نقل الحبوب؛ لأن الزرع شامل للقوت الضروري للأنعام، وهذا أمر مقصود شرعا في النص (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ) (عبس: ٣٢).
ويلحق بهذه الأنواع الثلاثة نوع رابع هو الملح، وقد يلحق بالحاجيات، وهي تنزل منزلة الضروريات.
فالحبوب يتعذر بدونها عيش، والماء لا عوض عنه في شيء، واللبن ضروري لوجود النسل البشري والحيواني، وانعدامه هلاك لهما، وذلك من أكبر الفساد في الأرض (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) (البقرة: ٢٠٥).
فلا بد من توفيره وجوبا؛ لذا فرض الله إرضاع المولود ولو بأجرة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) (البقرة: ٢٣٣).
حتى في المطلقة (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) (الطلاق: ٦).
ويجب إرضاع نسل الثروة الحيوانية من الأنعام حدَّ الضرورة وجوبا وسيليا؛ لأنه لا يتم حفظ وجودها وتناسلها إلا بذلك، ودونه الهلاك للحرث والنسل، وهو محرم (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
والحليب المجفف تَبَعٌ استثنائي لا أصل؛ فهو مكمل في حال غياب أو نقص الأصل؛ فتوفيره -حينئذ- ضروري، والدولة تتولى ذلك.
وإذا منعته دولة على أخرى في حال حاجةٍ واضطرار كانت مفسدة في الأرض، ويجب ردعها ومنعها، ومحاكمة مجرميها على ذلك الضرر، ويقضى عليهم بأحكام حد الحرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وأما الحاجيات الغذائية:
فهي ما يؤتدم به ويعصر منه وهي أربعة أنواع:
أولها: البقوليات بأنواعها كفول، وفاصوليا، وعدس ونحو ذلك.
стр. 177
وثانيها: الخضروات من ثوم، وبصل، وفجل، وجمع هذا في قوله تعالى (مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) (البقرة: ٦١).
وثالثها: الدهن ورأسه الزيتون (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ) (المؤمنون: ٢٠).
ورابعها: السكريات الغذائية، ومنها التمر والزبيب، إذْ التمر يقوم مقام الحاجيات الغذائية، وبعض الضروريات، ويعصر منه ومن الزبيب الأشربة المباحة، والخل «ونعم الإدام الخل» (١)، فإذا أسكرت حرمت.
وأما التحسينات الغذائية: فهي ما دار حول التفكه وهو نوعان:
الفواكه، واللحوم بَرِّيُّها وبَحْرِيُّها، وما ندر من الغذاء، فاستعمالها دواء وغذاء كالعسل.
فالفواكه تشمل سائر أنواع الفواكه الغذائية، وتوفيرها من الأمن الغذائي؛ لأنها بديلة في الطوارئ عن ضروريات الغذاء بالنص (أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ* لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٤ - ٦٥)، أي تنتقلون إلى البديل الطارئ وهو الغذاء بالفاكهة.
فالنوع الأول والثاني من الغذاء الضروري والحاجي لما كان لا بد للإنسان منهما خلقهما الله سبحانه بحيث لا يتسرع إليهما فساد، وإلا لذهبت الحياة، فالحبوب والبقوليات والتمر والزبيب قابلة للادخار الطويل والتخزين لسنوات، والماء خلق جاريا يدفع عن نفسه الخبث.
ولذا نهي عن تقذيره وتلويثه وإفساده، خاصة الراكد بالنص.
وأما اللبن فخلقه الله محفوظا في الضرع لا يمكن طروء فساد عليه.
وأما الزيوت؛ فخلقها دافعة لتَسَرُّع فسادها.
والملح لا يفسد ما بقي.
وأما ما يتسارع إليه الفساد من الخضروات مع أنها في مرتبة الحاجيات؛ فجعلها الله سريعة الإنبات لا موسمية كالحبوب ونحوها من القوت المدخر.
стр. 178
وجعل عنها ما يغني في المقتات المدخر من البقوليات والتمر والزيوت عند فقدها، وهي من قسم الحاجيات.
فقسم الحاجيات والضروريات يقوم بعضه بالتناوب مقام بعض، حكمة وآية للناس.
وجعل الفاكهة موسمية غير عامة لكل الناس ولا تغطي حاجاتهم؛ لأنها ليست من مرتبة الضروريات ولا الحاجيات.
وقد جمع الله في آية واحدة سائر أنواع الغذاء فقال (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) (الرحمن: ١٠ - ١٢).
فالفاكهة مكمل غذائي للحاجي والضروري وبديل غذائي لهما في الحال الطارئ بالنص (لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥)، أي تقتاتون على الفاكهة كوضع بديل طارئ لا دائم؛ لتعذره.
والنخل حاجي يقوم مقام كثير من الضروريات الغذائية، والحاجيات، والتحسينات؛ لخاصية فيه مع كونه صالحا للصناعات في المشروبات والتخللات وحرم تخميره.
والحب ذو العصف شامل للحبوب بأنواعها، وهي من ضروريات الوجود البشري، وشامل لضرورة الغذاء الحيواني، وهو العصف، أي: الورق والقصب.
وأما الريحان فهو كل الخضروات وما نبت على الأرض.
وكل ما تعلق بأصل الغذاء الضروري البشري والحيواني خص بأحكام مشددة.
فمنها تحريم الربا في هذه الأنواع «البر بالبر والشعير بالشعير والقمح بالقمح والتمر بالتمر والملح بالملح والزبيب بالزبيب» (١).
ولذا كان القياس عليها صعبا، وتفرق فيه الفقهاء على أكثر من أربعة عشر قولا.
والصحيح أنه لا قياس؛ لأن لهذه الأمور خاصية مستقلة لا يقوم غيرها مقامها.
ومن ألحق بها البقوليات المدخرة قيل بصوابه؛ لأنها من الحاجيات، وهي تنزل منزلة الضروريات.
стр. 179
ولم يُذْكَر اللبنُ ولا الماءُ في النص على الربا؛ لأنها لا تتفاضل ولا تتفاوت عادة وغالبا.
ولأنها حين تستعمل كسلعة تجارية لا يكون ذلك إلا فيما فاض عن الضروريات والحاجيات ونزل إلى أنواع الترفيهات.
وبيان ذلك أن اللبن متوفر في مرتبة الضرورة الحاجية في الضرع للمولود إنسانا أو حيوانا، فهذه مرتبة الضرورة، ولا يمكن انقطاعها البتة إلا عند عموم المجاعة.
وهو وضع استثنائي لا أصلي، فلا تجري فيه كثير من الأحكام فضلا عن الربويات.
وأما الماء؛ فلأن الحاجة الضرورية منه متوفرة للحياة الإنسانية والحيوانية على الأرض على مدار الإنسانية والتاريخ، ولا يشترى الماء من السوق إلا في حالات لا يحكم عليها بالضروريات بل التبسط والترفه والتحسينات المعيشية.
وحديث الربويات ذكر الربا في المواد الغذائية التي يقوم عليها الأمن الغذائي، وألحق به الذهب والفضة؛ لأنها أصول القيمة للغذاء وغيره؛ فلا بد منها، وما قام مقامها من نقدٍ كالنقود المعاصرة، فهو مثلها في الحكم، بخلاف المواد الغذائية المذكورة في الحديث والتي يدور عليها الأمن الغذائي، فلا يقوم غيرها مقامها.
فواجب مؤسسة الأمن الغذائي أن توفر المراتب الغذائية الثلاث.
فالضروريات الأربع تامة.
ومن الحاجيات يجب على الدولة توفير البقوليات؛ لأنها أصل في التوسعة على أصل الحياة البشرية، ويليها الخضروات والزيوت والسكريات.
وهذه المرتبة مكملة لمرتبة الضروريات.
وأما المرتبة الثالثة، وهي ما يدور حول التفكه والترفِّه سواء بالفاكهة أو اللحوم أو السكريات، فهي في توفيرها لازمة لزوما كليا؛ لأنها من المصالح الغذائية الهامة، والدولة ما جاءت إلا لخدمة ورعاية المصالح العامة والكبرى، ومن أولها الغذاء؛ فشمل هذه المرتبة؛ ولأنها حامية لمرتبة الضروريات والحاجيات الغذائية.
فإذا أهْمِلت وأخل بها تطرق الإخلال إلى ما فوقها من المراتب.
стр. 180
والواجب على الدولة من خلال هذه المؤسسة اتخاذ كافة الوسائل الموصلة إلى توفير الأمن الغذائي بدرجاته الثلاث.
ومن أكبر الوسائل إقامة نهضة زراعية شاملة تخطيطاً، وإنشاءً، وتنميةً، وحفظاً، ورعايةً، وتخزيناً، وتسويقاً، وصناعة غذائية شاملة من خلال ذلك.
وتنميةً حيوانية للثروة من الأنعام التي هي المصدر للبن ومشتقاته، واللحوم بأنواعها، وكذا الاهتمام بالحياة البحرية الغذائية، والبرية من طير وصيد إنسي ووحشي.
ولا بد من تنميتها والاهتمام بغذائها وصحتها؛ لأنها وسيلة موصلة إلى الأمن الغذائي فلا بد منها، فوجوبها كلي وسيلي.
ويتولى هذه المؤسسة الهامة الأكفاء والأمناء العدول من الوزراء والخبراء والمهندسين والفنيين والإداريين والعاملين.
ويهتم بها تطويرا ودعما ماديا ومعنويا من الدولة؛ لأنها تقوم بأحد أكبر الوسائل التي تخدم المقاصد الكبرى وتحفظ النفس والمجتمع والشعب بأنواع ضرورية وحاجية وتحسينية من الحفظ؛ فوجب على الدولة ذلك؛ لذلك.
المؤسسة الدينية:
وأما المؤسسة الدينية فهي كيان مستقل يخدم المقصد الأول الأكبر، وهو حفظ الدين.
ولا بد من وجودها الآن وجوبا؛ لأنها ستدفع أعظم المفاسد عن العقول والأفكار التي نتج عنها الغلو والتطرف الموصل إلى استباحة دماء أهل الإسلام تحت مسميات وعلل، ونتج عنها الفرقة العقائدية والفكرية، مما سهل لعدوها تفريقها والإيقاع بها، واتخاذ الذرائع لحربها واحتلالها بمسميات عديدة كمحاربة التطرف والإرهاب، ونحو ذلك.
ولأنها وسيلة إلى الهداية الواجبة للناس، وعدمها يؤدي إلى نقيض ذلك من الضلال والانحراف «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء» (١).
стр. 181
وتقوم على وضع المناهج الشرعية الدراسية المعتدلة من فقه القرآن والسنة بتوسط قُصِدَ شرعا في الأمة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: ١٤٣).
وينبني على هذا المصالح الكثيرة والكبرى (١).
стр. 182
مؤسسة الرقابة والمحاسبة والتقويم:
أما الرقابة والمحاسبة والتقويم فمشمولة بأدلة الأمر بالإصلاح في الأرض وإنهاء الفساد ومظاهره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي كثيرة في القرآن والسنن.
وإقامة مؤسسة معنية بذلك أمرٌ مشروعٌ.
وفرضٌ تمكينها من القيام بهذا الفرض؛ لعموم (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
وإقامتها والتمكين لها وإعطاؤها الصلاحيات الكاملة في الرقابة والمحاسبة والتقويم من الإصلاح في الأرض، وهو أمر كلي مفروض.
المؤسسة الخدمية:
وأما المؤسسة الخدمية فهي تدور على إقامة كثير من الضروريات والحاجيات والتحسينات في الحياة العامة والخاصة، وإيجادها من المصالح الكبرى، ويدخل فيها ما يشمل كافة الوزارات الخدمية المدنية كالكهرباء، والمواصلات، والنقل، والمياه، والأوقاف، وكافة البنية التحتية وما يتعلق بها.
المؤسسة القضائية:
وهي مؤسسة ذات سلطة مستقلة نافذة تقوم بالفصل في الخصومات، ورفع المظالم، والحكم في قضايا الأعيان الخاصة بدعوى، وإجابة، وبينات، وشهادات تبنى عليها الأحكام القضائية.
ويتولاه مسلمٌ عدلٌ بالغٌ فقيهٌ بالشرع.
ولا مانع من تقنين الشريعة؛ لأنها مصلحة شرعية تخدم كثيرا من المصالح العامة، وتقطع التأويلات التي قد تؤدي إلى الجور والحيف بحسب هوى حاكم في ذلك.
ويحرم تولية فاسق القضاء، ولو أحاط بالشرع؛ لأنه مؤد إلى خلاف المقصود من إقامة القضاء للعدل بين الناس.
والمرتشي فاسق، ويحكم القاضي بما أراه الله، ولا يقلِّد بلا بصيرة، أو يتبع هواه، أو يخضع
стр. 183
لتوجيهات ولو من ولي المسلمين الأعظم.
والحكم بما أنزل الله واجب بالنص (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة: ٤٩).
ويحرم الحكم بقانون يناقض الشرع (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (النساء: ٦٠).
وتحرم الشفاعات في حدود الله.
ومن تأهل قضائيا في جامعات لا تدرس الشرع حَرُمَ توليته القضاء في بلاد الإسلام، ولو عرف أو اطلع على قوانين العالم ما دام جاهلا بالشرع؛ لأداء ذلك إلى حكمه بالجاهلية على خلاف الشرع (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠)، إلا إن كان فقيها عالما -قبل ذلك- بأحكام الكتاب والسنة وما ينبثق عنهما من تقنين شرعي.
وتمكينه من الحكم بذلك شرط لقبول الولاية، وإلا حَرُمَ قبولها.
ويجب كفاية القضاة في رواتبهم لدفع حاجتهم، وسد باب الشبهات والمحرمات عليهم؛ دفعا لفساد المؤسسة القضائية.
ويجب تأهيلهم تأهيلا تاما بفقه الكتاب والسنة وحكمهما، وما يتعلق بذلك أصولا، وفروعا، ولغة، ومصطلحا، وتقنينا، ومعرفة بأقوال المذاهب؛ ليجتهد فيها القاضي لا لتقليدها.
ويبنى على ذلك وجوب إقامة التعليم القضائي الكفء.
ويحرم أن تتبع المؤسسة القضائية حزبا حاكما، أو معارضا، أو طائفة، أو فرقة؛ لأدائه إلى نقض المصلحة الكبرى من إقامتها، وما أدى إلى باطل وفاسد فهو كذلك.
وأما ذكر فقه القضاء وما يتعلق به وفقه الجريمة، فله موضع غير هذا (١).
стр. 184
المؤسسة النيابية (مجلس النواب):
مجلس النواب هو مجلس تقنيني لا تشريعي؛ لأن التشريع لا يحق لأحد إلا لله. وعلة إنشائه: رقابية، وتقنينية، ومحاسبية.
وفرضٌ أن تكون تقنيناته منبثقة عن الشرع.
والعضو فيه نائب عن دائرته المرشحة له على وجه الخصوص، ولشعبه على وجه العموم، فيدفع ما يفرض عليه دفعه من المنكرات والمفاسد والمظالم، ويحاسب المفسدين ويسائلهم.
وينظر -أولا- في رفع الضرر العام عن الشعب؛ لأن الضرر العام مقدم في الدفع على الضرر الخاص.
وفرضٌ على هذا المجلس إصلاح النظام السياسي بما يوافق العقود المقننة المتفق عليها مع الشعب صاحب السلطات؛ لأن الإيفاء بالعقود واجب بالنص (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، وأكبرها وأولاها وأعظمها ما يتعلق بنفع عموم الخلق.
ولا يجوز السكوت عن الظلم، والاستبداد، والتحايل السياسي على القانون، واستغلال واستنزاف الثروة بعشوائية.
ويجب النظر في مسائل التعليم ومناهجه وتطويره بما يحقق نهضة استراتيجية للبلاد، ويحقق غرس العقيدة الصحيحة وتعاليم الشريعة السمحاء.
ويجب شرعا مراقبة التعليم ومتابعة الأداء، ومساءلة المسئولين عن أي خلل وإفساد، ويتأكد الوجوب حال الاختبارات ووضعها ومنع أي عملية تسريب للاختبارات قبلها وأثناءها.
أو الغش والتزوير سواء في الاختبارات، أو الوثائق والشهادات، وإصدار القوانين الصارمة في ذلك ومتابعة تنفيذها.
وكل هذه الأمور تعتبر من النصيحة للأمة، ومن المصلحة التي أنيطت بالولايات، ومن الأمانات العامة المأمور بها في الشريعة، ومن التعاون على البر والتقوى، وجميعها داخل تحت القاعدة الكبرى للشريعة: وجوب جلب المصالح ودفع المفاسد.
ويحرم على عضو مجلس النواب تلقي التوجيهات كأداة منفذة لرؤى غيره، كانت حقا
стр. 185
أو باطلا، من سلطة، أو حزب حاكم، أو معارض. بل يجب أن ينظر في مقتضيات المصلحة العامة، ولا يتبع توجيهات ملزمة له من أي جهة.
فإن اتبع الإملاءات خان ما ائتمن عليه من الأمانة، وتحمل سخط الله وعقوبته وتحمل مآثم عن ما أدى إليه تصويته من مظالم ومفاسد خاصة وعامة، ومن اتبع الإملاءات والتوجيهات ولو في الباطل واستمر على ذلك عد فاسقا ساقط العدالة، وتسقط ولايته شرعا؛ لأنه خائن للأمانة أو غير كفء.
وقد يجب سحب الثقة منه ومحاكمته وعزله في حال ثبوت تواطئه مع الفساد، وفي دولة المؤسسات الراشدة القائمة على العدل والإحسان لا مانع من إحلال منافسه في دائرته مكانه إن كان الفارق بينهما يسيرا، حفظا لخزينة المال العام من التكلفة؛ لأن الأصل عدم التصرف به إلا للضرورة، وهي تقدر بقدرها، وإعادة الانتخابات مع التقارب بين المتنافسين قد لا يكون ضرورة؛ لأن الجمهور مع هذا، ومع هذا، ومع حصول فارق نسبي كبير تعاد الانتخابات؛ لأن القليل تبع للأكثر فلا يعتد به، ويحدد الأقل بالآحاد إلى العشرة في اللغة، فسيتفاد منه بالنسبة لا العدد.
ويحد التقارب بوجود فارق القلة بينهما، ويوضع لذلك قاعدة نصية مقننة لدى اللجنة العليا للانتخابات، فإذا حصل أحدهما على عشرة آلاف صوت، والآخر على ذلك بزيادة مئات، فيسير.
وإذا كانت المناقشات البرلمانية في مسائل يحتاج في تصورها إلى خبراء فيجب قبل التصويت استجلاب الخبراء المختصين في ذلك الشأن؛ لحضور جلسات المجلس والاستماع إلى بيانهم وتوضيحهم، ليتخذ المجلس قراره عن علم ودراية سواء كان التصويت على قانون، أو قرار يحتاج إلى تكييفه وتصويره؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦).
فالعضو إن صوت على ما لا يعلم تصوره تصورا تاما جليا (١) دخل في عموم النهي وأثم؛ لأنه اقتفى ما ليس له به العلم؛ ولأن الحكم بالخرص والتخمين محرم في نصوص كثيرة؛
стр. 186
وكذا الحكم بلا علم، فإن كان اتباعا لأمر آمر عظم الإثم، ودخل في اتباع الكبراء والسادات بغير علم واتباع الذين يظلونهم بغير هدى من الله، وكله منصوص على حرمته في نصوص كثيرة في القرآن.
فتبين وتعين استدعاء خبراء لمناقشة وبيان وتوضيح وتصوير للمسألة وما ينبني عليها من المصالح والمفاسد؛ لأنهم وسيلة للحكم بالحق، والقول عن علم، فوجب طلبهم؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد.
وكذا يجب على العضو دراسة الموضوع المطروح دراسة متأنية ليصل إلى الحق بما يؤدي إلى براءة الذمة المشغولة بتحري الحق، وحينئذ يلزمه شرعا الحياد لا التعصب؛ لأن الحياد مؤد إلى نظر بالعدل، وهو من واجبات الشريعة في كل أمورها وخاصة هنا. والنصوص فيه كثيرة.
وحال التصويت يجب على العضو اتباع ما تبين له أنه الحق، فإن لم يتبين له وحصل تردد في قلبه بالصواب حرم التصويت تقليدا بالاختيار، أو بإملاء، بل يمتنع عن التصويت توقفا.
والتصويت إنما يكون في غير قواطع الشريعة فيما للاجتهاد فيه مجال.
ويحرم عرض قاطع شرعي للتصويت عليه بحل أو بحرمة على خلاف المنصوص، كحل خمر أو زنى أو قتل أو سرقة، أو حكم بغير الشريعة.
فمن صوت على هذه الأمور وأمثالها من ضرورات وقواطع الدين بنقض حكمها فهو كافر.
ومنه التصويت على إسقاط الفرائض، كالأمر بفطر رمضان على الموظف لعلة الإنتاج، أو منع الصلاة في المسجد إلا لحاصل على إذن دولة أو بطاقة، كونه من أهل الحي ونحوها.
فالتصويت على شيء من هذا وأمثاله من القواطع كفر بواح وخروج عن الإسلام.
ويجب حينئذ البيان وإقامة الحجة عليهم من الشعب بالتي هي أحسن، وخاصة العلماء وأولي الأمر، فإن أبوا صُعِّد الأمر سلميا بالتدرج بنحو مظاهرات واعتصامات وكل وسيلة سلمية وصولا إلى مقصود النص عند تحقق الشروط وهو قوله ﷺ «إلا أن تروا كفرا بواحا لكم فيه من الله برهان».
стр. 187
وإذا تعلق الأمر باجتهاد في مسألة شرعية قابلة للاجتهاد طلب المجلس من خبراء الشريعة أهل العلم توضيح الفتوى الشرعية أمام المجلس، وتلزم الفتوى في حالة اتفاق، لا في خلاف، فيجوز اختيار إحدى الفتويين في الخلاف القوي المتكافئ لإصدار قانون ملزم من المجلس بها.
وغياب العضو بغير مبرر مرخص من المجلس تلاعب بالعقد؛ لأن العضو أجير في الأصل بمال.
ويجب خصم قسط مقابل الغياب، ولا يحق لأحد إسقاط ذلك تسامحا أو تساهلا؛ لأن المال العام لا يتساهل فيه؛ إذ الولاية عليه ولاية نظر لا ضرر، وإسقاطه ضرر إلا ما جرى عرف عام على التسامح به كيسير، وإسقاطه بالكلية بقانون، أو عرف داخل المجلس أشد حرمة؛ لأنه إهدار للمال العام بلا مقابل، فهو ضرر محض؛ ولأن التصرفات على الرعية منوطة بالمصلحة وليست هذه مصلحة.
فإن أكثر العضو من الغياب، وجب إجراء حازم لردعه قد يصل إلى الإيقاف، ثم سحب الحصانة منه -إن وجدت- للتحقيق معه، لأنه مفسد تارك لما استؤمن عليه، ودفع المفسدة واجب، خاصة أن غيابه يتعلق به مفاسد عامة، واللازم إصدار قانون من المجلس بذلك؛ لأنه تعاون على البر والتقوى وإقامة المصالح ودفع المفاسد.
ويحرم إعطاء بدلات مالية للجلسات الرسمية إذا كان الراتب مجزيا مقطوعا؛ لأن عقد الإجارة للنواب موضوعه حضور ذلك، وهو ركن، وبه يستحق الأجرة المالية، وهي راتبه الأساسي.
ففرض شيء مقابل حضور الجلسات بمسمى بدل أو نحوه مع وجود راتب مجزئ إهدار للمال العام، والإهدار ضرر وهو مدفوع.
وعلة التحفيز لا تجيز ذلك إلا إن كان الراتب ضعيفا؛ لأنه مُلْزَم بالعقد بعوض شهري مجزئ في الأصل، فإن غاب سقط العوض بقدره، وهذا كاف لتحفيزه؛ ولأن هذا التحفيز معاوضة أخرى على أصل العقد وهو الحضور، وهو مشغول بعوض آخر هو الأصل والمشغول لا يشغل، فكان التحفيز عوضا لا يقابله عمل حقيقة ولا تقديرا.
فكان آكلا للمال بالباطل، وهو منهي بالنص تحريما؛ ولأن الولاية على المال العام ولاية نظر،
стр. 188
وليس هذا من النظر في شيء؛ لأنه في نظيره في الملك الخاص ضرر فكيف صار مصلحة في المال العام (١)؟
ولا يقاس على مجالس الجامعات والمؤتمرات ونحوها لكون حضورها عملا إضافيا فوق المتعاقد عليه، فيعطى مقابله بدلا وعوضا، بخلاف مجلس النواب والشورى، فإن حضور الجلسات هو أصل العقد وموضوعه، وهو المقبوض عليه عوضٌ شهريٌ يسمى الراتب، فلا يعطى عوضا آخر تحت أي مسمى؛ لأنه بغير مقابل.
ولا يكون تصويت النواب ملزما فيما لهم فيه نفع شخصي خاص كالبدلات ومقدار الرواتب، وتمديد فترة المجلس، ونحو ذلك؛ لأن الإلزام منوط بالتصويت المتعلق بالمصلحة العامة، وليست كذلك هنا.
فيعطون أجر المثل؛ لأن الناظر على المال العام أو مال اليتيم أو الواقف لا يعطي للأجير أكثر من أجر المثل؛ لأنه ضرر.
ولو شرط عليه أكثر من أجر مثله قبل إبرام العقد حرم إبرامه؛ لإمكان تحصيل نفس المصلحة من مثله بأجرة أقل، فكانت الزيادة هدرا، وهو ممنوع، هذا في النظر للمال العام.
فإن كان في مال الشخص فيجوز؛ لأنه هبة أو إكرام، لأنه يحق للشخص ذلك في مال نفسه لا في مال غيره، خاصة المولى عليهم في الولايات العامة واليتيم والوقف ونحوه؛ لكثرة النصوص في التحذير من إنفاقها إلا للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ولا ضرورة في الزيادة على أجر المثل.
والانسحاب من الجلسات يلزم شرعا إن أدى إلى منع أمر مخالف للشريعة والمصالح العامة المعتبرة.
فإن لم يمنع كان تعبيرا عن إنكار هذا المنكر كقوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (النساء: ١٤٠). وقوله تعالى (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام: ٦٨).
стр. 189
جواز الترجيح بالأكثرية:
وإذا صوت بعد اتخاذ الإجراءات الصحيحية فما ذهب إليه الأكثرية اتخذ به القرار؛ لأن الترجيح بالأكثرية عند تعادل الحجج جائز عادة وعقلا وشرعا بشرط كونه في المباحات مما يتعلق به مصالح عامة، فإن كان في خلاف نص شرعي حرم وبطل كما مر (١).
стр. 190
سياسات الدولة:
١ - الخاطئة.
٢ - الراشدة.
стр. 191
السياسات الخاطئة للدولة
المقصود هنا هو ذكر أهم وأبرز السياسات الخاطئة التي قد تقع الدولة في ممارستها، ثم نذكر أهم وأبرز السياسات الراشدة التي يلزم على الدولة القيام بها، فلنبدأ في ذكر أهم السياسات الخاطئة، فنقول:
١ - السياسة بالظلم:
وهي شاملة للظلم الديني، والسياسي، والمالي، والقضائي، والمجتمعي، والإنساني.
وهي أحد أعظم السياسات الخاطئة المحرمة، وعلة من العلل الشرعية المنصوصة لنزول العقوبات الربانية (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: ٢٩)، (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) (الأعراف: ١٦٢).
وهذا التعليل كثير في كتاب الله تعالى.
وما كثر التنبيه عليه في القرآن سواء كان في باب الحلال أو الحرام، فهو دليل على عظيم الاعتناء به إن كان فريضة، وعلى عظيم التحذير منه إن كان محرما.
والظلم من الظلمات، وأعظمه ما تعلق بأصول المقاصد الستة للشريعة: حفظ الدين والنفس والعرض والمال والعقل والجماعة.
والظلم في باب الإيمان والعقائد معناه الشرك (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: ١٣).
فالشرك بالله أعظم الظلم وأكبر الجرائم في حق الله وخط أحمر يعد من تجاوزه مرتكبا لأكبر الجرائم (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: ٤٨).
وحرم تولية مشرك ولاية عامة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، والولاية أعظم وأكبر من مجرد الموالاة.
ولقوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١)، والولاية أعظم سبيل.
ولقوله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
стр. 192
والكافر ليس من أهل الإيمان، وإن تولى ثم ارتد فخلعه بالقوة فرض لحديث «ألا نقاتله؟ قال: إلا أن تروا كفرا بواحا» (١)، أي فخلعه واجب بالقتال.
فمن أعلن الشرك من الولاة، أو الكفر المبرهن عليه من القرآن والسنن، فخلعه فريضة ولو بالقتال.
وتصنف جريمةً سياديةً ودستوريةً عظمى.
ويدخل في الظلم الديني منع مساجد الله أن يذكر فيها اسم الله، كمنع رفع الأذان، أو إقامة الجماعة، أو منع الصلاة في الكليات العسكرية، أو غيرها من مرافق الدولة، أو فصل المصلين من أعمالهم عقوبة لهم على فعل الصلاة، أو سجنهم لأجل حضورهم الصلاة فجرا أو عشاء أو ظهرا أو عصرا أو مغربا لسبب الصلاة.
أو منع إقامة الصلاة في المدارس والمرافق الحكومية إذا حان وقتها حال الدوام نهارا أو ليلا، وعاقب على ذلك، أو أصدر أمراً يمنع تعليم الصلاة في المناهج الدراسية، أو حارب المساجد وسعى في خرابها فحاصر تمويلها وضيق على بنائها.
أو منع العلماء المؤهلين المعتبرين من تدريس العلوم الشرعية المعتبرة فيها، أو الإفتاء وإفادة الناس من غير فتنة، فهذه الأنواع من أكبر السياسات الخاطئة وأعظم أنواع الظلم (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤).
وهذه السياسة تبطل الولاية؛ لأن الله قضى عليه بالخزي في الدنيا، والولاية والخزي لا يجتمعان؛ فوجب خلعه وإخزاؤه ومحاكمته؛ لأن النص الصحيح الصريح في منع الصلاة ومنع المساجد دل على ذلك «قالوا: ألا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (٢).
ويدخل في الكفر البواح الموجب للخلع والعزل ولو بالسيف ما قاله النووي ﵀ من أن المقصود هو هدم الأركان والمعالم الكبرى للدين (٣).
стр. 193
وقوله صحيح؛ لأن الله يقول (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤) وفسرها ابن عباس بكفر دون كفر (١)، وهو يؤيد تفسير النووي، فهي من الكفر البواح على هذا، ولأن البرهان على الكفر إنما يكون بالنص، وهذا منصوص عليه، فكل حاكم لم يحكم بما أنزل الله وغلب عليه ذلك فواجب خلعه ولو بالسيف.
وقلنا وغلب عليه؛ لأن الغالب معتبر بلا خلاف في الشرع؛ ولأن القلة يعسر ضبطها، ويمكن علاجها بخلاف الغالب.
ولو شرع قوانين على خلاف صريح أصول الشريعة، فهو -كذلك- واجب خلعه ولو بالقوة بالشروط المعتبرة إن لم يتراجع عن ذلك.
ويقبل منه تراجعه وتعد توبة له؛ لأنه قد يكون ذلك جهلا.
وإفراد الله بالحاكمية من القواطع ثبوتا ودلالة (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) (يوسف: ٤٠). وهو جزء من العبادة والإيمان (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥).
ولأن من اختص بالخلق اختص بالأمر (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف: ٥٤).
ويكفر أو يفسق أو يظلم من حكم بغير ما أنزل الله بالنص (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: ٤٥)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: ٤٧).
وغير حكم الله تحت أي مسمى بقانون أو غير قانون هي أهواء (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة: ٤٩)، فحَرُمَ إدخال بعضٍ مما يناقض الشرع.
وكل ما ناقض حكم الشريعة فهو جاهلية (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠).
стр. 194
وجعل المعرض عن حكم الله ورسوله في الكتاب والسنة متحاكما إلى الطاغوت زاعماً للإيمان لا مؤمناً (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (النساء: ٦٠).
ولهذه الأدلة القطعية ثبوتا ودلالة، ففرضٌ أن ينص في عقد الدستور على أن الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع، وأنها مصدر جميع القوانين، ولا يجوز جعل الشريعة أحد مصادر التشريع أو المصدر الرئيس؛ لأن الله جعل الشريعة تامة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة: ٣).
فإدخال شيء معها مع كونه منصوصا على حكمه في الشرع بالنص أو القاعدة لا بد أن يكون مناقضا لذلك النص؛ وإلا فهو عبث.
والردة عن دين الإسلام إذا أذن فيها الحاكم فقد أذن بأكبر الجرائم عند الله تحريما بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، وهو: الكفر بالله ورسله وكتبه، سواء كان كفرا بالرسالات، أو بعضها لقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء: ١٥٠ - ١٥١).
وهذا من الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، وفرض -عندئذ- خلع الحاكم بالشروط المعتبرة؛ لأن هذه من الجرائم السيادية والدستورية الكبرى لدولة الإسلام التي لا تجوز باسم الحرية وغيرها كالخيانة العظمى والجرائم السيادية.
ومباشرة خلعه خاضعة لشروط التكليف في تغيير المنكر.
ولأن شرط العقد الدستوري في الولاية قوله تعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
وردة الحاكم، أو إذنه بالردة نقض لهذا الشرط، ونقض الشرط المعتبر في العقد يبطل العقد، ولأنه يحرم قبول ردة مرتد عن الإسلام بعموم النص (فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) أي: لن يقبل منه لا رسميا ولا شعبيا ولا اجتماعيا، لأن حذف المتعلقات يدل على العموم (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ
стр. 195
دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥)، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فحكمه مذكور في آخر الآية (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ولأن الله فرض القتال عند حصول الفتنة عن الإسلام، أي الردة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩)؛ لأنها أعظم من القتل كما في آية أخرى، فإذا أوجبنا السيف في القصاص في القتل العمد العدوان دفعا للفتنة، ففي الفتنة عن الإسلام أولى؛ لأنها أشد من القتل بالنص، والآية مطلقة شملت فتنة الفرد أو أكثر: حاكما، أو مواطنا، رجلا، أو امرأة.
- سياسات الظلم العام:
ومن الظلم الاعتداء على النفس بتخويف، أو جرح، أو قتل، أو إيلام ولو بجوع، وتعمد إفقار، أو إيلام بما يحب الشخص، أو حَطْم بعض ببعض بإثارة فتنة بينهم، أو تغذية سياسة الحطمة المذمومة شرعا «شر الرعاء الحطمة» (١).
أو الاعتداء على الأموال بنهب، أو اختلاس، أو غصب، أو سرقة، أو فيد، أو تولية مفسد، أو طبع العملة الرسمية خارج الإذن الشرعي وخارج ما انبثق عنه من القوانين بما يؤدي إلى مفاسد جمة كالفقر والبطالة والغلاء والفساد، أو تعسير الأرزاق بحصار التجارات البسيطة لأصحاب الدخل المحدود وتسليط أفواج المجرمين عليهم لظلمهم وحبسهم وابتزازهم.
وفرض غرامات بلا حق، وضرائب غير عادلة ولا مستحقة عليهم، وعدم البت وحماية البت في قضايا العقارات والأراضي والأموال.
وكذا يحرم الظلم المتعلق بالأعراض من الإشاعات الظالمة الكاذبة في وسائل الإعلام، مقروءة ومسموعة ومرئية لخدمة الأغراض السياسية أو الحزبية أو الشخصية أو المالية، وإلصاق التهم باطلة سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية، فهذا كله محرم (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨)، والنصوص في ذلك كثيرة.
стр. 196
ومن المظالم ما يتعلق بحفظ العقل كوضع المناهج التعليمية التي لا تفيد في تنوير، ولا إزالة شبهة، ولا إقامة فروض الكفاية بما يواكب العصر من: طب، وعلوم التكنولوجيا، والصناعة، والهندسة، والإنتاج المدني والعسكري، مما يؤدي إلى ضعف الأمة أمام غيرها وجعلها هدفا سهلا لأعدائها؛ فتُنْهَب الثروات، وتستعمر الأفكار والبلاد، وتسلب السيادة وترتهن البلاد في قراراتها نظرا لضعفها الشامل: السياسي، والصناعي، والعلمي، والعسكري، والاقتصادي.
٢ - سياسة الفساد:
هناك قاعدة يمكن وضعها بالتتبع وهي: الظلم إذا صار ظاهرة عامة كان فسادا في الأرض.
فالظلم إذا كثر صار مظالم، وإذا استمرت الكثرة أصبحت عادة، ثم تحولت إلى ظاهرة ملموسة مشاهدة، وصارت حينئذ فسادا في الأرض، وقد قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١)، فاستعمل الظهور للفساد، وقد قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (المائدة: ٣٢)، فغاير بين القتل بلا حق الذي قد يحصل، وبين القتل للفساد في الأرض؛ لأن القتل العدوان يغلب عليه -عادة- تقدم عداوة، وعلته الباعثة هي الانتقام، ولذلك لا يتجاوز غير من أراد أن ينتقم منه، بخلاف من قتل عمدا وعدوانا بلا سبب، ولا عداوة سابقة؛ فعلته الفسادُ في الأرض ويغلب عليه استهداف الكافة برها وفاجرها.
فيعم الخوف والهلع، ويؤثر ذلك على تقلب الناس في الأرض لحاجاتهم، وتجاراتهم.
وحد الحرابة، ومنه قطع الطريق أشد الحدود؛ لأنه من الفساد في الأرض.
والحاصل أن الظلم يطلق في الأصل على جريمة معينة واقعة على معين لا تتعداه، فإذا وقع على غير معين بل على العموم والشيوع عمدا وعدوانا كان فسادا في الأرض.
وقد تنوعت عقوبة الفساد في الأرض وقرنت بمحاربة الله ورسوله (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
стр. 197
وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
وتنوع هذه العقوبات سببه تنوع الفساد في الأرض ومحاربة الله ورسوله فيعطي القضاء حكما مناسبا للواقعة بحسبها، وأعلاها الإعدام أو الجمع بين الإعدام والصلب، ثم تليها عقوبة قطع الأيدي والأرجل من خلاف، وأدناها النفي من الأرض، وهو أن يجعل في المنفى، سواء كان بالترحيل من تلك البلاد أبدا أو لمدة معينة بحسب الواقعة، أو يسجن في منفى عن بلاد الجريمة ولو داخل الدولة.
وأخْذُ الفقهاء من الآية حدَّ الحرابة وقطعَ الطريق ليس حصرا وقصرا لجرائم الفساد في الأرض، فقد ظهر في عصرنا جرائم عظيمة أكبر أو لا تَقِلُّ عن الحرابة.
فمما يشمله النص من أنواع الوقائع التي تصنف من جرائم محاربة الله ورسوله والفساد في الأرض، وينزل عليها العقوبات المناسبة في الآية واحدة أو فوق ذلك.
فالسلطة إذا مارست الفساد في الأرض حاق بها ما يحيق بالفرد، أو الأفراد المفسدين في الأرض في العقوبة المنصوصة في الآية (أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ) (المائدة: ٣٣). وولاية المفسد في الأرض باطلة؛ لأنه استحق إحدى هذه العقوبات، وأدناها هي النفي التي تحول دون العمل في الحكم فكيف بأعلاها إذ لا يمكن الجمع بين البقاء في السلطة وتنفيذ عقوبة الفساد في الأرض عليه؟
ومن الجرائم التي يمكن تصنيفها شرعا من جرائم الفساد في الأرض:
- الإبادة الجماعية.
- القصف العشوائي أو الممنهج على الأحياء السكنية.
- دعم طائفتين من الشعب لقتال إحداها الأخرى.
- قتل المتظاهرين السلميين.
- استعمال الجيش والأمن لقمع الشعب المدني السلمي.
- التعذيب في سجون الدولة والمعتقلات.
стр. 198
- تشجيع وتغذية الصراع بين الطوائف الدينية والمناطقية.
- تجهيل الشعب عمدا.
- إيجاد الطبقية القانونية.
- الفساد المالي والإداري، وعدم تقديم رموزه إلى القضاء.
- تقوية بعض الشعب وإضعاف بعض.
- العبث والنهب والاختلاس للثروة والمال العام بما يوصل الشعب إلى خط الامتهان، والإذلال والإفقار داخليا وخارجيا.
- العقوبات الجماعية المقصودة على الشعب كقطع الغذاء، والقمح، والماء، والمواد الحاجية كالمشتقات النفطية، والكهرباء، والمياه، وحليب الأطفال، والأدوية.
- إهلاك الحرث والنسل.
- منع إسعاف المصابين.
- قصف المستشفيات.
- جرائم الاختطاف.
- تدمير المصالح الكبرى.
- التسهيل لعصابة الحرابة، من قطع الطرق وتفجير المصالح العامة وتخريب البلاد.
- دعم أو تسليح أو تمويل الفتنة والاقتتال وأطرافها.
- استعمال السلاح النووي، أو الكيماوي، أو أسلحة الدمار الشامل.
٣ - سياسة العلو في الأرض:
سياسة العلو في الأرض هي انحراف ظاهر وخطأ فادح عن مقصد الولاية العامة، وهي مخالفة للعقد الممنوح من الشعب، سواء كان مكتوبا كدستور، أو ملفوظا أو متعارفا عليه؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
فإن لم يكن عقدٌ، فالأصل أن الولاية لخدمة الشعب لا للاستعلاء عليه، فهي سياسة مذمومة شرعا تعود على المقصود من الولاية بالإخلال أو الإبطال (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ) (القصص: ٤) وهذا مسوق في مورد الذم والمقت، لذلك فحرم.
стр. 199
وقد خطأ الله هذه السياسات في قوله (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص: ٨)، وهذا ظاهر في التحريم.
ومن مظاهر العلو عدم سماع ناصح ولا مشاورة حقَّة، واستبداد بالقرار من دون الشعب (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: ٢٩)، وملاحقة المعارضين سجنا وقتلا واغتيالا وإقصاء واحتقاراً (إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) (الشعراء: ٥٤).
وارتكاب جرائم ضد الإنسانية (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأعراف: ١٢٤)، و (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: ١٢٧)، والتهديد بالسجن والتصفية (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: ٢٩)، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ) (غافر: ٢٦).
والاستقواء بالمؤسسة العسكرية والأمنية ضد الشعب المدني الأعزل، كفعل فرعون وهامان وجنودهما بموسى والشعب غير المسلح.
٤ - سياسة الاستبداد:
والاستبداد محرم؛ لأنه موقع في الخروج عن مقتضيات المصلحة العامة.
وقد أجمع العلماء على خلع من لا يشاور. نقله ابن عطية وغيره (١)؛ وهي من السياسات الباطة التي أوردها الله مورد المقت والذم عن المفسدين في الأرض، وهي قائمة على ما ذكره الله من قول فرعون (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (غافر: ٢٩).
٥ - الكذب السياسي:
والكذب بأنواعه محرم، إلا ما استثني كصلح، والكذب السياسي أشد تحريما للنص أن الله لا ينظر إلى الإمام الكذاب ولا يزكيه وله عذاب أليم (٢)، وقد جاء في النص «من صدقهم
стр. 200
بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض» (١).
وهذا يدل على أن تصديق الولاة الكذبة وإعانتهم على ظلمهم من الكبائر.
٦ - الإدارة بالأزمات:
إن سياسة الإدارة بالأزمات من الفساد في الأرض؛ لأن الإدارة للبلاد إنما تكون بالمصالح العامة ودفع المفاسد.
فإذا استعمل الحاكم سياسة إدارة البلاد بالأزمات فهو مفسد في الأرض وتبطل ولايته بذلك؛ لأن الولاية مبنية على التصرف بالمصلحة ويستعملها الولاة المفسدون الفاشلون لضمان استمرار بقائهم واستبدادهم بالأمر، والتكسب الداخلي والخارجي بمسمى هذه الأزمات.
وينبني على هذا الحفاظ على بقاء واستمرار الصراعات المختلقة طائفية ودينية وقبلية وحزبية، مع تغذية وتشجيع ظاهرٍ وخفي لكافة الأطراف، وعدم جدية الحلول.
واختيار أطراف للحل هم جزء من المشكلة والفساد مما يؤزم الوضع، ويزيده سوءا.
وتبقى السلطة وظالمها ممسكةً بخيوط وزمام هذه الأزمات؛ لتثبت بقاء الحاكم ودولته، وهذه السياسة من أعظم الظلم والفساد في الأرض (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤)، وواجب شرعي على الشعب مواجهة هذه السياسة بحلول ومبادرات من أهل الحل والعقد العدول القائمين بالقسط القائلين للصدق الحافظين لحدود الله.
ويجب منهم السعي الجاد والمستمر لإنهاء هذا المنكر والفساد وحقن الدماء وإنهاء المظالم واتخاذ آليات مناسبة لذلك بحسب الواقع حالا ومآلا.
ولا يجوز -حينئذ- التعامل مع الحاكم في ذلك، وكشف مرادهم له، لأنه سيؤول الأمر منه إلى إحباط أعمالهم ومساعيهم.
ولا يَخْرُج معهم منافقٌ ولا مخذل؛ لأنهم يسعون بالفتنة (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ
стр. 201
الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: ٦٧).
ولا يخرج في هذه اللجان إلا صادق أمين عدل خبير بهذه الأمور (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩).
ويتشاورون للحل (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣).
ووصولهم إلى ذلك لا بد منه؛ لأن الله أكده باللام في النص (لَعَلِمَهُ).
وفرض على الشعب ومؤسساته صَدُّ الحاكم عن هذه السياسة الفاسدة بكافة الوسائل الممكنة القانونية والدستورية والشعبية والسلمية، وآخرها خلعه قضائيا أو بفعل شعبي عام سلمي متدرج بدءا بالاعتزال الشعبي لحديث «هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» (١)، أخرجه البخاري.
وحديث «لا تكن لهم جابيا، ولا شرطيا، ولا عريفا، ولا خازنا»، وهو صحيح (٢).
وحديث «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٣)، أخرجه مسلم.
стр. 202
٧ - ولاية السفهاء:
ويحرم تولية السفيه لأن تصرفات الولاة منوطة بالمصلحة العامة، والسفيه لا يتعامل بالنظر المصلحي وقد حرم الله إيتاء المال إليهم (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥).
والولاية في القياس الأولوي ممنوعة على السفيه؛ لأنها تصرفٌ في الشئون العامة بما فيها الأموال بمباشرة أو بالتسبب، فهي أولى بالمنع من الحجر على السفيه في ماله الخاص.
٨ - العطايا المالية لشراء الذمم:
ولا يجوز شراء الذمم بالأموال ابتغاء كسب أنصار للولاية؛ لأنه يفكك الشعب ويجند بعضه على بعض، ويرسخ سلطان أشخاص الولاة لا سلطان الدولة الخادمة للشعب.
ويترتب عليه ظهور صراع بين الولاة على كسب الموالين والأتباع والأنصار، ويظهر منه صراع آخر لوكلائهم من الوجاهات ومشايخ القبيلة والسماسرة مما ينتج على العادة صراعا بين فئات الشعب؛ لأن كل جهة تريد أن تحقق السبق لتأطير مراكز القوة والنفوذ وأتباعهم لأشخاص الولاة، ويكثر دفع الأموال ظنا أن من دفع أكثر كسب الولاء والأنصار.
وهذا السرف ينعكس على المال العام وإهدار الخزينة من النافذين، ويظهر الفقر.
وتعكف الولاة على ذلك عازفة عن إدارة الدولة للمصلحة العامة للشعب، فتتدهور الدولة اقتصاديا تدهورا يؤدي إلى ظهور الفساد المالي والإداري، وخراب الذمم، وظهور الرشوة والمحسوبيات، وتمكِّن قوى النفوذ من ظلم الناس، وتعطيل أحكام النظام والقانون، وتدهور التعليم، وضعف القوة العسكرية.
ويؤذن ذلك بنهايات الدول وتعرضها إلى الانهيار، وسلب إرادتها وخيراتها وأراضيها من الدول المهيمنة.
فلذلك نفتي بحرمة سياسة شراء الذمم بالمال لكسب الولاء للولاة، وأقل علة وأقربها كونه رشوة وملعوناً آخذها ومعطيها بالنص.
فضلا عن ترتب المفاسد الجمة العامة واستنزاف المال العام في غير مقاصد الشرع، وتعصيب
стр. 203
وتشييع الشعب إلى كتل قائمة على الولاء لأفراد، وهذه جاهلية وعصبية منهي عنها في نصوص كثيرة، «من يدعو لعصبة أو ينصر عصبة جاهلية فهو من جثى جهنم» (١).
٩ - سياسة التسويق الخاطئ للشعب:
ولا يجوز للولاة التعريف بشعبهم أو جزء منه بما يسيء إليهم داخليا، أو خارجيا، وينعكس ذلك على معاملة الدول والشعوب الأخرى لهم.
وهذا التسويق السيئ للشعب هو من الانتهاك لحفظ الأعراض المقصود حفظها في الشرع كأحد المقاصد الستة الكبرى.
فإذا حرم على شخص أن يقول عن شخص آخر ذلك؛ فقول ذلك عن الجماعة أشد حرمة؛ لأن الحفاظ على الكرامة وعدم الامتهان والإذلال، وصيانة سمعة الفرد والجماعة من الواجبات الشرعية؛ لأدائها إلى صيانة الأعراض وحفظ المكارم والتكريم للإنسان فردا ومجتمعا.
وقد حرم شرعا الهجاء بالشعر لقبيلة برمتها، وهو من المحرمات الكبيرة؛ لتأثيره عليهم وعلى التعامل معهم، ولأن نسبة خلق أو قول أو فعل إلى فرد هجاءً محرم في الأصل؛ لأن أعراض الخلق محفوظة «إن أعراضكم عليكم حرام» وهو في الصحيحين وقد تقدم.
فيحرم على الحاكم أن يعرض بشعبه داخليا، أو خارجيا، رسميا أو غير رسمي بما يسيء له كهمجي، أو متخلف، أو غير كفء، أو إرهابي، أو قطاع طرق، أو رجعيين، أو كهنوت، أو أنه لا يفيد معهم إلا القوة والاستبداد، ونحو ذلك من الألفاظ السيئة.
стр. 204
وفرض كفائي على الشعب إن سمع من حاكمه أو أحد ولاته ذلك مقاضاته؛ لأنه دفع لمنكر عام، وحفظ لأعراض الخلق، وتأديب للحاكم من التمادي في ذلك؛ لأن تركه يوصله إلى درجة هابطة من الاستخفاف بشعبه (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: ٥٤).
ولو أن خليفة راشدا من الخلفاء الأربعة سب شعبه بذلك وذمه بمثل هذه الألفاظ لمنعه الصحابة من ذلك لحرمة السب الفردي؛ والجماعي أشد.
وقد جاء عن عمر «إني لم أسلطكم على دماء المسلمين، ولا على أبشارهم، ولا على أعراضهم، ولا على أموالهم» (١).
وفي النص (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) (الحجرات: ١١).
وقال تعالى (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ) (الحجرات: ١١).
وقال سبحانه (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) (الحجرات: ١١).
فحرم اللمز والسخرية والتنابز بأنواعه.
وإذا سكت الشعب على سفه وشتم حكامه له استذلهم، واستخف بهم شأنه شأن تعامل الأفراد في ذلك عادة، وهو من البغي والعدوان، وهو محرم، وفرضٌ دفعه (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩).
فواجب على الشعب الانتصار من هذا البغي (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
وهذه عمومات نصوص أصول.
وشرار الولاة من يلعن الشعب ويشتمه؛ للنص في الحديث «شرار أئمتكم الذين تلعنونهم
стр. 205
ويلعنونكم وخيرهم الذين تصلون عليهم ويصلون عليكم» (١).
فجعلهم النص أشد شرار الولاة، وعدم وصف الشعب بالشرية مع ذكره أنهم يلعنون ولاتهم دليل على جواز لعن الوالي المعين إن لعن الشعب.
وليس المسلم بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء كما في النصوص.
وهذا استثناء يدل له (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠).
وإذا اعتاد مجتمع على سماع ذلك من حكامه، ظهر بينهم ذلك، فساءت الأخلاق، وانطلقت الألسن بالسوء، وخربت الذمم؛ وصلاح العمل بصلاح القول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
وإذا ساءت سمعة الشعب بين الدول الأخرى بسبب هذا التسويق التعريفي الآثم بالشعب من حاكمه، حذرت الدول رعاياها من ذلك الشعب، فيساء معاملة الفرد من هذا الشعب خارجيا، ولا يكرم كغيره، ويقل التعاون الدولي معه اقتصاديا وعلميا.
وتقل الاستثمارات الخارجية في البلد، ويقل إيفاد الخبرات إليه في التعليم والطب والتكنولوجيا، أو السماح ببعثات من ذلك الشعب إلى الخارج إلا بمحدودية جدا؛ فيظهر في الشعب ألوان الجهل والتخلف والفقر والبطالة والكساد.
بل قد يؤدي إلى عدم منح تأشيرة إذن بالسفر لأفراد هذا الشعب إلى كثير من بلدان العالم كما هو حاصل في بعض الدول العربية اليوم، فيحاصر الشعب داخليا بظلم الحاكم، وخارجيا بعدم سماح الدول لهم من دخول أراضيها.
١٠ - الإدارة بسياسة العصابة:
ويحرم على حاكم إدارة البلاد بسياسة العصابة؛ لأنها سياسة مبناها على العصبية
стр. 206
والتعصب لفئة من دون الشعب، وهي سياسة ودعوة حذر منها الشرع وجعلها في صنف الدعوات الجاهلية، فمن «يدعو لعصبة وينصر عصبة فهو من جثى جهنم» (١).
فحرم الشرع مجرد الدعوة إلى العصبة فضلا عن اتخاذها سياسة يعامل بها الحكام الشعب.
وسبيلها مليء بالمفاسد، والأهواء، والشهوات، والمطامع.
وتبدأ بسعي الحاكم لتعيين من يطيعه طاعة مطلقة في الباطل والشر والأهواء فضلا عن أضدادها.
ولا بد -عادة- مقابل الطاعة المطلقة أن يلتزم الحاكم بحمايتهم في مناصبهم، وحمايتهم عن المساءلة والمقاضاة، ودعمهم بما يديرون به ذلك، ومن هنا تبدأ المفاسد والمظالم والشرور.
وهذا كله من المحرمات الواضحة؛ لأنها تعاون على الإثم والعدوان المحرم بالنص (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
ويستغل الحاكم سلطاته التي منحها له الشعب في غير مقصود العقد له، فيخرج بذلك عن الالتزام بالعقد الدستوري والنظام والقانون، وذلك لتقوية نفسه ودعم أفراد عصابته ونفوذهم، فيصدر بحكم سلطاته التوجيهات الخادمة للعصابة إلى أي مؤسسة للدولة، أمنية أو عسكرية أو قضائية أو مالية أو خدمية.
وإذا عُرْقِلَ التوجيه في إحدى مؤسسات الدولة نظرا لمخالفته النظام والقانون: فإن كانت الدولة قوية وسيادة القانون نافذة وتوقف أمره لذلك سعى حالا أو مآلا فسادا في الأرض بالكيد والتآمر على تلك الجهة، فيعزل أو يوقف أو يضعف الأكفاء والعدول الوطنيين ويستبدلهم بمن ليس كذلك.
ويظهر حينئذ الفساد الوظيفي، والإداري، والمالي لقلة الأمناء والكفاءات.
وتمرر الصفقات المجحفة بالمال العام والاقتصاد الوطني، والمشاريع الوهمية، والنثريات التي تصل إلى حد العبث والسفه والتبذير بالثروة.
стр. 207
وإذا كان القضاء قويا مستقلا ففرض عليه شرعا أن يستدعي الحاكم ويسائله.
ولما كان لا بد للعصابة الحاكمة أن تستدعى قضائيا؛ فإنها تسعى لاجتثاث القضاة الحاكمين بالحق والعدل، بالتقاعد، أو التغيير، أو الترقيات إلى مناصب غير فاعلة، وفي أحسن الأحوال قد يبقى القضاء على قوته لكن على غير النافذين.
وهذا الأمر من معايير صلاح أو هلاك وفساد الأمم «إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم القوي تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (١).
ويمارس النظام الفاسد العصابي ضم مجموعة من القضاة إلى دائرته، وإسكات أخرى والتنكيل بضعفاء عبرة للغير.
ويتعمد اعتماد رواتب للقضاة غير كافية لهم ضمن سياسة عامة للامتهان والإذلال، بمحاربة الأرزاق.
ويتعمد الحاكم ونظام العصابة في تنفيذ الأحكام القضائية إظهار إضعافها بعدم حماية الجهات التنفيذية لتنفيذ الحكم كثيرا خاصة على النافذين والموالين، ومن يود شراء ولائهم.
وأول ما يستهدف من الدولة في ظل سياسة العصابة المؤسسة الأمنية والعسكرية، والمالية، والإعلامية، فالأولى لضمان حمايته وقمع صوتٍ من الشعب يقف أمام فساده.
ثم المال لشراء الولاء وخدمة النفوذ، والإعلام لقلب الحقيقة وتحسين صورته للشعب.
ثم يستهدف المؤسسات القانونية كنواب الشعب، ثم السلطة القضائية.
ثم يضرب الحياة الاجتماعية فيُشَيِّع ويفرق الشعب على أساس مناطقي وطائفي وقبلي.
ويضرب الحياة السياسية بقمع الحريات الصحفية والإعلامية لحماية النظام بحجة فرعون (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: ٢٦).
ويتعامل الحاكم مع القيادات النافذة في العصابة بما لا يقويهم مطلقا فينفردون عنه، بل تظل مصالحهم، ومن هو مرتبط بهم أسريا، أو اجتماعيا، أو اقتصاديا، أو سياسيا في يده.
стр. 208
وقد يوقعهم في قضايا إجرامية خطيرة مالية، أو أخلاقية، أو دموية، أو سيادية وطنية كالتخابر، والتعاون مع العدو.
ويوثق ذلك ويحتفظ به كملف للضغط والتهديد به عند الحاجة إليه بسياسة (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) (الشعراء: ١٩).
ويُمْكن للنظام الفاسد أمام الشعب من إحداث تغييرات شكلية أو غير هامة في الوزارات والقيادات بما لا يشمل أركان عصابته النافذة، فيجعلهم في أماكن هامة يديرون الفساد والظلم ويتحكمون حتى في تعيين الوزراء، والقيادات، والمحافظين، والمدراء وغيرهم (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: ٩).
وتبقى قيادات هذه العصابة في أهم الأماكن قابضين على المال والثروة، وعلى المؤسسة الأمنية والعسكرية، والمؤسسة الإعلامية، والتعليمية، والقضائية، والتشريعية.
ويكونون وراء المظالم، والأزمات، والفساد في الأرض، والعبث بالثروات، واللعب بالدستور والقانون، وشراء الذمم الفاسدة، وإشعال الفتنة بين الشعب، والتخلص من القوى ببعضها.
ويتهاوى الاقتصاد، والأمن، والعدل، وتفشو البطالة والفقر.
ولا بد -حينئذ- أن تتحول المظالم إلى فساد في الأرض، والفساد إلى أزمات، والأزمات إلى ثورة للمظلومين تطيح بالفساد والعصابة الحاكمة بالفساد كسنة إلهية لا تتغير.
١١ - سياسة إيجاد الند والضد:
والواجب الشرعي على الولاة جمع الكلمة، وتوحيد الصفوف، وإخماد الفتن بين الشعب.
هذا هو الأصل الشرعي الكثيرةُ أدلته من الكتاب والسنة.
ويحرم قطعيا إيجاد العداء والبغضاء، وتغذيته، ولا يصنع ذلك إلا الشيطان وأولياؤه من المنافقين والكفار (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة: ٤٧).
ومن الجرائم الكبرى أن يتخذها الإمام والولاة سياسة بين الشعب، فيضرب الأنداد بقوة بعضهم، قوة قبليَّة، أو اجتماعية، أو دينية، أو اقتصادية.
стр. 209
وقد يمد الطرفين في آن واحد.
وهذا محرم قطعي معلوم من الدين بالضرورة، وقد ذكره الله عن أهل النفاق (ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (التوبة: ٤٧).
وقال سبحانه عن المنافقين (كُلَّ مَا رُدُّوَا إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُوا فِيِهَا) (النساء: ٩١)، أي فهم مع هؤلاء ضد هؤلاء، والعكس.
فتحرم سياسة تغذية الأنداد لإيجاد الصراع في أي شكل من أشكالها ولو كان مسجدا بجانب مسجد فتنة بينهم، كمسجد ضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة: ١٠٧).
وتبطل ولاية من أذكى الصراع والفتنة بين الشعب ولو كان الإمام الأكبر؛ لأنه نقض شرط عقد الولاية القائم على جمع الكلمة ورعاية المصالح، ولم يف بالعقد ولا بالشرط (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
والعقود إذا خولفت وترتب على ذلك الضرر الفاحش، وجب رفع الضرر والانتهاء عن المخالفة، فإن أصر بطل العقد؛ لأنه صار سبيلا إلى الضرر الفاحش.
وهكذا عقد الولاية إذا صار سبيلا إلى المفاسد الكبرى كالفتنة بين الشعب، وإذكاء الصراع وتغذيته من الولاة، فولايتهم باطلة، ولا شرعية له بعقد الولاية؛ لأنه استعمل للمفاسد والضرر العام، فأصبح لزومه والالتزام به ضرراً ومفسدة فيبطل.
١٢ - الارتهان للخارج أو قوى في الداخل:
ارتهان الدولة وعدم استقلالها في قراراتها ولا سياساتها هو انتقاص من سيادتها واستقلالها كدولة.
وهذا ناتج عن: ضعف حكامها، أو فسادهم، أو عمالة وخيانة سيادية، أو فتنة واضطراب داخلي، أو احتلال، أو نزاع دولي.
ولا بد قبل ذلك من بيان ما يترتب على ارتهان الدولة من أمور هامة وخطيرة مؤثرة على الدولة ومواطنيها وثرواتها وأراضيها.
стр. 210
فيُتدخَّل بها في تعيين حكام الدولة رؤساء ووزراء بما يضمن استمرار مصالح قوى ودول أخرى، ولا ينظر إلى مصلحة الشعب والدولة، وهذا من أبطل الأمور في الشرع وضوحا؛ لأن عقد الولاية مشروطٌ برعاية المصلحة العامة للشعب، والارتهان على العقد يعود على المصلحة العامة بالبطلان، فهو باطل محرم.
ولا يقال إن عودته بالبطلان على المصلحة العامة، إنما يكون إذا كان ذلك الارتهان مؤثرا في كامل مصالح الشعب بالضرر، أما جزئيا فلا.
فالجواب أنه لا ارتهان إلا في مؤثر على السيادة العليا للدولة، وخصلة واحدة من ذلك كافية في التحريم.
ومن مفاسده كذلك أنه قد تعقد صفقات وعقود ضارة بالدولة والشعب يتوصل بها إلى العبث بالثروة، أو تجميد الاستفادة منها، كتعطيل موانئ استراتيجية، أو مطارات ومعابر ومضايق هامة، أو الحيلولة دون استخراج ثرواتها النفطية أو الغازية أو المعدنية من الذهب وغيره بشكل كامل أو نسبة غالبة أو عالية.
ويمكن عند الارتهان أن يُغَذَّى ويُقَوَّى الصراع بأنواعه: الطائفي، والقبلي، والمناطقي، والديني، والسياسي؛ نظراً لقدرة تلك الدول على التواصل مع القوى ولو بمعلوم دولتهم، مما يتيح وضعا غير مستقر ولا آمن ولا قانوني مرشحاً للانهيار والدخول في حروب وتشظي الدولة ووطنها.
لذلك فالأصل الشرعي والسياسي الوطني: المنع بصرامة عما يؤدي إلى تدخل القوى والدول في شئون الدولة.
ويحرم على القوى في الداخل أن تقوي النفوذ الخارجي في البلد؛ لانعكاس ذلك بالضرر، وأدائه إلى ضعف دولتهم وسيادتهم، وتأهيل الوضع حينئذ إلى ظهور الفساد والمشاكل والقلاقل والفتن.
فإن أخذت على ذلك أموالاً ومصالح جهاتٌ في الداخل من القوى الخارجية على توسيع نفوذها وخدمة مصالحها، فهو مال محرم وسحت؛ لأنه أجرة فاسدة على ما يؤدي إلى الفساد في الأرض.
стр. 211
وهي غير الأموال والمصالح والمساعدات التي تقدمها الدول والمنظمات علنا عبر مؤسسات وجهات لخدمة مصالح إنسانية محضة، فهذه لا مانع منها، ولا تدخل في المنع.
بخلاف ما سبق من بذل أموال لقوى طائفية، أو قبلية، أو مناطقية، أو سياسية، أو دينية لتغذية النفوذ الخارجي، وإيجاد وكلاء في الداخل ينفذون بالوكالة سياسة الخارج التي تريدها في البلد.
فهذه محرمة في الشرع، وعقد باطل، وهي سحت ورشوة، وأجرة على الفساد، وهذا محرم.
ومن أكبر مفاسدها تدخل القوى الخارجية في وضع المناهج التعليمية على ما تريد من السياسة؛ لضمان عدم قيام جيل متنور يحمي سيادة البلاد واستقلالها.
ولا يطيعها ويمكنها من التدخل في وضع المناهج الدراسية التي تخدم سياساتها الباطلة إلا فاسق، أو جاهل لا يصلح أن يكون في هذا الموضع الذي من خلاله مكن من وسائل الفساد في المناهج التعليمية، فأثر في أنواع من المفاسد على جيل وأمة.
ولا يعذر بالجهل لأن عادة هذا المنصب هو الدراية بما يترتب عليه، فدعواه الجهل كذب فارغ غير مقبول أمام القضاء.
ومن أكبر مفاسد الارتهان للخارج: أن الوطن يصبح ميدانا بالوكالة لصراعات الدول والقوى، وتصفية حساباتها، وما يترتب على ذلك من الفساد في الأرض لا يخفى.
ونظرا لهذه المفاسد العظيمة والأضرار الفاحشة، فإن ارتهان الدولة لغيرها خارجيا أو داخليا من السياسات المحرمة شرعا، وممنوعة في كل القوانين والدساتير المنبثقة عن الشريعة.
ولذلك قال الله سبحانه عن الاستخلاف للأمة المؤمنة إنه استخلاف تمكين بالغ إلى حد الأمن والاستقرار ماليا، واقتصاديا، وسياسيا كما يدل عليه إطلاق (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥)، أي أمنا واستقرارا في كل مجال سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو غيره (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥).
стр. 212
وقال في سياق الامتنان (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦).
فلا بد مع جعلهم أئمة من التمكين في الأرض، ولا بد مع ذلك من إرث تام للثروات والموارد لتكون بيد الأمة، وهو ما ذكره الله في آية أخرى من مفردات لبعض ذلك (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء: ٥٧ - ٥٩).
فهذه الثروات ملك للأمة يديرها الذين مكنهم الله، وهذه الأمور هي مفردات الإنقاذ في الحكم الرشيد، وإنما أفرد الله الإرث، والتمكين، والإمامة كلا على حدة؛ لأنه قد تحصل الإمامة والولاية من غير تمكين، ولا بسط للنفوذ على الإرث المالي والثروة والموارد، وقد تحصل الولاية والتمكين، ولا تتوفر الثروة والإمكانات، إما أنها غير موجودة أصلا، أو لعدم التمكن من إدارتها، نظرا لظروف دولته، ونحو ذلك.
وزادت الآية السابقة معنى آخر، وهو الأمن والاستقرار في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والغذائية وغيرها (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥).
فهذه الأربعة الأمور هي أركان تمام الاستخلاف الرباني في الأرض الذي جعله الله مِنَّةً، والتمكين بالنسبة للدولة المسلمة تمكين منهج العدالة، والرحمة، والحرية، والمساواة، والسلم، والقوة المتمثل في دين الإسلام (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
والحاصل أن ارتهان الدولة لغيرها مناقض لأمر التمكين في الأرض، ومناقض لمقصد الأمن والاستقرار العام دينا ودنيا، فحرم.
وفرض على الشعب حينئذ أن ينظر في أسباب هذه التبعية والارتهان ويزيلها.
فإن كان لضعف الحاكم قَوَّاه؛ فإن كان ضعفه عجزا ذاتياً عزَلَه بلا خلاف بين الفقهاء في اشتراط القدرة وعدم العجز.
فإن كان لفساد الحكام؛ ففرض إزالة هذا الفساد، ومقاضاة الظالم وهو الحاكم، ونصرة المظلوم وهو الشعب، فإن تعذر إلا بعزل الحاكم وجب ذلك من الشعب والجماعة عند القدرة وغلبة المصالح الحالية والمآلية.
стр. 213
ولا يعد خروجا؛ لأنه إنما حرم حيث كان خروجا على الجماعة كما تفيده علة النصوص في الحديث «من فارق الجماعة»، أما إن خرج الشعب كله، أو أكثره، فقد خرجت الجماعة على فرد ظالم مفسد وهي مسألة أخرى.
وجاز لهم، وقد يجب التظاهر السلمي، والاعتصامات السلمية العامة والخاصة في كافة المؤسسات حتى إسقاط ذلك النظام الفاسد وعزله ومقاضاته.
فإن كان لعمالة أو خيانة فهو كذلك؛ أو كان سبب الارتهان احتلال عدو للبلاد، فالواجب الجهاد والمقاومة لدفعه وإخراجه بلا خلاف بين علماء الإسلام، بل أجازت تلك المقاومة المواثيق الدولية.
وإن كان لحروب وفتن داخلية، ففرض السعي للمصالحة حتى إخمادها كما أمر الله (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩).
فإن كان لنزاع دولي فينظر ذلك، ويعطى لكل واقعة حكم وحل.
١٣ - جعل الوظيفة والحقوق تبعا لورقة المناطقية والفئوية:
الوظيفة العامة هي عمل عام للمسلمين بأجر من المال العام، ولا بد أن تكون جارية على ما تكون فيه المنفعة للشعب ظاهرة، فإن لم تكن منفعة فهي عبث يمنعه الشرع.
ويتعلق بها نوعان من المنافع قصدهما الشرع:
الأولى: وهي الأصل، كون منفعة الوظيفة لخدمة المصلحة العامة؛ لذلك شرط فيها الكفاءة والقوة والأمانة؛ لأنها تحقق مقصود الشرع من خدمة الولاة والموظفين للناس.
الثانية: وهي منفعة الشخص لنفسه لكفايته ومن يعول، وثَمَّ ترتيبات أخرى بحسب نوع كل وظيفة.
وقد منع الشرع تولية الضعيف «إنك ضعيف وإنها أمانة» (١)، فعلم اشتراط القوة، وهي من الكفاءة في تحمل ذلك.
ومنع من تولية من أظهر حرصا على الولاية وظهر من حاله تقديم مصالحه على المصالح العامة.
стр. 214
ولا مانع من اشتراط الجهة شروطا تدخل في الكفاءة من مؤهلات وخبرات وشهادات وتزكيات لأمانته.
ولا يوجد في الترتيب الشرعي للوظيفة العامة ما يمنع الولاية عن فئة أو منطقة أو جهة، فالحاكم إن مارس ذلك فقد خالف الشرع، وخالف عقد الشعب، وحمل دعوة من الجاهلية.
وعلى مؤسسات الدولة -ولا بد- منعه من ذلك، فإن عجزت فالشعب يأطره على الحق ويأمره وينهاه.
ويُقَاضَى حاكم مارسَ المناطقية في الوظيفة وغيرها؛ لأن ذلك ليس من المصلحة العامة للشعب، بل هو تفريق وتشييع له؛ فتقوى طائفة وتستضعف طوائف، وهي نوع من السياسة التي ذمها الله على فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤).
ويحق عزله دفعا لمفاسده، ويجب إن غلبت المفاسد والفساد في الأرض، وأعلاه ما يؤدي إلى تفتيت الشعب وتمزيقه وتقوية بعضه واستضعاف بعض بمناطقية أو فئوية أو غيرهما.
والله يأمر بالعدل والإحسان.
وتوزيع الدرجات الوظيفية على غير معيار الكفاءة والاستحقاق بمناطقية ونحوها خروج عن العدل والإحسان إلى الجور والإساءة.
١٤ - إذكاء الصراع الديني:
وهو ما يطلق عليه بـ «اللعب بالورقة الدينية» كمصطلح شائع يدل على انتهاج السلطة سياسة إذكاء الصراع الديني.
والله سبحانه يقول (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩) ويقول (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) (البقرة: ١٩٣).
ويستدل بالآيتين على وجوب ألا يخرج التعامل الديني عن قاعدة إخلاصه لله وحده، فإذا صحح هذا الأصل، وعمل به حال التعاطي الديني مع الأمور والقضايا، زال التعصب وزال تحييز الدين وتأويل نصوصه وأدلته لصالح طرف على آخر.
стр. 215
والأصل الشرعي أن لا يستدل بنصوصه إلا لله وما يرضيه، لا تعصبا وتحزبا لمذهب، أو فرقة، أو طائفة، فهذا منهي عنه بعموم (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣)، أي أقيموه لله ولا تحرفوه لجهة، رغبة أو رهبة أو عصبة.
وقال (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران: ١٠٥).
فيحرم قطعيا إذكاء الصراع الديني بين الطوائف والمذاهب وإشعال الفتن بتشجيعٍ أو إمدادٍ أو معاونةٍ؛ ولأنه بغي وعدوان وفتنة، فحرم (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
وفِعلُ السلطة ذلك أو الحاكم أو معاونيه يوجب على الشعب ردعهم ونهيهم ومحاسبتهم على ذلك.
فإن لم يحصل الردع إلا بالمقاضاة وجب ذلك، وإن لم فكل وسيلة لإزالة ومنع هذا المنكر والفساد والبغي من الوسائل السلمية (١).
وآخر ذلك لزوم عزله بشروطه المعتبرة؛ لنقضه قانون الولاية؛ ولأنه وسيلة للفساد وإزالة الفساد ووسائله واجبة.
وولايته في الأصل باطلة؛ لمخالفته مقصود الشرع والعقد وشرط الولاية، وهو جمع الكلمة وتوحيد الناس وإقامة ما يصلح ودرء الفتن؛ فإذا كان هو من يفعل ذلك فولايته وتصرفاته باطلة، وبقاؤه غير مشروع.
وواجبٌ منعه وردعه بوسائل تحقق ذلك: قانونية أو رسمية أو قضائية أو شعبية، وآخرها قيام الشعب بعزله بما لديه من الوسائل القضائية والسلمية.
وهذه مسألة أخرى خاضعة لشروط غير مسألة بطلان ولاية ذلك الوالي حتى لا يخلط بينهما.
١٥ - خصخصة المؤسسة الأمنية والعسكرية لحماية الحاكم لا الشعب:
والمؤسسة العسكرية والأمنية إنما وجدت لحماية أمن الشعب والدفاع عنه وحفظ الوطن من أي اعتداء.