← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والنص في الدستور في شروط الرئاسة والولاية على شرط الأبوين، ألا يكونا أجنبيين أو أحدهما، وكذا الزوجة: أمر مباح يلزم بالشرط الدستوري؛ لأن الإيفاء بالعقود واجب وهذا منصوص العقد، فلزم (١). والأصل الشرعي ألا يعطى أحد حصانة من المساءلة بنص دستوري، سواء كان رئيسا أو له ولاية عامة قضائية أو برلمانية أو تنفيذية؛ لأن الله لم يستثن رسله وأنبياءه وأولياءه من أي حكم ديني محض (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر: ٦٥)، أو تنفيذي «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (٢)، فلا حصانة لملك أو أمير أو خليفة أو قاض أو نائب أو وزير، بل الكل أمام التكليف الشرعي والمسئولية متساوون مع سائر الناس. وتعديل الدستور من الشعب بمباشرة حرة جائز وهو الأصل؛ لأنه عقد، ويجوز التوافق على تعديل شيء منه. فإن انفرد به حاكم أو سلطة حَرُم، وبَطُل (٣)، وهو تحريف في حقيقة التكييف لا تعديل؛ لأن العقد حق للطرفين: الشعب والحاكم. والعقود لا تغير من طرف مشروط عليه، بل بتوافق طرفي العقد. ولأن تصرفات الحاكم منوطة بالمصلحة العامة، ولا مصلحة في تعديل العقد الممثل في الدستور إلا بتوافق العامة بمباشرة أو نيابة؛ لأنه بهذا يعلم ترتب المصلحة العامة. والأصل ألا يلي ولاية عامة على المسلمين إلا مسلم عالم بقواطع الشرع مقيم لها؛ بالغ، عاقل، راشد، عدل، قوي، أمين، ومختار منهم؛ لأنه عقد قائم على التراضي.

стр. 142

فلا ولاية لكافر، ولا لمن لا يقيم الشرع، ولا لصبي، ولا مجنون، ولا سفيه، ولا فاسق، ولا ضعيف، ولا خائن، ولا غاصب. فإن طرأ وضع من هذه الأوضاع، واستتبت الأمور والمصالح، جاز للأمة ذلك كوضع استثنائي على خلاف الأصل، إلا الكافر فيجب خلعه ولو بالجهاد المسلح لحديث «ألا نقاتلهم؟ قال: لا، إلا أن تروا كفرا بواحا» (١) ولقوله تعالى (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨)، وولايتهم طاعة لهم. وللنهي عن موالاتهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، وولايتهم العامة على المسلمين أعظم من مجرد موالاة شعورية قد يستتبعها فعل. ولقوله (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١)، وولايتهم أعظم سبيل، فحرم. ولأن التمكين هو للمؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥)، وتولية غيرهم عليهم مضادة لمقصود الشرع المنصوص في التمكين للمؤمنين. ولأن ولاية المؤمنين لها أعمال سيادية دينية، ومالية، وإصلاحية (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤٠ - ٤١). وهذه الأعمال السيادية الكبرى لا تتوافق مع ولاية غير المسلم. ولأن الدول غير المسلمة تجعل شرط الدين والمواطنة شرطا سياديا للولاء الوطني والديني للشعب. وهذا الولاء هو مما بيّنه الله في النص (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣). ففرض على المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض؛ لأن الكافرين كذلك. وشرط الدين للولاية هو أكبر مظاهر الولاء للمؤمنين، فإن لم يفعلوا فولوا غير مسلم

стр. 143

عليهم تحصَّل عن ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير. والمنافق، والخائن، والعميل، والفاسق، والفاسد لا ولاية عامة لهم؛ لأن ولايتهم تعود على أصل المقاصد الكبرى للشريعة، وأصل المقصد من الحكم بالبطلان، فبطُلَت. وفي الصبي والمجنون، يجب تشكيل ما يدير الأمور، وفي السفيه كذلك. ويشرع بالتوافق بين غاصب والأمة عمل ما تسير عليه المصالح حالا ومآلا من إعادة انتخاب، أو بيعة أو غير ذلك. والخروج المسلح على الجماعة العامة محرم؛ لما فيه من الفرقة، وشق الصف، وإراقة الدماء والفتنة؛ لأن الفتنة العامة مفاسدها عامة. وقولنا «على الجماعة العامة» يشمل خروج شرذمة مسلحة عليها، ويشمل خروج حاكم وشرذمة معه بالسلاح على السواد الأعظم للجماعة. والأصل حرمة أخذ الحكم بالغصب عن إرادة الأمة كانقلاب مسلح؛ لأنه خيانة وغدر، ونقض لعقد الجماعة الممثل في الدستور المجمع عليه. ومن حرم الخروج المسلح والانقلاب على الحاكم الظالم؛ إنما حرمه لأنه أمر بمعروف ونهي عن منكر باليد، وشرطه ألا يترتب عليه ما هو أنكر منه، ولا ينشأ عنه مفاسد أكبر. والغالب حصول ذلك، والأحكام الشرعية قائمة على اعتبار الغالب. وأما الحاكم العدل فالخروج المسلح عليه ظلم وعدوان فوق ما سبق، وهو ولو كان غاصبا للحكم إلا أن النظام مستتب، والمصالح العامة والأمن والاستقرار قائم، فمسألة انتخاب الأمة ورضاها له أمر إجرائي وسيلي يمكن الوصول إليه بالتوافق العام كما حصل من الصحابة في قضية التحكيم (١). فإن لم يتم ذلك التوافق فهو واجب وسيلي موسع وقته حينئذ. والواجبات المقاصدية أهم منه؛ فتقدم ويحافظ عليها. والانتخاب بالبيعة وسيلة موسعة حينئذ.

стр. 144

وإنما قلنا حينئذ؛ لأنه لا جدوى ولا مصلحة عاجلة منها الآن في حال وجود حاكم عادل راشد أقام المصالح ودرأ المفاسد ولكنه بغصب. فالاختيار للحاكم من الشعب وسيلة وقتية، واستتباب المصالح العامة ودفع المفاسد مقصد فوري دائم؛ فتقدم المقاصد عند التعارض. فالحل المصلحي هنا هو: الحفاظ على استتباب المصالح العامة ودفع مفاسدها؛ لأنها مقاصد، مع السعي التوافقي الحواري سلما على الوسائل، وهذا ما تقتضيه العقول الراجحة، وما عليه تقوم مصلحة الأمة، وما به جاءت دلالات النصوص. ومن فهم النصوص على غير مرادها أخطأ. والوصول إلى الولاية العامة لها طرق، استقصيناها في كتابنا هذا (١). والشريعة تدل على أن شرعية الولاية العامة لا تتم إلا بالبيعة العامة من الشعب كما دلت عليها نصوص السنن قولية وفعلية وعمل الخلفاء، وعمل الأمة فيمن تولى بعد الخلافة، فلو كانت شرعية أحد ذاتية لما احتاج إلى بيعة الأمة. وهذا مما لا خلاف فيه حتى عند من يقول بالنص لحكم نسبي معين، فإنه لا بد -عنده- من بيعة لاكتمال المشروعية. وتسليم أو نقل السلطة من مستبد ظالم لشعبه إلى من يقيم العدل من الشعب هو منة ربانية لقوله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). ولأن حكم الشعب من عموم الشعب باختيار حاكم بحرية حقيقية هو الأصل المرضي. والوصول إلى الدولة وإقامتها، والتمكين لها هو وعد الله للأمة المؤمنة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).

стр. 145

فالدولة ليست مطلوبا شرعيا فحسب، بل وعد الله، وهو يدل على كونه مقصداً ربانياً ومطلباً شرعياً يتحتم على الأمة المؤمنة الوصول إليه. فالشريعة تنهى عن تبعية الجماعة العامة والأمة لنظام يقودها من غيرها، بل يجب أن يكونوا هم من يقود؛ لأن الوعد والأمر بالاستخلاف لهم هو سنة ربانية مطردة (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) (النور: ٥٥). ومقصود الشرع في ذلك حقيقة التمكين لا مجرد السلطة الصورية بل التمكينة التامة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥). فالتمكين أعلى رتب الاستخلاف، وفوق مجرد الإمامة والقيادة؛ ولذلك فَصَلَها الله في آية وأفرد كلاً بذكر مستقل (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). والتمكين للقيادة الراشدة، رحمة بالحاكم والمحكوم: (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء) (يوسف: ٥٦)، فجعل التمكين ليوسف رحمة له ولمن ولي عليهم. ودل هذا أن التمكين للقائد الراشد ولو فردا ولو في ظل نظام آخر أمر مقصود شرعا. فالولاية والقيادة والدولة والتمكين للجماعة في الأصل، بل حتى لفرد يخفف المفاسد، هو منة ومقصد ورحمة، وهذا يدل على أن: الولاية ليست من المذام الشرعية، ولذلك طلبها الرسل فقال سليمان (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص: ٣٥). وقال إبراهيم (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (الشعراء: ٨٣)، وقال سبحانه ممتنا على يحيى (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢). وامتن على قوم موسى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ) (المائدة: ٢٠).

стр. 146

وقال يوسف (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ) (يوسف: ٥٥). أما حديث «إنا لا نولي هذا الأمر من سأله ولا من حرص عليه» (١)، فهو في طلب هَلُوعٍ ظاهرٍ لولاية جباية المال خاصة، ولذلك لما سأله غيره لم يعلل له بذلك بل بالضعف «إنك ضعيف» (٢). ولو كانت مذمومة لآثر علي وعثمان أحدهما الآخر بها (٣).

стр. 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 148

فالتنافس من الأكفاء مشروع، وعرض المرشح الكفء على اختيار الأمة مشروع، وقيام لجنة بإدارة هذه العملية مشروع كما فعل عبدالرحمن بن عوف، واشتراط اللجنة لخطة سير وبرنامج عمل سياسي لمن يترشح للولاية نابع من اشتراط الأمة أمر مشروع، وهو ركن العقد. وهذا ما رجح عثمان؛ لقبوله بشروط الشعب في السير وفق سياسة مدروسة مجربة سابقا؛ وأثبتت نجاحها على الواقع، وهي سنة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄. ويجوز أن يتنازل من انعقدت له البيعة للمصلحة العامة؛ كما فعل الحسن؛ وأقره الشرع الغيبي «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١).

стр. 149

وكان الصلح باستقالته عن الحكم وهو خليفة شرعي مبايع تقديما لمصلحة حقن الدماء وجمع كلمة الأمة. ولا حكم لأسرة كحق إلهي، بل يتعامل معه كوضع رضيته الأمة. وحديث الأئمة من قريش (١) يعالج وضعا واقعا، ولا يؤصل أصلا عاما للأمة. وهو إخبار لا أمر؛ يدل له أن الصحابة لم تستدل به في قضية السقيفة مع الحاجة إليه (٢)؛ فدل على إنه إخبار لا يراد به الأمر، ولو كان أمرا لكان بقيته كذلك وهو «والأذان في الحبشة والشرعة في أهل اليمن» (٣).

стр. 150

ويؤيد هذا أن قريشا فنيت سريعا كتواجد نسبي وقوة محسوبة. ففي الحديث الصحيح عند أحمد «أسرع أمتي فناء قريش وأسرع قريش فناء آل بيتي» (١). ولو كان استحقاقا شرعيا إلى القيامة لبطلت الخلافة والإمامة. ويدل لما سبق حديث «إن أُمِّرَ عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا» (٢)، فلم تبطل الولاية بعدم القرشية بل وجب السمع والطاعة. ولهذا أراد عمر استخلاف معاذ من بعده (٣)، وليس من قريش. ولعل ما منعه هو طارئ القتل وحسابات قوة القبيلة. وهذا من السياسة الراجحة. ومع هذا كله: فالسلطة القرشية بالاختيار والبيعة العامة لا بالتوريث. ولهذا لم يورث أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الحسن ﵃. فمن طلب التوريث بنص شرعي فهو كاذب محض.

стр. 151

ومن طلبه بوضعٍ واقعٍ فهو راجع إلى الأمة ورضاها؛ لأن الحق حقها. فإن رضيت واستتبت المصالح العامة جاز. ومن ولي ولاية حرم عليه تولية غيره لمجرد قرابة أو نسب؛ لأن الولاية على الكفاءة لا على القرابة، ومن فعل أثم وبطل أمره، لمخالفته الأمر المنصوص (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨). والأمانات مفسرة في الحديث بالولايات (١)، فإن قدرت الأمة بمؤسساتها إبطالها، وجب ذلك. فإن عجزت (٢) بينت وأنكرت؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور. فإن كان قريبه من أهل الكفاءة جاز أن يوليه وفقا للشروط الجارية عليه وعلى غيره بلا أثرة، وإن لم يوله فقد يكون من الأولى ذلك في بعض الأحوال؛ لأن المفاسد المترتبة على ذلك من سخط الناس وتذمرهم واقعة لا محالة بحسب الطبيعة البشرية. وقد وجد الأنصار في أنفسهم حينما أعطى رسول الله ﷺ بعض قريش من الغنائم ولم يعطهم وعقدوا جلسة لذلك مع النبي ﷺ (٣).

стр. 152

فهذا في الأنصار، فكيف بغيرهم؟ وفي بعض العطايا فكيف بالولاية؟ فإن كانت الولاية للقريب المؤهل لا تؤدي إلى مفاسد عامة كونه باختيار، أو انتخابات حرة ونزيهة، أو ترشيح شعبي راض ونحو هذا، فلا مانع منه حينئذ. ولا يستدل بقول موسى (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) (طه: ٢٩)، لأن المقصود النبوة. وإرث سليمان لداوود (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) (النمل: ١٦)، هو الملك بالنبوة لا بالبنوة، وهو اصطفاء خاص؛ لأن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء فإذا ذهب نبي خلفه نبي (١). وفي النص قال ﷺ «إنا معشر الأنبياء لا نورث» (٢)، أي بالنسب.

стр. 153

وفصل السلطات إن كان يحقق المصالح الأكثر، فهو مقدم، وهي: السلطة التقنينية «الشوروية» وهي التي تقر القانون النابع من أصول التشريع، وما دل عليه من اقتضاء المصالح ودرء المفاسد، وشكلها اجتهادي مصلحي، كانت بمجلس يسمى مجلس النواب، أو الشعب، أو الشورى، أو غير ذلك. والسلطة القضائية هي الحاكمة في أعيان القضايا. والسلطة التنفيذية هي المنفذة لسياسات وبرامج وخطط الدولة. ويمكن فصل ثلاث سلطات أخرى إن حققت المصالح بأكثرية وهي: السلطة السياسية وهي الولايات الكبرى بدءا من رأس الدولة ونائبه ونوابه على البلاد. والسلطة العسكرية والأمنية وهي القوات المسلحة والأمن. والسلطة المحلية فهذه سلطات ست. وما حقق المصلحة من فصل السلطات، أو دمجها هو المقدم في النظر الشرعي. والانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية جائزة، وتقدم الكفء العدل الراشد المحافظ على الدين وشعائره يتعين عليه إن دفع ولاية مفسد. ويجب حينئذ نصرته، وتأييده، وانتخابه؛ لأنه تعاون على البر والتقوى، وبه أفتى كبار

стр. 154

علماء العصر وجمهوره؛ ولأنها أمانة والله يأمر بأدائها لأهلها، وتوسيد الأمر لغير أهله من تضييع الأمانة بالنص (١). ويجب في تعيين لجنة الانتخابات بفروعها اختيار العدل الأمين الكفء لهذه المهمة؛ لأنها من أعظم الأمانات ووسيلة إلى أعظمها، وهي الرئاسة العامة أو النيابية. وهذا المقصد هو ما أدى إلى اختيار عمر بن الخطاب ستةً وصفهم أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راض (٢). وهو غاية في أمانة الاختيار؛ لأن أكبر أمر الأمة العام منوط ومعلق بهم. فإن غشوا الشعب كانوا على أعظم الذنوب والظلم، وإن نصحوا فهم على أعظم العمل عند الله. ولا يجوز لأعضاء اللجنة العليا ولا فروعها التعاون على تمرير المخالفات المؤثرة على نزاهة الانتخابات، ولا التزوير للنتائج، ولا إلغاء كرت لا يستحق الإلغاء، فإن هذا من الظلم والعدوان المحرم شرعا، وهو من التعاون على الإثم والعدوان، بل هو من أكبر أنواع ذلك؛ لأن أثره متعد إلى عامة الشعب. وفرضٌ عليهم القيام بالقسط والعدل، وإقامة الشهادة ولو كانت ضد أهواء نفوسهم وأحزابهم، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (النساء: ١٣٥). وقال تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٨). وما يترتب من بلاء ومفاسد ومظالم على الشعب نتيجة لتزوير إرادته في اختيار حكامه، لكل امرئ من اللجان الانتخابية المعاونة على تزوير إرادة الشعب أوزارٌ وآثامٌ، كل بقدر ما اكتسب وظلم. وما ترتب عليه من آثار ومفاسد (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) (يس: ١٢).

стр. 155

والذي تولى كبره منهم كالنافذين الآمرين أشد وأعظم عند الله. فالواجب شرعا عليهم الاستقلالية التامة، والنصيحة للناس؛ لأن الدين النصيحة والشهادة بالعدل على النتائج لمن كان من المرشحين. والواجب في الانتخابات الأخذ بآلية عادلة لا يترتب عليها حيف، سواء كان نظام الدائرة المستقلة أو الدائرة النسبية. ويجوز الأخذ بتجارب الدول الأخرى ولو كانت كافرة؛ لأن هذه الآليات من المعارف الإنسانية المشتركة التي يحق الاستفادة منها حيثما كانت، ولذلك أخذ رسول الله بالخندق والختم. والأول وسيلة حربية استفيدت من المجوس، والآخر هو ختم المكَتَّبات الرسمية عرف رسمي دولي مأخوذ من غير المسلمين، واعتمده ﷺ واتخذ خاتما لذلك كما ورد في الصحاح. ويجب شرعا تصحيح جداول أسماء الناخبين في كل دورة لحذف من لحقه الموت وإضافة من بلغ السن القانونية المتفق عليها للتصويت؛ دفعا للغش والتزوير وما يترتب عليها من مفاسد. وتحديد سن قانوني معين للانتخابات تصويتا وترشحا كثماني عشرة سنة مثلا؛ لا مانع منه في الشرع. فإن الله شرط لدفع مال اليتيم إليه شرطين الأول: بلوغه، والثاني زيادة عليه وهو الرشد (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (النساء: ٦). فإذ كان هذا من أجل فرد في ماله الخاص، فمثله أو أولى لأجل عامة الناس لأموالهم ومصالحهم العامة أن يشترط سن قانوني يغلب عليه فيه رجاحة الرأي واتخاذ القرار لمثل الاختيار والترشيح. وتتكون اللجنة العليا للانتخابات وفروعها من جهة محايدة؛ لأن الجهة المحايدةمتلقاة بالقبول من الأطراف، ولأنه أدفع للريبة والمفاسد، وما كان كذلك فهو مطلوب شرعا، فإن لم يكن كذلك وتوافقت القوى السياسية على تقاسم التمثيل في اللجنة العليا وفروعها فجائز.

стр. 156

والأصل حينئذ أن توزيع اللجنة العليا للانتخابات، واللجان الفرعية عنها يكون محاصصة بالتساوي بين جميع أطراف العملية الانتخابية من سلطة ومعارضة ومستقلين؛ لأن هذا موافق لمقصد إنشائها وهو التنظيم، والرقابة، والشهادة على الانتخابات، ولا يجعل لحزب الأغلبية الحصة الكبرى فيها؛ لأنه لا معنى له في المقصود هنا سوى أغلبية تتخذ قراراتها لصالح حزبها. ولأنهم عدول محكمون، وشهداء، واختيار العدول المحكمين يكون بتساوي الحصص بين أطراف التحكيم؛ طلبا للعدل، والإحسان المأمور به شرعا (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل: ٩٠). ولا ينظر في اختيار المحكمين إلى كثرة وغلبة الأطراف؛ فالمحاصصة المتساوية هي العدل. والتصويت لمرشح الرئاسة قائم مقام البيعة؛ لأن الأمور بمقاصدها؛ ولأن مؤداها اختيار رئيس للدولة وهو مقصود البيعة، فإذا تمت المقاصد فالعبرة بها. ولأنه من أقر من أهل الأمصار والأقاليم زمن الراشدين ومن بعدهم كفى في صحة البيعة بلا استقصاء لكل أحد لتعذره. ومن فاز غير مرشحه للرئاسة ففي عنقه بيعة للفائز ولو لم ينتخبه؛ لأن العبرة بغالب الجماعة، ولأن الكل تراضوا على نتيجة ذلك سلفا، فوجب التزام ذلك، وقام الرضى المشروط المتوافق عليه مقام صراحة البيعة. ويكتفى: بالإقرار من الغير، فإن لم يقر تصريحا أو صرح بعدم الإقرار، وكان ذا شوكة والانتخابات صحيحة نزيهة أثم، لأدائه إلى بلبلة الجماعة، وإثارة الفرقة. والبيعة لازمة له. ومن لم يقر وكان غير ذي شوكة وقوة فكذلك، والبيعة لازمة له. ولا يجوز لأحد التزوير والغش والالتفاف على إرادة الناخب؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، وخيانة، وتحميل الأمر لغير أهله، وكلها مظالم وذنوب كبيرة.

стр. 157

ويجوز للرجل والمرأة الانتخاب، وتتساوى أصواتهم؛ لأنها ليست شهادة محضة بل اختيار، ووكالة، وشهادة. واجتماع أمور في جهة واحدة تعطيه حكما مستقلا واسما مستقلا. ولخصوص الأمر بالضِّعف بالمال ونحوه، ولذا جاز شهادة واحدة على بكارة وولادة ورضاع. ويقبل خبر الواحدة وفتواها وإخبارها بالقبلة، وشهادتها بنجاسة الماء، ورؤيتها للهلال للصوم والحج كرؤية الرجل على الأصح (١). ويشترط للإدلاء بالصوت الانتخابي أن يكون من عاقل بالغ، فلا يصح من صبي أو مجنون إلا جنونا متقطعا وكانت الانتخابات في حين صحوته. ومن أدرج طفلا خان الأمانة، لأن الطفل لا نظر له، بل نظره تابع لنظر وليه في تصرفاته، لذا لم يبايع النبي ﷺ الصبي ودعا له (٢).

стр. 158

وإن حرم عليه التصرف بماله الخاص حرم عليه التصرف في السلطة العامة لتعلقها بالمال، والدين، والعرض، والنفس، والعقل. فلا مدخل للصبي في ترشيح ولا ترشح. ومجلس نواب الأطفال إن لم يخدم المصالح العامة المعتبرة فهو عبث وهدر للأموال بلا جدوى، والعبث ممنوع في الشرع. ويجوز للتعليم، إذ التعليم تدريب وتعريف فيكون تبعا، أي تبعا لمنهج تعليم عام؛ لأن التابع يُغتَفر فيه. فإن كان مستقلا بمال، واعتمادات، وممارسات فعليه فيمنع؛ لأنه لا مصلحة معتبرة فيه. ويحرم شراء الأصوات بالمال، وهو سحت على آكله، فيحرم أخذه. فإن كان من المال العام بطرق غير مشروعة عظمت المآثم والمظالم وحرم انتخاب من يفعل ذلك؛ لأنه فاسق مفسد تحرم ولايته. ومن انتخبه كان من أعوان الظلمة، وتحمل من أوزار مظالم العباد (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) (النحل: ٢٥). ويجوز كل تحالف وتكتل يحق الحق ويبطل الباطل ولا يعارض الشرع ويدفع المفاسد ويقيم المصالح، وقد تواثق النبي ﷺ مع اليهود وثيقة وطنية لحماية المدينة (١).

стр. 159

وفرضٌ على الدولة إقامة الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 160

ويجب على السلطة إقامة التعليم الاستراتيجي، وحفظ الأمن والاستقرار والغذاء والصحة وبناء الاقتصاد الآمن، وتدوير السلطة على مقتضى العقد المشروط دستوريا وقانونيا، والوظيفة الإدارية. وحفظ موارد الدولة بأدق الوسائل وأَبْنَكَتُها لا مقاولتها. ودعم القضاء المستقل، والمساواة الوظيفية والعلمية بين المؤهلين. وتوزيع الثروة وقمع الظلمة وإخماد الفتن، وإقامة البنية التحتية بمساواة عادلة من صحة وطرق وتعليم وإنارة واتصالات، وتسوية الناس أمام النظام والقانون. ويجب بناء المؤسسة العسكرية المستقلة بما يحقق قوة ردع؛ ضماناً لحماية البلاد والإنسان والثروات، وبما يوفر الاستقلال السياسي، والسيادي، ويحمي الدستور والقانون والنظام والأمن والاستقرار. ويشرع وجوبا بناء نهضة متكاملة صناعية، وتعليمية، واقتصادية، ومجتمعية؛ لأن هذا من أكبر المصالح العامة، وما عظم من المصالح عظم طلبه شرعا.

стр. 161

وفرض على الدولة رعاية اليتامى والأرامل والمساكين والفقراء وذوي الحاجات والاحتياجات، وتقديمهم على ذوي الغنى، ونصرة المظلوم وتمكين الضعيف من أخذ حقه، ورعاية أسر الشهداء، وإيتاء الحقوق لأهلها. ويجب رعاية علوم الشريعة من قرآن وفقه وسائر ما يتعلق بها وعلمائها وطلبتها، وإقامة جامعاته ومناهجه ومدارسه، وتوفير درجات توظيفية لهم وإقامة المساجد، وكل ما يعمرها ويقيمها، وحلقات تحفيظ القرآن وعلومه والحديث وأحكامه بما يحقق مقصد الشريعة الأول وهو حفظ الدين، ويضمن حماية الأجيال من كل فكر متطرف، وغلو أو تميع وانحلال وتبعية فكرية للآخر. والثروات الاستراتيجية من نفط وغاز وذهب، وكذا كل الثروات الباطنة بحرية، أو برية، أو جوية، هي ملك للأمة ككل. من أصول الحكم وسياساته الكبرى ونظام الحكم وسياساته في الإسلام قائم على أصول كبرى استنبطتها بالتتبع وهي: ١) الخطاب التكليفي لإقامة المنهج والشريعة والدولة تكليف عام إلى الجماعة ككل، فيدل أن الدولة حق للجماعة ككل؛ لأنها الآلية التي يجب أن تتخذ لإقامة التكليف العام. ٢) توريث السلطة أو تبادلها مباح مصلحي وسيلي يكون بالرضى من الأمة؛ لأنه حق للأمة تعطيه من تشاء ممن يصلح لهذا الأمر. ٣) الاستخلاف والتمكين مقصد ووعد إلهي للذين آمنوا وعملوا الصالحات، والدولة رأس الاستخلاف والتمكين، والعمل لهذا المقصود الشرعي والوعد الرباني فرض كلي (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥). ٤) إقامة الدولة الراشدة العادلة والتمكين لها وحفظها مقصود شرعي أراده الله (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ

стр. 162

وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). فجعل إزالة دولة فرعون الظالمة المفسدة وتبديلها بالأئمة المصلحين في الأرض إرادة إلهية ومنة ربانية. ٥) كيفية السلطة وإدارتها بدءا من اختيار النائب الحاكم عنهم، وانتهاء بتشكيل الهياكل المديرة المؤسسية في الدولة، وتحديد، وتمديد، أو تأبيد، أو تجميد مدة الولاية كل هذا متروك للأمة والشعب بالمباشرة أو النيابة الحقيقين، لأنها وسائل فهي مشروعة ما خدمت المصلحة العامة المعتبرة، والشورى فرض شرعي في مثل ذلك (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣)، (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (آل عمران: ١٥٩). ٦) إلزام القيادة بمشاورة الأمة (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)، وهذا إيجاب (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)، وهذا أصل. (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣)، وهذا تحريم لما يبطل الإيجاب وينقض الأصل. ٧) تصرفات الولاة مقيدة بالمصلحة الراجحة العامة. ٨) السمع والطاعة للولاة مقيدة لا مطلقة، فلا طاعة في معصية الله ورسوله، ولا في خلاف المصلحة العامة. ٩) حق المساءلة الخاصة والجمهورية العامة مكفولة. ١٠) يحق للأمة مقاضاة الحكام وعزلهم بشروطه. ١١) منع الخروج المسلح على الحاكم العادل المنبثق عن الجماعة العامة، أو المستتب معه أمر الجماعة؛ لأنه حينئذ خروج عن مصلحة الجماعة ورأيها المؤيد بمعية الله؛ لأن يد الله مع الجماعة. ١٢) الحاكم وكيل والشعب أصيل، والشعب هو مصدر السلطات ومالك السلطة؛ لأنه لا شرعية للحاكم إلا ببيعة من الشعب، والدولة خادمة للشعب وقائدة له بالتفويض والنيابة.

стр. 163

١٣) سلطان الحاكم مستمد من سلطان وقوة الأمة، فلا يستعمله إلا لصالح الأمة، أما هو حقيقة فهو فرد كغيره لا سلطان له. ١٤) الولاية العامة الأصل فيها البيعة العامة. ١٥) الأصل الشرعي أن الظالم لا ولاية له ابتداء ولا دواما؛ لأنه أبطل المقصد الشرعي من ولايته، وهو دفع الظلم والفساد، وخلعه أو نزعه من الولاية مسألة أخرى خاضعة للشروط والنظر الشرعي، وهو مستحق للخلع بإجماع. ١٦) الصبر على الحاكم الظالم استثناء وليس أصلا في وضع معين من أجل مصلحة الجماعة لا اعترافا بشرعية الظالم. ١٧) سياسة إيجاد توازن القوة مع القوى عالميا مفروضة شرعا على الدولة والأمة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠). ١٨) سياسة العدوان والبغي مرفوضة تحريماً (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣). ١٩) رد البغي والعدوان على الدولة والأمة والفرد أمر مشروع وجوباً (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩)، مع وجوب المماثلة في الرد بلا زيادة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، وإمكان العفو من قوة لا من وهن (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠). ٢٠) لا يجوز شرعا وجود طبقية قانونية في إطار الدولة المسلمة «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١)، ولا حصانة لأحد في جناية، أو جريمة، أو مخالفة. ٢١) المقصد الشرعي للولاية دفع الظلم ومظاهر الفساد في الأرض وإقامة المصالح العامة الراجحة الدينية والسياسية والسيادية والاقتصادية والأمنية والعلمية والاجتماعية والإنسانية.

стр. 164

٢٢) الحكم قائم على العدل، والإحسان، وحفظ الحريات العادلة، وحفظ الحقوق، وإعطاء كل ذي حق حقه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠). ٢٣) سياسة دولة الإسلام ترفض شرعا الاستحواذ على المصلحة من الغير بنهب أو هيمنة أو حيلة أو غصب أو ظلم أو غبن فاحش؛ لأنها قائمة على منع البغي والضرر والظلم والعدوان ولو على عدو (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٨)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)، والرحمة شاملة لكل أنواع المصالح مانعة لكل فساد في الأرض. ٢٤) سياسة العلو والهيمنة مرفوضة تحريما في الشرع وهي مصنفة ضمن الفساد في الأرض وممارسات الاستبداد الآثم المحرم المذموم (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ) (القصص: ٤)، (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣). ٢٥) العلاقات الدولية في الأصل تعاونية، تبادلية، مثلية، عادلة، سلمية، والسلم أصل، والحرب استثناء؛ لأن الجهاد فرض مسبب معلل، وكل السياسات لها تقديراتها وأحكامها زمانا ومكانا وأشخاصا وظروفا. دليل ذلك (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣)، وقوله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، وقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، ولقوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤)، (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠)، (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٨)، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠). ٢٦) المال العام ملك للشعب تتصرف فيه الدولة في كل مصلحة عامة بالنظر المصلحي الظاهر حفظا وتنمية، وتصريفا، وتداولا، وتوزيعا. ٢٧) رعاية الحقوق فرض على الدولة؛ لأنها من أعلى المصالح الشرعية العامة.

стр. 165

٢٨) يجب على الدولة حفظ المواطن دمه وعرضه وماله، وحمايته، وصيانة كرامته، والدفاع عنه وعن حقوقه في الداخل والخارج، ولا يسلم لدولة أخرى، أو يترك أسيرا، وكل اتفاقية تؤدي إلى اغتياله، أو تجميد أمواله، أو ملاحقته، أو إيذائه وأسرته، أو خلاف شيء مما سبق، فهي باطلة يحاكم من أبرمها؛ لأنها خلاف مقصود الشرع من التمكين للدولة المسلمة وتأمين أفرادها وإزالة الخوف عنهم (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥)، وخلاف المقصود للدولة المسلمة في دفع المفاسد وجلب المصالح عن أفرادها، وهذه الأمور من أعظم المفاسد. ٢٩) حفظ الوطن وحمايته بكامله جوا وبرا وبحرا وحقوقه وسيادته واستقلاله وثرواته ووحدته من الفروض الشرعية ومن أكبر مهام الدولة. ٣٠) الدولة مسئولة عن حماية الدين وإقامة شعائره وأحكامه وتعليمه ونشره والدعوة إليه ودفع الفتنة والتفرق فيه بين أبناء الشعب، ويجب عليها بناء مؤسسته المرجعية الجامعة على الوسطية والاعتدال بعيدة عن الغلو والتطرف، لتوحيد الفكر العام على الكليات والقواطع من الكتاب والسنة الصحيحة والقيام بالفتاوى الكبرى الواحدة المتعلقة بالمصالح العليا العامة والأمن والاستقرار ووحدة الكلمة والوطن عملا بقوله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣). ٣١) التعليم والأمن والاستقرار والأمن الغذائي والاقتصادي والصحي فرض على الدولة إيجادا وحفظا وإنشاء. ٣٢) حفظ الجماعة شعبا ودولة ومجتمعا وأمة واجب على الدولة، وواجبٌ فيه التعاون الشعبي العام والخاص. ٣٣) يتعاون الشعب مع الدولة في مهمتها وواجباتها (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).

стр. 166

٣٤) ارتهان الدولة المسلمة لدولة أو قوى من الكافرين أو المشركين محرم قطعا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١)، والارتهان خاصة السيادي أعظم الولاية لهم، وارتهانها لقوى في الداخل أو الخارج ولو كانت مسلمة، مفاسده عامة عاجلة وآجلة، وما أدى إلى المفاسد حرم. ٣٥) سياسة الدنيا بدين الإسلام أصل من الأصول الكبرى القطعية، ففرض أن تكون شريعة الإسلام هي المصدر الوحيد لكافة الدساتير والتشريعات والأحكام والقوانين في الدولة (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة: ٤٩)، فأوجب قطعيا الحكم بما أنزل، وأوجب أن يكون هو المصدر الوحيد المتكامل بلا تبعيض. ٣٦) المواطنون متساوون أمام الدولة في كل ما هو من حقوق المواطنة أو الإنسانية، وفرض عليها حماية دينهم وحرياتهم وحقوقهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم وكل ما تقوم به حياتهم.

стр. 167

مؤسسات الدولة ولا بد أن يكون للدولة مؤسسات تقوم بواجب التكليف ويدور ذلك على تمام (١) حفظ المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية بدءا بالمقاصد الستة «الدين والنفس والعقل والمال والعرض والجماعة». وما لا يتحصل تمام حفظ المقاصد إلا به من المؤسسات، فإنه واجب استقلالي أو استكمالي. فلا بد من وجود المؤسسة الأمنية والعسكرية ، والمؤسسة المالية والاقتصادية، والمؤسسة الخدمية، والمؤسسة التعليمية والتربوية، ومؤسسة الأمن الغذائي، والمؤسسة القضائية، والمؤسسة التقنينية، والمؤسسة الدينية، ومؤسسة النهضة الشاملة (٢)، ومؤسسة التقويم والرقابة والمحاسبة. ولا نقصد الأسماء بل المعاني. فهذه عشر مؤسسات، وتندرج تحتها سائر وزارات وإدارات الدولة. ويتعلق بكلٍّ أحكامٌ وأصول عامة وفروع تفصيلية. ولا نقصد هنا ذكرها إلا على الوجه الكلي؛ لأن تفاصيلها إجرائية إلا ما اقتضى الحال من المهمات. المؤسسة الأمنية والعسكرية: وقد فصلنا هذا أصولا وفروعا في موضع مستقل من الكتاب (٣)، ونزيد هنا ما يخص الأمن، فواجب إقامة هذه المؤسسة؛ لأنها وسيلة لتحقيق تكليفين عظيمين في الشرع هما: الأمن والاستقرار في الداخل، والحماية والدفع خارجيا.

стр. 168

فالأول واجب المؤسسة الأمنية، والثاني واجب المؤسسة العسكرية. ويمثل مؤسسة الأمن عادة وزارة الداخلية بسائر فروعها من الأمن العام والخاص والشرطة والنجدة والمرور وغيرها. وفرض أن تتبع سائر أجهزة الأمن قيادة قانونية؛ لأن مقصود العقد في تأسيسها قائم على هذا، وهو مقتضى المصلحة. والإيفاء بالعقود واجب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ولا يجوز لأي جهة، أو مسئول ولو كان رئيس الدولة أن ينشئ أجهزة أمنية قمعية لا تخضع للأنظمة والقوانين؛ لأداء ذلك إلى نشوء نظام بوليسي حاكم للشعب بسلطان القمع لا بسلطان العقد. وما غلب أداؤه إلى مفاسد كبيرة عامة في واقع الحال والمآل حرم. وهذا التعليل يؤدي إلى القول بحرمته شرعا؛ لأن الهدف من إنشاء هذه الأجهزة الأمنية القمعية التابعة لغير الجهة الرسمية في عقد الدستور هو حماية استبداد فئة، وتعميق القمع والإذلال للشعب من غير رجوع إلى نصوص العقد الدستوري الذي انبثق عن الشعب وتقره الشريعة وانبثقت منه القوانين. والعمل في هذه الأجهزة وحالها ذلك محرم شرعا؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). والقول إن وظيفة مثل هذه الأجهزة وكذا التوظف فيها هو من البر والتقوى مكابرة أو جهل بالحقيقة. وما يقبضون فيها من رواتب ومكافآت هي من السحت (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: ٤٢). وسمَّاع وأكَّال صيغة مبالغة تدل على الكثرة. وهذا عين علة كما هو معروف في الأصول، وهو من أقوى أنواع التعليل، وقد يكون جنس علة وهو معتبر في التعليل بكثرة وقوة، والعلتان متحققتان في هذه المرافق الخارجة عن

стр. 169

القوانين والأنظمة بكثرة جدا تطابق صيغة المبالغة. فالتقارير الكاذبة، والوشايات، والبلاغات، وكيل التهم للأفراد، والجماعات التي تقول كلمة الحق المعارض لأهواء وشهوات حاكم بالغة حد الكثرة التي ينتج منها كثرة السجون الخارجة عن الشريعة والمساجين بلا جريرة ولا قضاء ولا قانون. وقد جاء في النص «من أكل بمسلم أكلة أطعمه الله مثلها في جهنم، ومن لبس بمسلم لبسة ألبسه الله مثلها في جهنم» (١). وهذه المظالم، والأضرار، والمفاسد واجب دفعها ومنعها، ولا يتم ذلك إلا بإلغائها، فإن قيل يمكن تحويلها ضمن مؤسسات خاضعة للنظام والقانون، فالجواب لا يكون ذلك؛ لأن أصل عملها جاسوسي وهو محرم، ولا يوافق أصل الشريعة ولا المؤسسات الدستورية ولا القانونية، مع كفاية الأجهزة الرسمية القانونية في حفظ الأمن والاستقرار. ويمكن القول إن تحقق دمجها بالأجهزة القانونية وعملت وفق الشرع والقانون جاز. وأقسام الأمن في المديريات واجب عليها حماية المواطن على وجه العموم. ويحرم استغلالها لخدمة أغراض أي جهة خاصة حزبية، أو مناطقية بما يؤدي إلى ابتزاز مواطن، أو إرهابه، أو الانتقام منه؛ لأنها حينئذ خلاف المصلحة العامة. ومن ثبت عنه ذلك من مدراء الأمن والأقسام حقق معه، واتخذ معه ما يلزم من تأديب قانوني، فإن عاد وجب عزله؛ لأنه متخذ لولاية المسلمين العامة على خلاف مقاصدها الشرعية؛ ولأن عزله دفع لمفاسد ومظالم عن العامة، ودفع الضرر واجب.

стр. 170

وإذا وصلت خصومة إلى أقسام الأمن أو أي جهة أمنية فلا مانع من معالجتها صلحا بلا أخذ أجرة. فإن لم تستطع رفعت بتحقيقاتها إلى القضاء؛ لأنه منتهى الفصل بين الخصومات شرعا وقانونا. ولا يجوز للأقسام والجهات الأمنية السجن خلافا للقوانين قمعا أو إرهابا أو ابتغاء أكل أموال الناس بالباطل أو لخدمة فئة حزبية. وفاعل ذلك مرتكب لكبيرة من الكبائر العظيمة، ويجب على الدولة تأديبه، ورد ما أخذ من مال إن كان أخذ والتعويض بما يناسب الحال بالعدل. ويحرم على من أرسل لجهة في مهمة رسمية فردا، أو طقما عسكريا، أن يأخذ على المواطنين المعنيين بالإرسال مالاً تحت مسمى «تعيون» (١) أو أجرة، بل أجرته ونثرياته يجب أن تعتمد من الدولة بما يكفيه حال أداء المهمة؛ لأنه ضمن عقده. وإن أُرسلوا إلى جهة لا مطعم فيها ولا مشرب ولو بمال، فعلى الدولة توفير ذلك لهم، فإن لم تفعل وجب ضيافتهم على أهل المحل؛ لحديث «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» (٢). ولحديث «فليكرم ضيفه» (٣). وإن كان الطلب قانونيا لا نكايةً من نافذٍ ظالم، فإنه يجب عليه التجاوب فضا للنزاع وطاعة للدولة شرعا؛ لعموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).

стр. 171

إلا إن تحقق الشخصُ ظلما عليه إن أجاب كضرب ونهب مال، فإنه يلجأ إلى القضاء. فإن لم تكن دولة مؤسسات ونظام، وجب على أهل الحي نصرته، ويجب كذلك على قادر فردا كان أو جماعة أو منظمة؛ لأن نصرة المظلوم واجبة، فإن تركوه دخلوا في اللعن والإثم المنصوص. ووزير الداخلية ومسئولو الأمن يشترط في تعيينهم العدالة، والكفاءة، والديانة، والحفاظ على شعائر الدين. ولا يجوز لقاطع الصلاة وشعائر الدين أن يعين في ذلك؛ لأنه فاسق يستحق التأديب؛ والولايات العامة أمانات لا تسلم إلا إلى أهلها، وليس هذا منهم. وما يعطى للجهات الأمنية من عُهَدٍ صغرت أو كبرت، من أطقم وسلاح، وكل اللوازم، هي أمانات من خانها فهو غال (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) (آل عمران: ١٦١). والغلول هو: اختلاس المال العام، والتصرف فيه في غير ما وضع له وهو من الكبائر. ولا يجوز أثناء التحقيق ضرب، ولا شتم، ولا تهديد بعرض ولا مال ولا ولد، ولا غيره ممن يخاف عليه المتهم، ولا تعذيبه؛ فإن ذلك من المظالم التي جاءت الشريعة بمنعها. وعموما بقوله تعالى (وَلاَ تَعْتَدُوا)، ولحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (١). والأصل: أنه لا يجوز السجن إلا بحكم قضائي إن اقتضى الأمر؛ لأن السجن ضرر وليس بإحسان، لقوله تعالى (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) (يوسف: ١٠٠)، والضرر مدفوع. ولا يجوز السجن في مكان غير صحي ولا غير طاهر، ولا السجن التعسفي، ولا خارج القانون؛ لأنه مخالف لحقوق الإنسان وكرامته التي كفلتها الشريعة. أما المرأة فالأصل أنه لا يجوز سجنها البتة؛ لأنها أصل العرض، وحفظ العرض مقصد من أكبر المقاصد وسجنها مناف للحفظ، وإن اقتضى الأمر الضروري جداً فإنها لا تسجن إلا

стр. 172

بحكم قضائي في سجن خاص خالص بالنساء تحفظ فيه الأعراض. والصبي لا يجوز سجنه، لا بحكم قاض ولا غيره؛ لأن سجنه تضييع له غالبا وهو خلاف الأمر (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، ولأن حفظه من حفظ النسل والنفس، وليس السجن حفظا بل يعارض الحفظ. وعليه فالصبي إن جنى يُضَمَّن الإتلافات على عاقلته (١)، فإن لم يكن له عاقلة فعلى الدولة، وتدفعه حينئذ إلى كافل عدل مسلم لتربيته وتأديبه، ويعطى عوض ذلك؛ لأنه إصلاح له (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠). وإذا وصلت قضية فيها حد إلى جهات الأمن، فإن كانت من حدود الأعراض من زنى وقذف ونحوها، فإنه ينبغي معالجتها في القسم بصلح أو نحوه إن أمكن؛ لأن ذلك أحفظ وأستر للأعراض، وهو أصل الشريعة ولذلك تدرأ الحدود بالشبهات، وفي النص «ألا تركوه» (٢)، أي لما فر حال إقامة الحد عليه، ويترك في الحدود كلها إلا في القصاص والقذف، أو ما تعلق بحق آدمي. ولأنها إن وصلت القضاء وجب فيها حكم شرعي حدا. فإن كانت من جرائم الأموال كسرقة فللجهة الأمنية الصلح برد المال والإلزام بذلك دفعا لرفعها إلى القضاء (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (النساء: ١٢٨). فإن وصلت قُطِعَ بشروطه، ولا يصلح التنازل في حد السرقة إلا إن كذَّب المدعي نفسه وشهوده، أو تراجع عن الإقرار، فيدفع الحد بالشبهة (٣). وكذلك يجوز الإصلاح في جرائم الدماء من قتل وجرح، فإن تعذر وجب رفعه إلى القضاء للنظر.

стр. 173

وفرض على الجهات الأمنية منع الفساد في الأرض بأنواعه، وردع العصابات ونصرة المظلوم، ومنع أوكار الدعارة والجريمة وفنادق السوء ومراقص المجون ووسائل هدم الأخلاق من منشورة ومقروءة وشبكات النت الماجنة ومحلات ساقطة؛ لأن هذا من الفساد في الأرض (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). ويطلب شرعا وضع خطة أمنية عامة شاملة في داخل المدن وخارجها، وعلى خطوط السير، وفي المديريات. ويجوز تنظيم حمل السلاح على المواطنين؛ لورود النهي عن حمل السلاح في أماكن معينة وأزمنة معينة، كالنهي عن حمله يوم العيد، أو الحج، أو في السوق العام، أو المساجد، وكلها وردت بها نصوص تنظم حمله زمانا ومكانا وكيفية حمله في المجامع، وهذا أصل لتنظيم حمل السلاح (١). وإذا نظم بقانون وجب الالتزام به في أماكن حظر حمل السلاح، وللدولة ضبط مخالف، ولها القيام بحملات تفتيش على منافذ المدن، أو في بعض أماكن السير العام في حال صدور قانون ينظم حمل السلاح في تلك الأماكن وينظم حملاتها الأمنية، ولا يجوز اتخاذ حملات التفتيش وسيلة للنهب والاختلاس مالاً أو سلاحا. وتوريد سلاح إلى مكان أمين، لا يكون إلا لأجل أخذ تعهد على صاحبه بالالتزام لا لنزع ملكيته ولو للدولة، فإن هذا من الباطل والفساد (٢).

стр. 174

ولا يجوز لهم فتحه، ولا تغيير أدواته الداخلية بأخرى، أو حمله لضابط أو فرد لاستعماله أو إعارته؛ فكل هذا من الحرام؛ لأنه موضوع على الأمانة لا العارية ولا التمليك، ومال المسلم حرام. ولا يجوز تمرير مخدرات، أو خمر، أو محرم، فإن كان برشوة عظم الإثم. ولا يجوز للجندي في النقاط طاعة آمره بتمرير محرم شرعا، أو ممنوع قانونا مما لا يحق التغاضي عنه، ولو بأمر قائد النقطة. ولا يجوز للبلدية ولا الضرائب ولا الواجبات النزول برجال أمن لاختطاف الناس إلى السجن للدفع، بل الصحيح هو الذي يقتضيه النظام العام الخادم للمصالح العامة، وذلك باتخاذ آلية صحيحة لا ضرر فيها ولا ضرار. فهذا هو العمل المشروع مصلحيا بخلاف الترويع والإرهاب والخطف والسجن، فكل هذا مفاسد ومظالم وآثام وأكل لأموال الناس بالباطل. ويجب على الناس إن نزل من هؤلاء المفسدين لاختطاف أو تهديد أحد من الباعة وغيرهم ظلما وعدوانا مناصرته والوقوف معه، ومقاضاة هؤلاء الظلمة؛ لمخالفتهم العدل، ولتعاونهم على الإثم والبغي والعدوان، وخروجهم عن طائلة المصلحة العامة إلى الارتزاق الآثم. والمواكب الرسمية وما يرافقها من مواكب أمن وحماية تكون بقدر الضرورة الأمنية، فإن خرجت عن الضرورة كانت من مظاهر العلو في الأرض (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ) (القصص: ٤)، (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا) (لقمان: ١٨)، (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣). فلا تقنن هذه المواكب إلا بقدر الضرورة لشخصيات معينة وبقدر معين؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها. ولا بد حال تحركها ألا يترتب عليها ضرر بنفس أو مال، وإلا وجب الضمان؛ لأن المشي في الطريق مشروط بسلامة العاقبة بلا تخويف ولا إرعاب للناس ولا سرعة زائدة، فإن هذا من البطر والمرح في الأرض (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا).

стр. 175

ورواتب واعتماد المسئولين في الأمن وسائر الدولة من وزراء ومدراء وقادة تكون بما يحصل به الكفاية للتفرغ للواجب؛ لأنه عامل لمصلحة المسلمين فيُكْفَى بما يليق به بلا سرف ولا تقتير؛ لأن السرف والتبذير محرم في المال الشخصي فكيف بالمال العام الموضوع على الأمانة؟ ولأن التقتير تضييق ومشقة وترك للعدل والإحسان، وفتح لباب الفساد وأكل الحرام من السحت والرشوة والاختلاس. مؤسسة الأمن الغذائي: وهي مؤسسة مفترضة قد لا توجد في دولة على أهميتها البالغة؛ إذ الدول تقلد بعضها بعضا في التقسيم والترتيب؛ فإذا غفل المقلَّد غفل المقلِّد، وفي شريعة الإسلام دعوة إلى الاجتهاد والنظر وإعمال العقل الاستقلالي وهذا منه. ولا يقال إنها تابعة للمؤسسة المالية؛ لأنها ليست كذلك، فالمؤسسة المالية بوزاراتها ومكاتبها تُعْنى بالمال تحصيلا وتنمية، ولا تُعنى -بعد ذلك- بإيجاد أمن غذائي عام، وإن كان من أهدافها، أو من منتوج أهدافها، إلا أنها لا تهتم به في درجة الضروريات. والأمن الغذائي أحد الأمنين الذَين يقوم عليهما الأمن الشامل، وقد جمعا في قوله تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ٣ - ٤). - تعريف الأمن الغذائي: ونعني بالأمن الغذائي: الوصول إلى الدرجة الوسطى من الوفرة في الضروريات والحاجيات والتحسينات الغذائية. فالضروريات الغذائية: واجب على الدولة أن توفر منها حد الكفاية للشعب؛ لأن ما دون حد الكفاية في المواد الغذائية الضرورية يوصل ولا بُدَّ إلى حد المجاعة ثم الموت جوعا للجزء من الشعب أو الأكثر أو الكل بحسب درجة العجز. وقولنا «الغذائية» لفظ شامل للطعام والشراب. والضرورات الغذائية ثلاثة أنواع لا بد من توفرها لكافة البشرية، ودونها حد الهلاك وهي: الماء، واللبن. والأنواع الأربعة من الزرع أو أحدها: القمح، والبر، والذرة، والشعير. وقلنا من الزرع ولم

стр. 176

نقل الحبوب؛ لأن الزرع شامل للقوت الضروري للأنعام، وهذا أمر مقصود شرعا في النص (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس: ٣٢). ويلحق بهذه الأنواع الثلاثة نوع رابع هو الملح، وقد يلحق بالحاجيات، وهي تنزل منزلة الضروريات. فالحبوب يتعذر بدونها عيش، والماء لا عوض عنه في شيء، واللبن ضروري لوجود النسل البشري والحيواني، وانعدامه هلاك لهما، وذلك من أكبر الفساد في الأرض (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) (البقرة: ٢٠٥). فلا بد من توفيره وجوبا؛ لذا فرض الله إرضاع المولود ولو بأجرة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (البقرة: ٢٣٣). حتى في المطلقة (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) (الطلاق: ٦). ويجب إرضاع نسل الثروة الحيوانية من الأنعام حدَّ الضرورة وجوبا وسيليا؛ لأنه لا يتم حفظ وجودها وتناسلها إلا بذلك، ودونه الهلاك للحرث والنسل، وهو محرم (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). والحليب المجفف تَبَعٌ استثنائي لا أصل؛ فهو مكمل في حال غياب أو نقص الأصل؛ فتوفيره -حينئذ- ضروري، والدولة تتولى ذلك. وإذا منعته دولة على أخرى في حال حاجةٍ واضطرار كانت مفسدة في الأرض، ويجب ردعها ومنعها، ومحاكمة مجرميها على ذلك الضرر، ويقضى عليهم بأحكام حد الحرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). وأما الحاجيات الغذائية: فهي ما يؤتدم به ويعصر منه وهي أربعة أنواع: أولها: البقوليات بأنواعها كفول، وفاصوليا، وعدس ونحو ذلك.

стр. 177

وثانيها: الخضروات من ثوم، وبصل، وفجل، وجمع هذا في قوله تعالى (مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) (البقرة: ٦١). وثالثها: الدهن ورأسه الزيتون (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ) (المؤمنون: ٢٠). ورابعها: السكريات الغذائية، ومنها التمر والزبيب، إذْ التمر يقوم مقام الحاجيات الغذائية، وبعض الضروريات، ويعصر منه ومن الزبيب الأشربة المباحة، والخل «ونعم الإدام الخل» (١)، فإذا أسكرت حرمت. وأما التحسينات الغذائية: فهي ما دار حول التفكه وهو نوعان: الفواكه، واللحوم بَرِّيُّها وبَحْرِيُّها، وما ندر من الغذاء، فاستعمالها دواء وغذاء كالعسل. فالفواكه تشمل سائر أنواع الفواكه الغذائية، وتوفيرها من الأمن الغذائي؛ لأنها بديلة في الطوارئ عن ضروريات الغذاء بالنص (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٤ - ٦٥)، أي تنتقلون إلى البديل الطارئ وهو الغذاء بالفاكهة. فالنوع الأول والثاني من الغذاء الضروري والحاجي لما كان لا بد للإنسان منهما خلقهما الله سبحانه بحيث لا يتسرع إليهما فساد، وإلا لذهبت الحياة، فالحبوب والبقوليات والتمر والزبيب قابلة للادخار الطويل والتخزين لسنوات، والماء خلق جاريا يدفع عن نفسه الخبث. ولذا نهي عن تقذيره وتلويثه وإفساده، خاصة الراكد بالنص. وأما اللبن فخلقه الله محفوظا في الضرع لا يمكن طروء فساد عليه. وأما الزيوت؛ فخلقها دافعة لتَسَرُّع فسادها. والملح لا يفسد ما بقي. وأما ما يتسارع إليه الفساد من الخضروات مع أنها في مرتبة الحاجيات؛ فجعلها الله سريعة الإنبات لا موسمية كالحبوب ونحوها من القوت المدخر.

стр. 178

وجعل عنها ما يغني في المقتات المدخر من البقوليات والتمر والزيوت عند فقدها، وهي من قسم الحاجيات. فقسم الحاجيات والضروريات يقوم بعضه بالتناوب مقام بعض، حكمة وآية للناس. وجعل الفاكهة موسمية غير عامة لكل الناس ولا تغطي حاجاتهم؛ لأنها ليست من مرتبة الضروريات ولا الحاجيات. وقد جمع الله في آية واحدة سائر أنواع الغذاء فقال (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١٠ - ١٢). فالفاكهة مكمل غذائي للحاجي والضروري وبديل غذائي لهما في الحال الطارئ بالنص (لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥)، أي تقتاتون على الفاكهة كوضع بديل طارئ لا دائم؛ لتعذره. والنخل حاجي يقوم مقام كثير من الضروريات الغذائية، والحاجيات، والتحسينات؛ لخاصية فيه مع كونه صالحا للصناعات في المشروبات والتخللات وحرم تخميره. والحب ذو العصف شامل للحبوب بأنواعها، وهي من ضروريات الوجود البشري، وشامل لضرورة الغذاء الحيواني، وهو العصف، أي: الورق والقصب. وأما الريحان فهو كل الخضروات وما نبت على الأرض. وكل ما تعلق بأصل الغذاء الضروري البشري والحيواني خص بأحكام مشددة. فمنها تحريم الربا في هذه الأنواع «البر بالبر والشعير بالشعير والقمح بالقمح والتمر بالتمر والملح بالملح والزبيب بالزبيب» (١). ولذا كان القياس عليها صعبا، وتفرق فيه الفقهاء على أكثر من أربعة عشر قولا. والصحيح أنه لا قياس؛ لأن لهذه الأمور خاصية مستقلة لا يقوم غيرها مقامها. ومن ألحق بها البقوليات المدخرة قيل بصوابه؛ لأنها من الحاجيات، وهي تنزل منزلة الضروريات.

стр. 179

ولم يُذْكَر اللبنُ ولا الماءُ في النص على الربا؛ لأنها لا تتفاضل ولا تتفاوت عادة وغالبا. ولأنها حين تستعمل كسلعة تجارية لا يكون ذلك إلا فيما فاض عن الضروريات والحاجيات ونزل إلى أنواع الترفيهات. وبيان ذلك أن اللبن متوفر في مرتبة الضرورة الحاجية في الضرع للمولود إنسانا أو حيوانا، فهذه مرتبة الضرورة، ولا يمكن انقطاعها البتة إلا عند عموم المجاعة. وهو وضع استثنائي لا أصلي، فلا تجري فيه كثير من الأحكام فضلا عن الربويات. وأما الماء؛ فلأن الحاجة الضرورية منه متوفرة للحياة الإنسانية والحيوانية على الأرض على مدار الإنسانية والتاريخ، ولا يشترى الماء من السوق إلا في حالات لا يحكم عليها بالضروريات بل التبسط والترفه والتحسينات المعيشية. وحديث الربويات ذكر الربا في المواد الغذائية التي يقوم عليها الأمن الغذائي، وألحق به الذهب والفضة؛ لأنها أصول القيمة للغذاء وغيره؛ فلا بد منها، وما قام مقامها من نقدٍ كالنقود المعاصرة، فهو مثلها في الحكم، بخلاف المواد الغذائية المذكورة في الحديث والتي يدور عليها الأمن الغذائي، فلا يقوم غيرها مقامها. فواجب مؤسسة الأمن الغذائي أن توفر المراتب الغذائية الثلاث. فالضروريات الأربع تامة. ومن الحاجيات يجب على الدولة توفير البقوليات؛ لأنها أصل في التوسعة على أصل الحياة البشرية، ويليها الخضروات والزيوت والسكريات. وهذه المرتبة مكملة لمرتبة الضروريات. وأما المرتبة الثالثة، وهي ما يدور حول التفكه والترفِّه سواء بالفاكهة أو اللحوم أو السكريات، فهي في توفيرها لازمة لزوما كليا؛ لأنها من المصالح الغذائية الهامة، والدولة ما جاءت إلا لخدمة ورعاية المصالح العامة والكبرى، ومن أولها الغذاء؛ فشمل هذه المرتبة؛ ولأنها حامية لمرتبة الضروريات والحاجيات الغذائية. فإذا أهْمِلت وأخل بها تطرق الإخلال إلى ما فوقها من المراتب.

стр. 180

والواجب على الدولة من خلال هذه المؤسسة اتخاذ كافة الوسائل الموصلة إلى توفير الأمن الغذائي بدرجاته الثلاث. ومن أكبر الوسائل إقامة نهضة زراعية شاملة تخطيطاً، وإنشاءً، وتنميةً، وحفظاً، ورعايةً، وتخزيناً، وتسويقاً، وصناعة غذائية شاملة من خلال ذلك. وتنميةً حيوانية للثروة من الأنعام التي هي المصدر للبن ومشتقاته، واللحوم بأنواعها، وكذا الاهتمام بالحياة البحرية الغذائية، والبرية من طير وصيد إنسي ووحشي. ولا بد من تنميتها والاهتمام بغذائها وصحتها؛ لأنها وسيلة موصلة إلى الأمن الغذائي فلا بد منها، فوجوبها كلي وسيلي. ويتولى هذه المؤسسة الهامة الأكفاء والأمناء العدول من الوزراء والخبراء والمهندسين والفنيين والإداريين والعاملين. ويهتم بها تطويرا ودعما ماديا ومعنويا من الدولة؛ لأنها تقوم بأحد أكبر الوسائل التي تخدم المقاصد الكبرى وتحفظ النفس والمجتمع والشعب بأنواع ضرورية وحاجية وتحسينية من الحفظ؛ فوجب على الدولة ذلك؛ لذلك. المؤسسة الدينية: وأما المؤسسة الدينية فهي كيان مستقل يخدم المقصد الأول الأكبر، وهو حفظ الدين. ولا بد من وجودها الآن وجوبا؛ لأنها ستدفع أعظم المفاسد عن العقول والأفكار التي نتج عنها الغلو والتطرف الموصل إلى استباحة دماء أهل الإسلام تحت مسميات وعلل، ونتج عنها الفرقة العقائدية والفكرية، مما سهل لعدوها تفريقها والإيقاع بها، واتخاذ الذرائع لحربها واحتلالها بمسميات عديدة كمحاربة التطرف والإرهاب، ونحو ذلك. ولأنها وسيلة إلى الهداية الواجبة للناس، وعدمها يؤدي إلى نقيض ذلك من الضلال والانحراف «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (١).
следующие страницы →