← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والتشريح في الطب لجثة مسلم محرم شرعا؛ لأن حرمته ميتا كحرمته وهو حي «كسر عظم ميت ككسره وهو حي» (١). ولأن تكريم الإنسان مقصد شرعي (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠)، وهذا عامٌّ في الحياة والممات، والتشريح ليس من التكريم. وعندي امتناع في تشريح جثة غير مسلم ولو حربيا؛ لأنه كالمثلة، وهي محرمة لذاتها، فهي علة ذاتية مستقلة حتى لا يقال إن العلة خوف المجازات بالمثل في الحرب. ولذا امتنع رسول الله ﷺ عن المثلة لجثة حربي كافر في الحرب مع تمثيلهم بمسلمين مع أن العموم ظاهر في (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠). فتركه ذلك دليل على قصد المنع منها، ولمخالفٍ العمل بفتوى غير هذه. ويجوز تشريح حيوان من الأنعام لجواز ذبحه وتقطيعه وهو أبلغ من التشريح. ويجوز كذلك من غير الأنعام تشريح حيوان؛ لأن التشريح من وسائل المداواة؛ لدفع الضرر البالغ عن البشر، وكل ما في الأرض خلق لنفعه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩)، ومن أعظم منافعه المداواة، ومن أهم وسائلها التشريح للحيوان فجاز؛ لأن للوسائل أحكام ما تُوُسِّلَ بها إليه، ولقوله تعالى في المسائل التي لم ينص على حرمتها (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، فدل على جواز الانتفاع بها تشريحا للتعلم وللتجارب. ولجواز صيدها للانتفاع بجلدها أو عظمها في لبس وأثاث وزينة، فمن باب أولى تشريحها للطب. وعمل تجارب على الفئران والخنازير وغيرها جائز من هذا الباب؛ لعموم خلق ما في الأرض لمنافع الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩).

стр. 107

وإرجاع يد سارق قطعت في سرقة بحدٍ لا شبهة فيه لا يجوز؛ لأنه خلاف مقصد الشرع من النكال به (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة: ٣٨). ويحتمل الجواز؛ لأنه مداواة وهي جائزة في قصاص الجروح بعد الاقتصاص بالمثل، ولأن النكال وقع بمجرد القطع، فالمداواة لم تعارض مقصدا ووافقت مثلا مشروعا في مداواة القصاص في الجرح. والاستنساخ محرمٌ لما فيه من تغيير الخِلقة والعبث بها ولما يؤدي إليه من مفاسد كارثية على البشرية، وما أدى إلى ذلك فهو محرمٌ؛ لأنه من الفساد في الأرض. ويستثنى من ذلك حالة الاستنساخ العلاجي الذي لا ضرر فيه على أصل الخِلقة البشرية. والأصل أن حكم الاستنساخ هذا -أعني التحريم- جارٍ في الاستنساخ البشري أو الحيواني؛ لأن من مقصودات الشرع الحنيف حفظ خلق الله على أصل خلقتها بالنص. والهندسة الوراثية لمعرفة الداء والدواء علم نافع من الطب، فجاز ويحرم استعماله في تغيير الخلقة عن طبيعتها؛ لعموم (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠). فحرم تغيير الخلق وأكده بأن هذا الحكم هو الدين القيم. وجعل تغيير الخلق من فعل الشيطان (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩). والنهي عن النامصة والفالجة والواصلة من هذا الباب (١). ومعرفة النسب لمتنازع بين أطراف يدّعونه جائز بالقيافة (٢).

стр. 108

وأولى منها بفحص الخصائص الوراثية المعلومة لدى خبراء علم الوراثة. أما إن كان عن زنى فلا حكم في الإلحاق بالنسب، بل يلحق بأمه، لتوقف الشرع عن بناء الحكم على ذلك، ولو مع معرفة صفاته (١) في هذا الباب، ولذلك لا يثبت الزنى بفحص المني ولا بالحمض الوراثي ولا بالقيافة. وضرب الإبر الوريدية والعضلية لا يؤثر في الصيام؛ لأنه ليس بغذاء ولا في معناه، فإن كان العلاج عبر الوريد للتغذية أفطر، وبخاخ الربو لمحتاج إلى استعماله في نهار الصيام لا يضر، وكذا الحقنة الشرجية، وقطرة العين والأذن. ومن ادعى أنها مفطرات لم يأت بحجة بينة معتبرة من الكتاب والسنة (٢).

стр. 109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 110

الصحة النفسية .. ويجب على المكلف أن يحافظ على صحته النفسية لما في ذلك من دفع الأضرار البالغة على النفس والحياة، ودفع المفاسد والأضرار واجب، وهي إحدى مقصودات الشرع العظيم، ولعموم (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥). واليأس والقنوط من المحرمات الشرعية لما لهما من المفاسد العظيمة على المكلف وتقلبه في الحياة (إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: ٨٧)، (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ) (الحجر: ٥٦). وقد تؤثر الأحوال النفسية على الصحة فتتلف بعض الأعضاء (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: ٨٤)، وهذا النوع من الحزن محرم في شريعتنا. وقد استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال لما يترتب عليها من المفاسد والأضرار على الحياة. ونهى الله رسوله عن الحزن والتحسر والضيق ولو كان حرصا على إيمان بعض الكفار (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: ٨)، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: ١٢٧)، (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (الشعراء: ٣). وحارب الخوف والمخاوف في كثير من النصوص (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥)، (قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه: ٤٦).

стр. 111

ونهى عن الظنون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات: ١٢). وحارب الوساوس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ* مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس: ١ - ٦). ونهى عن التحسر بسبب اعتقاد فوت أمر «فإن لو تفتح عمل الشيطان» (١). وعالج النفس البشرية بالاطمئنان والاسترواح والقناعة ودفع أضدادها (فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: ١٩). ونهى عن مد البصر إلى ما في يد الغير لما يترتب عليه من الآثار السيئة (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: ١٣١). وبين حقائق الأمور التي قد ترى على خلاف ظواهرها (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة: ٥٥). وأمر بالإعراض عن الجاهلين دفعا للدخول معهم في دوامات من الصراع والألم (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩)، (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) (الفرقان: ٦٣). والباب في هذا كثير ..

стр. 112

فقه الدعوة * (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: ١٢٥) * (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: ٣٣)

стр. 113

فقه الدعوة الدعوة إلى الله تعالى هي: تبليغ مضمون الرسالة في أركانها الأربعة التي جمعت في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة: ٢). وهي أمر للرسول ﷺ ومن تبعه (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: ١٠٨). وهي أفضل الأعمال (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: ٣٣). وهي تفرغاً فرض كفاية (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤). (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢). والواجب فيها الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالأحسن، للنص (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: ١٢٥). ويجب فيها التبشير لا التنفير فهو إثم للنص: «بشرا ولا تنفرا وتطاوعا» (١)، والبدء بالتدرج من أكبر الفرائض فما دونها بدليل حديث معاذ لما أرسله إلى اليمن (٢). والأصل أن لا يأخذ على الدعوة أجرة (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) (الأنعام: ٩٠).

стр. 114

ويبدأ بنفسه وولده وأهله الأقربين وسائر الناس (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) (الشعراء: ٢١٤)، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢)، ولا تعارض بين هذه المراتب. ويجب قصد وجه الله لا عرض الدنيا (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ) (يونس: ٧٢). وأصلها قائم على تعبيد الخلق لله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦). وليعالج ما عليه العمل، ويبدأ بالأصول القاطعة؛ لأن عليها مدار النجاة (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (النساء: ٣١). ولا يُثِر الخلاف المُفَرِّق؛ لأنه مذموم (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران: ١٠٥). ولا يدع إلى اتباع مذهب عصبية بل إلى الكتاب والسنة. واتباع مذهب جائز؛ لعموم (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧)، وفقهاء المذاهب من أهل الذكر ومن ألزم نفسه بمتابعة قول مذهب في كل فتوى جاز؛ لإطلاق النص، ولأنه إن فعل ذلك فقد أدى التكليف، ولا يحرم عليه الانتقال، أو سؤال آخر من غير المذهب، أو تقليده؛ لعموم الدليل في سؤال أهل الذكر، ومن ادعى الحرمة احتاج إلى الدليل. ولا يتعصب لقوله المحتمل؛ لأن الله علق النجاة على القواطع (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) (النساء: ٣١)، فدل على أن غيرها معفوٌّ عنه، فالتعصب لما سبيله العفو خلاف مقصود الشرع. ولا يتعصب ويغضب إلا لقاطع، أو قريب منه. وليهتم بما عليه النجاة من قطعيات الشريعة، فإن عليها مدار الدين، وفيها يُقَصِّر الخلق ودونها يغفره الله إن اجتنبت، للنص السابق. ومن أخذ بقول مجتهد، فلا يحرج عليه بالإنكار، إلا لبين الخطأ من مخالفة نص لم يطلع عليه ذاك. ولا يُجرِّح لقوله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) (الإسراء: ٥٣)؛ ولأن دعوة الرسول لم تكن على هذا.

стр. 115

ولا يكفر المعين إلا بقاطع قامت به عليه الحجة. وليكن قويا في الحق لا يلين، ولا يضعف، ولا يهن، ولا يستكين. وليكثر من الاستغفار لذنبه (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: ١٤٦ - ١٤٧). والإكثار من التسبيح بحمد الله بكرة وعشيا، وآناء الليل وأطراف النهار، وأدلتها كثيرة (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طه: ١٣٠). ولا يترك قيام الليل وكثرة الدعاء لربه وتلاوة القرآن، ولا الصلوات جماعة؛ لأنها من أعظم شعائر الدين. وليصبر على ما يصيبه؛ لأنه سيبتلى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (الطور: ٤٨)، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: ٣١). وليثق بالله ورزقه ونصره (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر: ٣٦)، ولقوله تعالى (لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ) (طه: ١٣٢). وليحذر الذنوب (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: ٦٣). ولا يكن ظهرا لمجرم (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) (القصص: ١٧). ولا يجادل عن الخونة ولا يخاصم عنهم، لقوله تعالى (وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) (النساء: ١٠٥)، ولقوله تعالى (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ) (النساء: ١٠٧). وليبلغ الدعوة ولا يخف في الله لومة لائم (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: ٣٩). وليصبر نفسه مع عامة المؤمنين (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: ٢٨).

стр. 116

وليحذر المنافقين وكثرة مجالستهم؛ فإنه داء (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (التوبة: ٩٥). وليحب المؤمنين ويواليهم وينصرهم (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (التوبة: ٧١). ويقم بحق المسكين واليتيم والأرحام والضعفة (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الإنسان: ٨). ولينصر المظلوم لحديث «أنصر أخاك ظالما أو مظلوما» (١). وليسعَ في قضاء الحاجات «من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٢). وليحذر الغيبة لأهل العلم وللمؤمنين وتنقصهم فإن الله ينتقم لهم (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨). وليكن قائما بالعدل والقسط وشهادة الحق ولو على نفسه والوالدين والأقربين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (النساء: ١٣٥). وليحذر أكل المال بالباطل والتكاثر في الدنيا (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨). ويُشْرَع الاهتمام بوسائل الدعوة من صحافة وإعلام ونقابات ومواقع إلكترونية، والمجالس الجامعة، والقدوة الحسنة، ودروس العلم، وخطب الجمعة، ومواسم الدعوة والمخيمات والمراكز، والدورات العلمية، والرحلات، والخروجات الدعوية، والمبيتات الجماعية، والحلقات التربوية، والزيارات الخاصة والعامة. وعليه دوام ذكر الآخرة وما عند الله؛ فإنها سنة الذين أنعم الله عليهم واتباعهم هدى (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧).

стр. 117

ولا يمدنَّ عينيه إلى المتاع الزائل؛ لأنه قد أوتي أعظم من ذلك (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ* لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر: ٨٧ - ٨٨). ولا يكثر من ذكر الدنيا والتجارات والعمارات والعقار، فإنه مرض في القلب وهم فارغ وخروج عن سنن حملة الرسالات (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (التوبة: ٥٥). وعليه النظر إلى حال دين الناس، ومطالعة سير السلف أهل الصراط المستقيم في عباداتهم ودعوتهم لقوله تعالى (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) (الفاتحة: ٦ - ٧)، وطلب صراطهم طلب لمعرفة هديهم وسيرهم. ويجوز الانتماء إلى جماعة على الكتاب والسنة (١)؛ لأنه تعاون على البر والتقوى ولأن الحرمة لا تكون إلا بدليل وإلا فهو وصف محرم (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) (النحل: ١١٦). ويجوز التعاهد معهم على العمل على الشريعة (٢)، وقد تعاهد بعض الصحابة على أمور في الطاعات كالموت في سبيل الله (٣). فإن انتظم معهم فعليه الطاعة لأمرائه في طاعة الله فيما يخص مصلحة الدعوة؛ لعموم (وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣). وليست بيعة ولاية عامة، بل يمين على أمر خاص في الطاعة، والوفاء بها واجب (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) (البقرة: ١٧٧)، (وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) (النحل: ٩١). فمن لم يستطع القيام بما التزم به جاز له التحلل منهم، والتكفير عن يمنيه بخلاف البيعة العامة السياسية، فإنه لا تحلل منها، ولا كفارة لها.

стр. 118

وكما لا مدخل للبيعة العامة في الأمور الخاصة للشخص كذلك بيعة الدعوة. فلا يتدخل الإمام الأعظم في الأمور الشخصية لأجل البيعة؛ لأن موضوعها هي المصالح العامة لا الشخصية، وكذلك بيعة الدعوة موضوعها دائرة الدعوة. ولا يجوز لجماعة على الكتاب والسنة، أن تأمر فردها ألا يحضر مع الجماعة الأخرى على الكتاب والسنة بسبب خلافات ليست قطعية. ويجب عليه الامتناع إن منعوه من مخالطة فرق الضلال أهل النفاق والظلمة والابتداع الظاهر، كالفرق التي تقع في سب الصحابة وأعراض النبي ﷺ ، أو الفرق التي تقتل أهل الإسلام وتستهدفهم وتخرج عن جماعتهم. ويجوز للمرأة الانتماء والبيعة بإذن زوجها ووليها. وتقدم طاعة زوجها على ذلك؛ لأن الدعوة فرض كفاية وطاعته فرض عين، فهي مقدمة. والأمر بترك فرض الكفاية ليس أمرا بالمعصية. ويشترط في انتماء المرأة أن تكون في قطاع نسائي لا مختلط؛ فإن الاختلاط لا يخدم حفظ العرض، وهو أحد مقاصد الشريعة التي عليها مدارها، والمرأة هي أصل العرض. فكل عمل تقوم به يجب أن يضبط بهذا، ولا مرتبة وسطى هنا، أي: لا حفظ ولا ضرر (١). أما ذهاب بعضهن للغزو مع محارمها، فمحرمها رافع للمنع المعلل بالاختلاط الذي لا

стр. 119

يخدم حفظ العرض، ولأن ذهابها ليس قصدا، بل تبعا لا للغزو. ولو كان قصدا لغزت النساء وتسابقن على ذلك، بل قصد الشرع بالنص ترك تكليفهن بذلك لما أردنه، فقال ﷺ : «جهادكن الحج» (١). فذهاب بعضهن مع هذا نادر متطوع به تبع لا أصل، وهذه أمور مؤثرة في الفتوى؛ لاشتراط تساوي الفرع والأصل عند القياس، فإذا اختلفا -كما هنا- لم يصح القياس. فلا يقاس إلا بمطابقة الفرع للأصل، وأين هذا من هذا؟ وغاية ما يستدل به هو جواز خروج المرأة مع زوجها الغازي إن أُمِنَ عليهن من نحو أسر العدو. فلا يدل هذا الدليل على ممارسة الدعوة من المرأة لعامة الرجال في مجالسهم ومحافلهم ومجامعهم، لا بعموم، ولا بدلالة قياس. ولهذا كله اختلفت بيعة الرجال عن بيعة النساء؛ فإن بيعتهن بيعة أخلاقية (٢)، وبيعتهم بيعة نصرة، وحماية، وبلاغ، وسمع، وطاعة في المنشط والمكره (٣). وهذا يدل على أنه لا فرض عليهن في ذلك. واشتراك ذكور وإناث في حلقة واحدة أو نحوها في تنظيم لجماعة أو حزب محرم؛ لأنه يعود على أصل حفظ العرض بالخلل والإبطال فبطل، ولا يفعله إلا زائغ مائل عن الصراط المستقيم (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا) (النساء: ٢٧).

стр. 120

وقياسه على حضور عيد وجماعة مسجد لا يصح لفقدان شرط تساوي الفرع والأصل، ويصح القياس على العيد وجماعة المسجد في حضور المرأة الجمع العام الظاهر لعدم تأثيره على حفظ العرض بالإبطال والإخلال (١).

стр. 121

فقه الأقليات * (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) (النساء: ١٠٠) * الإقامة في أي دولة على وجه الأرض من الحقوق الإنسانية المباحة * أخذ الجنسية الوطنية من أي دولة أمر مباح لا يتعارض مع التدين * التعايش السلمي بين شعوب الإنسانية هو الأصل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: ١٣) * الإحسان والبر والسلام والعدل مفردات شرعية مطلوبة في التعامل بين البشرية (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) (الممتحنة: ٨)

стр. 122

فقه الأقليات الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وهي في الأصل موضوعة لعموم الخلق (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) (الرحمن: ١٠)، (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩). والإقامة في أي بلاد جائزة، والاستيطان بها وأخذ جنسيتها؛ إذْ الأصل الإباحة؛ لعموم العفو عن كافة المسائل المسكوت عنها بالنص (وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١). ولأن الجنسية الوطنية إلى وطن ما لا تصادم الدين؛ لإمكان اجتماع الوصف الديني والوصف الوطني بلا تعارض، كعربي مسلم، وأوروبي مسلم؛ فالانتماء الديني لا يعارض الانتماء الوطني. ومن لم يستطع إقامة دينه في بلد وجب هجرته ولو إلى غير مسلمين يقدر على إقامة التكاليف الشرعية عندهم، فإن لم يفعل ظلم نفسه إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء: ٩٧ - ٩٨). فلم يحدد النص وجهة الهجرة إلى أرض. وجعل قانون ذلك وجود العدل والحرية التي يستطيع معها إقامة دينه، كما يفهم من مقصود الآية أنها هجرة يتمكن فيها المسلم من الإيمان والعمل الصالح. وقد هاجر الصحابة إلى الحبشة، وهم وملكهم على النصرانية؛ فرارا بدينهم (١). و«لا هجرة بعد الفتح» (٢) يعني: واجبة إلى المدينة بعد الفتح؛ لوجوبها قبله على كل من آمن

стр. 123

بالدعوة، ولجواز الهجرة إلى المدينة وغيرها والإقامة فيها بعد الفتح إلى يوم القيامة. وعموم أحكام الشريعة، زمانا، ومكانا، وأشخاصا على كل مكلف. ورخصها شرعت لحفظها (١). والإسلام قائم على الوسطية ورفع الحرج، فكل أحكامه يسر لا إفراط ولا تفريط (٢). والمشقات المصاحبة للتكليف الجارية مجاري العادات غير معتبرة، كمشقة الجهاد، والحج، والجوع في الصوم، والبرد لصلاة الفجر (٣). وإنما تدفع المشقة إن خرجت عن العادات، وما خرج عن العادات خرج عن الاستطاعة. ولا تخرج عن العادات إلا إن أدت المشقة إلى ضرر معتبر، وهو: ما أدى إلى إتلاف نفس، أو عضو، أو مال، أو شين فاحش، أو خلل في التعبد وانقطاع عنه (٤). وهنا تجرى قاعدة: المشقة تجلب التيسير. والفرق بينها وبين قاعدة (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨) أن هذه أصل الشريعة، وقاعدة «المشقة تجلب التيسير» للطوارئ الخارجة عن الاستطاعة. ولا يؤخذ منها التساهل.

стр. 124

ويمكن صياغة قاعدة جديدة جامعة هي: الشريعة قائمة على التسهيل لا التساهل. فالتسهيل جمع بين قاعدة أصل التشريع في الآية، وبين قاعدة الطوارئ الشاقة. والمقصود منه -أي التسهيل- حفظ التشريع، ودوام التعبد في أي ظرف بحسبه، فيؤدي إلى اللزوم والالتزام بالتشريع. وأما التساهل فهو: مفض إلى الانفلات عن التكليف والتهرب منه، والالتفاف عليه بحيل ومتشابهات، فيؤدي ذلك إلى خلاف مقصود الشريعة. والأصل دعوة كل كافر لا قتل كل كافر. ويشرع البر والقسط لغير مقاتل ولا معاون؛ للنص (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨). فيجوز تبادل الزيارات (١)؛ ولأن رسول الله ﷺ أضافه يهودي فأكل، وكان يمشي إلى يهود. وردُّ السلام جائز إذا سلموا بإجماع العلماء (٢)؛ ولعموم (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: ٨٦)، وهذا عام. وأما ابتداؤهم بالسلام خاصة فمذهب جماعة من السلف جوازه، وعليه يحمل حديث «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» (٣) على الحالة التي كانت جارية عندهم في تعاملهم مع

стр. 125

النبي ﷺ وأصحابه، حيث كانوا يبدءون بالسلام فيقولون: السام، فنهى عن البدء بالسلام لذلك معاملة بالمثل؛ لأن الله يقول (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، وورد في الصحيح صفة الرد عليهم في هذه الحالة بعينها بقوله «وعليكم». وبِدءٌ بالتحية جائز، وهي غير السلام والنهي وارد فيه، وقد يجوز البدء بالسلام كما قدمنا لحديث «أن رسول الله ﷺ جاء على حمار فسلم وكان في القوم مسلم وكافر ومنافق» (١).

стр. 126

وتحييهم بتحيتهم نحو «صباح الخير»، إلا إن اشتملت على محضور، لعموم (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (النساء: ٨٦)، فإذا جاز الرد بمثل التحية ما لم تكن ممنوعة شرعا فيجوز الابتداء بها، والأصل عدم المانع. وتهنئتهم بمباح في أعيادهم ومناسباتهم، لعموم (أَن تَبَرُّوهُمْ) بشرط عدم الحضور؛ لأن الحضور شعيرة دينية تعبدية، وحضور الشعائر الدينية التعبدية لغير دين الإسلام الحق أمر محرم. وكذا يجوز الإهداء لهم (١)، وقبولها منهم (٢)؛ لأنه كان ﷺ يقبل هداياهم. ومساعدتهم والصدقة على فقيرهم؛ للحديث الصحيح أن عائشة تصدقت على يهودية،

стр. 127

وإغاثة مضطر كغريق أو مصاب في حادث سير، أو هدم، أو حرق، أو كارثة ونحو ذلك؛ لعموم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨)، ولأن رسول الله ﷺ أرسل لأبي سفيان في نازلة الجوع. وحفْظُ أماناتهم؛ لعموم الأدلة وعدم التخصيص؛ ولأن رسول الله ﷺ أمر علياً برد الأمانات. وتبادل الخبرات والدراسات والبحوث؛ لأنها معارف إنسانية عامة مشتركة لا تختص بدين لعموم (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) (البقرة: ٢٩). ويجوز معهم البيع والشراء؛ لعموم (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥) ولتعامل المسلمين مع المشركين أيام النبي ﷺ ، وأقرهم، وكذا يجوز معهم الشركات، والمضاربات، والإجارات. ولمقيم المشاركة في انتخاب من في ولايته مصلحة شرعية للمسلمين عموما أو خصوصا، كالجاليات. ويجوز الاستدانة منهم بلا ربا وإلا حرم؛ لأن رسول الله ﷺ رهن درعه عند يهودي في دَين (١)، ويجوز وضع المال في بنوكهم لمضطر وما خرج من ربا صرف في مصلحة عامة. ويحل الزواج بكتابيةٍ، وأكل طعامهم إلا الخمر والخنزير؛ للنص (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) (المائدة: ٥). ومن كان أجيرا في محل، أو شركة، أو مطعم، أو فندق في بلادهم وفيه محرم قطعي، كالخمر والخنزير، وهو يبيعه، أو يقدمه؛ حرم. وينتقل إلى غيره؛ فإن لم يجد عملا إلا بفعل المحرم هاجر إلى بلد ليس فيه ذلك؛ لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: ٩٧).

стр. 128

فإن كان مُحْصَرا وتعذر انتقاله، ولا حيلة له شمله الاستثناء في قوله تعالى (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء: ٩٨). والمساهمة في شركات مشتملة على محرم قطعي كخمر وخنزير لا يجوز. إلا إن كانت قطاعات متعددة؛ فيجوز فيما ليس فيه ذلك. ومن أسلم منهم وتحته كتابية استدام؛ لأنها تحل له ابتداء بالنص (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: ٥)، أو وثنية انتظرها في العدة، فإن أسلمت وإلا فارق، ويحتمل جواز الدوام؛ لحديث زينب (١). وآية الممتحنة لصورة الهاربة إلى الكفار أو منهم. ومن أسلمت وهي تحت كتابي أو غيره جاز دوام العقد سنين بلا مس؛ لحديث زينب، ويحتمل جواز المس في الصورتين؛ على الأصل ولعدم المانع لكل من أسلمت أو أسلم، والزيادة في حديث زينب «ولا يخلص إليك» ضعيفة ومخالِفَة لرواية الأثبات، والضعيف إن خالف الثقات فروايته منكَرَة، وعلى تسليم صحتها فيعلل على مسألة الهاربة من الكفار أو الباقية عندهم

стр. 129

أو الهاربة إليهم مفارقة لزوجها المسلم، وهذا ما تحمل عليه آية الممتحنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) (الممتحنة: ١٠ - ١١). والنهي الصريح في البقرة (وَلاَ تَنكِحُوا) هو في الابتداء؛ لأن النكاح عقد. ولأن من أسلم من الصحابة لم يؤمر بطلاق، وكذا من أسلمت، ولم يؤمر ولم ينه عن مسها في كافة الصور إلا في صورة الهاربة من الكفار. فيحمل حديث زينب مع زوجها «لا يخلص إليك»، على الإرشاد أو على صورة الهاربة من الكفار، وكم أسلم من العرب من الرجال ورجعوا إلى أهلهم ولم يؤمروا بطلاق، ولا عدم مسيس، فالنهي في قوله تعالى (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الممتحنة: ١٠) يُحْمَلُ على كل امرأة فرت من زوجها المسلم إلى بلاد الكفر كافرة، أو رفضت الهجرة الشرعية معه، أو آثرت نصرة أهل الحرب، وظاهرتهم فكانت معهم. ويحمل: (وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ) على الابتداء. هذا ما تجتمع به النصوص، والله أعلم. ومن أسلم فمات مُورِّثُه الكافر وَرِثَه على الأصل. ولأن الرسول ﷺ ترك مقاسم الجاهلية على ما قسمت (١)، فيعاملون على قوانينهم، ولأن الصحابة ورثوا أقاربهم من الكفار (٢).

стр. 130

وحديث «لا يرث الكافر المسلم» (١) مؤيد لذلك؛ لأنه إن كان الميت هو من أسلم فإن أحكام الإسلام تجري على ورثته فلا يرثونه، وإن كان الميت هو الكافر فيرث المسلم؛ لأن أحكام شريعتهم هي التي تحكم في ماله وهي تحكم بإرث ولده ولو مسلما. وتعقد رئاسة الجالية المسلمة لمن لا ولي لها، فإن لم يكن، فعقدوا في محكمة بلاد الكفر انعقد؛ لعدم اشتراط الإسلام في إجراء العقد، وإن زوجت نفسها غريبة في بلاد غير الإسلام، ولا ولي لها بشهود جاز (٢). ويجوز التأمين التكافلي الإسلامي لا التجاري إلا لمجبر بقانونهم. وحجاب المرأة أمام الأجانب له ركنان: ما ستر الزينة، ودفع الإيذاء. فالزينة هي: كل ما تتزين به من ملابس وأساور وأصباغ، أو زينة بدن، إلا ما ظهر بلا عمد أو ما لا يمكن إخفاؤه كخضاب. وزينة بدنها: حُسْنُ مقاطع جسم كصدر وشعر وعنق وما بين سرة وركبة ووجه وكفين عند البعض في الأخيرين، فهذه مواضع زينة وإظهارها فتنة وإيذاء للمرأة، فكل ما يستر

стр. 131

زينة المرأة ويدفع عنها الأذى فهو مقصود بالحجاب. فالحجاب ما ستر الزينة ودفع الإيذاء عن المرأة (١). والاستثناء بـ (إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: ٣١)؛ ليخرج كل ما لا يمكن إخفاؤه من طول وقصر أو صوت بحسبه. ولفظ (ظَهَرَ) يدل على ظهوره بنفسه بلا إظهار، وهو غير لفظ «إلا ما أظهرن»؛ لأنه يعيد فعل الإظهار إليها. فإذا جعلنا الإظهار عائداً إلى اختيار المرأة بطل الحجاب لإمكانها إظهار أخص فتنتها من صدر وعنق وبين سرة وركبة. فلزم أنّ (ظَهَرَ) هو: ما ظهر بنفسه، إما: بلا عمد، أو ما لا يمكن إخفاؤه من طرف ثوب وكم وبنان وعين؛ لتعسر ذلك. والوجه إن جرت العادة على كشفه جاز؛ لاحتمال دخوله في الاستثناء، فإن فتنت به حرم كما تقتضيه مقاصد التشريع. أما غير ذلك من شعر وساق ونحر ونحوه فهو منهي بالنص العام المشدد «نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها العنوهن فإنهن ملعونات» (٢).

стр. 132

فالكاسية العارية هي من عليها مسمى كساء لكنه في حكم العري؛ لضيقه فيظهر تفاصيل مقاطع فتنتها؛ أو لقصر؛ وتقطيع فيظهر ساق وصدر ونحر وغيره. أما رؤوسهن فحجمها أو شكلها، أو شعرها من ظفائر وخصلات ونحوه للنص «رؤوسهن» وما في معنى النص. أما العنق والصدر فقوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: ٣١). فدل على تغطية الرأس والصدر والرقبة والنحر. وأما القدم فنُهِىَ عن الضرب بها حتى لا يسمع صوت زينة خفية كخلخال وضع فوق الكعبين.

стр. 133

فدل على أن إظهار الحلي ومواضعه ممنوع؛ لأنه أشد من تخيل زينته لمجرد سماع صوته. ودل على أن ما حكى زينة باطنة ولو بسماع، يحرم؛ فأولى منه ما أعلم عن زينة باطنة بالرؤية لتفاصيلها؛ لضيق لبس؛ لأنه أبلغ من سماع صوت خلخال. ويجب على مقيم تعليم ولده وأهله الشريعة ولغة العرب؛ لأنها وسيلة لفهم الوحي وإلزامهم بشعائره (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (طه: ١٣٢). ويلزم الأقليات (١) المسلمة المقيمة في غير بلاد الإسلام إقامة المدارس التي تحفظ النشء على دينه.

стр. 134

ويجب بناء المراكز والمساجد وإقامة الصلاة وإظهار شعائر الله من جمع وجماعات وأعياد؛ لعموم التكليف بها وبوسائلها زمانا ومكانا وأشخاصا. فإن لم يفعلوا مع القدرة أثموا، فإن عجزوا لمال وجب على المسلمين عونهم، فإن منعوا من ذلك أقاموا ولو في بيت أحدهم، فإن منعوا حرم مقامهم بها؛ كما يفيده قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: ٩٧).

стр. 135

فقه الدولة * الشعب أصيل والحاكم وكيل * نرى أن حفظ الجماعة العامة هو المقصد الضروري السادس للشريعة، والجماعة: المجتمع والدولة * عولمة المصلحة والرحمة لا احتكارها أو الهيمنة عليها أصل تقوم عليه السياسة في دولة الإسلام * العلاقات الداخلية والدولية والأممية قائمة على خمسة أصول: تعاونية، تبادلية، مثلية، سلمية، عادلة .. أما الحرب فهو استثناء مسبب؛ لأن الأصل السلام لا الحرب * العدل قيمة فاضلة لا تحملها إلا النفوس الفاضلة، وبهؤلاء تقوم وتدوم الدولة الفاضلة * لا مكان لمستبد على كرسي عام عندنا بالإجماع المنقول * سياسة الحطمة ممنوعة شرعا * إذا شعر المواطنون بالقلق والمخاوف الدائمة فليس هناك دولة راشدة في البلاد * العدل والمساواة العادلة والحريات الراشدة والحقوق والواجبات وحقوق المواطنة مفردات أصول للدولة المسلمة

стр. 136

فقه الدولة قال المؤلف عفا الله عنه ووفقه: حفظ الجماعة العامة هو المقصد السادس للشريعة (١)، وبها تحفظ بقية المقاصد، ومنها تنبثق الدولة، ونعني بالجماعة الشعب ودولته والمجتمع والأمة. ومصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية. وما قعدته الجماعة المستنبطة من خلاله هو القانون في المعنى الأعم. وتكييفه في المعنى الأخص هو: ما اتفقت عليه الجماعة المخولة المؤهلة من أهل الاستنباط في الشرع من قواعد مقننة مصوغة بقاعدية أو ضبط أو مادة تنص على أحكام الوقائع بالاستنباط من أحكام الشرع بما يحفظ الضروريات الست والحاجيات والتحسينيات. فالضروريات كل ما لا يمكن بدونه عيش، وهي: الدين والنفس والعرض والمال والعقل، وزدت: الجماعة العامة. والحاجيات: كل ما لا تعيش بدونه الجماعة إلا بضيق وحرج كالتملك. والتحسينات: ما يدخل في السعة والإكرام والإحسان والمحاسن والترفه. ويصوغه فقيه بالشرع خبير باللسان والواقع نيابة عن الجماعة الكلية المخولِة له بوضع ذلك ويستعان بمن يحتاج إليهم من الخبراء في التقنين والسياسة وغيرهم، ثم تقره هي بالإنابة عن الجماعة الكبرى الممثلة في الشعب، أو تعرضه عليه في ما لا يقطع بإمضائه إلا برضى الشعب المباشر كالدساتير والقرارات الكبرى. والجماعة المستنبطة واجبٌ الرد إليها، وواجبٌ تحديد شكلها، وآليات اختيارها إن لم يتم إلا بذلك (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ

стр. 137

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣)، فنهى سبحانه عن ترك القضايا العامة للأمة خوفا وأمنا عالقة خاضعة للإشاعة التقولية بين العامة، وأوجب ردها إلى أهلها للبت فيها، وقَطَع بوصولهم إلى عِلْمها بدليل (لَعَلِمَهُ) وتَرَك آليات الرد للنظر المصلحي للأمة زمانا ومكانا. والحكم به من حاكم نظره في عين القضية ولا يتجاوز حكمه ذلك. والمنفذ له تنفيذي يعمل بالنص، ومقتضياته مما هي كالنص أو قريب منه (١). ويشكل الكل مؤسسة تسمى الدولة. ونعني بـ «الكل»: الشعب ومؤسسته المستنبطة، والسلطة الحاكمة، والمنفذة. ويجب أن تسير الدولة وفق أحكام الشرع وما انبثق منه من العقد الشعبي العام معها، سواء كان منصوصا أو غير منصوص؛ لأنه مُلْزِم على كل حال، والعقد المنصوص بين الشعب والحاكم مُلزِمٌ، سواء كان على صيغة دستورية أو قانونية أو كليهما، أو كوثيقة، أو عهد، أو اتفاقية. فإن لم يكن العقد منصوصا فهو ملزم -كذلك- من جهة العمل على مقصودات الشرع؛ لأن مقصوده إقامة المصالح ودرء المفاسد وعلى هذا المقصد الشرعي العظيم تبنى الإرادة الشعبية وتقوم خدمتها؛ لأن هذا هو الأصل الذي تقوم عليه الولاية، ولا بد الآن من وجود العقد الشعبي المنصوص عليه بين الحاكم والمحكوم دفعا للمفاسد الكبرى، ويجب الالتزام به؛ لعموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، وهذا عقد، بل من أكبرها وأهمها. ويجب إدارة البلاد دولة وشعبا بسياسة قائمة على حفظ المصالح العامة ومحاربة المفاسد بتقليلها وتعطيلها. وتدار الدولة بسياسة قائمة على مقتضى العقد الشرعي والرضى الشعبي في داخل وطنها وخارجه بقانونية منبثقة عن الشرع بفهم منصوصاته ومقاصدها، وفهم واقع الحال والمآل المناسبين لتنزيلها فيهما، وفهم الأوليات عند التزاحم والتعارض، وفهم السير على الأصل وعلى الاستثناءات.

стр. 138

والشعب أصيل والحاكم وكيل. ومصدر الحكم هو الرسالة، ومصدر الحُكَّام هو الشعب. وفرض على الجماعة القيام بالشرع، ولا يتم إلا بدولة، فالدولة فرض؛ لأنه لا يقوم إلا بها فإقامتها فرض كلي. وهي نائبة عن الجماعة العامة، ومنها، مشاعاً، بالتراضي المشروط، وأجراء بمالها، وتصرفاتهم منوطة بمصلحتها. أما أن الدولة نائبة عن الجماعة العامة، فيدل لذلك أن شرعية الولاية في الأصل لا تنعقد إلا بالبيعة من الأمة بآلية مناسبة متفق عليها تحقق معرفة الرضى الشعبي في اختيار السلطة. وما كان في معنى الولاية مما دونها فبالتعيين ممن انعقدت له البيعة، أو الاختيار من الجماعة، ثم التعيين، وطاعة المتغلب ضرورة استثنائية حقنا للدماء ودفعا للمفاسد العامة. وأما أن الحاكم (منها) فيدل له قوله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، أي من أمة الإيمان؛ لأن الخطاب في صدر الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (النساء: ٥٩). ولقوله ﷺ لما سأله الصحابة عن خلع الحاكم بالسيف: «لا، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» (١). فجعل الكفر مبطلا للولاية دواما، ففي الابتداء أولى. وأما كون الولاية حقا «مشاعا»؛ فلأن حصر الولايات بالمناطقية والأسرية خلاف العدل، ومولد لمفاسد جمة عامة ودفعها واجب. ولأن الشرع راعى الكفاءة والأمانة في نصوصه. وأما حديث الإمامة في قريش (٢) فخبر لا إنشاء، ولا يراد به الإنشاء، أي الأمر، بدليل عدم

стр. 139

استدلال الصحابة به في خلاف السقيفة مع نقل القضية بالتواتر إلا في طريق فيها من لا يوثق بهم من الضعفاء، فتكون منكرة (١). وأما أن الولاية بالتراضي العام: فلأن الحق للأمة، وإذا كان لها الحق فواجبٌ اعتبار رضى صاحب الحق، وهو الأمة، وهذا ما فعله الصحابة في قضية الخلفاء الأربعة إذ كانت بالتراضي والبيعة العامة، وسنتهم سُنَّةٌ مأمور باتباعها؛ ولأن بيعة المكره لا تنعقد فلا تنعقد الولاية؛ لأن الإكراه لا تنبني عليه آثار العقود وأحكامها. وأما الاشتراط في عقد الولاية: فأصله أنه عقد، وكل شرط في العقد يُصْلِحْ العقد فهو جائز؛ ولذا شرط الصحابة على عثمان وعلي السير سيرة الشيخين. أما أن الحكام أجراء فلأن الحاكم عامل في مصالح الشعب بعوض، وهذه هي الإجارة، ولأن الصحابة جعلوه كذلك في حق الإمام الأعظم فغيره أولى، إذ فرضوا للخلفاء والأمراء والحكام أجرة مقابل عملهم. وقد قدر الصحابة الأجرة للخلفاء كأبي بكر وغيره مقابل تفرغه للحكم. ولا طاعة في معصية، ولا في خلاف مصلحة عامة، وكيفية إنابتها لهم متروك بما يوافق المصلحة العامة. وشكلها من رئاسي، أو وزاري، أو ملكي، أو غيره راجع إلى تقدير الجماعة لمصالحها. والمصلحة العامة يقدرها أهلها من الأمة العامة، وأهل تقدير المصالح هم المستنبطون من أولي الأمر من العلماء والأمراء والخبراء وأهل الحل والعقد. ولا يكون تقدير المصلحة العامة إلا بالشورى، فوجبت بالنص (٢) والمعقول (٣)، ووجب ما لا تقوم إلا به زمانا ومكانا من مجالس شورى أو نواب أو شعب. ووسائل اختيارهم تدور على ما يخدم تمام المصلحة للأمة بانتخاب أو غيره.

стр. 140

وهي ملزمة وإلا كانت عبثا وفتحت باب الاستبداد عن الجماعة والمطامع والأثرة، وهذه مفاسد عامة لا تدرأ إلا بإلزام الشورى، فوجبت. ويرجح بالأكثرية كما فعل الرسول ﷺ في أحد (١). وكل ما لا يتم النظام العام إلا به فهو واجب. وكل ما يخل بالنظام العام القائم على مصلحة الأمة، فهو مفسدة يجب دفعها. ويجوز وضع دستور يتفق عليه الجماعة يكون أساس عقد الولاية، وقد يجب إن لم يتم دفع المفاسد إلا به ولا استتباب الأمور إلا بوضعه. ويصوغ الدستور لجنة مختصة يتفق عليها فيها العلماء وخبراء التقنين الدستوري وممن يحتاج إليه من الساسة والاقتصاديين والخبراء. وفرض أن يكون الدستور نابعا من الشرع، وفرض أن ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعا وأنها المصدر الوحيد للتشريع في سائر دساتير البلاد العربية والإسلامية. هذا هو الأصل إلا عند العجز. وجعلها مصدرا رئيسيا، أو أحد المصادر مع القدرة، أمرٌ مخالف لقواطع النصوص ورودا ودلالة، كقوله تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة: ٤٩)، ولقوله تعالى (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥). ووجود أقليات من مواطني الدولة المسلمة على غير دينها لا يسوغ العدول عن تفرد الشريعة بمصدر التشريع؛ لأنها في نصوصها جعلت لهم حرية التحاكم إلى شريعة الإسلام، أو إلى ما عندهم من الكتاب. وينص على أن دين الدولة الإسلام، ولغتها العربية. ويبين نوع نظام الحكم؛ لأن هذه الأمور سياديةٌ شرعيةٌ ووطنيةٌ تدفع كبار المفاسد والفتن الناجمة عن ترك النص عليها أو تأويلها إن لم تكن صريحة.

стр. 141

والنص في الدستور في شروط الرئاسة والولاية على شرط الأبوين، ألا يكونا أجنبيين أو أحدهما، وكذا الزوجة: أمر مباح يلزم بالشرط الدستوري؛ لأن الإيفاء بالعقود واجب وهذا منصوص العقد، فلزم (١). والأصل الشرعي ألا يعطى أحد حصانة من المساءلة بنص دستوري، سواء كان رئيسا أو له ولاية عامة قضائية أو برلمانية أو تنفيذية؛ لأن الله لم يستثن رسله وأنبياءه وأولياءه من أي حكم ديني محض (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر: ٦٥)، أو تنفيذي «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢)، فلا حصانة لملك أو أمير أو خليفة أو قاض أو نائب أو وزير، بل الكل أمام التكليف الشرعي والمسئولية متساوون مع سائر الناس. وتعديل الدستور من الشعب بمباشرة حرة جائز وهو الأصل؛ لأنه عقد، ويجوز التوافق على تعديل شيء منه. فإن انفرد به حاكم أو سلطة حَرُم، وبَطُل (٣)، وهو تحريف في حقيقة التكييف لا تعديل؛ لأن العقد حق للطرفين: الشعب والحاكم. والعقود لا تغير من طرف مشروط عليه، بل بتوافق طرفي العقد. ولأن تصرفات الحاكم منوطة بالمصلحة العامة، ولا مصلحة في تعديل العقد الممثل في الدستور إلا بتوافق العامة بمباشرة أو نيابة؛ لأنه بهذا يعلم ترتب المصلحة العامة. والأصل ألا يلي ولاية عامة على المسلمين إلا مسلم عالم بقواطع الشرع مقيم لها؛ بالغ، عاقل، راشد، عدل، قوي، أمين، ومختار منهم؛ لأنه عقد قائم على التراضي.

стр. 142

فلا ولاية لكافر، ولا لمن لا يقيم الشرع، ولا لصبي، ولا مجنون، ولا سفيه، ولا فاسق، ولا ضعيف، ولا خائن، ولا غاصب. فإن طرأ وضع من هذه الأوضاع، واستتبت الأمور والمصالح، جاز للأمة ذلك كوضع استثنائي على خلاف الأصل، إلا الكافر فيجب خلعه ولو بالجهاد المسلح لحديث «ألا نقاتلهم؟ قال: لا، إلا أن تروا كفرا بواحا» (١) ولقوله تعالى (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨)، وولايتهم طاعة لهم. وللنهي عن موالاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، وولايتهم العامة على المسلمين أعظم من مجرد موالاة شعورية قد يستتبعها فعل. ولقوله (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١)، وولايتهم أعظم سبيل، فحرم. ولأن التمكين هو للمؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥)، وتولية غيرهم عليهم مضادة لمقصود الشرع المنصوص في التمكين للمؤمنين. ولأن ولاية المؤمنين لها أعمال سيادية دينية، ومالية، وإصلاحية (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤٠ - ٤١). وهذه الأعمال السيادية الكبرى لا تتوافق مع ولاية غير المسلم. ولأن الدول غير المسلمة تجعل شرط الدين والمواطنة شرطا سياديا للولاء الوطني والديني للشعب. وهذا الولاء هو مما بيّنه الله في النص (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣). ففرض على المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض؛ لأن الكافرين كذلك. وشرط الدين للولاية هو أكبر مظاهر الولاء للمؤمنين، فإن لم يفعلوا فولوا غير مسلم

стр. 143

عليهم تحصَّل عن ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير. والمنافق، والخائن، والعميل، والفاسق، والفاسد لا ولاية عامة لهم؛ لأن ولايتهم تعود على أصل المقاصد الكبرى للشريعة، وأصل المقصد من الحكم بالبطلان، فبطُلَت. وفي الصبي والمجنون، يجب تشكيل ما يدير الأمور، وفي السفيه كذلك. ويشرع بالتوافق بين غاصب والأمة عمل ما تسير عليه المصالح حالا ومآلا من إعادة انتخاب، أو بيعة أو غير ذلك. والخروج المسلح على الجماعة العامة محرم؛ لما فيه من الفرقة، وشق الصف، وإراقة الدماء والفتنة؛ لأن الفتنة العامة مفاسدها عامة. وقولنا «على الجماعة العامة» يشمل خروج شرذمة مسلحة عليها، ويشمل خروج حاكم وشرذمة معه بالسلاح على السواد الأعظم للجماعة. والأصل حرمة أخذ الحكم بالغصب عن إرادة الأمة كانقلاب مسلح؛ لأنه خيانة وغدر، ونقض لعقد الجماعة الممثل في الدستور المجمع عليه. ومن حرم الخروج المسلح والانقلاب على الحاكم الظالم؛ إنما حرمه لأنه أمر بمعروف ونهي عن منكر باليد، وشرطه ألا يترتب عليه ما هو أنكر منه، ولا ينشأ عنه مفاسد أكبر. والغالب حصول ذلك، والأحكام الشرعية قائمة على اعتبار الغالب. وأما الحاكم العدل فالخروج المسلح عليه ظلم وعدوان فوق ما سبق، وهو ولو كان غاصبا للحكم إلا أن النظام مستتب، والمصالح العامة والأمن والاستقرار قائم، فمسألة انتخاب الأمة ورضاها له أمر إجرائي وسيلي يمكن الوصول إليه بالتوافق العام كما حصل من الصحابة في قضية التحكيم (١). فإن لم يتم ذلك التوافق فهو واجب وسيلي موسع وقته حينئذ. والواجبات المقاصدية أهم منه؛ فتقدم ويحافظ عليها. والانتخاب بالبيعة وسيلة موسعة حينئذ.

стр. 144

وإنما قلنا حينئذ؛ لأنه لا جدوى ولا مصلحة عاجلة منها الآن في حال وجود حاكم عادل راشد أقام المصالح ودرأ المفاسد ولكنه بغصب. فالاختيار للحاكم من الشعب وسيلة وقتية، واستتباب المصالح العامة ودفع المفاسد مقصد فوري دائم؛ فتقدم المقاصد عند التعارض. فالحل المصلحي هنا هو: الحفاظ على استتباب المصالح العامة ودفع مفاسدها؛ لأنها مقاصد، مع السعي التوافقي الحواري سلما على الوسائل، وهذا ما تقتضيه العقول الراجحة، وما عليه تقوم مصلحة الأمة، وما به جاءت دلالات النصوص. ومن فهم النصوص على غير مرادها أخطأ. والوصول إلى الولاية العامة لها طرق، استقصيناها في كتابنا هذا (١). والشريعة تدل على أن شرعية الولاية العامة لا تتم إلا بالبيعة العامة من الشعب كما دلت عليها نصوص السنن قولية وفعلية وعمل الخلفاء، وعمل الأمة فيمن تولى بعد الخلافة، فلو كانت شرعية أحد ذاتية لما احتاج إلى بيعة الأمة. وهذا مما لا خلاف فيه حتى عند من يقول بالنص لحكم نسبي معين، فإنه لا بد -عنده- من بيعة لاكتمال المشروعية. وتسليم أو نقل السلطة من مستبد ظالم لشعبه إلى من يقيم العدل من الشعب هو منة ربانية لقوله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). ولأن حكم الشعب من عموم الشعب باختيار حاكم بحرية حقيقية هو الأصل المرضي. والوصول إلى الدولة وإقامتها، والتمكين لها هو وعد الله للأمة المؤمنة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).

стр. 145

فالدولة ليست مطلوبا شرعيا فحسب، بل وعد الله، وهو يدل على كونه مقصداً ربانياً ومطلباً شرعياً يتحتم على الأمة المؤمنة الوصول إليه. فالشريعة تنهى عن تبعية الجماعة العامة والأمة لنظام يقودها من غيرها، بل يجب أن يكونوا هم من يقود؛ لأن الوعد والأمر بالاستخلاف لهم هو سنة ربانية مطردة (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥). ومقصود الشرع في ذلك حقيقة التمكين لا مجرد السلطة الصورية بل التمكينة التامة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥). فالتمكين أعلى رتب الاستخلاف، وفوق مجرد الإمامة والقيادة؛ ولذلك فَصَلَها الله في آية وأفرد كلاً بذكر مستقل (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). والتمكين للقيادة الراشدة، رحمة بالحاكم والمحكوم: (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء) (يوسف: ٥٦)، فجعل التمكين ليوسف رحمة له ولمن ولي عليهم. ودل هذا أن التمكين للقائد الراشد ولو فردا ولو في ظل نظام آخر أمر مقصود شرعا. فالولاية والقيادة والدولة والتمكين للجماعة في الأصل، بل حتى لفرد يخفف المفاسد، هو منة ومقصد ورحمة، وهذا يدل على أن: الولاية ليست من المذام الشرعية، ولذلك طلبها الرسل فقال سليمان (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص: ٣٥). وقال إبراهيم (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء: ٨٣)، وقال سبحانه ممتنا على يحيى (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢). وامتن على قوم موسى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) (المائدة: ٢٠).
следующие страницы →