← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهي غير الأموال والمصالح والمساعدات التي تقدمها الدول والمنظمات علنا عبر مؤسسات وجهات لخدمة مصالح إنسانية محضة، فهذه لا مانع منها، ولا تدخل في المنع. بخلاف ما سبق من بذل أموال لقوى طائفية، أو قبلية، أو مناطقية، أو سياسية، أو دينية لتغذية النفوذ الخارجي، وإيجاد وكلاء في الداخل ينفذون بالوكالة سياسة الخارج التي تريدها في البلد. فهذه محرمة في الشرع، وعقد باطل، وهي سحت ورشوة، وأجرة على الفساد، وهذا محرم. ومن أكبر مفاسدها تدخل القوى الخارجية في وضع المناهج التعليمية على ما تريد من السياسة؛ لضمان عدم قيام جيل متنور يحمي سيادة البلاد واستقلالها. ولا يطيعها ويمكنها من التدخل في وضع المناهج الدراسية التي تخدم سياساتها الباطلة إلا فاسق، أو جاهل لا يصلح أن يكون في هذا الموضع الذي من خلاله مكن من وسائل الفساد في المناهج التعليمية، فأثر في أنواع من المفاسد على جيل وأمة. ولا يعذر بالجهل لأن عادة هذا المنصب هو الدراية بما يترتب عليه، فدعواه الجهل كذب فارغ غير مقبول أمام القضاء. ومن أكبر مفاسد الارتهان للخارج: أن الوطن يصبح ميدانا بالوكالة لصراعات الدول والقوى، وتصفية حساباتها، وما يترتب على ذلك من الفساد في الأرض لا يخفى. ونظرا لهذه المفاسد العظيمة والأضرار الفاحشة، فإن ارتهان الدولة لغيرها خارجيا أو داخليا من السياسات المحرمة شرعا، وممنوعة في كل القوانين والدساتير المنبثقة عن الشريعة. ولذلك قال الله سبحانه عن الاستخلاف للأمة المؤمنة إنه استخلاف تمكين بالغ إلى حد الأمن والاستقرار ماليا، واقتصاديا، وسياسيا كما يدل عليه إطلاق (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥)، أي أمنا واستقرارا في كل مجال سياسي أو اقتصادي أو عسكري أو غيره (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥).

стр. 212

وقال في سياق الامتنان (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص: ٥ - ٦). فلا بد مع جعلهم أئمة من التمكين في الأرض، ولا بد مع ذلك من إرث تام للثروات والموارد لتكون بيد الأمة، وهو ما ذكره الله في آية أخرى من مفردات لبعض ذلك (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (الشعراء: ٥٧ - ٥٩). فهذه الثروات ملك للأمة يديرها الذين مكنهم الله، وهذه الأمور هي مفردات الإنقاذ في الحكم الرشيد، وإنما أفرد الله الإرث، والتمكين، والإمامة كلا على حدة؛ لأنه قد تحصل الإمامة والولاية من غير تمكين، ولا بسط للنفوذ على الإرث المالي والثروة والموارد، وقد تحصل الولاية والتمكين، ولا تتوفر الثروة والإمكانات، إما أنها غير موجودة أصلا، أو لعدم التمكن من إدارتها، نظرا لظروف دولته، ونحو ذلك. وزادت الآية السابقة معنى آخر، وهو الأمن والاستقرار في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والغذائية وغيرها (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) (النور: ٥٥). فهذه الأربعة الأمور هي أركان تمام الاستخلاف الرباني في الأرض الذي جعله الله مِنَّةً، والتمكين بالنسبة للدولة المسلمة تمكين منهج العدالة، والرحمة، والحرية، والمساواة، والسلم، والقوة المتمثل في دين الإسلام (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥). والحاصل أن ارتهان الدولة لغيرها مناقض لأمر التمكين في الأرض، ومناقض لمقصد الأمن والاستقرار العام دينا ودنيا، فحرم. وفرض على الشعب حينئذ أن ينظر في أسباب هذه التبعية والارتهان ويزيلها. فإن كان لضعف الحاكم قَوَّاه؛ فإن كان ضعفه عجزا ذاتياً عزَلَه بلا خلاف بين الفقهاء في اشتراط القدرة وعدم العجز. فإن كان لفساد الحكام؛ ففرض إزالة هذا الفساد، ومقاضاة الظالم وهو الحاكم، ونصرة المظلوم وهو الشعب، فإن تعذر إلا بعزل الحاكم وجب ذلك من الشعب والجماعة عند القدرة وغلبة المصالح الحالية والمآلية.

стр. 213

ولا يعد خروجا؛ لأنه إنما حرم حيث كان خروجا على الجماعة كما تفيده علة النصوص في الحديث «من فارق الجماعة»، أما إن خرج الشعب كله، أو أكثره، فقد خرجت الجماعة على فرد ظالم مفسد وهي مسألة أخرى. وجاز لهم، وقد يجب التظاهر السلمي، والاعتصامات السلمية العامة والخاصة في كافة المؤسسات حتى إسقاط ذلك النظام الفاسد وعزله ومقاضاته. فإن كان لعمالة أو خيانة فهو كذلك؛ أو كان سبب الارتهان احتلال عدو للبلاد، فالواجب الجهاد والمقاومة لدفعه وإخراجه بلا خلاف بين علماء الإسلام، بل أجازت تلك المقاومة المواثيق الدولية. وإن كان لحروب وفتن داخلية، ففرض السعي للمصالحة حتى إخمادها كما أمر الله (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩). فإن كان لنزاع دولي فينظر ذلك، ويعطى لكل واقعة حكم وحل. ١٣ - جعل الوظيفة والحقوق تبعا لورقة المناطقية والفئوية: الوظيفة العامة هي عمل عام للمسلمين بأجر من المال العام، ولا بد أن تكون جارية على ما تكون فيه المنفعة للشعب ظاهرة، فإن لم تكن منفعة فهي عبث يمنعه الشرع. ويتعلق بها نوعان من المنافع قصدهما الشرع: الأولى: وهي الأصل، كون منفعة الوظيفة لخدمة المصلحة العامة؛ لذلك شرط فيها الكفاءة والقوة والأمانة؛ لأنها تحقق مقصود الشرع من خدمة الولاة والموظفين للناس. الثانية: وهي منفعة الشخص لنفسه لكفايته ومن يعول، وثَمَّ ترتيبات أخرى بحسب نوع كل وظيفة. وقد منع الشرع تولية الضعيف «إنك ضعيف وإنها أمانة» (١)، فعلم اشتراط القوة، وهي من الكفاءة في تحمل ذلك. ومنع من تولية من أظهر حرصا على الولاية وظهر من حاله تقديم مصالحه على المصالح العامة.

стр. 214

ولا مانع من اشتراط الجهة شروطا تدخل في الكفاءة من مؤهلات وخبرات وشهادات وتزكيات لأمانته. ولا يوجد في الترتيب الشرعي للوظيفة العامة ما يمنع الولاية عن فئة أو منطقة أو جهة، فالحاكم إن مارس ذلك فقد خالف الشرع، وخالف عقد الشعب، وحمل دعوة من الجاهلية. وعلى مؤسسات الدولة -ولا بد- منعه من ذلك، فإن عجزت فالشعب يأطره على الحق ويأمره وينهاه. ويُقَاضَى حاكم مارسَ المناطقية في الوظيفة وغيرها؛ لأن ذلك ليس من المصلحة العامة للشعب، بل هو تفريق وتشييع له؛ فتقوى طائفة وتستضعف طوائف، وهي نوع من السياسة التي ذمها الله على فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤). ويحق عزله دفعا لمفاسده، ويجب إن غلبت المفاسد والفساد في الأرض، وأعلاه ما يؤدي إلى تفتيت الشعب وتمزيقه وتقوية بعضه واستضعاف بعض بمناطقية أو فئوية أو غيرهما. والله يأمر بالعدل والإحسان. وتوزيع الدرجات الوظيفية على غير معيار الكفاءة والاستحقاق بمناطقية ونحوها خروج عن العدل والإحسان إلى الجور والإساءة. ١٤ - إذكاء الصراع الديني: وهو ما يطلق عليه بـ «اللعب بالورقة الدينية» كمصطلح شائع يدل على انتهاج السلطة سياسة إذكاء الصراع الديني. والله سبحانه يقول (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩) ويقول (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) (البقرة: ١٩٣). ويستدل بالآيتين على وجوب ألا يخرج التعامل الديني عن قاعدة إخلاصه لله وحده، فإذا صحح هذا الأصل، وعمل به حال التعاطي الديني مع الأمور والقضايا، زال التعصب وزال تحييز الدين وتأويل نصوصه وأدلته لصالح طرف على آخر.

стр. 215

والأصل الشرعي أن لا يستدل بنصوصه إلا لله وما يرضيه، لا تعصبا وتحزبا لمذهب، أو فرقة، أو طائفة، فهذا منهي عنه بعموم (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣)، أي أقيموه لله ولا تحرفوه لجهة، رغبة أو رهبة أو عصبة. وقال (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (آل عمران: ١٠٥). فيحرم قطعيا إذكاء الصراع الديني بين الطوائف والمذاهب وإشعال الفتن بتشجيعٍ أو إمدادٍ أو معاونةٍ؛ ولأنه بغي وعدوان وفتنة، فحرم (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢). وفِعلُ السلطة ذلك أو الحاكم أو معاونيه يوجب على الشعب ردعهم ونهيهم ومحاسبتهم على ذلك. فإن لم يحصل الردع إلا بالمقاضاة وجب ذلك، وإن لم فكل وسيلة لإزالة ومنع هذا المنكر والفساد والبغي من الوسائل السلمية (١). وآخر ذلك لزوم عزله بشروطه المعتبرة؛ لنقضه قانون الولاية؛ ولأنه وسيلة للفساد وإزالة الفساد ووسائله واجبة. وولايته في الأصل باطلة؛ لمخالفته مقصود الشرع والعقد وشرط الولاية، وهو جمع الكلمة وتوحيد الناس وإقامة ما يصلح ودرء الفتن؛ فإذا كان هو من يفعل ذلك فولايته وتصرفاته باطلة، وبقاؤه غير مشروع. وواجبٌ منعه وردعه بوسائل تحقق ذلك: قانونية أو رسمية أو قضائية أو شعبية، وآخرها قيام الشعب بعزله بما لديه من الوسائل القضائية والسلمية. وهذه مسألة أخرى خاضعة لشروط غير مسألة بطلان ولاية ذلك الوالي حتى لا يخلط بينهما. ١٥ - خصخصة المؤسسة الأمنية والعسكرية لحماية الحاكم لا الشعب: والمؤسسة العسكرية والأمنية إنما وجدت لحماية أمن الشعب والدفاع عنه وحفظ الوطن من أي اعتداء.

стр. 216

وإيجاد وإعداد المؤسسة الأمنية والعسكرية فرض عين على الدولة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠). ويجب على الولاة عموما وعلى رأس الدولة خصوصا تسخير عمل المؤسسة العسكرية والأمنية لما وضع له من حماية الشعب والوطن؛ لأن الوظيفة في هذه المؤسسة هي إجارة من مال الشعب لعمل معين هو حماية الشعب والوطن بأجرة معينة منصوص عليها وعلى نوع العمل العسكري والأمني ومهماته. وفي حال انحراف النظام وولاته -خاصة رئيس الدولة- عن واجباتهم في خدمة مصالح الشعب؛ تكون محاولة السيطرة على المؤسسة الأمنية والعسكرية في رأس أهداف الحاكم المستبد، بدءاً بإجراءات تدريجية لتعيين خاصته ممن يرضى، فتنحرف مهمة الجيش والأمن إلى: خدمة أمن الفرد الحاكم وأعوانه، واستعماله في قمع الشعب وثوراته لاستعادة مؤسساته إلى وضعها المتعاقد عليه دستوريا وقانونيا. وقد يشكل الحاكم ولا بد إن استطاع قوات خاصة به تضاهي القوات المسلحة، وتفوقها مآلا في قدراتها وإمكاناتها، ويديرها مباشرة، ويضعف -حينئذ- القوات العسكرية العامة الوطنية. وقد يدخلها في تصفية صراعات داخلية، وحروب تقضي على قدراتها وقواتها وقاداتها الأكفاء والوطنيين من الذين يمكن أن يكونوا حائلا دون شهواته ونزواته وتصرفاته المستبدة في خصخصة المؤسسة العسكرية. وتظهر جراء ذلك مفاسد ومظالم في القوات المسلحة والأمن، وتحتكر الكليات العسكرية والترقيات والأعمال والمناصب الهامة لطائفة أو مناطق موالية للنظام. وقد يعين في تلك الدوائر أشخاصا يتحكمون في هذه الأمور ويعيثون في الأرض فسادا، ويحمون الموالين لهم من المفسدين في ظلمهم ونهبهم للمال العام، أو اعتدائهم على أموال وأعراض ودماء الناس، فيحرمون كل معارض أو مخالف من الشعب للنظام الفاسد من حقه في الوظيفة أو الترقية أو المنح، وكم يعتدى على أراضٍ وعقارات وتجارات وأشخاص

стр. 217

معارضين لذلك، ويسكتون صوت الصحافة والإعلام الحر، ويزورون إرادة الشعب في الانتخابات: رئاسية أو برلمانية أو محلية أو طلابية أو عمالية أو نقابية. وهذه المفاسد والكثير غيرها ناتج عن سيطرة حاكم مفسد، ونظام منحرف مستبد على المؤسسة الأمنية والعسكرية والقبض على مفاصلها الهامة وقيادتها تحت سلطانه وأمره ونهيه، وهذه التصرفات والسياسات تعتبر من الجرائم في الشرع، وتصل في نهاياتها إلى حد الإفساد في الأرض، ووجب على الشعب منع الوصول إلى هذه المفسدة الكبرى، وواجبٌ التعاون بين أفراد الجيش والأمن ضباطا وأفرادا للتصدي لمحاولات الانحراف بالقوات المسلحة والأمن عن مهمتها الوطنية. وواجبٌ على مجلس البرلمان وكل قيادات الوطن إيجاد كل الوسائل المانعة لذلك الإجرام؛ لأنه من دفع الفساد في الأرض، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الحاكم الظالم إذا وفر لنفسه القوة الحامية لسلطان شخصه وقبض على المال، فقد تمكن من فساده وظلمه. وقد جعل الله ثالث أدوات الإجرام والفساد في الأرض لفرعون وهامان «جنودهما» (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص: ٨). وعلة إضافة الجنود إلى ركن الفساد ومساعده؛ لأن غاية هذه القوات حمايتهما لا للشعب ومصالحه. ١٦ - السياسة بالكذب: وفي النص عن النبي ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .. »، وذكر منهم «إمام كذاب». أخرجه مسلم وتقدم. وعلة هذا التغليظ لما يترتب على خطاب الحاكم من أمور عامة وخاصة متعلقة بمصالح الشعب؛ ولأن الشعب يصغي عادة للخطاب السياسي من حكامه؛ لتعلقه بأوضاعه كمعالجة لمعيشة، وفض لأزمة، وبناء لأمن واقتصاد، ويعلقون الآمال على خطابه ووعوده، فمن محلل، ومن معلل، ومن مبشر، ومن مستبشر.

стр. 218

فإن كانت الخطابات ووعودها كذبا، كان تغريرا على الشعب وغشا، وكانت تخديرا له، وقلبا للحقائق عليه بما يمكن للحاكم الفاسد من خلال هذه السياسة تحسين صورة النظام وإيجاد موافقين وأنصار وجماهير غفيرة من الشعب يقفون أمام من يوضح لهم الحقائق على وجهها ويصطدمون ببعضهم. ويحصل بالكذب الرسمي نقض العهود والمواثيق والوعود وإيجاد المشاريع والخطط الوهمية لاستنزاف المال العام، وهذا كله من الغش للرعية، وفي النص «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (١). وواجب على أهل الحل والعقد محاسبة الحاكم على كذبه على الشعب وتضليل الرأي العام وتزييفه الحقائق. وقد ذمهم الله أبلغ ذمٍ وسماهم المفسدين (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦). وللشعب مقاضاته على ذلك ليرى فيه القضاء حكم الشرع، من تعزيرٍ أو إيقاف أو عزل بما يناسب الحدث والوقائع، وما ترتب على كذبه من مضار ومفاسد. وإذا تبين كذب الحاكم حرم تصديقه وإعانته، ويفسق من فعل ذلك لقول النبي ﷺ «فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض» (٢). وواجبٌ على الصحافة والإعلام بيان الحق المتعلق بكذب الحاكم؛ لأنه من النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمنع من ذلك دليل، بل الأدلة على عمومها في ذلك. ويجوز الجهر بذلك لقوله تعالى (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (النساء: ١٤٨).

стр. 219

وعلى العلماء والخطباء بيان ذلك وجوباً، وكذا واجبٌ على أعضاء البرلمان استدعاء الرئيس، أو الوزراء لمساءلتهم حول إيهام الشعب بالكذب والتضليل. والكذب من الكبائر، وإذا كان من حاكم فهو أكبر؛ للنصوص في ذلك، وإذا ترتب عليه فساد في الأرض ضمن بقدر ذلك وحوسب وقوضي. سياسات خاطئة ناتجة عن السياسات السابقة: ١ - تجميد إمكانات البلاد الكامنة، وإهدار إمكاناتها المُرْصَدة المحددة للمصلحة العامة. ٢ - التخريب التعليمي تأهيلا، ومنهجا، وإدارة، وتحصيلا، وبيع وشراء المؤهلات وغض الطرف أو التواطؤ أو السكوت عن الغش والتزوير. ٣ - وجود البيئة الطاردة للاستثمار باستحواذ طاقم الفساد عليها، أو مشاطرة المستثمرين، وعدم محاسبة المفسدين، واللعب بأمن واستقرار البلاد، وتخريب القضاء، والمتاجرة بالعملة الوطنية بما يجهضها. ٤ - السير بالبلاد بعشوائية وانتهاج سياسة رد الفعل لا المبادرة والتخطيط والمتابعة والتقييم. ٥ - رفع الدعم عن ضروريات وأساسيات المطلوبات المعيشية مع عدم توازن بتجفيف الإسراف الرسمي، مما يؤدي إلى الغلاء والفقر والبطالة وتدهور العملة وظهور الطبقية المالية والعصابية. ٦ - الاعتماد على المعونات والمساعدات من الآخر، وعدم الالتفات إلى إمكانات البلاد. ٧ - ترك القضايا والمشاكل -خاصة الكبرى والوطنية- عالقةً بلا حل فضلا عن الإذكاء، والتغذية، والتمديد. ٨ - سياسة التفريغ لأهم مؤسسات الدولة عن مقصود قيامها وواجباتها كالقضاء، والأمن، والإعلام، والمالية، والدفاع، والمحلية، والتربية، بما يؤدي إلى طوفان من التخلف، والفساد، والتخريب، والفقر، والبطالة في البلاد. وهذه مفاسد من أكبر المفاسد الواجب دفعها. ٩ - سياسة الحكم بالإرهاب الأمني، والبوليسي، وأجهزته المختلفة.

стр. 220

١٠ - سياسة التجويع، والإفقار للشعب. ١١ - الهيمنة على مفاصل المال، والمؤسسة العسكرية، والأمنية، والإعلامية، والقضائية، والبرلمانية، والمحلية، وسائر المفاصل القيادية الحاكمة في مؤسسات ووزارات ومحافظات وإدارات الدولة؛ بحيث تغدو في يد أسرة أو طائفة أو حزب أو قبيلة أو مذهب أو نسب أو سلالة، وهذا أمر ممنوع شرعا؛ لمخالفته مقصود الولاية العامة من رعاية مصالح الشعب والأمة ككل؛ فبطل ذلك وحرم، ولأن هذا خلاف العدل والإحسان المأمور به، ولأن تصرفات الولاة منوطة بالمصلحة العامة وليس هذا منها، ولغلبة أدائه إلى المفاسد؛ فحرم.

стр. 221

السياسات الراشدة للدولة ١ - سياسة حفظ الضرورات الست الكبرى والحاجيات والترفيهيات: أما الضروريات الست فهي: حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال وحفظ الجماعة العامة. ويجب اتخاذ كافة الوسائل لحفظها، وهو واجب على الدولة، وعلى رأسها الحاكم رئيسا أو ملكا أو أميرا. فحفظ الدين بإقامة شعائره وتعليمه ونشره والدفاع عنه، وإقامة الأصول الكبرى، وهي أركان الإسلام والإيمان، وإزالة الكبائر ومظاهر الفساد والفواحش وبناء المؤسسات الدينية الجامعة التي تجمع الأمة وكلمتها. وتقيم الوسطية والاعتدال، وتدفع الغلو في الدين والتفرق فيه؛ لأن النصوص في تحريم ذلك قطعية. وفرضٌ العناية بالمساجد وإقامة الصلوات ودروس العلم الشرعي والعلماء وحفاظ القرآن والسنة وفقهائها. وحفظ اللغة العربية واجبٌ شرعي؛ لأنه وسيلة لحفظ الدين ومعرفته؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين، ويجب رد الشبهات وردع المضللين والمفرقين للأمة في الدين، ومنع العدوان على الله ورسوله أو على سنته، وعلى رأسها الصحيحان، أو على الصحابة وآل البيت. بل يجب نشر محبتهم والاستغفار لهم والاعتذار والترضي والسكوت عما جرى بينهم؛ لأنها تدفع مفاسد الفتنة الطائفية. ومنع الردة واجب، ولا يقبل دين مرتد (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥). فدل على عدم القبول في الدنيا لا رسميا ولا شعبا ولا مجتمعيا؛ لأنه ذكر الجزاء في الآخرة في نفس النص (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥)، ووجب منع فتنة بقتال مرتد (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩).

стр. 222

وسياسة حفظ النفس واجبة باتخاذ تدابير الأمن والاستقرار، وإقامة العدل والقضاء الراشد، والمساواة في الحقوق بالواجبات ومنع قطع الطرقات، ومحاربة الثارات، وإقامة القصاص والعدل. ويجب الصلح بين القبائل والدول والجماعات والفئات المتقاتلة لعموم (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩). ويشرع إقامة الكليات والمعاهد للبحث العلمي في الطب في كافة أنواعه، وتوزيع اللقاحات الصحية ودفع مسببات الأمراض من الأقذار والأنجاس، ومنع المتلِفات من مواد مشعة ومشتقات كيماوية سامة، أو أدوية تالفة، أو أسمدة سامة، دفعا لآثارها الضارة على الحياة. ومن حفظ النفس التدريب القتالي الرفيع للقوات المسلحة، تقليلا للخسائر في الأرواح والأموال أثناء المواجهة القتالية، والعناية بالمؤسسة العسكرية والأمنية. وتنظيم حمل السلاح يخدم حفظ النفس؛ لورود النهي عن حمله في أزمنة وأمكنة يغلب فيها الضرر من حمله كتجمعات وعيد وجمعة وسوق إلا للضرورة مع الحيطة التامة. وبالجملة: فسياسة حفظ الدماء والأنفس واجبة، ووسائلها واجبة؛ لأنها حفظ للضروري، فلها حكمه استقلالا أو استكمالا. وأما سياسة حفظ المال فباتخاذ كافة الوسائل الصحيحة لحماية المال وتنميته، وإدارته، وتوزيعه، واستثماره، وحفظ موارده الظاهرة والباطنة، وحفظ العملة الوطنية من التلاعب بها، والرقابة على السوق التجارية والمالية، والإنتاج والصناعة، والثروة الزراعية والحيوانية وقطاعات الثروة الجغرافية، والثروات القومية الكبرى من نفط وغاز ومعادن، وحماية المال العام (١)، ومحاربة البطالة والفساد المالي والإداري، وعزل متورطي الفساد المالي والإداري ومقاضاتهم، وتفعيل دور الرقابة والمحاسبة وبناء نهضة اقتصادية شاملة. وأما سياسة حفظ العرض فواجب على الدولة نشر الفضيلة واتخاذ سياسات موصلة لذلك.

стр. 223

وواجب العناية بالأخلاق والسلوك وصيانة الحقوق الخاصة والعامة بين الأفراد والمجتمع، والتربية على ذلك في المناهج الدراسية، والوسائل الإعلامية، ومنع العدوان على الأعراض بالهمز والشتم والقذف والتهم الباطلة، سياسية أو كيدية. وحفظ المرأة ورعايتها؛ لأنها أصل العرض، وصيانة سمعتها وإبعادها عن الامتهان وما يؤدي إلى استغلال عرضها. ويجب منع أماكن الدعارة والمراقص الفاجرة، والقنوات الخليعة وأنواع الإعلام الإباحي أو المسوق للدعارة، وبيع الأعراض تلفزة وصحافة وشبكات وغيرها، ومنع استغلال عرض المرأة وزينتها ومفاتنها في التسويق الإعلاني والتجاري. وأما سياسة حفظ العقل فواجب على الدولة بناء التعليم المؤدي إلى نهضة شاملة؛ لأنه أساس ذلك، والاهتمام والعناية به من أكبر المصالح، ويجب التشجيع والتحفيز ورعاية الموهوبين والنوابغ؛ لعموم نفعهم على البلاد والعباد. ورعاية البحث العلمي وبناء مراكزه وتطويره، والاختراع والفكر والثقافة الصحيحة والعلم الشرعي، ومحاربة كل وسيلة تؤدي إلى تضليل العقل والفكر وانحرافه، ومنع الغش والتزوير للنتائج والوثائق الدراسية، ورعاية المعلم رعاية عادلة تامة تليق بمهمته، والعناية بالمناهج ونوعيتها والإدارات التعليمية والكفاءات (١). وأما سياسة حفظ الجماعة العامة فهي المقصد السادس للشرع، وقد زدناه ضرورة وإن كان لم يذكره الأقدمون إلا أن جعله مقصدا هو اللائق به؛ لدلالة أصول الشرع وقواعده ونصوصه وتصرفاته على حفظه، ولأن عدمه انعدام لغيره من المقاصد الضرورية، ونعني بالجماعة المجتمع ودولته والشعب والأمة. فيجب على الدولة جمع الكلمة والصف الوطني والشعبي والديني ووحدة القرار السياسي، ودفع الفتنة ومنع الفرقة وأسبابها، والسعي إلى وحدة كبرى للعرب والمسلمين، والدفاع عن قضاياهم المحلية والدولية، وحرمة التعاون مع دول معادية لضرب دولة مسلمة

стр. 224

أو احتلالها أو حصارها أو التدخل في شئونها، والسعي لوحدة سوق عربية وإنشاء حلف عسكري موحد وصولا إلى الوحدة السياسية والجغرافية الكبرى. ويجب منع وسائل الفرقة المناطقية، أو الطائفية، أو الحزبية، أو العرقية؛ لأنها وسائل لحفظ الجماعة فوجبت. وأما الحاجيات فمنها اليوم إقامة البنية التحتية من مواصلات جوية وبحرية وبرية، وكهرباء، وشبكات الأنظمة الإلكترونية الحاسوبية، وشبكات الصرف الصحي، وشبكات المياه. ويدخل في الحاجيات أنظمة الاتصالات المدنية والعسكرية؛ للحاجة إليها في تنظيم الحركة الجوية والبحرية والبرية والعسكرية في النطاق المدني والعسكري. وتنظيم الحركة المالية والتجارية العالمية والمحلية، وغير ذلك. ومن الحاجيات الواجب على الدولة رعايتها: السياسة التجارية والاقتصادية والمالية، حفاظا على الأمن الغذائي والأمن الاجتماعي والاستقرار الأمني والمعيشي. والحاجيات هي كل ما لا بد منه للحياة البشرية، بحيث يعد فقدها خروجا إلى الضيق والحرج والمشقة. ولكل عصر حاجياته، وهي الحاجيات المتغيرة، وأما الثابتة فلا بد منها للإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة، كالبيع والشراء والسكن، ونحو ذلك. والحرية من الحاجيات المستمرة، فهو مقصد حاجي ملازم للإنسان مؤدٍ عدمه إلى المشقة والعنت؛ لذا رعته الشريعة وضبطته في الأقوال والأفعال والاعتقادات. ومنه التعبير عن الرأي والفكر والبحث النافع لا ما ضر؛ لأن الضرر مدفوع. فعلى الدولة رعاية هذا المقصد الحاجي والعناية به وتنظيمه وتقويمه بما يخدم المصالح العامة ويدفع الضرر والفساد. والحاجيات تنزل منزلة الضروريات كثيرا؛ لأنها ركن منها أو شرط لها، فلا يمكن إقامة الضروريات إلا بإقامة الحاجيات، وإلا اشتبهت حياة البشر بالحيوان المتوحش الذي لا تلزمه المدنية ولا الحضارة ولا الدولة، وهذا مخالف لمقصد الاستخلاف الشرعي للإنسان.

стр. 225

وجعلنا الحرية مقصداً حاجياً، وجعلنا الجماعة مقصداً ضرورياً؛ لأن الحرية يمكن بدونها عيش مع مشقة وعنت، بخلاف الجماعة، فإهدارها إهدار للضروريات: النفس والمال والعقل والدين والعرض. والصناعة والإنتاج بأنواعه والاستثمار من الحاجيات المعاصرة التي تنزل منزلة الضروريات؛ لأن انعدامها يخرج الشعب من حياة الاستقلالية والقوة والتمكين إلى الحاجة والتبعية والارتهان للآخر والضعف، وهذه مفاسد كبيرة. ٢ - الشراكة الوطنية الحقيقية الواسعة في إدارة البلاد: والشراكة الوطنية في إدارة البلاد من العدول ذوي الكفاءة والقوة من الحكمة؛ كونها توزع المسئولية والمساءلة والتكليف بالحفظ والحماية والبناء العام لكل ما يحقق المصالح العامة ويدفع الفساد والمفاسد، وتوزيع المسئولية في هذه المعاني حماية وحفظا هو تعاون على البر والتقوى، وهو مطلوب شرعي. وكذا توسع قاعدة صناعة القرار بالمشاركة الفعلية في إدارة الحكم، أو المشاركة الحقيقية في اختيار من يدير الحكم اختيارا حرا وشفافا ونزيها بعيدا عن الالتفاف والتحايل والمكر والخداع السياسي، وعن التحالفات المصلحية التي لا تنظر إلى المصالح العامة للأمة، مقدمة مصالحها الذاتية الخادمة للبقاء المعمر في مراكز القرار لأشخاص أو عائلة أو فئة أو منطقة أو قبيلة أو نسب. فإن الشراكة الواسعة أو الكاملة من مقاصدها منع تقديم المصالح الخاصة على المصالح الوطنية العليا والعامة للبلاد والعباد، وهذه مصلحة عامة عظيمة معتبرة فطلبت. ولأنها تحقق التعاون الشعبي العام بين الدولة، وفئات الشعب ومكوناته ومؤسساته الحقوقية والنقابية والتنموية والخيرية؛ لوجود الباعث الذاتي الحامل على التعاون بالفطرة والديانة نظرا لما يراه الشعب ويلمسه من تحقق مصالحه على أرض الواقع. وقولنا «بالفطرة والديانة» لأن الإنسان بفطرته تعاوني، والدين جار على وفق الفطرة الإنسانية، يقول تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ)

стр. 226

(المائدة: ٢)، ويقول سبحانه (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: ٣٠). ولما كانت الشريعة طالبة لتحقيق المصالح الكبرى العامة ودفع المفاسد، فالشراكة الحقيقية الراشدة وسيلة لتحقيق ذلك على وجه الإحسان التام؛ لأن عمل الجماعة أتم وأكمل، ويد الله مع الجماعة. ولأنها وجه من أوجه الشورى المشروعة (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)، ويغلب على الشورى الحقيقية الوصول بالأمور إلى غاية الإحسان المقصود والمطلوب شرعا (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥). والشراكة دافعة لكثير من المفاسد الكبرى؛ لأنها تؤدي إلى التقليل من فرص الفتنة والانشقاقات الداخلية والقلاقل. وتحبط استثمار العدو للوضع، وتقلل من السمسرة السياسية والنخاسة لبيع مصالح البلاد خدمة لجهة في الداخل والخارج. وتحقق العدل المتوازن في توزيع الوظيفة العامة، والثروات، والتوازن المتكافئ للفرص بين أبناء الشعب حتى لا تتاح الفرص للبعض وتمنع عن البعض، فيتفرد بالفرص في التعليم والتأهيل وفي الاستثمار والقيادة نافذون يستلمون زمام القيادة والوظيفة والمال والتأهيل، والناس لهم تبع وأتباع. لذلك كله فلا بد من الشراكة الوطنية العادلة الحقيقية في الحكم: إدارة، وصناعة، وتقويما. ٣ - سياسة العدالة الشاملة وتكافؤ الفرص والمساواة العادلة في الحقوق والواجبات، وعدالة الأجور والعدل الوظيفي سياسات واجبة: لأن العدل قامت عليه السماوات والأرض وأمر به الله رسوله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠)، وهذا من العدل. وقلنا «الشاملة» لعموم التكليف بها أقوالا وأفعالا زمانا ومكانا وأشخاصا.

стр. 227

فالواجب العدل في الخطاب السياسي عموما، وفي التقييم، أو الخصومة، أو الأعمال، والتصرفات، والخدمات، والمقاضاة؛ لقوله تعالى (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: ١٥٢). ويجب العدل شرعا مع المخالفين والمعارضين السياسيين والخصوم ولو كانوا معاديين (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: ٨). أي: لا يحملكم البغض والخصومة لقوم على ألا تعدلوا معهم. والعدل لا يختص بحال أو زمن أو مكان، بل هو عام في الأحوال المختلفة: سلما، وحربا، وأمنا، وخوفا. وعموم المكان يشمل سائر المناطق الجغرافية. فالعدل المناطقي الانتقائي محرم، وهو أن يخص به منطقة دون غيرها. فتشملهم دون غيرهم خدمات الدولة من تعليم، وتأهيل، وبنية تحتية كطرق ورعاية صحية وخدمات الكهرباء والهاتف والمياه، والتعيين القيادي العسكري والمدني. فهذا ونحوه من العدل المناطقي الذي يترتب عليه ظلم عام. وتعامل الدولة مع الشعب على أساس جغرافي مناطقي عمل لا تقره الشريعة؛ لأنه جور وحيف وفيه مفاسد جمة. ويجب العدل بين الناس أمام القضاء والنظام والقانون، فإنما هلكت الأمم لإقامة الحق على أناس وترك آخرين «إنما أهلك من كان قبلكم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه» (١). والعدالة في الدرجات الوظيفية، والخدمات، والحماية، وتكافؤ الفرص. ويعطى كل ذي حق حقه، ويتعامل مع كل من خالف في الدين من الكفار أهل الكتاب والمشركين بالعدل (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). وبالمثل إن اعتدى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 228

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤)، وفتح باب العفو (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠). وتكافؤ الفرص أمام الشعب هو من القسط والعدل المطلوب على العموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) (النساء: ١٣٥)، وهذا عام فشمل تكافؤ الفرص. فلا يشرع استئثار فئة بفرص التعليم والابتعاث والخدمات والرعاية والوظيفة والمناصب القيادية، وتسهيلات استثمارية ومالية، بل المشروع العدل بين أفراد الشعب بذلك. وواجب أن تعدل الدول في الأجور والرواتب لموظفيها بما يتناسب مع ضروريات المعيشة وحاجياتها بتوسط. والراتب إن لم يف بأشد الضروريات وهو الغذاء واللبس والدواء فهو غبن فاحش، وهو في العقود محرم، ويلزم -حينئذ- أجرة المثل؛ ولأنه نوع من الانتهازية للحاجة والفقر، وهو خلق مذموم لا ترضاه الشريعة؛ ولأنه يفتح باب الفساد الإداري وأخذ الرشوة وترك الإتقان والإبداع والإخلاص بالعمل وغير ذلك، ودفع المفاسد واجب، ومن وسائلها العمل بسياسة عدالة الأجور (١). ٤ - سياسة الإحسان والإكرام والتحفيز والجزاء: والإحسان معنى يتجاوز العدل؛ إذ العدل يفيد المطابقة في عمل ما يجب. والإحسان هو إتقان عمل ما يجب إتقانا يحقق زيادة على المطلوب بالعدل. وإحسان العمل درجته فوق عمل العمل لمجرد إسقاط الطلب والتكليف به. والإحسان جهد زائد على جهد القيام بالعمل؛ فتقرر شرعا جعله أصلا غائيا في الأعمال؛ لأنه يرائي فيه الخالق ولا يرائي المخلوق، ومراءاة الخالق مطلوبة «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» (٢)، وهي دائمة ضرورةً؛ لدوام المراقبة، بخلاف مراءاته الخلق فمذمومة، وهي مختصة

стр. 229

بمحل الاطلاع وتُبْدَلُ إساءةً عند عدمه. والإحسان تكليف مطلوب شرعا على وجه عام «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» (١)، ومأمور به (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥). ومأمور بمكافأته؛ لأنه جهد نوعي زائد على مجرد العدل (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وهذا خبر مقصود به الأمر والتكليف. وإخراج الأمر بصيغة الخبر لا بصيغة الإنشاء دليل على ثبوته وقاعديته وتأكد طلبه. وهو ما كتبه الله في معاملته لخلقه (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (الكهف: ٣٠)، كأصل يقاس عليه كل عمل فيه تقصير (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: ٩٧). ويجبر النقص، ويسد فجوة التفاوت بين أعمال الشخص في ذلك رحمة من الله وإكراماً للعاملين المؤمنين. وفرض على الدولة التزام سياسة الإحسان في إدارة البلاد، لأنه واجب الوصول بها إلى أعلى مستويات المكافأة والمواكبة لأعلى مستويات القوى الدولية في العالم اقتصاديا وصناعيا وعلميا وتكنولوجيا وعسكريا ومجتمعيا وإنسانيا. والوصول بالبلاد إلى منافسة أعلى مستويات القوى العالمية في كافة المجالات لا يكون إلا بالإعداد التقني والنوعي، وهذا هو الإحسان، ولا يتم إلا ببذل غاية المستطاع في ذلك. وهو: الجهد المبذول النوعي لذلك، وهذا مطلوب مفروض (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠). فالأمر (وَأَعِدُّوا) واجب؛ لأنه الأصل في الأمر الشرعي. وغايته العليا تدل عليه (مَّا اسْتَطَعْتُم)، أي غاية استطاعتكم، وهو الجهد النوعي.

стр. 230

و (مِّن قُوَّةٍ) عامةٌ لكل قوة في كافة المجالات بدليل «من» التي إذا دخلت على النكرة نصت على العموم، وخص القوة العسكرية بالأمر المستقل (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) مع أنها داخلة دخولا أوليا في عموم الأمر بالقوة؛ لأنها حارسة للقوة كافة. ورباط الخيل كناية عن العدة العسكرية (١). وغاية هذا الأمر الشرعي بالقوتين منصوصة في قوله تعالى (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: ٦٠). فلزم الوصول إلى هذا المطلوب بحيث يحقق الإرهاب الاقتصادي، والتقني، والنهضوي العام، لا الإرهاب العدواني المرفوض الذي تنهجه كبار دول العالم هيمنةً ونهباً واحتلالاً وتهديداً وتدخلاً في الشئون الداخلية للدول الأخرى. فهذا إرهاب مرفوض كإرهاب قطاع الطرق وعصابات العدوان المسلح على المدنيين بمسميات مختلفة تفجيرا واغتيالا وأسرا وتخويفا وتهديدا. بخلاف الإرهاب الاقتصادي والتقني والنهضوي والعسكري المحقق لتوازن القوى، فهو مفروض لا مرفوض. والحاصل أن الإحسان في العمل مطلوب شرعا، وهو شامل لإحسان التعامل عموما (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، وهذا عام لمسلم وغير مسلم. ومطلوب شرعا اتخاذ وسائل تكريمية وتحفيزية؛ لتحقيق الإحسان؛ لأنها مقصودة شرعاً (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وهذا طلب لمكافأة من أحسن، وقد خرج مخرج الخبر لتأكيده، وفي النص «ومن أحسن إليكم فكافئوه» (٢). والإكرام وسيلة إليه (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١)، وتترتب

стр. 231

عليه مصلحة عظيمة (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف: ٢٣)، فامتنع عن خيانة السيد؛ معللا ذلك بأنه أحسن إليه؛ مبينا أن مواجهة الإحسان بالإساءة ظلم مهلك. ولما كانت الوسائل تأخذ أحكام المقاصد؛ فعلى الدولة الإكرام والتشجيع والتحفيز بوسائل توصل إلى إحسان الأداء والعمل بإتقان في سائر قطاعات الدولة، فهذه وسائل مشروعة؛ لإيصالها إلى مطلوب شرعي. ويشرع تشجيع الباحثين، والمخترعين، والمبدعين، والموهوبين، ورعايتهم، وابتعاثهم طلبا لتأهيلهم في كافة المجالات؛ لأنه من الإحسان ووسيلة إليه. وكذا تكريم المخلصين في الأعمال، والمتقنين، والملتزمين بالأنظمة واللوائح والقوانين، والمنضبطين حضوراً وأداءً في العمل، والأقدمين، والمناضلين، والمجاهدين، ورعايتهم وتكريمهم، وأسر الشهداء والجرحى من العسكريين والمدنيين الذين قضوا دفاعا عن الواجب الشرعي عن الوطن وأمنه واستقراره، وعن المواطن دمه وماله وعرضه. ومن هذا الباب تشرع العلاوات، والتسكين الوظيفي، والقرض الحسن، والشهادات، والأوسمة، والترقيات، والتعويضات، والهبات، والكفالات، والميزات، والتسهيلات، والإشادة، وكلمة الشكر والعرفان على الملأ، والتنبيه على المحاسن، وحضور رأس الدولة وقياداتها الكبرى فعاليات التكريم تحفيزا وشكرا، وكل هذا من مفردات ووسائل الإحسان. وقد قصد الشرع الإشادة بالمحاسن، فأشاد رسول الله ﷺ بالصوت في الحرب والسلم، فالأول «صوت أبي طلحة في الجيش كألف رجل» (١)، والثاني نحو «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود» (٢)، وقال «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» (٣)، مشيدا بجهده الحربي وقال

стр. 232

«إن أمَنَّ الناس عليَّ أبو بكر» (١)، شاكرا له صنيعه وما قدم للرسول والرسالة، وقال «من قتل قتيلا فله سلبه» (٢)، محفزا على القتال في سبيل الله. وقال «إن قامت على أحدكم القيامة وفي يده فسلة فليغرسها» (٣)، وهذا أمر بمواصلة الجهد وإحسانه ولو عند شدة. ونهى عن المثلة (٤) والإساءة للحياة عموما بَرِّيِّها وبحريها، والباب في هذا كثير (٥). ٥ - السياسات التسع للنهضة الشاملة: وهي سياسات مطلوبة شرعا على الدولة، ومقصود تدل عليه أصول وقواعد ونصوص الشرع (٦).

стр. 233

والخروج بالأمة من حالة الضعف الشامل إلى القوة الشاملة فرض (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠). والضعف شامل لأنواع الضعف التعليمي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والفكري، والأمني. والنقلة من هذا الوضع إلى غاية القوة المستطاعة تكليف واجب يشمل الاقتصاد، والتعليم، والأمن، والتكنولوجيا، والمجتمع. وكل معنى قوة في كافة المجالات الخادمة للمصالح العامة الدافعة للمفاسد والضرر قوة مطلوبٌ تحصيلها. ويلزم ما لا يتم إلا به من الوسائل، فهو تكليف بنهضة شاملة يتناسب مع وضع الأمة ومكانتها ويفوق أو يساوي المثل العالمي. ولا بد شرعا على الدولة أن تحمل هذا المشروع النهضوي الشامل، وإلا قادت الأمة إلى الضعف وخالفت مطلوب الشرع ومقصوده من التمكين للأمة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥). ولا بد لهذا أن تتخذ وسائل وسياسات لازمة للنهضة الشاملة يمكن حصرها في تسع: ١) التعليم الاستراتيجي: منهجا ومدرسا وإدارة ووسائل وبحثا واختراعا وتنفيذا. ٢) الأمن والاستقرار بكل معانيه ووسائله وإجراءاته. ٣) الأمن المالي والغذائي والاقتصادي الشامل.

стр. 234

٤) صرامة القضاء العادل المستقل، والبت العاجل في القضايا، خاصة ما تعلق بالاستثمار والفاسدين من النافذين، لحماية مشروع النهضة الشاملة. ٥) التخطيط الشامل للنهضة ومراحلها تنفيذا ومتابعة وتقييما وتطويرا. ٦) سياسة التطهير الشامل للدولة من كافة أنواع الفساد والمفسدين مهما كان مركزه وقوته ونفوذه. ٧) إقامة البنية التحتية الشاملة الحديثة من طرقات واتصالات ونقل وكهرباء وصحة عامة ومياه، وهذه وسيلة للنهضة وتتعذر من دونها، فطلبت شرعا طلبا وسيليا. ٨) التسهيل للاستثمار في البلاد واستيراد الخبرات والتقنيات العالية وتعلمها وصولا إلى إنتاجها وطنيا. ٩) حكومة كفاءة تحمل مشروع النهضة تخطيطا، وتنفيذا، ومتابعة، وتقييما، وتطويرا بمرحلية مستمرة مدروسة ومزمنة، مترفعة عن المصالح والمشاريع الضيقة التي تعود بالإبطال على مقصود الشرع في بناء المصالح العامة. فهذه الوسائل هي الوسائل الكبرى اللازمة لتحقيق النهضة الشاملة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ٦ - مواجهة ومعالجة السياسات الخاطئة: ويجب معالجة ومواجهة السياسات الخاطئة، وقد مر ذكر أمهاتها؛ لأنه دفع للفساد في الأرض وأمر بمعروف ونهي عن منكر. ٧ - سياسات الاستنفار العاجلة والهامة: ومن المطلوبات الشرعية النظر في الأمور العاجلة والهامة التي يكثر التضرر بها، وتعم بها البلوى، وتمس عامة الشعب؛ لأن هذا من خدمة المصالح ومن ذلك: أ: توفير الحاجات الضرورية للشعب، ويقدم ما يتكرر طلبه ويعظم ضرر فقده من غذاء وقمح ودواء ونفط وكهرباء ومياه، ومعالجة غلاء سعر ودعم الاحتياجات لتيسير ذلك على الأكثرية من الضعفة والمحاويج، فهذه حاجات الإنسان وحاجات العصر، والحاجة تنزل منزلة الضرورة.

стр. 235

ب: وضع خطة أمنية لفرض الأمن والاستقرار وما يقتضيه من انتشار أمني وعسكري إن اقتضى الأمر في حال الاحتراب، أو انتشار العصابات والمسلحين المفسدين يعد من الأمور العاجلة. ت: ويعجل إطلاق سجناء الرأي والحريات الراشدة وإطلاق المعسرين بدفع ما عليهم. ث: وحل القضايا العالقة الشائكة التي تسبب الفتن، وتشكيل لجان وطنية لذلك، أو قبلية إن اقتضى الأمر؛ لأنه وسيلة للتصالح المأمور به بين أهل الإسلام، وهو فرض. ج: ويجب حذف بنود الميزانية العامة التي تستثمر للفساد والعبث والإسراف. ح: وتأمين الطرقات للمسافرين، وملاحقة قطاع الطرق والمجرمين؛ لأن ملاحقتهم من الخزي المأمور بإلحاقه بهم في النص (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣). خ: ويجب ترشيد الخطاب الإعلامي بما يؤلف القلوب ويبين ويوضح الحقائق (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: ٥٣). د: ويجب إعلان عام ودعوة عامة من ولاة الأمر للشعب إلى التوبة واللجوء إلى الله والدعاء ورد المظالم وإقامة الصلاة والتراحم والإنفاق؛ لأن النصوص الكثيرة تدل أن من أعظم سبب هلاك الشعوب والدول المظالم والذنوب والفساد. ذ: ويجب إقامة حملات الإغاثة للمتضررين، والفقراء المعوزين، والتبرع العام المعلن وغير المعلن، وإنشاء لجنة وخطة عاجلة لتنفيذ ذلك؛ لأن إنقاذ الأنفس وإغاثة الملهوف مأمور بها شرعا، وتعويض ورعاية أسر الشهداء والمناضلين إكراما لهم. ر: ولا بد من وضع معالجة عاجلة للبطالة؛ لأن البطالة من المفاسد التي تسبب النكبات والضرر العام، ويلزم توفرٌ عادل للدرجات الوظيفية؛ لأنه من العدل بين الرعية. ز: وإحالة ملفات الفاسدين إلى القضاء واجب شرعي؛ لأن الشرع أمر بالإصلاح في الأرض وهذا من أعظمه، ومنه عزل سائر الوزراء والوكلاء والمدراء المفسدين من مناصبهم

стр. 236

ومحاسبتهم، وتعيين حكومة الكفاءات لا العصبيات؛ لوجوب دفع الأمانات إلى أهلها، وتوسيد الأمر لغير أهله منصوص على أنه تضييع للأمانات. س: ويجب إلغاء الضرائب المجحفة عن محدودي الدخل والتجارات العمالية؛ لأنه ظلم وكل ظلمٍ مُحرَّم. ش: ومن المصالح نشر الحريات الراشدة، وحمايتها إعلاما وصحافة، ومدنية وشعبية ورسمية؛ بما يعود بالمصالح العامة للشعب في قول كلمة الحق ونشر الفضائل ومحاربة المنكرات. ص: ويجب الاهتمام بالقوات المسلحة وإزالة القيادات الفاسدة، وتأهيل المدارس والكليات، ورفع رواتبهم وحقوقهم العامة والعلمية والترقيات والعلاوات والبعثات، ورفع كفاءة المؤسسة العسكرية إدارة وتأهيلا وتصنيعا وتسليحا وتدريبا، وكل هذا من عاجل السياسات الراشدة؛ لأنها حامية الإسلام والمسلمين ودولتهم. ض: ومن العاجل نهضوية التعليم، وإنشاء لجنة المناهج من الخبراء العدول، ولا مانع من مؤتمر عام تشاوري للتعليم؛ لأنه وسيلة إلى خدمة مطلوبات شرعية من طلب العلم وتحصيله ونشره، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. والاهتمام بالبحث والابتعاث واستيراد صناعة التكنولوجيا لتعلمها وإتقانها. ط: وواجب إيجاد مؤسسة دينية جامعة توضع مناهجها عبر مؤتمرٍ للعلماء والفقهاء والخبراء، وتكون متجردة للدليل من الكتاب والسنة، وتشرف على الفتاوى، وتضع المناهج الشرعية الوسطية في سائر مراحل التعليم بالدليل الشرعي، لا التعصب لفئة، أو مذهب، أو قدح في أحد مما يكون صمام أمان للأجيال من الأفكار الهدامة والغلو والتطرف والإرهاب الذي قاد إلى التكفير وسفك الدماء. ٨ - سياسة الاستنفار الاقتصادي: ولما كان لا دولة إلا باقتصاد فواجب إقامة الاقتصاد الآمن وصولا إلى درجة النهضة الاقتصادية إنتاجا، وتصنيعا، وتسويقا، واستثمارا، وتطويرا، وبحثا، واختراعا، وحفظا، وتأمينا شاملا للغذاء والسوق والعملة.

стр. 237

وهذا الوجوب؛ لأن هذه المفردات هي وسائل الاقتصاد المكون للدولة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ووضع خطة لذلك مزمنة بمرحلية مدروسة، أمر يقره الشرع؛ لأنه من الإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥). ويكون ذلك وفق تخطيط شامل دقيق لذلك. وما لا يتم المطلوب الشرعي إلا به فهو مطلوب شرعا، فالتخطيط الشامل يرفع العبث ويهدي إلى السبيل، وقد ذم الله الماشي مكبا على وجهه بعشوائية ضاربا مثلا بذلك (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الملك: ٢٢). ولأن التخطيط والتزمين المرحلي مؤد إلى إحسان العمل وإنجازه، والله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه، كما في النص (١). وواجب المتابعة والتقييم والمحاسبة؛ لأن ذلك من حياطة مصالح المسلمين والنصيحة لهم. ولا مانع من دعوة المستثمرين والخبراء من الداخل والخارج لوضع ما يناسب من الوسائل لتحقيق ذلك. ويستفاد من الخبرات والمعارف الإنسانية ولو من غير مسلم؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها، ولأخذ رسول الله بالخاتم والخندق وهي خبرات أجنبية. وكل هذا من المصالح العامة، والشريعة طالبة لما يحقق المصالح الكبرى ويدفع المفاسد. ولا بد من تحقيق الأمن والاستقرار حتى يأمن الناس على أموالهم، وسيادة واستقلال القضاء، والمعاقبة الصارمة لمتلاعب أو مفسد منفر للاستثمار؛ لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدافع للضرر الفاحش عن الأمة. ويجب حفظ العملة واستقرارها؛ لأنها تحفظ الأموال وقيمها. ويحرم الإضرار بالأموال، وتهريب العملات الصعبة أو ضخها أو سحبها من السوق أو التلاعب بها؛ لأدائه إلى الإضرار العام، وهو واجب دفعه، ولأنه من إيذاء المسلمين، وهو محرم (وَالَّذِينَ

стр. 238

يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨). ويمنع التهريب للمنتجات، أو المستوردات؛ لأنه يضر ضررا فاحشا بالسوق، وقد نهى الشرع عن تلقي الجلب (١)؛ لأنه خروج عن مصلحة السوق وإفساد له، والتهريب أضر منه. ويشرع التعاون مع الدولة في الاستنفار الاقتصادي؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى. ومساهمة المجتمع لتوفير الطرقات والصحة والكهرباء والماء عند حاجة الدولة من التعاون على الخير والبر والتقوى. ولا بد من مباشرة التنفيذ الفعلي للخطط، ومتابعة ذلك حفظا وصيانة، وقد أنكر الله على القوالين بدون فعل فقال (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣)، ولا بد لتنفيذ الخطة من إعداد الكفاءات والخبرات وتعيين القوي الأمين. الاستغلال التام للموارد: ومن المصالح العامة المعتبرة شرعا الاستفادة من الموارد العامة واستثمارها؛ لأنه من حفظ وصيانة المال العام لخدمة المصالح العامة، وهو أمر خادم للوسائل المقصودة شرعا، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. المسح الشامل للاستكشاف النفطي والثروات الكامنة: والمسح الشامل للاستكشافات النفطية والغازية والذهب والمعادن من وسائل القوة المطلوبة في عموم (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال: ٦٠)؛ لأنه يقوي الدولة والشعب، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ويجب فعل ذلك على الدولة إيفاء بعقد الولاية، والإيفاء بالعقود واجب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، وخلافه تضييع للأمانات وهو ممنوع، ولأن ذلك جالب للمصالح العامة فطُلِب. الاستصلاح الزراعي: ومن المصالح المعتبرة تحديد الأراضي الصالحة للزراعة، ومباشرة العمل في استصلاحها

стр. 239

لإيجاد إنتاج زراعي واكتفاء ذاتي، وتصدير، وتخزين، وتعليب المنتجات؛ فقد أمر الشرع باستصلاح الأراضي الزراعية «ليزرعها أو ليزرعها أخاه»، «ومن أحيا أرضا ميتة فهي له» (١)، وكان ﷺ يدخر لنسائه قوت سنة، مما يدل على الاهتمام بالاقتصاد وحفظ الأقوات، وقد قال الله امتنانا بنعمة التصدير والاستيراد في رحلتي الشتاء والصيف (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ٢ - ٤)، وقد ساقه الله مساق المدح والثناء والنعمة، تنبيها عليه وعلى أهميته، فهذه الحركة التجارية استيرادا وتصديرا وتبادلا للخبرات والمنافع مما اعتبر نعمة من المنن المحمودة، وهذا يدل على أهمية مصالحها، ولذلك ساقه سبحانه مساق الامتنان والإقرار التشريعي. التنمية الحيوانية الشاملة: ومن الإصلاح في الأرض رعاية الحرث والنسل، وتنمية الثروة الحيوانية من ذلك (٢)، ويحرم إهمالها أو إفسادها (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). الاستثمار البحري: ولا بد من الاهتمام بالثروة البحرية وتنفيذ خطة للاستثمار البحري صيدا، وتوزيعا، وتصنيعا، وتصديرا، والاستثمار الملاحي البحري، والمعابر، والمضايق والجزر، وإصدار ما ينظم إنشاء الشركات والمؤسسات البحرية، وترتيب حركة وأوقات الصيد وقوانين الملاحة، وهذا من المقصود المصلحي في عموم علة الابتغاء من فضله في النص (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: ١٤). فسائر المصالح البحرية والاستثمارات داخلة في هذه العلة (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) (فاطر: ١٢)، فعلم أنها مقصودة ووسائلها كذلك.

стр. 240

ومنه بناء وتأهيل الموانئ الاستراتيجية الحديثة القادرة على استيعابٍ مواكبٍ للنهضة العالمية بكفاءة آمنة جاذبة للملاحة العالمية، ومرافئ تستوعب الناقلات بأحجامها وحركتها، وتؤمن التخزين والشحن بأعلى مقاييس الجودة العالمية، وتوفر السلامة والراحة للعمل والعامل والمركب وطواقمهما، بما يوفر الإيرادات ويقوي الدخل القومي للدولة، ويجب أن يكون بمثل السعر العالمي، أو خير منه لا أقل منه بغبن فاحش؛ لأنه ضرر وهو محرم في أموال المسلمين، وهذا منها. النقل الجوي والبري: ومن المشروع المصلحي العام استغلال النقل الجوي والبري وتهيئة المطارات الجاذبة للملاحة العالمية والمحلية بكفاءات عالية، وتسهيل سلس منظم لإجراءات السفر، والأمن والسلامة، والشحن والتفريغ، ووسائل التسويق والإعلان الدعائي والاستثماري، وتنظيم حركة الطيران والمسافرين، واتخاذ الإجراءات الحازمة لتوفير الراحة والسلامة لهم، وسرعة معالجة الأخطاء، ووضع أسطول جوي منافس داخلي وخارجي استثماري للدولة، وضمان توريد أمواله للخزينة وعدم العبث بها واستغلالها لأي جهة نافذة. ويجب في الجملة على الدولة فعل ما تقدم؛ لأنه مقتضى عقد الولاية في هذه الجهة، والإيفاء به واجب، وكذا عقد الوظيفة المعينة في أي إدارة واجب الوفاء به، وحرم الإخلال به إلا في محرم منصوص على تحريمه، فلا يلزم الإيفاء به في العقد كتقديم الخمور للركاب أو بيعها في السوق الحرة ونحو ذلك. الاتصالات استثمارا وتحديثا: ومما يخدم مصالح المسلمين المعتبرة التحديث والتطوير الاستثماري الشامل للاتصالات العامة، واتخاذ إجراءات منافسة لجذب العمل في السوق المحلي والدولي، وتأهيل المهندسين والفنيين، وتطوير العمل بأحدث وسائل التقنية الممكنة. وذلك لما يعود به هذا القطاع من إيرادات كبيرة للخزينة العامة تؤثر في خدمة المصالح، وتوفير الضروريات والحاجيات للشعب.

стр. 241

النهضة التصنيعية: والنهضة التصنيعية في الأمة من فروض الكفاية، وهو فرض عين على الدولة، إذ لا يجوز تخلف المسلمين عن غيرهم من الأمم؛ لما في ذلك من الإذلال والامتهان والضعف المؤدي إلى إطماع عدوهم في ثرواتهم وأوطانهم، فواجبٌ العمل على قيام قوة تصنيعية ضرورية وحاجية، عسكرية ومدنية، بدءا بأهمها. ولا بد من التدرج والبدء بالأوليات الضرورية والحاجية للمجتمع والدولة، وصولا إلى تحقيق عموم ذلك. فالصناعات المتعلقة بالضرورات والحاجيات الغذائية والدوائية والتعليمية والعسكرية مقدمة على غيرها؛ لتعلقها بالضروريات والحاجيات المنزلة منزلتها. ثم سائر وسائل التكنولوجيا ومتطلبات العصر والشرع أمر بالبدء بالضروريات والحاجيات؛ لأنها تتعلق بأخص الأمور الإنسانية التي تحفظ الإنسان وتقيمه وتدفع عنه الفساد والأضرار والتلف والحاجة والضيق والحرج. وكذا ينبغي إنشاء مؤسسة وطنية اقتصادية تقوم بالتصنيع والإنتاج والاستثمارات والاستيراد والتصدير، وتمد كامل مرافق الدولة باحتياجاتها، وتحد من تعاملهم مع السوق التجاري؛ لأن ذلك يوفر الجودة وعدم الاستغلال للدولة والعبث بمشترياتها والمال العام، ويوفر ربحية بسعر منافس يورد لخزينة الدولة، وكل هذا من تمام النظر الشرعي في أموال المسلمين. ويقوم بإدارة المؤسسة الخبراء الأمناء العدول الأكفاء، لا خائن ولا فاسق ولا سفيه، مع الرقابة والمحاسبة والمقاضاة والتضمين للإتلافات وخلع المفسدين. ويجري هذا الأمر في كل ما ذكرناه. البنية الصحية: ومن مقاصد الشرع الكبرى حفظ النفس، ومن أظهر وسائلها الرعاية الصحية، فلابد من إقامة وتطوير وتأهيل البنية التحتية الطبية شاملة لبناء مستشفيات متخصصة وعامة في العواصم الكبرى داخل الدولة، ويليها شبكة المستوصفات والمراكز الطبية في سائر المدن

стр. 242

والمديريات التي توفر العلاج العام والإسعاف والطوارئ ودفع الأضرار المرضية والمتلفة، وإنقاذ الحالات الطارئة التي تحصل كثيرا في حوادث السير والبناء والقتال واعتداء الضواري والأفاعي والحرائق، وحالات الولادة المتعسرة، والحمِّيات الشديدة الخطر المتلفة للنفس أو المسببة للعجز، وحالات الأطفال ولقاحاتهم الهامة الدافعة للمتلفات عنهم. ومن أهم الخدمات الطبية الضرورية الحاجية أن يعد لاستقبال الحالات المتعذرة والحرجة المستشفيات المركزية المتخصصة لذلك. وهذا كله من خدمة مقصد عظيم للشريعة، وهو حفظ النفس وإحياؤها (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢). وما سبق ذكره هو من المصالح الكبرى التي تأمر بها الشريعة وتطلبها، ومن القوة المأمور الإعداد لها، ومن الإحسان العام والشامل المأمور به (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥) وهو من الإصلاح الشامل المقصود شرعا (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (هود: ٨٨) وهو من العمل المأمور به والمسئول أمام الله ورسوله والمؤمنين (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٠٥)، (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود: ٦١). وهو من وسائل التمكين والاستخلاف الشرعي والإلهي المقصود في قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥). وهو من وسائل دفع ما حذر الله منه من المفاسد (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: ٥٦)، (سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).

стр. 243

التعددية والمعارضة السياسية

стр. 244

التعددية السياسية والتعددية السياسية جائزة إن قامت على مجرد برامج سياسية للتداول السلمي للسلطة والإصلاح العام، وتجردها لذلك بالطرق السلمية، وبشرط انبثاقها من روح الشريعة الإسلامية. فإن قامت على مشروع مصلحي خاص، أو مناطقي، أو عنصري، أو أسري، أو على أسس ناقضة أو معارضة للشريعة الإسلامية حرمت، ولا يجوز الترخيص لها. وتحريم ما قبل القيد الأخير؛ لأن هدف هذه الأحزاب السياسية الوصول للسلطة ببرامج تخدم عموم الشعب، فإن أرادوا الوصول لخدمة أشخاص، أو مناطق، أو أسرة، حرمت؛ لأن تصرف الولاة منوط بالمصلحة العامة؛ ولا مصلحة للعامة في هذه المشاريع الشخصية الصغيرة، ولترتب المفاسد والفتنة على ذلك. ومن التزم بهذا من الأحزاب والتنظيمات فيعاملون على ظواهرهم وما التزموا به. ومن ظهرت خيانته أو فساده حوسب وجوزي بالعدل الشرعي والقانون. ويتعامل مع الجميع بالعدل؛ لأن النظام العام يسع الجميع، فقد تعايش النظام السياسي بقيادة النبي ﷺ مع مختلف الطوائف المنافقة المظهرة خلاف ما تبطن. وامتنع من أي عقوبة سياسية جائزة، أو واجبة؛ للنظر المصلحي «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (١)، فتسبب تفككاً سياسياً وسمعة سيئة تنفر عن الدخول تحت النظام الإسلامي. والمعارضة السياسية في اجتهادنا هي تعريفا: عبارة عن رؤية سياسية برامجية لإدارة البلاد تحملها أحزاب تسعى إلى تطبيقها بالوسائل الدستورية السلمية المشروعة.

стр. 245

وهي جائزة بذلك، والمعارضة بشكل أعم شاملة لكل الأعمال المنظمة السلمية غير الرسمية التي تقف ضد مخالفات السلطة. فقولنا «بشكل أعم» أي لا تقتصر على المعارضة السياسية المترجمة إلى حزبية سياسية. وقولنا «كل الأعمال المنظمة» خرج بها الأعمال المعارضة العشوائية، فلا تدخل في المعارضة، بل في ردود الفعل والمواقف الآنية بدون مشروع منظم. وقولنا «كل الأعمال المنظمة» كذلك يشمل كافة الجهود والجهات ولو فردا، ويشمل سائر المنظمات والمؤسسات والنقابات المعارضة. وقولنا «السلمية» خرج بها الأعمال غير السلمية المسلحة أو الوسائل المستقوية بالعنف. وقولنا «التي تقف ضد مخالفات السلطة» قلنا هذا القيد؛ لأن الذي يقف ضد السلطة مطلقا في عملها المصلح وغيره يخرج عن المعارضة إلى العدوان. وفرض على المعارضة القيام بدفع المفاسد ودرئها وتقليلها، بما يخولها الشرع في عموم (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤). ولما كان واجب الدولة هو سياسية البلاد بجلب المصالح العامة الغالبة ودفع المفاسد، وهو: معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجب على المعارضة حينئذ القيام بتفعيل دورها المشروع والشرعي، والدستوري، والوطني، وهو داخل في عموم قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢). ويحرم التقصير في ذلك بسكوت، أو تواطؤ؛ لأن من قام بأمر من الواجبات الكفائية أو العينية، فإنه يجب عليه إقامته بما يسقط الطلب الشرعي. أما العيني فظاهر (١)، أما الكفائي فلأن فرض الكفاية إذا قام به البعض فقد تعين عليهم، فإن قصروا أثموا، والله يقول (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: ٣٣)، وهذا إبطال.

стр. 246

ولأن المعارضة عند التقصير في واجبها من منع الظلم على العباد المخول تحت تكليفهم (١)، كمنع تحريف العقد بين الشعب والحاكم الممثل في الدستور، ومنع مظاهر الفساد وحماية القانون، وغير ذلك. فإن كان بسكوت حرم ولعن فاعله بالنص (٢)، وإن كان بتواطؤ من البعض فهو خيانة للأمانة وتعاون على الإثم والعدوان. والمعارضة السياسية شرطها أن تكون بالوسائل السلمية؛ لأن هذا مما أجازته الشريعة؛ لعدم المانع (٣)، بل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودرء المفاسد وجلب المصالح. وقد ثبت في حديث السمع والطاعة «وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف لومة لائم» (٤). وهذا نص يدل على أن قول الحق واجب للسلطة وغيرها للعموم، ولا يعارض بيعة السمع والطاعة؛ لأنه منها في النص؛ ولثبوت فعل المسألة أمام الصحابة في المسجد يوم الجمعة لعمر ولم ينكروا هذه المعارضة (٥)، فكان إجماعا، أو فتوى الجماعة، وهذا كاف في الجواز لحرصهم على إنكار المنكر.

стр. 247

وليست المعارضة السياسية خروجا عن الجماعة، ولا على الحاكم؛ لأن الخروج المحرم هو البغي المسلح؛ ولأن المعارضة تنصر الجماعة بالوسائل السلمية، فهذه نصرة لا خروج؛ ولأن المعارضة تطالب بالإيفاء بعقد الجماعة في الدستور، وهذا واجب على كل قادر (١). ولأن المعارضة السياسية متفق على وجودها وآلياتها وأشكالها في عقد الدستور، والإيفاء بالعقود أمر شرعي (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ويجوز التشهير بالمناكر السياسية، والمفاسد العامة الناتجة عنها عبر الصحف، وفي المنابر والمحافل والإعلام، وهو مشمول بعموم قوله تعالى (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) (النساء: ١٤٨). ولأن التشهير العام حصل من بلال وجماعة أيام عمر للمطالبة ببعض ما يرونه حقا، ولم ينكر عليهم أحد. ولأن هذا متفق عليه في عقد القانون بين الشعب والحاكم فجاز؛ لأن كل شرط بين عاقدين يعمل بها إلا ما عارض الشرع، وليس هذا كذلك. والأوامر بالستر على المسلم منزل على معصية شخصية غير متعدية (٢) لا كقتل بل يجب الشهادة على القاتل؛ لأنها مظلمة واقعة على الغير فوجب دفعها بما بين الشرع وتجب الشهادة فيها عند اقتضاء لزومها. فإن كانت المعصية متعلقة بمظالم العامة جاز إنكارها على رؤوس العامة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠). ومع هذا فقد يجب قبل التشهير المحاورة المحصورة بين لجنة والحاكم (٣)، فإن أبى كرر له

стр. 248

الأمر حتى تقام عليه الحجة، فإن استعصى شُهِرَ دَفْعُ المظلمة ليكون أدفع له وأزجر، ولأن المفاسد إن لم تدفع إلا بهذه الوسائل وجبت في الجملة؛ لأنها وسيلة لواجب وأحاديث النهي عن الخروج كلها دائرة على المعنى المسلح لأدائها إلى ما في النص من المحذور وهو «يقتل برها وفاجرها ولا يتحاشى عن مؤمنها» (١). وهذه عادة الفتنة المسلحة لعدم إمكان الانتقائية والتحاشي، فيعم الفساد، وهذا منكر. والإنكار للمنكر غير الفرح به، فلا يجوز الفرح بالمنكر ولو نكاية بظالم؛ لأن الفرح بالمنكر منكر. والواجب هو الإنكار، وهو غير الفرح به. ويجب على السلطة والمعارضة تحقيق ما يدعون إليه من: حريات وقبول الآخر وتبادل سلمي للسلطة داخل تنظيماتها، وكذا المحاسبة الحقيقية وترك الظلم والكيد والتآمر من متنفذي التنظيمات سلطة ومعارضة على البعض في إطارات التنظيم الواحد، فإن لم يفعلوا فهو نوع عبث؛ لأن قاعدة التغيير المنصوصة هي (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١) (٢). ولأن الله مقت من فعل ذلك فقال تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣). ويحرم تضخيم الأمور فوق حجمها، أو تحجيم الأمور، فإن هذا من الكذب وصفة أهل النفاق في قوله تعالى (وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ) (التوبة: ٤٨). وهذا يعم كل كذب وتزوير وقلب للحقائق عبر وسائل الإعلام والصحافة، ومؤسسات الدولة، والفعاليات، وتصوير المواقف العامة والخاصة. ويجب القيام بالعدل ولو من سلطة لمعارضة وعكسه لقوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: ٨).

стр. 249

ويحرم بعموم النص التنابز السياسي بالألقاب، والصفات المثيرة للعداء، وكذا السب والشتم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) (الحجرات: ١١). والنميمة السياسية لا تجوز؛ لعموم النص في النهي عن ذلك كله. ولأن النميمة السياسية أعظم ضرراً من الفردية، فهي أشد تحريماً. ولا يتحدث إلا من خلال ما يخدم المصالح العامة، لا للثأر السياسي أو الشخصي أو الحزبي. وهو مشمول بالنص في قوله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: ٥٣). وإصلاح الخطاب السياسي ينعكس على صلاح الأوضاع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١). آليات التغيير السلمي: للشعب الاتفاق مع حاكم على عقد منصوص، وهو الآن واجب؛ لأنه لا يتم حفظ الحقوق إلا به، فوجب. وقد يسمى دستورا أو غيره. وهو غير البرنامج الانتخابي لمرشح الرئاسة؛ إذ الدستور أصول عقد الشعب مع الحاكم. والبرنامج خطة سير عملي وفقا للدستور لخدمة الشعب مقدما الأهم فالأهم، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، والدستور حاكم عليه. وفي العقد تذكر حقوق الشعوب، وواجباته، ومنها المتعلقة بحكامه: رقابة ومحاسبة ومقاضاة وعزلا ونصرة، وحدود الطاعة وآليات التغيير. وللشعب تقويم حكامه ويوضع دستوريا في مادة منصوصة، ويفصل ذلك فيه بقاعدية، وفي القانون بتفريع واضح. وقد نص رسميا على تقويم الشعب للحكام في أول عقد للولاية في بيان عام للأمة من الخليفة أبي بكر ﵁ «لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت

стр. 250

فقوموني» (١). وهذا أصل في سن إلقاء خطاب للأمة من رئيسها المنتخب بعد فوزه. وأصل في سن تقويم الشعب للحاكم إن أساء. وأصل في ترسيخ دولة المساواة «القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق». ولا بد من بيان آليات التقويم الشعبي للحاكم، دفعا لمفسدة التنازع، ويكتفي بمجرد النص العام على التقويم إن غلب عدم النزاع كما فعل الصديق، وإلا فُصِّلت آلياته دفعا لاحتمال نزاع بين قوى الشعب والسلطة في تفسير النص الدستوري على التقويم. وتقويم الشعب لحكامه فرض؛ لوجوب النصيحة لهم، والتقويم رأسها «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢). ويأثم التارك؛ لأن ترك التقويم ترك للنصيحة، وهي فرض شرعي. ويبدأ باللين ولو لمكثر في الفساد في الأرض (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: ٤٤) أي: لفرعون، والأمر يدل على الوجوب. والأَوْلَى: سرا عند استطاعة دخولٍ على حاكم؛ لأن الإسرار من اللين. ويجوز الجهر لكف حاكم عن فساد، ويكون بقول حسن (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: ٥٣).
следующие страницы →