَفْضِيلٍ لِمَا سَلَفَ مِنْهُ عَلَى مَا غَبَرَ وَتَأَخَّرَ مِنْ أَيَّامِهِ
стр. 197
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنِي ابْنُ سَعْدَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَنَحْنُ جُلُوسٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ فَقَالَ:
[البحر الكامل]
خَلَتِ الدِّيَارُ فَسُدْتُ غَيْرَ مُسَوَّدِ ... وَمِنَ الشَّقَاءِ تَفَرُّدِي بِالسُّؤْدَدِ"
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ فِي نَحْو مِنْ هَذَا:
[البحر الطويل]
وَإِنْ بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لِحَاجَةٍ ... إِلَى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
وَقَالَ آخَرُ فِي نَحْوِهِ:
[البحر الطويل]
وَمَا سُدْتَ فِيهِمْ إِنَّ فَضْلَكَ عَمَّهُمْ ... وَلَكِنَّ هَذَا الْخَلْطُ فِي النَّاسِ يُقْسَمُ
стр. 198
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمِهْرَانِيُّ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْعُودُ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ رَاحَةَ قَالَ: " خَرَجَ إِلَيْنَا يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ وَزِيرُ الْمَهْدِيِّ وَنَحْنُ عَلَى بَابِهِ فَقَالَ: مَا صَدْرُ هَذَا الْبَيْتِ:
[البحر الطويل]
وَمُحْتَرَسٍ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ حَارِسُ
فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلَ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنَّا جَوَابٌ. قُلْتُ: أَنَا أُخْبِرُكُ بِهِ قَالَ: الْبَرْدَخْتُ:
أَقِلِّي عَلَيَّ اللَّوْمَ يَا أُمَّ مَالِكٍ ... وَذُمِّي زَمَانًا سَادَ فِيهِ الْفَلَافِسُ
стр. 199
وَسَاعٍ مَعَ السُّلْطَانِ لَيْسَ بِنَاصِحٍ ... وَمُحْتَرَسٌ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ حَارِسُ
وَالْفَلَافِسُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَنِي نَهْشَلِ بْنِ دَارِمٍ وَكَانَ عَلَى شُرَطِ الْقَبَّاعِ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ فِيهِ الْأَشْهَبُ بْنُ بَصَلَةَ النَّهْشَلِيُّ:
[البحر الكامل]
يَا جَارُ يَا ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِنَّهُ ... يَخْلُو إِذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ وَيَشْرَبُ
جَعَلَ الْفَلَافِسَ حَاجِبِينَ لِبَابِهِ ... سُبْحَانَ مِنْ جَعَلَ الْفَلَافِسَ يَحْجُبُ"
стр. 200
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ الْأَصْبَهَانِيَّ يُنْشِدُ:
[البحر البسيط]
عَمَّا قَلِيلٍ تَرَى مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ ... أَلَّا يَكُونَ وَلَا تَأْتِي بِهِ الْحِقَبُ
قَدْ تَعْلِكُ اللُّجْمَ وُرْقُ الْإِبْلِ مُسْرَجَةً ... وَيَرْجِعُ الطِّرْفُ مَشْدُودًا بِهِ الْقَتَبُ"
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدْتُ هَذَا الْبَيْتَ:
[البحر البسيط]
هَذَا الزَّمَانُ الَّذِي كُنَّا نُحَذَّرُهُ ... فِي قَوْلِ كَعْبٍ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودِ
إِنْ دَامَ هَذَا وَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ غِيَرٌ ... لَمْ يُبْكَ مَيْتٌ وَلَمْ يُفْرَحْ بِمَوْلُودِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْمُتَنَبِّي:
[البحر البسيط]
إِنَّا لَفِي زَمَنٍ تَرْكُ الْقَبِيحِ بِهِ ... مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ إِحْسَانٌ وَإِجْمَالُ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَرَأْتُ لِمَنْصُورِ بْنِ عَمَّارٍ فِي صِفَةِ الزَّمَانِ: تَغَيَّرَ الزَّمَانُ حَتَّى كَلَّ عَنْ وَصْفِهِ اللِّسَانُ. فَأَمْسَى خَرِفًا بَعْدَ حَدَاثَتِهِ، شَرِسًا بَعْدَ لِينِهِ، يَابِسَ الضَّرْعِ بَعْدَ غَزَارَتِهِ ذَابِلَ الْفَرْعِ بَعْدَ نَضَارَتِهِ، قَاحِلَ الْعُودِ بَعْدَ رُطُوبَتِهِ، بَشِعَ الْمَذَاقِ بَعْدَ عُذُوبَتِهِ، فَلَا تَكَادُ تَرَى لَبِيبًا إِلَّا ذَا كَمَدٍ، وَلَا ظَرِيفًا وَاثِقًا بِأَحَدٍ، وَمَا أَصْبَحَ لَهُ حَلِيفًا إِلَّا جَاهِلٌ، وَلَا أَمْسَى بِهِ قَرِيرَ عَيْنٍ إِلَّا غَافِلٌ، فَمَا بَقِيَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا الِاسْمُ، وَلَا مِنِ الدِّينِ إِلَّا الرَّسْمُ، وَلَا مِنَ التَّوَاضُعِ إِلَّا الْمُخَادَعَةُ، وَلَا مِنَ الزَّهَادَةِ إِلَّا الِانْتِحَالُ، وَلَا مِنَ الْمُرُوءَةِ إِلَّا غُرُورُ اللِّسَانِ، وَلَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا حَمِيَّةُ النَّفْسِ وَالْغَضَبُ لَهَا وَتَطَلُّعُ الْكِبْرِ مِنْهَا، وَلَا مِنَ الِاسْتِعَادَةِ إِلَّا التَّعْزِيزُ وَالتَّبْجِيلُ
стр. 201
، فَالْمَغْرُورُ الْمَائِقُ الْمَذْمُومُ عِنْدَ الْخَلَائِقِ النَّادِمُ فِي الْعَوَاقِبِ الْمَحْطُوطُ عَنِ الْمَرَاتِبِ مَنِ اغْتَرَّ بِالنَّاسِ وَلَمْ يَحْسِمْ رَجَاءَهُ بِالْيَأْسِ وَلَمْ يُظْلِفْ قَلْبَهُ بِشِدَّةِ الِاحْتِرَاسِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ النَّاسِ فَقَدْ قَلَّ النَّاسُ وَبَقِيَ النَّسْنَاسُ، ذِئَابٌ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ، إِنِ اسْتَفْرَدْتَهُمْ حَرَمُوكَ، وَإِنِ اسْتَنْصَرْتَهُمْ خَذَلُوكَ وَإِنِ اسْتَنْصَحْتَهُمْ غَشُّوكَ، وَإِنْ كُنْتَ شَرِيفًا حَسَدُوكَ وَإِنْ كُنْتَ وَضِيعًا حَقَرُوكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَالِمًا ضَلَّلُوكَ وَبَدَّعُوكَ، وَإِنْ كُنْتَ جَاهِلًا عَيَّرُوكَ وَلَمْ يُرْشِدُوكَ إِنْ نَطَقْتَ قَالُوا مِكْثَارٌ مِهْذَارٌ صَفِيقٌ وَإِنْ سَكَتَّ قَالُوا غَبِيُّ بَلِيدٌ بَطِيءٌ، وَإِنْ تَعَمَّقْتَ قَالُوا مُتَكَلِّفٌ مُتَعَمِّقٌ، وَإِنْ تَغَافَلْتَ قَالُوا جَاهِلٌ أَحْمَقُ، فَمُعَاشَرَتُهُمْ دَاءٌ وَشَقَاءٌ وَمُزَايَلَتُهُمْ دَوَاءٌ وَشِفَاءٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّوَاءِ مَرَارَةٌ وَكَرَاهَةٌ، فَاخْتَرِ الدَّوَاءَ بِمَرَارَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ عَلَى الدَّاءِ بِغَائِلَتِهِ وَآفَتِهِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ
стр. 202
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ مَرَّةً وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ وَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ»
стр. 203
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ الْفَيَّاضِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَانَ يَنْزِلُ فِي بَنِي يَشْكُرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ التَّاجِيُّ قَالَ: قَالَ الْحُسَيْنُ: " اعْلَمُوا أَنَّ النَّاسَ شَجَرَةُ بَغْي وَفَرَاشُ نَارٍ وَذُبَابُ طَمَعٍ. إِنَّ الدُّنْيَا لَمَّا فُتِحَتْ عَلَى أَهْلِهَا كَلِبُوا وَاللَّهِ أَسْوَأَ الْكَلَبِ حَتَّى غَدَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسُّيُوفِ وَاسْتَحَلَّ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ بَعْضٍ فَخَانَقُوا عَلَى نُسْخَةٍ كَسَبُوهَا مِنْ كُلِّ حَرَامٍ وَأَنْفَقُوهَا فِي كُلِّ شَرٍّ وَطَبَّقُوا الْأَرْضَ ظُلْمًا. قَاتَلَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ قَاتِلُهُمُ اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا وَاتَّخَذُوا هَذَا الْمَالَ دُوَلًا. سُبْحَانَ اللَّهِ مَا لَقِيَتْ هَذِهِ
стр. 204
الْأُمَّةُ مِنْ مُنَافِقٍ قَهَرَهُمْ وَاسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ خَرَجَ عَلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ. صِنْفَانِ خَبِيثَانِ قَدْ عَمَّا كُلَّ مُؤْمِنٍ: أَعْلَاجُ عَجَمٍ وَأَعْرَابِيٌّ لَا فِقْهَ لَهُ وَلَا دِينَ، وَمُنَافِقٌ مُكَذِّبٌ وَأَمِيرٌ مُتْرَفٌ نَعَرَ بِهِمْ نَاعِرٌ فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ مَعَهُ فِرَاشَ نَارٍ وَذُبَابَ طَمَعٍ. يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِثَمَنٍ حَقِيرٍ. مَنْ مَاتَ مَاتَ إِلَى النَّارِ، وَمَنْ عَاشَ عَاشَ عِيشَةَ سُوءٍ. ظَهَرَ الْجَفَاءُ وَقَلَّ الْعُلَمَاءُ وَذَهَبَ الْحَيَاءُ، وَفَشَتِ النَّكْرَاءُ. ذَهَبَ الصَّالِحُونَ أَسْلَافًا وَبَقِيَ خُشَارَةٌ كَخُشَارَةِ الشَّعِيرِ لَا يُبَالِي اللَّهُ بِهِمْ بَالَهُ" أَنْشَدَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ أَنْشَدَنَا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي ابْنُ الْعُتْبِيِّ فِي قَصِيدٍةٍ لَهُ يَصِفُ فِيهَا قَوْسَ الْبُنْدُقِ:
[البحر الرجز]
إِنِّي تَبَدَّلْتُ بِإِخْوَانِ الصَّفَا ... قَوْمًا يَرَوْنَ النُّبْلَ تَطْوِيلَ اللِّحَى
لَا عِلْمَ دُنْيَا عِنْدَهُمْ وَلَا تُقًى ... غَدَوْا صِغَارًا ثُمَّ خَلُّوهُمْ سُدَى
بِغُرَّةِ الْجَهْلِ وَآدَابِ ... النِّسَا فَلَوْ تَرَى شَيْخَهُمْ إِذَا احْتَبَى
ثُمَّ ابْتَدَا فِي وَصْفِ شَيْءٍ أَوْ بَدَا ... مِنْ رُخْصِ سِعْرٍ وَمِنْ إِفْرَاطٍ غَلَا
وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِلَا وَلَا ... حَسِبْتَهُمْ ضَأْنًا تَدَاعَتْ بِثَغَا
أَوْ سِرْبَ بَطٍّ جَاوَبَتْ سِرْبَ قَطَا ... فَذَلِكَ الدَّأْبُ إِلَى وَقْتِ الْعِشَا
فَالْقَلْبُ يَزْدَادُ صَدًى إِلَى صَدًى ... لِقُرْبِهِمْ وَالْعِلْمُ يَزْدَادُ فَنَا
وَكُلُّهُمْ فِي الْعَقْلِ يَمْشِي الْقَهْقَرَى ... يُرِيدُ قُدَّامًا فَيَجْرِي مِنْ وَرَا
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِّي لَا أُشَبِّهُ أَهْلَ هَذَا الزَّمَانِ، إِذَا رَأَيْتُهُمْ قَدْ تَلَاقَوْا فِي الْمَحَافِلِ وَتَدَانُوا فِي الْمَجَالِسِ وَتَحَالَتْ بِهِمُ الرُّكَبُ، إِلَّا بِقَوْمٍ تَصَافُّوا مُسْتَعِدِّينَ لِمُحَارَبَةِ أَعْدَائِهِمْ وَتَضَافَرُوا مُتَأَهِّبِينَ لِمُنَاصَبَةِ أَقْرَانِهِمْ فَشَدُّوا مَرْكَزَ اللِّقَاءِ بِسُيُوفٍ مَشْهُورَةٍ. وَأَسِنَّةٍ مَطْرُوزَةٍ وَقِسِيٍّ مُوتَرَةٍ وَسِهَامٍ مُفَوَّقَةٍ فَتَطَاعَنُوا ضَرْبًا بِسُيُوفِهِمْ وَدَعْسًا بِرِمَاحِهِمْ وَتَرَاشَقُوا خَصْلًا سِهَامَهُمْ. حَتَّى انْفَلَّتْ سُيُوفُهُمْ وَكَلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَنَثَلَثْ كِنَانَتُهُمْ
стр. 205
عَنْ آخِرِ أَهْزَعَ، فَأَجْلَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَهُمْ عَنْ قَتِيلٍ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُ وَجَرِيحٍ يَفِحُّ عَائِدُهُ وَمُرْتَثٍّ لَا نُهُوضَ بِهِ وَمُثْخَنٍ يَنُوءُ عَلَى ضِلْعِهِ. فَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالْمِثَالُ فِيمَا شَبَّهْتُهُ لَكَ مَعَ صَنِيعِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ إِذَا ضَمَّتْهُمُ الْمَجَالِسُ وَلَفَّتْهُمُ الْمَلَاقِي وَالْمَجَامِعُ فَتَصَوَّرِ الْآنَ قُلُوبَهُمْ وَمَا تُجِنُّهُ ضَمَائِرُهُمْ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَمَا تَحْنِي عَلَيْهِ ضُلُوعُهُمْ مِنَ الْإِحَنِ وَالضَّغَائِنِ قِسِيًّا مُوتَرَةً وَأَلْسِنَتُهُمْ وَمَا يَرْمُونَ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ سِهَامًا مُفَوَّقَةٌ. نَصَبُوا لَهَا أَعْرَاضَ النَّاسِ أَغْرَاضًا وَافْتَرَضُوا بِهَا افْتِرَاضًا فَهُمْ إِذَا تَأَمَّلْتَهُمْ وَجَدْتَهُمْ عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى: مِنْهُمْ ذُو الْقُحَّةِ الَّذِي يُكَاشِفُ بِالشَّتْمِ الصَّرِيحِ مُكَاشَفَةً وَيُجَاهِرُ بِاللَّفْظِ الْقَبِيحِ مُجَاهَرَةً وَمُعَالَنَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَرِّضُ بِالْأَذَى وَيُكَنِّي وَيُمَرِّضُ الْقَوْلَ بِهِ وَيُوَرِّي. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْذِي صَاحِبَهُ بِالْمُسَارَّةِ وَالنَّجْوَى وَالْمُبَاثَّةِ وَالشَّكْوَى. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْحُو أَخَاهَ بِغَمْزِ الْعَيْنِ وَزَمِّ الْجَبِينِ وَرَمْزِ الشَّفَتَيْنِ وَكَرْفِ الْعِرْنَيْنِ. وَمِنْهُمْ جَانِبٌ لَا يُعَاجِلُ بِالسُّوءِ مُعَاجَلَةً وَلَا يُؤَاخِذُ بِالذَّنْبِ بَغْتَةً لَكِنْ يُحْصِي الْأَنْفَاسَ وَيَعُدُّ الْحُرُوفَ وَالْأَلْفَاظَ وَيَحْفَظُهَا لِيَوْمِ حَاجَتِهِ وَأَوَانِ فُرْصَتِهِ فَيُبَكِّتُ بِهَا وَيُعَيِّرُ وَيُطْنِبُ فِيهَا أَوْ يُقَصِّرُ عَلَى شَاكِلَةِ قَوْلِ الشَّاعِرِ فِي مِثْلِهِ:
[البحر الكامل]
احْذَرْ مَوَدَّةَ مَاذِقٍ ... شَابَ الْمَرَارَةَ بِالْحَلَاوَةْ
يُحْصِي الْعُيُوبَ عَلَيْكَ أَيَّا ... مَ الصَّدَاقَةِ لِلْعَدَاوَةْ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: إِخْوَانُ السُّوءِ يَنْصَرِفُونَ عِنْدَ النَّكْبَةِ وَيُقْبِلُونَ مَعَ النِّعْمَةِ وَمَنْ شَأْنُهُمُ التَّوَسُّلُ بِالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ إِلَى أَنْ يَظْفَرُوا بِالْأُنْسِ وَالثِّقَةِ ثُمَّ يُوَكِّلُونَ الْأَعْيُنَ بِالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاعَ بِالْأَقْوَالِ: فَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا أَوْ نَالُوهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ وَلَمْ يَشْكُرُوهُ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ خَدَعُوا صَاحِبَهُمْ عَنْهُ وَقَمَرُوهُ. وَإِنْ رَأَوْا شَرًّا أَوْ ظَنُّوهُ أَذَاعُوهُ وَنَشَرُوهُ فَإِنْ أَدَمْتَ مُوَاصَلَتَهُمْ فَهُمُ الدَّاءُ الْمُمَاطَلُ الْمَخُوفُ عَلَى الْمُقَاتِلِ وَإِنِ اسْتَرَحْتَ إِلَى مُصَارَمَتِهِمُ ادَّعَوُا الْخِبْرَةَ بِكَ لِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ فَكَانَ حَدِيثُهُمْ مُصَدَّقًا وَبَاطِلُهُمْ مُحَقَّقًا
стр. 206
بَابٌ فِيمَنْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَآثَرَ الْمَرَضَ وَالْعَمَى عَلَى لِقَاءِ النَّاسِ
стр. 207
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثُونَا عَنِ الْخَلَّادِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَقْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي الْقُرَاقِصِ الْكِنْدِيُّ قَالَ: قَالَ الْفَضْلُ رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ: " إِنِّي لَأَتَمَنَّى الْمَرَضَ. قُلْتُ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِئَلَّا أَرَى النَّاسَ "
стр. 208
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّعْدِيِّ الْحَارِثِيُّ قَالَ: " أَتَيْتُ عَوَانَةَ بَعْدَ مَا كَفَّ بَصَرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُ بِهِ ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْلُبْ عَبْدًا شَيْئًا إِلَّا عَوَّضَهُ مَكَانَهُ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَمَا الَّذِي عَوَّضَكَ مِنْ بَصَرِكَ قَالَ: الطَّوِيلُ الْعُرَيْضُ يَا بَغِيضُ. فَقُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَنْ لَا أَرَاكَ وَلَا يَقَعَ بَصَرِي عَلَيْكَ "
стр. 209
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَشَّارُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ جَحٍّ قَالَ: " لَمَّا كَفَّ بَصَرُهُ وَانْتَقَلَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِغَوْرِ سَارَانَ قَصَدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلْتَانِ كَحَّالٌ حَاذِقٌ بَصِيرٌ بِالْقَدْحِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ أَنْزَلَهُ وَأَحْسَنَ تَعَهُّدَهُ فَكَانَ الرَّجُلُ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ وَجَعَلَ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي مُعَالَجَتِهِ وَيُمَنِّيهِ رُجُوعَ بَصَرِهِ فِي مُدَّةٍ سَرِيعَةٍ فَكَانَ أَحْمَدُ يُرَافِقُهُ الْوَقْتَ بَعْدَ الْوَقْتِ إِلَى أَنْ ضَجَرَ الرَّجُلُ بِطُولِ الْمَقَامِ وَمَلَّ الثَّوَاءَ عِنْدَهُ قَالَ: فَحَضَرَنِي وَطَلَبَ إِلَيَّ أَنِ اسْتَأْذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَعَرَّفْتُهُ قِصَّةَ الرَّجُلِ وَأَشَرْتُ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِلَاجِ وَهَوَّنْتُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِأَنِ أَحْتَمِلَ هَذَا الْأَلَمَ وَأَنْ أُغَرِّرَ بِجَمَالِ هَذِهِ الْمُقْلَةِ الْبَاقِيَةِ وَلَسْتُ عَلَى يَقِينٍ مِنَ السَّلَامَةِ. وَهَبْ أَنَّ الْعِلَاجَ قَدْ نَجَحَ وَوَقَعَ مَوْقِعَهُ وَعَادَ الْبَصَرُ إِلَى مَا كَانَ
стр. 210
عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ فَقُلْ لِي: إِذَا فَتَحْتُ عَيْنِي وَأَبْصَرْتُ بِهَا أَنْظُرُ إِلَى مَنْ مِنْ إِخْوَانِي وَأَصْدِقَائِي وَقَدْ هَلَكُوا أَلَا وَاللَّهِ إِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَالنَّاسَ الَّذِينَ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ لَقَوْمٌ لَوْ كُنْتُ بَصِيرًا صَحِيحَ الْبَصَرِ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيَّ أَنْ أَتَعَامَى عَلَيْهِمْ فَأَغُضَّ بَصَرِي عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ. قُلْ لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْصَرِفُ فِي حِفْظِ اللهِ ، وَأَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ فَانْصَرَفْتُ وَدَفَعْتُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً وَجَهَّزْتُهُ فَانْصَرَفَ "
стр. 211
بَابٌ فِي تَرْكِ الِاعْتِدَادِ بَعَوَامِ النَّاسِ وَقِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِهِمْ وَالتَّحَاشِي لَهُمْ
стр. 212
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الدِّقِّ قَالَ: حَدَّثَنَا ذَلِكَ سَوْدَنُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُنَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: «رِضَاءُ النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ، وَلَا تَكْرَهْ سَخَطَ مَنْ رِضَاهُ الْجَوْرُ»
стр. 213
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَابْنُ جَوْصَاءَ قَالَا سَمِعْنَا يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى، يَقُولُ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: «يَا أَبَا مُوسَى رِضَاءُ النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ لَيْسَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ سَبِيلٌ. فَانْظُرْ مَا فِيهِ صَلَاحُ نَفْسِكَ فَالْزَمْهُ وَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ فِيهِ»
стр. 214
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ قَالَ: سَمِعْنَا أَبَا دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيَّ الْبَلْخِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَيْلٍ، يَقُولُ: «كَتَبَ إِلَيَّ الْخَلِيلُ وَأَنْ دَعِ النَّاسَ وَاشْمِئْزَازَهُمْ، إِذَا عَرَفْتَ الْحَقَّ فَالْزَمْ» أَنْشَدَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ أَنْشَدَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ:
[البحر الطويل]
⦗٧٧⦘
دَعِ النَّاسَ مَا شَاءُوا يَقُولُوا فَإِنَّنِي ... لِأَكْثَرِ مَا يُحْكَى عَلَيَّ حَمُولُ
فَمَا كُلُّ مَنْ أَغْضَبْتُهُ أَنَا مُعْتَبٌ ... وَلَا كُلُّ مَا يُرْوَى عَلَيَّ أَقُولُ
أَنْشَدَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ أَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
[البحر الكامل]
أَوَكُلَّمَا طَنَّ الذُّبَابُ زَجَرْتُهُ ... إِنَّ الذُّبَابَ إِذًا عَلَيَّ كَرِيمُ
стр. 215
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، ﵁ يَخْطُبُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُهُمْ وَسَئَمُونِي وَمَلَلْتُهُمْ وَمَلُّونِي فَأَرِحْنِي مِنْهُمْ وَأَرِحْهُمْ مِنِّي مَا يَمْنَعُ أَشْقَاكُمْ أَنْ يَخْضِبَهَا بِدَمٍ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ»
следующие страницы →