Полный текст (291 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مَعُونَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: " قَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمُ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]
⦗٢٨⦘ وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» قَالَ أَبُو سُلَيٍمَانَ وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ السَّلَامَةُ مِنْ آفَاتِ النَّظَرِ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا وَالِاسْتِحْسَانُ لِمَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ زُخْرُفِهَا وَعَابَهُ مِنْ زَبْرَجِ غُرُورِهَا وَفِيهَا مَنْعُ النَّفْسِ مِنَ التَّطُلِّعِ إِلَيْهَا وَالِاسْتِشْرَافِ لَهَا وَمِنْ مُحَاكَاةِ أَهْلِهَا وَمُنَافَسَتِهِمْ عَلَيْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»
стр. 72
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ الْعَتَدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زِيرَكٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عَتَّابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْبَسْطَةِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مَسْخَطَةٌ لِلرِّزْقِ» َقَال وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنْتُ أُجَالِسُ الْأَغْنِيَاءَ فَلَا أَزَالُ مَغْمُومًا كُنْتُ أَرَى ثَوْبًا أَحْسَنَ مِنْ ثَوْبِي وَدَابَّةً أَفْرَهَ مِنْ دَابَّتِي فَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ
стр. 73
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْكَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شَاذَانَ الْأَزْدِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ "﴾ [الفرقان: ٢٠] قَالَ: «جَعَلْنَا الْغَنِيَّ فِتْنَةً لِلْفَقِيرِ وَالْفَقِيرَ فِتْنَةً لِلْغَنِيِّ» قَالَ أَُبو سُلَيْمَانَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمُزَنِيَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ جَامِعِ ⦗٢٩⦘ الْفُسْطَاطِ مُعَلِّقًا نَعْلَيْهِ وَقَدْ أَقْبَلَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مَوْكِبِهِ فَبَهَرَهُ مَا رَأَى مِنْ حَالِهِ وَحُسْنِ هَيْبَتِهِ فَتَلَا قَوْلَهُ ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَلَى أَصْبِرُ وَأَرْضَى وَكَانَ مُقِلًّا رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ أَنَّهَا خَالِعَةٌ عَنْكَ رِبْقَةَ ذُلِّ الْآمَالِ وَقَاطِعَةٌ رِقَّ الْأَطْمَاعِ وَمُعْيدَةٌ عِزَّ الْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ مَنْ صَحِبَهُمْ وَكَانَ فِيهِمْ وَمَعَهُمْ لَمْ يَكَدْ يَخْلُو مِنْ أَنْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الطَّمَعِ فِيهِمْ إِمَّا فِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ وَالطَّمَعُ فَقْرٌ حَاضِرٌ وَذُلٌّ صَاغِرٌ
стр. 74
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْغِنَى الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَمَنْ مَشَى مِنْكُمْ إِلَى طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا» أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يُوسُفَ الْجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
стр. 75
وَحَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْقَاطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّشِيطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدُبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَنْشَدَنِي الْخُزَيْمِيُّ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ الْمُعَذَّلِ:
[البحر الطويل]
تُكَلِّفُنِي إِذْلَالَ نَفْسِي لِعِزِّهَا ... وَهَانَ عَلَيْهَا أَنْ أُهَانَ فَتُكْرَهَا
تَقُولُ سَلِ الْمَعْرُوفَ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمٍ ... فَقُلْتُ سَلِيهِ رَبَّ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَا
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ:
[البحر الطويل]
إِذَا كَانَ بَابُ الذُّلِّ مِنْ جَانِبِ الْغِنَى ... سَمَوْتُ إِلَى الْعَلْيَاءِ مِنْ جَانِبِ الْفَقْرِ
صَبَرْتُ وَكَانَ الصَّبْرُ مِنِّي سَجِيةً ... وَحَسْبُكَ أَنَّ اللَّهَ أَثْنَى عَلَى الصَّبْرِ
قَالَ وَلَوْ لَمْ يَرْبَحِ الْإِنْسَانُ فِي الْعُزْلَةِ وَالتَّخَلِّي عَنِ النَّاسِ وَفِي النَّأْيِ عَنْ مَثَاوِيهِمْ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ مُحَاوَرَتِهِمْ إِلَّا مَا يُكْفَاهُ مِنْ فَضْلِ مَؤُونَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُمْ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ مِنَ الْأَمَانِ أَنْ يَرْفَعُوا عَلَيْهِ قَوْلًا يَسْمَعُونَهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي حَالِ غَفْلَةٍ وَاسْتِرْسَالِ ⦗٣٠⦘ أَوْ يَتَأَوَّلُوا عَلَيْهِ كَلَامًا لَا تَبْلُغُ عُقُولُهُمْ كُنْهَهُ فَيُوَجِّهُوهُ إِلَى غَيْرِ جِهَتِهِ وَيَنْحِلُوهُ غَيْرَ صِفَتِهِ فَكَانَ فِيهِ كِفَايَةٌ كَافِيَةٌ وَعِصْمَةٌ وَافِيَةٌ
стр. 76
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْتَ مُحَدِّثً قَوْمًا حَدِيثًا لَا يَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَاهُ عَلْكَانُ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْوَكِيعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
стр. 77
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الدَّقِّ قَالَ: حَدَّثَنَا شُكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ، لَنَا قَالَ: " كُنْتُ أُمَاشِي إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُهَيْلٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْحُكَمَاءِ، فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكَ بِبَيْتِ شِعْرٍ خَيْرٍ لَكَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ؟ فَقُلْتُ: بَيْتُ شِعْرٍ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَ: نَعَمْ ثُمَّ. قَالَ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ نَفْسُكَ أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ؟ قُلْتُ: نَفْسِي: فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
[البحر الخفيف]
اخْفِضِ الصَّوْتَ إِنْ نَطَقْتَ بِلَيْلٍ ... وَالْتَفِتْ بِالنَّهَارِ قَبْلَ الْمَقَالِ
لَيْسَ فِي الْقَوْلِ رَجْعَةٌ حِينَ يَبْدُو ... بِقَبِيحٍ يَكُونُ أَوْ بِجَمَالِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فَصَاحِبُ الْعُزْلَةِ فِي أَمَانٍ مِنْ هَذَا الْوَجَلِ وَفِي حِصْنٍ مِنْ هَذَا الثَّغْرِ. وَقَدْ أَنْعَمَ بَيَانَ هَذَا الْمَعْنَى ذُو الرُّمَّةِ حَيْثُ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنِي ... بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعُزْلَةِ إِلَّا السَّلَامَةُ مِنْ صُحْبَةِ الْعَامَّةِ وَالرَّاحَةُ مِنْ تَعَبِ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُصَابَرَةُ أَخْلَاقِهِمُ الْأَخْلَاقِ وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْإِنْسَانُ بِمُفَارَقَتِهِمْ وَيُكْفَاهُ مِنْ مَؤُونَةِ تَقْوِيمِهِمْ، وَيَأْمَنُهُ مِنْ غَوَائِلِهِمْ فِي صَدْقِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِمْحَاضِ النَّصِيحَةِ لَهُمْ، فَإِنَّ الْحَقَّ كَمَا قِيلَ مَغْضَبَةٌ وَبَعْضُ النُّصْحِ لِلْعَدَاوَةِ مَكْسَبَةٌ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ رَاحَةٌ مُرِيحَةٌ وَقَدْ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُ وَأَقَلُّ مِنْهُ مَنْ يُنْصِفُ
стр. 78
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَال: أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّغُولِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَصْمَعِيِّ: مَا قَوْلُ النَّاسِ: الْحَقُّ مَغْضَبَةٌ؟ ⦗٣١⦘ فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ وَهَلْ يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْأَرَازِمُ؟ قَلَّ مَا يَكُعُّ أَحَدٌ بِالْحَقِّ إِلَّا عَنْ لَوْمٍ لَهُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: أَنْشَدُونَا عَنِ الرِّيَاشِيِّ:
[البحر الطويل]
وَكَمْ سُقْتُ فِي آثَارِكُمْ مِنْ نَصِيحَةٍ ... وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الْبُغْضَةَ الْمُتَنَصِّحُ
قَالَ وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّرَخُّصِ لِمَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرْهُ حَذَرَ الْفِتْنَةِ وَخَوْفَ الْقَالَةِ مِنَ النَّاسِ
стр. 79
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا طُوَالَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ نَهَارٍ الْعَبْدِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ ﵎ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ فِي الدُّنْيَا أَنْ تُنْكِرَهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ: يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَخِفْتُ النَّاسَ" قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا طَرِيقٌ فِي الرِّوَايَةِ يَرْتَضِيهِ أَهْلُ النَّقْلِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لَا يُحَرَّجُ الْمَرْءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِنْ تَرَكَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَهْلِ الْمُنْكَرِ إِذَا خَافَ عَادِيَتَهُمْ وَلَمْ يَأْمَنْ بِوَائِقَهُمْ مَا دَامَ كَارِهًا لِفِعْلِهِمْ بِقَلْبِهِ وَمُصَارِمًا لَهُمْ بِعَزْمِهِ وَنِيَّتِهِ ثُمَّ اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَدْ سَاءَتْ رَغْبَتُهُمْ وَقَلَّتْ آدَابُهُمْ وَغَلُظَتْ مِحْنَتُهُمْ عَلَى مَنْ يُعَاشِرُهُمْ لِأَنَّ مَوْقِفَهَ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يُخَوِّنَهُمُ فَيُسَالِمَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَصُونَ نَفْسَهُ فَيُنَاصِحَهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَالنَّاسُ نَاسٌ وَالزَّمَانُ زَمَانٌ يَسْتَشْنِعُونَ الْحَقَّ وَيَسْتَمِرِّونَ طَعْمَ النُّصْحِ وَيَتَنَكَّرُونَ لِمَنْ يَهْدِي إِلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَيَصْدُقُهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِمُ الْآنَ مَعَ فَسَادِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ الْمُتَقَلِّبِ أَتُرَاهُمْ يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ وَيُصِيخُونَ إِلَى النُّصْحِ كَلَّا إِنَّكَ إِلَى أَنْ تَفْسُدَ بِهِمْ يَخْضَعُونَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى أَنْ يَصْلَحُوا بِكَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ قَابَلَ الْكَثِيرَ مِنَ الْفَسَادِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَاحِ ⦗٣٢⦘ فَقَدْ غَرَّ نَفْسَهُ، مِثَالُهُ أَنْ يَمِيلَ جِدَارٌ فَيَأْتِيَهُ رَجُلٌ فَيُدَعِّمَهُ بِيَدِهِ لِيُقِيمَهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ فِيهِ تَلَفُهُ. بَلَى إِذَا وَجَدَ أَعْوَانًا وَآلَةً فَدَعَّمَهُ بِأَعْمِدَةٍ وَرَدِفَهُ بِقَوَائِمَ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهَا كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَسْتَقِلَّ وَيَثْبُتَ وَكَانَ الرَّجُلُ حَقِيقًا أَنْ يَسْلَمَ وَيَنْجُو قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَتَأَمَّلْ هَلْ تَجِدُ الْيَوْمَ أَعْوَانًا عَلَى الْمَعْرُوفِ وَدُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ وَنُهَاةً عَنِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَظْفَرُ بِهِمْ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فَانْجُ بِرَأْسِكَ وَلَا تُغَرِّرْ بِنَفْسِكَ إِنَّ رَضِيَ النَّاسِ غَايَةً لَا تُدْرَكُ قَدْ أَعْيَا الْأَوَّلِينَ دَوَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَتْ فِيهِمْ حِيَلُهُمْ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَى عَنَاءٍ لَا غَنَاءَ لَهُ وَتَعَبٍ لَا نُجْحَ فِيهِ وَمَا أُرِيكَ بِصُحْبَةِ قَوْمٍ لَا تَسْتَفِيدُ بِلُقِيِّهِمْ عِلْمًا وَلَا بِمَشْهَدِهِمْ جَمَالًا وَلَا بِمَعُونَتِهِمْ مَالًا إِذَا تَأَمَّلْتَهُمْ حَقًّا وَجَدْتَهُمْ إِخْوَانَ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءَ السَّرِيرَةِ إِذَا لَقَوْكَ تَمَلَّقُوكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ شَبِعُوكَ. مَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ كَانَ عَلَيْكَ رَقِيبًا وَمَنْ خَرَجَ قَامَ بِكَ خَطِيبًا. أَهْلُ نِفَاقٍ وَخَدِيعَةٍ وَأَصْحَابُ نَقْلٍ وَنَمِيمَةٍ وَإِخْوَانُ بُهْتٍ وَعَظِيمَةٍ. لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنِ احْتِشَادِهِمْ عِنْدَكَ وَازْدِحَامِهِمْ عَلَيْكَ وَلَا تَتَوَهَّمَنَّ أَنَّ بِهِمْ تَعْظِيمًا لِعِلْمِكَ أَوْ تَقْدِيمًا لَحَقِّكَ إِنَّ عِظَمَ مَا يَقُودُهُمُ الْيَوْمَ إِلَى مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَيَحْشُرُهُمْ إِلَى أَبْوَابِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي مَنَالٍ لِمَآرِبِهِمْ وَسُلَّمًا إِلَى أَوْطَارِهِمْ وَحَمِيرًا لِحَاجَاتِهِمْ فَهُمُ الْمَسَاكِينُ بَيْنَ شَرَّيْنِ مِنْهُمْ وَمِنْ تَكَالِيفِهِمْ: إِنْ أَسْعَفُوهُمْ بِبَعْضِهَا أَضْجَرُوهُمْ بِكَثْرَةِ تَوَابِعِهَا وَآذُوهُمْ وَإِنِ امْتَنَعُوا عَلَيْهِمْ فِيهَا شَنَّعُوهُمْ وَعَادُوهُمْ ثُمَّ إِنَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ يُلْزِمُونَهُمْ بَدَالَةَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَهْدُفُوا لَهُمْ أَغْرَاضَهُمْ فَيُخَاصِمُوا عَنْهُمْ مَنْ خَاصَمَهُمْ وَيُعَادُوا مَنْ عَادَاهُمْ وَيُنَازِلُوا مَنْ نَازَلَهُمْ فَيَصِيرُونَ، مِنْ حَيْثُ قَدَّرُوا أَنَّهُمْ فُقَهَاءُ سُفَهَاءَ، وَمِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَتْبُوعُونَ رُؤَسَاءُ أَتْبَاعًا أَخِسَّاءَ، فَمَنْ أَخْسَرُ صَفْقَةً وَأَشَدُّ بَلِيَّةً مِنْ هَؤُلَاءِ مَعَهُمْ أَلَيْسَ الْفِرَارُ مِنْهُمْ حَقًّا وَاجِبًا وَالتَّخَلُّصُ مِنْ بَيْنِهِمْ غُنْمًا؟ بَلَى إِنَّهُ لَكَذَلِكَ وَبِحَقٍّ مَا قِيلَ: اعْتِزَالُ الْعَامَّةِ مُرُوءَةٌ تَامَّةٌ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَمِنْ مَنَاقِبِ الْعُزْلَةِ أَنَّهَا تَحْسِمُ عَنْكَ أَوْهَامَ الْمُتَجَنِّينَ وَتَقْطَعُ ⦗٣٣⦘ مَوَادَّ شِكَايَاتِ الْمُتَجَرِّمِينَ. وَذَلِكَ أَنَّ طِبَاعَ النَّاسِ مُتَفَاوِتَةٌ مُتَعَادِيَةٌ وَهِمَمُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ وَوَسَاوِسُ صُدُورِهِمْ كَثِيرَةٌ وَإِنَّ سُوءَ ضَمَائِرِهِمْ يُصَوِّرُ لَهُمْ وَيُوحِي إِلَى قُلُوبِهِمْ أَنَّ اجْتِمَاعَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ وَتَنَاجِي كُلِّ شِرْذِمَةٍ مِنْهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَالْبَحْثِ عَنْ عُيُوبِهِمْ أَوْ فِي تَبْيِيتِ رَأْي وَدَسِيسِ غَائِلَةٍ عَلَيْهِمْ وَيَغْلِبُ هَذَا الظَّنُّ خُصُوصًا عَلَى مَنْ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِتُهْمَةٍ وَيُعْرَفْ عِنْدَ النَّاسِ بِرِيبَةٍ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمُتَنَبِّي فِي أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ حَيْنَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ ... وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عِدَاتِهِ ... وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
قَالَ بَعْضُهُمْ: مُعَاشَرَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَبْرَارِ فَمَنِ اعْتَزَلَ النَّاسَ وَانْقَطَعَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ فَقَدْ أَحْسَنَ فِي هَذَا الْبَابِ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِهِ وَاسْتَظْهَرَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي طَلَبِ السَّلَامَةِ لَهَا. وَمِمَّا يَقْطَعُ بِهَا عَنْكَ مَوَادَّ الشِّكَايَاتِ أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ بِهَا لَمْ تَسْتَبْطِئِ فِي حَقٍّ إِذَا فَاتَكَ مِنْ عِيَادَةٍ أَوْ شُهُودِ جَنَازَةٍ أَوْ حُضُورِ أَمْلَاكٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا فَقَدُوكَ عَذَرُوكَ وَإِذَا وَجَدُوكَ عَذَلُوكَ وَاسْتَقْصَوْكَ وَقَدْ تَكُونُ لِلْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَعْذَارٌ لَا تُفْصِحُ بِهَا الْأَخْبَارُ. وَقَدْ رُوِّينَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيُؤَدِّي الْحُقُوقَ ثُمَّ تَرَكَ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَرَكَهَا كُلَّهَا وَكَانَ يَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ عُذْرٍ يَتَهَيَّأُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ وَيُطْلِعَ النَّاسَ عَلَيْهِ قَالَ: وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلَامَةُ مِنْ قَرِينِ السُّوءِ وَصَاحِبِ السُّوءِ وَعَشِيرِ السُّوءِ. وَقَدْ شَبَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَرْقِ النَّارِ
стр. 80
فَقَالَ ﵇: «مَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ الْكِيرِ إِنْ لَمْ يُحْرِقْ بِشَرَرِهِ عَلَقَ بِكَ مِنْ رِيحِهِ» أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ⦗٣٤⦘، عَنْ، عَنْ جَدِّهِ مِيرَمَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّكَ لَنْ تَصْلُحَ أَبَدًا حَتَّى تُصْلِحَ جَلِيسَكَ قَالَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
[البحر الطويل]
إِذَا كُنْتَ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ فَلَا يَكُنْ ... قَرِينُكَ إِلَّا كُلَّ مَنْ يَتَعَفَّفِ
وَقَدْ أَفْرَدْنَا لِهَذَا بَابًا فِي الْكِتَابِ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلَامَةُ مِنَ التَّبَذُّلِ لِعَوَامِّ النَّاسِ وَحَوَاشِيهِمْ وَالتَّصَوُّنُ عَنْ ذِلَّةِ الِامْتِهَانِ مِنْهُمْ، وَأَمَانُ الْمَلَامِ عَنِدَ الصَّدِيقِ، وَاسْتِحْدَاثُ الطِّرَاءَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، فَإِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَمْلُولٌ وَكُلَّ مَمْنُوعٍ مَطْلُوبٌ
стр. 81
وَفِي هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي هَذَا الطَّائِيُّ حِينَ يَقُولُ:
[البحر الطويل]
وَطُولُ مَقَامِ الْمَرْءِ فِي الْحَيِّ مُخْلِقٌ ... لِدِيبَاجَتَيْهِ فَاغْتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
فَإِنِّي رَأَيْتُ الشَّمْسَ زِيدَتْ مَحَبَّةً ... إِلَى النَّاسِ أَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ
قَالَ وَفِي الْعُزْلَةِ أَنَّهَا تَسْتُرُ الْقِلَّةَ وَتَكْشِفُ جِلْبَابَ التَّجَمُّلِ فَلَا يَظْهَرُ عَلَى عَوْرَةٍ إِنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ تَسُوءُ صَدِيقًا أَوْ تُشْمِتُ عَدُوًّا فَإِنَّ التَّجَمُّلَ مِنْ شِيَمِ الْأَحْرَارِ وَشَمَائِلِ ذَوِي الْهِمَمِ وَالْأَخْطَارِ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْأَبْرَارَ مِنْ عِبَادِهِ فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] قَالَ أَنْشَدَنِي الْكَرَّانِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الْعَتَّابِيُّ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْكَرِيمَ لَيُخْفِي عَنْكَ خَلْقَتَهُ ... حَتَّى تَرَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ مَجْهُودُ
وَفِي مَعْنَاهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْجَهْمِ:
[البحر الطويل]
وَلَا عَارٌ إِنْ زَالَتْ عَنِ الْحُرِّ نِعْمَةٌ ... وَلَكِنَّ عَارًا أَنْ يَزُولَ التَّجَمُّلُ
قَالَ وَفِي الْعُزْلَةِ أَنَّهَا مُعِينَةٌ لِمَنْ أَرَادَ نَظَرًا فِي عِلْمٍ أَوْ إِثَارَةٍ لِدَفِينِ رَأْيٍ وَاسْتِنْبَاطًا لِحِكْمَةٍ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَجِيءُ إِلَّا مَعَ خَلَاءِ الذَّرْعِ وَفَرَاغِ الْقَلْبِ وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ مَلْهَاةٌ وَمَشْغَلَةٌ
стр. 82
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَقِيهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمَّا أَخَذَ فِي تَصْنِيفِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ خَلَا فِي سِرْدَابٍ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُرَاعُوا وَقْتَ غَدَائِهِ وَوُضُوئِهِ فَيُقَدِّمُوا إِلَيْهِ حَاجَتَهُ مِنْهُمَا وَأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا طَالَ وَأَنْ يُنَظَّفَ ثَوْبُهُ إِذَا اتَّسَخَ وَأَنْ لَا يُورِدُوا عَلَيْهِ شَيْئًا يَشْتَغِلُ بِهِ خَاطِرُهُ وَأَقَامَ عَلَى مَالِهِ وَكِيلًا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى تَصْنِيفِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَشْعُرْ إِلَا بِرَجُلٍ يَنْزِلُ إِلَيْهِ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَنْكَرَهُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ قَالَ: أَنَا صَاحِبُ الدَّارِ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ قَالَ: لِأَنِّي قَدِ ابْتَعْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ، يَعْنِي وَكِيلَهُ، وَكَانَ وَكَّلَهُ إِيَّاهُ عَنْ تَفْوِيضٍ، فَاحْتَاجَ إِلَى الِانْتِقَالِ" قَالَ: وَلِمَجْنُونٍ الْعَامِرِيِّ فِي هَذَا:
[البحر الطويل]
وَإِنِّي لَأَسْتَغْشِي وَمَا بِيَ نَعْسَةٌ ... لَعَلَّ خَيَالًا مِنْكِ يَلْقَى خَيَالِيَا
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْجُلُوسِ لَعَلَّنِي ... أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِالسِّرِّ خَالِيَا
стр. 83
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْقَطَوَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: «الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا فَيَذْكُرَ ذُنُوبَهُ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْهَا» قَالَ وَفِي الْعُزْلَةِ السَّلَامَةُ مِنْ صُحْبَةِ الثَّقِيلِ وَمَؤُونَةِ النَّظَرِ إِلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَمَى الْأَصْغَرُ
стр. 84
حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنِ الْغَلَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: قِيلَ لِلْأَعْمَشِ: " مِمَّ عَمَشَتْ عَيْنَاكَ؟ قَالَ: مِنَ النَّظَرِ إِلَى الثُّقَلَاءِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ جَالِينُوسُ: لِكُلِّ شَيْءٍ حُمَّى وَحُمَّى الرُّوحِ النَّظَرُ إِلَى الثَّقِيلِ "
стр. 85
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَقُولُ: «نَظَرْتُ إِلَى ثَقِيلٍ مَرَّةً فَغُشِيَ عَلَيَّ ⦗٣٦⦘ قَالَ وَفِي الْعُزْلَةِ الْأَمَانُ، بِبَلَدِ بِسْتَ خَاصَّةً، مِنْ دَوَاعِي الْكُنُفِ الشَّارِعَةِ وَالْمَثَاعِبِ السَّائِلَةِ فَإِنَّ جِنَايَتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا جُبَارٌ لَا أَرْشَ لَهَا وَدِمَاءُ قَتْلَاهَا مَطْلُولَةٌ لَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ فِيهَا فَكُلَّمَا قَلَّ بُرُوزُ الْإِنْسَانِ إِلَيْهَا وَعُبُورُهُ عَلَيْهَا كَانَ أَوْفَرَ لِمُرُوءَتِهِ وَأَبْقَى لِنَظَافَتِهِ وَأَبْعَدَ لَهُ مِنْ أَذَاهَا وَغَائِلَتِهَا وَأَسْلَمَ لَهُ مِنْ دَائِهَا وَعَادِيَتِهَا»
стр. 86
بَابٌ فِي خِفَّةِ الظَّهْرِ وَقِلَّةِ الْعِيَالِ وَالْأَهْلِ
стр. 87
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خِيَارُكُمْ فِي الْمِائَتَيْنِ كُلُّ خَفِيفِ الْحَاذِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْخَفِيفُ الْحَاذِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا وَلَدَ "
стр. 88
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُطَّرِحٌ أَبُو الْمُهَلَّبِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مَنْزِلَةً رَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ وَكَانَ غَامِضًا فَعُجِّلَتْ لَهُ مَنِيَّتُهُ وَقَلَّ تُرَاثُهُ وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: قَدْ غَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ غُمُوضِ الشَّخْصِ وَخُمُولِ الذِّكْرِ فِي النَّاسِ وَاشْتَرَطَ لَهُ الرِّضَا بِقِلَّةِ الْمَالِ لِأَنَّ الْقَنَاعَةَ تَقْطَعُهُ عَنِ النَّاسِ وَاشْتَرَطَ لَهُ أَيْضًا خِفَّةَ الْعِيَالِ لِئَلَّا يَشْغَلُهُ الْكَسْبُ لَهُمْ ⦗٣٧⦘ ثُمَّ تَعْجِيلُ الْوَفَاةِ لِئَلَّا يَطُولُ مَقَامُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا تُشِيرَ إِلَى الْعُزْلَةِ وَتُبَيِّنُ عَنْ فَضِيلَتِهَا
стр. 89
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُلَاعِبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْيَمَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُحِمَ عَبْدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ كَانَ غَزْوٌ غَزَا فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ سَرِيَّةٌ خَرَجَ فِيهَا وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ وَإِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ طُوبَى لَهُ ثُمَّ طُوبَى لَهُ»
стр. 90
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فِرَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي سُوَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ: " زَعَمَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ أَحَدَ ابْنَيْ بِنْتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ وَتُجَهِّلُونَ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللهِ سُبْحَانَهُ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الرَّجُلَ عَلَى الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى الْجَهْلِ حُبًّا لَهُمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ. قَاَل أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ:
[البحر البسيط]
لَوْلَا أُمَيْمَةُ لَمْ أَجْزَعْ مِنَ الْعَدَمِ ... وَلَمْ أُجِبْ فِي اللَّيَالِي حِنْدِسَ الظُّلُمِ
وَزَادَنِي حَذَرًا لِلْمَوْتِ مَعْرِفَتِي ... ذُلَّ الْيَتِيمَةِ يَجْفُوهَا ذَوُو الرَّحِمِ
تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقًا ... وَالْمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَنْشَدَنِي ابْنُ الزِّيبَقِيِّ قَالَ: أَنْشَدَنَا الْكُدَيْمِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنِي الْأَصْمَعِيُّ لِأَعْرَابِيٍّ:
[البحر الوافر]
لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا ... بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أَنْ يَذُقْنَ الْفَقْرَ بَعْدِي ... وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِي
وَأَنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كُسِيَ الْجَوَارِي ... فَتَنْبُو الْعَيْنُ عَنْ كُرُمٍ عِجَافِ
قَالَ وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِأَعْرَابِيٍّ:
[البحر الطويل]
⦗٣٨⦘
وَإِنِّي لَأَهْوَى وَهُوَ يَغْتَالُ مُدَّتِي ... مُرُورَ اللَّيَالِي كَيْ يَشِبَّ حَكِيمُ
مَخَافَةَ أَنْ يَغْتَالَنِي الْمَوْتُ دُونَهُ ... فَيَغْشَى بُيُوتَ الْحَيِّ وَهُوَ يَتِيمُ
стр. 91
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: كَانَ بَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ عَمَّارٌ: «أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ لَا يُمِيتَكَ حَتَّى يُكْثِرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ وَيُوطِئَ عَقِبَكَ»
стр. 92
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ السُّوءِ وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ عَلَيَّ عَذَابًا وَمِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ وَبَالًا وَمِنْ زَوْجَةٍ تُشِيبُنِي قَبْلَ الْمَشِيبِ وَمِنْ خَلِيلٍ مَاكِرٍ عَيْنُهُ تَرْعَانِي وَقَلْبُهُ يَشْنَأُنِي إِنْ رَأَى خَيْرًا أَخْفَاهُ وَإِنْ رَأَى شَرًّا أَفْشَاهُ»
стр. 93
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ ابْنُ أَبِي الْجَحِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا عِصْمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَتْ لَهُ تِجَارَةٌ وَكَانَ لَهُ عَقْلٌ فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا فَتَرَكَ التِّجَارَةَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَكَانَ يَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ. فقَالَ: وَاللَّهِ لَأَذْهَبَنَّ إِلَى مَالِكٍ هَذَا الَّذِي شَغَفَ النَّاسَ بِهِ فَلَأَنْظُرَنَّ مَا عَمَلُهُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فَجَلَسْتُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَفَرَّقُوا وَجَاءَ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَمِعُوا الْحَدِيثَ، وَسَمِعُوا الزُّهْدَ، وَالْكَلَامَ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقَالَ لِي: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ أَرَدْتُ أَنْ أَجِيءَ مَعَكَ إِلَى بَيْتِكَ. قَالَ: سِرْ. فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَأَدْخَلَنِي إِلَى حُجْرَةٍ نَظِيفَةٍ وَظِلٍّ بَارِدٍ رَطْبٍ وَبَيْتٍ نَظِيفٍ وَفِيهِ بَدْرَى وَدَوْرَقٌ وَمِطْهَرَةٌ وَجُلَّةٌ فِيهَا كِسَرٌ فَقُلْتُ: يَا مَالِكُ أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: أَعُوذُ
стр. 94
بِاللَّهِ. قُلْتُ: يَا مَالِكُ أَلَكَ وَلَدٌ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ. قُلْتُ: يَا مَالِكُ أَلَكَ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ. قُلْتُ: يَا مَالِكُ أَعَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ. قُلْتُ: يَا مَالِكُ يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّكَ أَزْهَدُ النَّاسِ وَأَنْتَ خَدِيمٌ نَاعِمٌ. قَالَ: فَشَهِقَ شَهْقَةً قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ صَدَقَ الْقَائِلُ فِيمَا وَصَفَهُ مِنْ أَمْرِ مَالِكٍ إِلَّا مَا قَصَّرَ فِيهِ مِنَ التَّشْبِيهِ وَإِنِّي لَخَرِيمُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ النَّاعِمُ لِلُبْسِهِ الْجَدِيدَ فِي الشِّتَاءِ وَالْخَلِقَ فِي الصَّيْفِ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوُهُ مِنَ التَّنَعُّمِ وَلَعَلَّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ عِيَالٌ يُؤَودُهُ وَمُؤْونَةٌ تَفْدَحُهُ وَتُثْقِلُهُ وَأُمُورٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ تَهُمُّهُ وَتُكَدِّرُهُ لَكِنَّ النَّاعِمَ حَقًّا مَالِكٌ وَمَا سَعِدَ بِهِ مِنْ خِفَّةِ الظَّهْرِ وَقِلَّةِ مَنْ يَشْغَلُهُ وَيَفْتِنُهُ مِنَ الْعِيَالِ وَالْأَهْلِ، هَذَا إِلَى مَا نَالَهُ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ وَحَازَهُ مِنْ كَرَمِ التَّقْوَى. وَقَدْ قِيلَ: فِي كَثْرَةِ الْعِيَالِ فَضِيحَةُ الرِّجَالِ. وَيُقَالُ: مَا أَيْسَرَ ذُو عِيَالٍ وَإِنْ كَانَ بِحُسْنِ حَالٍ، وَقِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي قَبُولِ عَطَاءِ السُّلْطَانِ قَالَ: صَاحِبُ الْعِيَالِ لَا يُفْلِحُ. قَالَ: وَحُكِيَ لَنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
مَا الْعَيْشُ إِلَّا الْقَفْلُ وَالْمِفْتَاحْ
وَغُرْفَةٌ تَصْفِقُهَا الرِّيَاحْ
لَا صَخَبٌ فِيهَا وَلَا صِيَاحْ
стр. 95
بَابٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ قِلَّةِ الِالْتِقَاءِ
стр. 96
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ النَّخَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سَعِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ»
стр. 97
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَجِدُونَ النَّاسَ ⦗٤٠⦘ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَةٌ» قَالَ أَبُو سُفْيَانَ الرَّاحِلَةُ الْبَعِيرُ الذَّلُولُ الَّذِي يُرَحَّلُ وَيُرْكَبُ فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِمْ سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ وَمَاءٌ دَافِقٌ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ يُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِيَعْلَمَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاحِدِ مِنَ الْمِائَةِ مِنَ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُصْحَبَ كَمَا أَنَّ غَيْرَ الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ الْمِائَةِ مِنَ الْإِبِلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرْكَبَ يُشِيرُ بِهِ إِلَى الْإِقْلَالِ مِنْ صُحْبَةِ النَّاسِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُمْ
стр. 98
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَثُرَ الْأَخِلَّاءُ كَثُرَ الْغُرَمَاءُ»
стр. 99
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ، غُلَامُ ثَعْلَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا السَّيَّارِيُّ، عَنِ النَّاشِيِّ قَالَ: «الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الْإِخْوَانِ وَسِيلَةُ الْهِجْرَانِ» قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: يُرِيدُ أَنَّهُمْ إِذَا كَثُرُوا كَثُرَتْ حُقُوقُهُمْ فَلَمْ يَسَعْهُمْ بِرُّكَ فَإِذَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُمْ حُقُوقُهُمُ اسْتَبْطَاءُوكَ فَهَجَرُوكَ وَعَادَوْكَ وَمَا أَحْسَنَ مَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الرُّومِيِّ عَنْ هَذَا حَيْنَ يَقُولُ:
[البحر الوافر]
عَدُوُّكَ مِنْ صَدِيقِكَ مُسْتَفَادٌ ... فَلَا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنَ الصِّحَابِ
فَإِنَّ الدَّاءَ أَوَّلَ مَا تَرَاهُ ... يَكُونُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ
. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: فَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: كَثْرَةُ أَصْدِقَاءِ الْمَرْءِ مِنْ سَخَافَةِ دِينِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ مَا لَمْ يُدَاهِنْهُمْ وَلَمْ يُحَابِّهِمْ لَمْ يَكْثُرُوا لِأَنَّ الْكَثْرَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي أَهْلِ الرِّيبَةِ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صُلْبَ الدِّينِ لَمْ يَصْحَبْ إِلَّا الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ وَفِيهِمْ قَالَ أَنْشَدَنِي بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:
[البحر الطويل]
لِكُلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ مِنَ النَّاسِ مِثْلُهُ ... فَأَكْثَرُهُمْ شَكْلًا أَقَلُّهُمُ عَقْلَا
وَكُلُّ أُنَاسٍ آلِفُونَ لِشَكْلِهِمْ ... فَأَكْثَرُهُمْ عَقْلًا أَقَلُّهُمُ شَكْلَا
стр. 100
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثُونَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّادِيِّ قَالَ: قَالَ ⦗٤١⦘ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: " كُنْتُ مَعَ سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَظَرَ إِلَى الْخَلْقِ فَقَالَ: «تَرَى هَذَا الْخَلْقَ مَا تَسُرُّنِي مُؤَاخَاتُهُمْ بِقِيرَاطِ فُلُوسٍ»
стр. 101
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْمُقْرِئَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَوْنٍ، يَقُولُ: «أَسِئْ ظَنَّكَ بِالنَّاسِ تَقَعْ قَرِيبًا وَأَقِلَّ مَعْرِفَةَ النَّاسِ تَسْلَمْ»
стр. 102
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْتِبُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُكْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَحْمُودٍ، عَنْ سُفْيَانَ، أَنْ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ، أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَوْنٍ لَمْ يَأْتِكَ فَقَالَ: «إِنَّا إِذَا وَثِقْنَا بِمَوَدَّةِ أَخِينَا لَمْ يَضُرَّنَا أَلَا يَأْتِيَنَا»
стр. 103
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُشْرِفُ بْنُ سَعِيدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ قَطَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ شَبِيبَ بْنَ شَيْبَةَ، يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ إِخْوَانِي مَنْ لَا يَأْتِينِي فِي السَّنَةِ إِلَّا الْيَوْمَ الْوَاحِدَ هُمُ الَّذِينَ أَتَّخِذُهُمْ وَأَعُدُّهُمْ لِلْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِينِي كُلَّ يَوْمٍ فَيُقَبِّلُنِي وَأُقَبِّلُهُ وَلَوْ قَدَرْتُ أَنْ أَجْعَلَ مَكَانَ قُبْلَتِي إِيَّاهُ عَضَّةً لَعَضَضْتُهُ»
стр. 104
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو فَارِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: " كَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ مَوَدَّةٌ وَإِخَاءٌ فَكَانَتِ السَّنَةُ تَمُرُّ عَلَيْهِمَا لَا يَلْتَقِيَانِ فَقِيلَ لِأَحَدِهِمَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِذَا تَقَارَبَتِ الْقُلُوبُ لَمْ يَضُرَّ تَبَاعُدُ الْأَجْسَامِ. أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا" قَالَ: وَلَقَدْ أَبْلَغَ الْقَائِلُ فِي هَذَا حِينَ يَقُولُ:
[البحر الوافر]
رَأَيْتُ تَهَاجُرَ الْإِلْفَيْنِ بِرًّا ... إِذَا اصْطَلَحَتْ عَلَى الْوُدِّ الْقُلُوبُ
وَلَيْسَ يُوَاظِبُ الْإِلْمَامَ إِلَّا ... ظَنِينٌ فِي مَوَدَّتِهِ مُرِيبُ
стр. 105
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْخَلَّادِيِّ قَالَ: كَتَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ إِلَى بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَلْقَاهُ فَقَالَ بِشْرٌ: «أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ لَا يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ»
стр. 106
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ حَرْبٍ، يَقُولُ: " زَارَ الزِّيَادِيُّ الْعَتَّابِيَّ فَأَرَادَ الْعَتَّابِيُّ أَنْ يَتَزَحْزَحَ لَهُ عَنِ الْبِسَاطِ فَقَالَ الزِّيَادِيُّ: «مَكَانَكَ فَإِنَّ الْبِسَاطَ لَا يَضِيقُ عَلَى مُتَحَابَّيْنِ وَالدُّنْيَا لَا تَتَّسِعُ لِلْمُتَبَاغِضَيْنِ»
стр. 107
أَخْبَرَنِي أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: «إِذَا قَدِمَ الْإِخَاءُ قَبُحَ الثَّنَاءُ»
стр. 108
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الدَّقَّاقُ النَّحْوِيُّ قَالَ: " اجْتَمَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ فِي طَرِيقٍ فَأَفْضَى بِهِمْ إِلَى مَضِيقٍ فَتَقَدَّمَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَتَلَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدٌ الْمُبَرِّدُ وَتَأَخَّرَ ابْنُ دَاوُدَ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الْفَضَاءِ الْتَفَتَ ابْنُ سُرَيْجٍ فَقَالَ: " الْمُعَلِّمُ قَدَّمَنِي فَقَالَ ابْنُ دَاوُدَ: الْأَدَبُ أَخَّرَنِي فَقَالَ لَهُمَا الْمُبَرِّدُ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدٌ أَخْطَأْتُمَا جَمِيعًا إِذَا صَحَّتِ الْمَوَدَّةُ سَقَطَ التَّكَلُّفُ وَالتَّعَمُّلُ "
стр. 109
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَعْلَى مَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّحِمَ تُقْطَعُ وَإِنَّ النِّعَمَ تُكْفَرُ وَلَمْ يُرَ مِثْلُ تَقَارُبِ الْقُلُوبِ»
стр. 110
أَخْبَرَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ بَشَّارٍ، يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْفُضَيْلِ قَالَ: " اتَّفَقَ أَبِي وَابْنُ الْمُبَارَكِ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَلِيٍّ ادْخُلْ بِنَا الْمَسْجِدَ حَتَّى نَتَذَاكَرَ فَقَالَ الْفُضَيْلِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: إِذَا دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ أَلَيْسَ تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِغَرِيبِ مَا عِنْدَكَ وَأُحَدِّثُكَ بِغَرِيبِ مَا عِنْدِي مِنَ الْعِلْمِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: بَلَى فَانْصَرَفَا وَلَمْ يَدْخُلَا الْمَسْجِدَ " قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَإِنَّمَا كَرِهَ مِنْ هَذَا التَّصَنُّعَ وَخَافَ الرِّيَاءَ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْفُضَيْلِ: لَأَنْ يَلْقَى الْقَارِئُ الشَّيْطَانَ خَيْرٌ للْقَارِئِ مِنْ أَنْ يَرَى قَارِئًا مِثْلَهُ
следующие страницы →