ولأن المعارضة عند التقصير في واجبها من منع الظلم على العباد المخول تحت تكليفهم (١)، كمنع تحريف العقد بين الشعب والحاكم الممثل في الدستور، ومنع مظاهر الفساد وحماية القانون، وغير ذلك.
فإن كان بسكوت حرم ولعن فاعله بالنص (٢)، وإن كان بتواطؤ من البعض فهو خيانة للأمانة وتعاون على الإثم والعدوان.
والمعارضة السياسية شرطها أن تكون بالوسائل السلمية؛ لأن هذا مما أجازته الشريعة؛ لعدم المانع (٣)، بل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودرء المفاسد وجلب المصالح.
وقد ثبت في حديث السمع والطاعة «وأن نقول الحق أينما كنا لا نخاف لومة لائم» (٤).
وهذا نص يدل على أن قول الحق واجب للسلطة وغيرها للعموم، ولا يعارض بيعة السمع والطاعة؛ لأنه منها في النص؛ ولثبوت فعل المسألة أمام الصحابة في المسجد يوم الجمعة لعمر ولم ينكروا هذه المعارضة (٥)، فكان إجماعا، أو فتوى الجماعة، وهذا كاف في الجواز لحرصهم على إنكار المنكر.
стр. 247
وليست المعارضة السياسية خروجا عن الجماعة، ولا على الحاكم؛ لأن الخروج المحرم هو البغي المسلح؛ ولأن المعارضة تنصر الجماعة بالوسائل السلمية، فهذه نصرة لا خروج؛ ولأن المعارضة تطالب بالإيفاء بعقد الجماعة في الدستور، وهذا واجب على كل قادر (١).
ولأن المعارضة السياسية متفق على وجودها وآلياتها وأشكالها في عقد الدستور، والإيفاء بالعقود أمر شرعي (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
ويجوز التشهير بالمناكر السياسية، والمفاسد العامة الناتجة عنها عبر الصحف، وفي المنابر والمحافل والإعلام، وهو مشمول بعموم قوله تعالى (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) (النساء: ١٤٨).
ولأن التشهير العام حصل من بلال وجماعة أيام عمر للمطالبة ببعض ما يرونه حقا، ولم ينكر عليهم أحد.
ولأن هذا متفق عليه في عقد القانون بين الشعب والحاكم فجاز؛ لأن كل شرط بين عاقدين يعمل بها إلا ما عارض الشرع، وليس هذا كذلك.
والأوامر بالستر على المسلم منزل على معصية شخصية غير متعدية (٢) لا كقتل بل يجب الشهادة على القاتل؛ لأنها مظلمة واقعة على الغير فوجب دفعها بما بين الشرع وتجب الشهادة فيها عند اقتضاء لزومها.
فإن كانت المعصية متعلقة بمظالم العامة جاز إنكارها على رؤوس العامة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠).
ومع هذا فقد يجب قبل التشهير المحاورة المحصورة بين لجنة والحاكم (٣)، فإن أبى كرر له
стр. 248
الأمر حتى تقام عليه الحجة، فإن استعصى شُهِرَ دَفْعُ المظلمة ليكون أدفع له وأزجر، ولأن المفاسد إن لم تدفع إلا بهذه الوسائل وجبت في الجملة؛ لأنها وسيلة لواجب وأحاديث النهي عن الخروج كلها دائرة على المعنى المسلح لأدائها إلى ما في النص من المحذور وهو «يقتل برها وفاجرها ولا يتحاشى عن مؤمنها» (١). وهذه عادة الفتنة المسلحة لعدم إمكان الانتقائية والتحاشي، فيعم الفساد، وهذا منكر.
والإنكار للمنكر غير الفرح به، فلا يجوز الفرح بالمنكر ولو نكاية بظالم؛ لأن الفرح بالمنكر منكر.
والواجب هو الإنكار، وهو غير الفرح به.
ويجب على السلطة والمعارضة تحقيق ما يدعون إليه من: حريات وقبول الآخر وتبادل سلمي للسلطة داخل تنظيماتها، وكذا المحاسبة الحقيقية وترك الظلم والكيد والتآمر من متنفذي التنظيمات سلطة ومعارضة على البعض في إطارات التنظيم الواحد، فإن لم يفعلوا فهو نوع عبث؛ لأن قاعدة التغيير المنصوصة هي (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١) (٢).
ولأن الله مقت من فعل ذلك فقال تعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣).
ويحرم تضخيم الأمور فوق حجمها، أو تحجيم الأمور، فإن هذا من الكذب وصفة أهل النفاق في قوله تعالى (وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ) (التوبة: ٤٨).
وهذا يعم كل كذب وتزوير وقلب للحقائق عبر وسائل الإعلام والصحافة، ومؤسسات الدولة، والفعاليات، وتصوير المواقف العامة والخاصة.
ويجب القيام بالعدل ولو من سلطة لمعارضة وعكسه لقوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: ٨).
стр. 249
ويحرم بعموم النص التنابز السياسي بالألقاب، والصفات المثيرة للعداء، وكذا السب والشتم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) (الحجرات: ١١).
والنميمة السياسية لا تجوز؛ لعموم النص في النهي عن ذلك كله.
ولأن النميمة السياسية أعظم ضرراً من الفردية، فهي أشد تحريماً.
ولا يتحدث إلا من خلال ما يخدم المصالح العامة، لا للثأر السياسي أو الشخصي أو الحزبي.
وهو مشمول بالنص في قوله تعالى (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء: ٥٣).
وإصلاح الخطاب السياسي ينعكس على صلاح الأوضاع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
آليات التغيير السلمي:
للشعب الاتفاق مع حاكم على عقد منصوص، وهو الآن واجب؛ لأنه لا يتم حفظ الحقوق إلا به، فوجب. وقد يسمى دستورا أو غيره.
وهو غير البرنامج الانتخابي لمرشح الرئاسة؛ إذ الدستور أصول عقد الشعب مع الحاكم.
والبرنامج خطة سير عملي وفقا للدستور لخدمة الشعب مقدما الأهم فالأهم، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، والدستور حاكم عليه.
وفي العقد تذكر حقوق الشعوب، وواجباته، ومنها المتعلقة بحكامه: رقابة ومحاسبة ومقاضاة وعزلا ونصرة، وحدود الطاعة وآليات التغيير.
وللشعب تقويم حكامه ويوضع دستوريا في مادة منصوصة، ويفصل ذلك فيه بقاعدية، وفي القانون بتفريع واضح.
وقد نص رسميا على تقويم الشعب للحكام في أول عقد للولاية في بيان عام للأمة من الخليفة أبي بكر ﵁ «لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت
стр. 250
فقوموني» (١).
وهذا أصل في سن إلقاء خطاب للأمة من رئيسها المنتخب بعد فوزه.
وأصل في سن تقويم الشعب للحاكم إن أساء.
وأصل في ترسيخ دولة المساواة «القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق».
ولا بد من بيان آليات التقويم الشعبي للحاكم، دفعا لمفسدة التنازع، ويكتفي بمجرد النص العام على التقويم إن غلب عدم النزاع كما فعل الصديق، وإلا فُصِّلت آلياته دفعا لاحتمال نزاع بين قوى الشعب والسلطة في تفسير النص الدستوري على التقويم.
وتقويم الشعب لحكامه فرض؛ لوجوب النصيحة لهم، والتقويم رأسها «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (٢).
ويأثم التارك؛ لأن ترك التقويم ترك للنصيحة، وهي فرض شرعي.
ويبدأ باللين ولو لمكثر في الفساد في الأرض (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: ٤٤) أي: لفرعون، والأمر يدل على الوجوب.
والأَوْلَى: سرا عند استطاعة دخولٍ على حاكم؛ لأن الإسرار من اللين.
ويجوز الجهر لكف حاكم عن فساد، ويكون بقول حسن (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الإسراء: ٥٣).
стр. 251
إلا لمظلوم (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) (النساء: ١٤٨).
ومن قتله جائر لقوله الحق فهو سيد الشهداء بالنص «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (١).
وكلمة الحق عند سلطان جائر أعظم الجهاد للنص (٢).
و«عند» (٣) لا تقتضي الاجتماع معه في مكان واحد، بل مطلق العندية، كقوله تعالى (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) (الإسراء: ٢٣).
وهذه تشمل ما لو كانا أو أحدهما في بلد وهو في بلد غيره، فيجب الإحسان، وعدم التأفف في كتاب يبعثه، أو اتصال، أو توصية، أو في حديثه عنهما أمام الغير.
ولا بد من التصريح بظلم حاكم ولو كان جائرا، وهو فرض كلي على الأمة، وتركه علامة كثرة الشر، وآية الهلاك «إذا لم تقل أمتي للظالم يا ظالم فقد تودع منها» (٤).
ويحرم تصديق نظامٍ مفسدٍ في الأرض وإعانته، وهو من الكبائر «من صدقهم بكذبهم
стр. 252
وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد عليَّ الحوض» (١).
وإذا اشتد فساد حاكم في الأرض وظهر الهلاك فللشعب معصيته كافة، واعتزاله ونظامَه «لو أن الناس اعتزلوهم» (٢).
وحرم -حينئذ- الجباية المالية لهم، أو طاعتهم عسكريا، أو مجتمعيا، أو اقتصاديا «لا تكن لهم جابيا ولا شرطيا ولا عريفا ولا خازنا» (٣).
ويتعين على الحاكم الاستقالة إن كان ذلك يحقن الدماء وينزع الفتنة، وهو أمر مشروع لحديث الحسن (٤) وتنازله وحقنه للدماء بذلك.
وللشعب عند التنازع اختيار لجنة تحكيم في شأن الحكام، وإذا فُوِّضَت وجب عليها العمل على دفع الفتنة وحفظ الأنفس فإن لم يتم حقن الدماء إلا بتنازل الأطراف الحاكمة المتنازعة فللجنة التحكيم القضاء بذلك؛ لعموم الأمر بالصلح في النص القرآني (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩)، وعمومه يفيد عموم وسائله المحققة له وهو راجع إلى تقدير الجهة المصلحة بين الأطراف.
وإذا جاعت أسرة فلها الذهاب إلى باب الحاكم، والمرابطة حتى يطعمهم من بيت المال، ويوفر حاجتهم؛ لسن ذلك من عمر ﵁ كما في البخاري (٥).
стр. 253
ويقاس على الطعام ما هو من الضروريات والحاجيات المعيشية والحقوق.
وإذا ظَلَم الحاكم شخصا ولم ينصفه وجب على الناس نصرته، ولو بإنشاء حلف بعد المراجعة، وقد ثبت ذلك عن الصحابة (١)، وهو يشبه الآن المنظمات المدنية: حقوقية ودفاعية ومناصرة للقضايا العادلة وللضعفاء والمظلومين.
وحكمها يأخذ حكم المشروعية في الأصل، وقد يجب إن لم يتم دفع الفساد والظلم عن الضعفة إلا بذلك.
والحاكم فرد في ضمان الإتلافات من نفوس وأموال، يقاضى ويُسَاءل ويقاص منه إن قتل عمدا وعدوانا بمباشرة أو تسبب كالمباشرة، وذلك على ما يقتضيه نظر القاضي في التضمين.
وللشعب محاسبة حاكم جهارا أمام الشعب والإغلاض عليه ولو في مسجد كما فعل بلال ومن معه بعمر وهو على المنبر كما أخرجه البخاري (٢) معلقا بالجزم أو في جمع عام كما ثبت عن عمر أنهم ردوا عليه «نقومك كما نقوم القداح» (٣)، وهو ثابت من غير وجه.
стр. 254
أو كان خطيبا ولو في يوم عيد لحديث أبي سعيد في اعتراضه على مروان بقوله له: غيرتم وبدلتم. وهو في الصحيحين (١).
أو في خطاب سياسي للحاكم يلقيه الحاكم على الناس، فلفرد الرد عليه وهو على المنبر بعد تمام كلامه كما ثبت في الرد على معاوية علنا (٢).
وقلنا «بعد تمام كلامه»؛ لأن السماع للمتحدث حتى ينتهي من المحاسن المرعية شرعا؛ لحديث «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٣)، وهذا منه، ويستثنى من ذلك إن كان يفوتُ الردُّ والأمر جَلَلٌ يتعلق به حفظ دم أو عرض أو دين.
стр. 255
فلو أمر الحاكم على المنبر بسفك دم معصوم محرم وجب الرد عليه ومقاطعته.
أو سَبَّ الدين، أو أمر بما يهدم أصوله القطعية، فالواجب هنا على الحاضرين كافة الإنكار عليه، أو الانسحاب من مكان الحفل أو الجمع؛ للنص (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: ١٤٠).
ويجمع بينهما؛ لأنه أوقع وأدفع للمنكر.
وللشعب اتخاذ آليات التغيير السلمي، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الحديث «من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١).
ومع ما تقدم من أمور في آليات التغيير في كلامنا، فلا بد من استقلال الكلام على أظهر آليات الاحتجاجات والتغيير والتعبير السلمي، وهي المظاهرات والإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني، فنقول وبالله التوفيق:
المظاهرات والمسيرات:
يمكن تعريف المظاهرات والمسيرات بأنها تنظيم سلمي لسير جماعي مدني غير رسمي من وإلى مكان معين في زمن معين للمطالبة بأمر معين علنا.
فإن لم يصاحبها سيرٌ فهو مهرجان أو فعالية.
فإن صاحبها مكث في مكان إلى تحقيق المطلب فهو اعتصام.
فإن كان شعبيا عاما، أي من عموم الشعب والجمهور وطال وتوقفت به حركة النظام فهو عصيان مدني.
وقولي: «تنظيم سلمي لسير جماعي»، خرج به السير الجماعي الخارج مخرج العادات في نقاط التجمع ونحوها وصولا، أو انطلاقا.
وقولنا: «غير رسمي»، خرج به العروض والاحتفالات ونحوها.
стр. 256
وقولنا: «من وإلى مكان معين»، خرج به الفعاليات والمهرجانات.
وقولنا: في «زمن معين»، لا بد منه؛ لأن الزمن المعين المتفق عليه شرط للحشد والسير، وإلا لم تكن مسيرة.
وقولنا: «للمطالبة بأمر معين»، خرج به السير جماعات لنحو دراسة أو لقاء أو عبادة كحج، أو السير الرسمي في العروض المدنية والعسكرية والفعاليات والرياضات.
وقولنا: «علنا»، خرج به المظاهرة الصامتة، فإنها لا تعد مظاهرة في الأصل الغالب إلا بإعلان المطالبات، وتُرَدَّد جهراً شعارات ملفوظة ومكتوبة عادة، فإن كانت مسيرة صامتة أعلن عن مطلبها قبل ذلك ليعرف.
والمظاهرات الأصل فيها الجواز، فإن كانت لنصرة قاطع شرعي أو مظلوم، أو قضية عامة أو خاصة كدعم المقاومة الفلسطينية وجبت إن لم يتم إلا بها استقلالا أو استكمالا.
وكل ما يخدم الواجب الذي لم يتم القيام به فهو واجب، مثل: وجوب تحرير فلسطين من العدو الغاصب الكافر، فإن القيام بهذا التحرير الواجب لم يتم إلى الآن، فكل وسيلة تصب فيه وفي خدمته واجبة، من مظاهرات وفعاليات وتبرعات، وإحياء للذكرى وبناء مؤسسات وتشكيل نقابات لحماية الأقصى وحماية المواطنين والسجناء وعمل أفلام وثائقية مستمرة وتعليم الأجيال في مناهج الدراسة ذلك، وكل وسائل النصرة للقضية مطلوبة حتى لا تضيع القضية وتنساها الأجيال ويُطبَّع على وجود دولة الاحتلال الصهيوني.
ومَنْ مَنَعَ المظاهرات من الفقهاء فهو إنما منعه في بلد معين نظرا لظروفها (١).
وتبقى المظاهرات على أصل الإباحة إلا إن ترتب عليها إزهاق الأنفس، وإتلاف الأموال، وتخريب المصالح، فإن حصل شيء منه بلا قصد من البعض وجب كفه وردعه، فإن ظهر كونه مندسا حُقِّق معه؛ لأنه ساع بالفتنة، فوجب كف يده وإظهار شأنه للعامة لتبيين سبب فعله الدافع له أو الجهة الآمرة ابتغاء الفتنة.
وكذا يبين للناس حتى لو فعل ذلك من تلقاء نفسه.
стр. 257
والدليل على جواز كشفه قوله تعالى (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) (النساء: ١٤٨). ولا يشمله أحاديث ستر المؤمن؛ لأن ذلك فيمن ارتكب محرما في نفسه غير متعدٍ ضرره، وإلا لزم ستر القاتل.
فهذا أراد فسادا ينسبه لغيره ظلما وعدوانا؛ ليمنع الوصول إلى حق أو نصرة مظلوم بمظاهرة وقد فعل ذلك.
ولا يندفع هذا الرمي العام بالكذب إلا ببيان عام للعامة، فتعين، ولفعل يوسف لدفع التهمة عن نفسه، ولم يقدم الستر على فاعلات ذلك (١)؛ لتعلقه بمظلمة عمت فلا تدفع إلا ببيان عام، وشرع من قبلنا شرع لنا ولم يرد في هذه المسألة ما يخالفه في شرعنا.
فيبقى أمر الاقتداء على وجهه (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: ٩٠).
ولأن من قصد فضح مسلم بإلصاق تهمة كذب به فجزاؤه مثله بالبيان العام لفضح كذبه؛ لأن جزاء سيئة سيئة مثلها، فجاز فضح كذبه علنا (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
ولأن الله يقول (لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) (النساء: ١٤٨).
ومن أتلف شيئا ضمنه شخصيا حال مظاهرة أو غيرها.
فإن ادعى إغراء فلان له فأثبت الدعوى عوقب معه.
ويحقق للوصول إلى الجناة، فإن لم يتبين شخص من أتلف لكثرة المظاهرة، أو لكثرة من فعل ذلك شرع على المسلمين تعويضه ببذل وعام؛ لأنه ضرر فاحش على خاصٍ منسوب لنازلة عامة ظاهرةٍ، فدفعه من التعاون على البر والتقوى.
فإن لم يحصل ذلك عُوِّض وجوبا من مال المسلمين العام من خزينة الدولة؛ لأن رسول الله ﷺ ودى قتيلا لم يعلم قاتله من بيت المال؛ لأن دم المسلم لا يسقط، وكذا ماله لا يسقط
стр. 258
إتلافه؛ ولأن المال العام وضع للمصالح العامة ودفع المفاسد العامة، وهذا منها (١)؛ ولأن فرض حمايته على الدولة، فتعوضه عند حصول ضرر عليه حاصل من قصور في حمايته، وهذا نوع منه.
فإن خرجت المظاهرات والمسيرات بأمر سلطة لنصرتها؛ التفافا على الشعب لتأبيد الرئاسة، أو تمديدها لمنتهية فترة رئاسته، أو تأييد ظالم؛ فحرام؛ لأنه من الزور والبهتان ومعاونة الظلم.
والأصل في الفعاليات والمؤتمرات والمهرجانات الإباحة، ولا تحرم إلا بدليل. ويتعذر التحريم عينا لعدم وروده.
وقولنا «عينا» أي بالنص على ذات المسألة.
ولا يمكن إلا من طريق المحرم لغيره، وحاصله أن التحريم يحكم به إذا أدت هذه الأمور إلى مفاسد غالبة أو محققة، فإن كانت كذلك منعت، وإلا فإن غلبت مصالحها فهي مشروعة بهذا الأصل، وتجب إن لم يتم واجب إلا بها استقلالا أو استكمالا كما تقدم في المظاهرات؛ ولأن الله يقول في كل ما لم ينزل فيه تحريم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، وهذا نص في أن الأصل العفو، وهو الإباحة.
أما الاعتصامات:
فيمكن تعريفها بأنها: فعل شعبي يترتب عليه مكث مزمن في مكان متوافق عليه حتى الاستجابة للمطالب.
стр. 259
والإضرابات هي: الامتناع عن العمل أو نحوه للمطالبة بأمر.
وقولنا «أو نحوه»: ليشمل إضراب طلاب.
والأصل فيها الإباحة لقوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (الأنعام: ١١٩).
وهذه ليست منها فتبقى على أصل الإباحة في ذاتها؛ ولأن الله قال عن كل ما لم ينزل فيه تحريم (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا)، وهذا نص في الإباحة الأصلية.
وتتعلق الأحكام بها بحسب آثارها الحالية والمآلية المترتبة عليها.
فالاعتصامات والإضرابات إن كانت لنصرة الدين، والنهي عن الظلم، وردع مفسد، أو فساد، أو تأييد قضية عامة تتعلق بها المصالح العامة، أو قضية من القضايا الكبرى لشعب أو لعموم الأمة، كظلم حاكم، أو فساد سياسي، أو إداري، أو مالي، أو التدخلات الأجنبية في أي شأن للبلاد، فحكم الاعتصامات وأخواتها -حينئذ- تشمله أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشروعية كل منها معلومة، ودرجاتها متفاوتة من وجوب أو تطوع.
ولا تجوز الاعتصامات إلا بعد تبين حقيقة الأمر بجلاء ووضوح، وإلا حرم لقوله تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦).
ولأن ممارستها بلا حاجة حقيقيةٍ ضررٌ لا يتسامح فيه؛ ولأن وجود الضرر في الاعتصامات أمر مسلم، لكنه يتحمل لدفع أمر أكبر وأضر، فإن لم يكن ذلك حقيقيا صار الضرر الناتج عن الاعتصامات بلا مبرر شرعي، وهو دفع ضرر أكبر، فحرم.
فإن كان لمجرد المعاندة والمناكفة فيحرم؛ لأنه بغي وعدوان (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
أنواع الاعتصامات:
١ - الاعتصامات الطلابية:
الاعتصامات الطلابية في الجامعات والمدارس الأهلية المقصود منها الربح جائز إن كان لمطلب حق لا يخالف الشرع أو القانون المنبثق منه، ولا يخالف الشروط واللوائح والأنظمة العادلة التي تسير عليها هذه المرافق العلمية.
стр. 260
فأما ما خالف الشرع فهو معصية، كمظاهرة لنزع الحجاب، ومنع الصلاة في هذا المرفق، أو مظاهرة لدعم مفسد تعصبا لحزب أو لمصلحة ذاتية، فهذا محرم. وكذا المطالبة بها كتابة أو شفاهة، فرادى أو جماعة، باعتصام، أو تظاهر، أو فعالية، أو مهرجان، أو إضراب.
والأمر والإذن والتصريح بأي شيء مما سبق باطل، ولا طاعة لأحد ولو كان ولي الأمر الأول والأكبر أو ما دونه في مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ أو زوجاً، أو حزباً، أو نقابة، أو اتحاداً، فلا طاعة لهم في المعصية.
وكل ما خالف من الاعتصامات ونحوها الشروطَ واللوائحَ والأنظمةَ العادلة في تلك المرافق فالأصل المنع من الاعتصام لأجله؛ لأن هذه شروط، والمؤمنون عند شروطهم، إلا ما كان من هذه الشروط مخالفا للمصالح العامة، فهو عبث باطل.
وهذا في مرافق التعليم الحكومية ظاهر؛ لأن تصرفات الولاة منوطة بالمصالح الغالبة.
وأما في المرافق التعليمية الخاصة التي يقصد بها الربح، فإنها معاوضة محضة من باب الإجارة؛ لأنها بعوض مالي مقابل تعلم.
فما خالف هذا العقد من إخلال مؤثر في العملية التعليمية، فيجوز للطلاب المطالبة بمتقضيات العقد مع المرفق التعليمي، ووجب على الإدارة الاستجابة لذلك؛ لوجوب الإيفاء ببنود العقود بالنص (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
ويجوز عند الحاجة القيام بنشاط طلابي كمهرجان، أو اعتصام لإلجاء الإدارة للتجاوب معهم.
فإن كان المرفق التعليمي أهلياً خيرياً: فالحقوق الطلابية التي لا تختص بمكان دون آخر نحو: وجوب تسليمه مؤهله، أو رفع ضرر ظاهر وقع عليه خطأ أو عمدا، كضياع أوراق امتحاناته، وثبت حضوره بتوثيق وتوقيع، فوقع ظلم عليه في ذلك بلا تعمد.
أو وقع عمدا كتأخير بطاقة، أو رقم جلوس لا يدخل الاختبار إلا به، فهذه وأمثالها حقوق مستوية، فما أخل بشيء منها إخلالا فاحشا لا يمكن تداركه وترتب عليه ضرر لم تدفعه الإدارة بعد متابعة ومطالبة كافية؛ فنصرته واجبة من زملائه، أو الكيان النقابي الطلابي
стр. 261
بأي فعالية طلابية سلمية لا يترتب عليها إفساد وإتلاف منهم؛ لأن نصرة المظلوم واجبة.
وقاعدة الاعتصامات والإضرابات وأخواتها أنها:
أولا: لا تجوز إلا بتبيين حقيقة الأمر المراد إحداث ذلك لأجله.
ثانيا: كل اعتصام أو إضراب لأجل أمر يحق لمن اعتصموا ضده أن يفعله شرعا أو بقانون منبثق منه فهو غير جائز، نحو فصل طالب؛ لمخالفةٍ معتبرة عقابُها الفصلُ حسب اللوائح.
٢ - اعتصام الأجراء والموظفين:
والنوع الآخر من الاعتصامات هو:
اعتصام الأجراء والموظفين، فهذا قسمان: منه قطاع خاص، ومنه عام.
وقاعدة ذلك: كل اعتصام للإيفاء ببنود العقد مشروع؛ لأنها مطالبة مشروعة فتصح بالقول والفعل، ويشترط عدم حدوث ضرر فاحش أثناءه، لأن الضرر لا يدفع بالضرر، إلا في حالة وجود ضرر عام فاحش أخلَّ بحقوق الأجير والموظف، فلا مانع.
ولو حدث ضرر غير مباشر، كالخسارة التجارية جراء الاعتصام من الأُجراء فيُنظرُ في آلية دفعه، أما الضرر بمباشرة فعلية وهو الإتلاف باليد تعمدا، فهو حرام، ويضمن المُتْلِفُ ما أتلفَه.
والضرر العام يقدم دفعه على الخاص، ويتحمل الخاص عند التعارض.
ولأن ارتكاب المفسدة الأخف لدفع المفاسد الأعم مشروع، وهذا منه؛ ولأن الضرر التجاري من الإضراب والاعتصام يسيرٌ غالبا في القطاع الخاص والعام.
أما الخاص؛ فإن تضرر تضررا بالغا حرم؛ لأن الضرر لا يدفع بالضرر، بخلاف العام فالضرر عادة لا يؤثر؛ لأنه -بالنسبة إلى القطاع العام ككُلٍّ- يسير.
وإذا كان الاعتصام أو الإضراب لطلب زيادة في المرتب لم يتضمنه العقد، والزيادة لا تضر بالمرفق، ومما يمكن زيادة مثلها لمثلهم بلا ضرر وتنفع الأجراء، فإنه يباح ذلك؛ لأن طلب الأجير زيادة في أجرته مباح، وما ترتب على ذلك مباح من إضراب، أو اعتصام لا يخل بسير العمل، فإن أخل منع؛ لأنه ضرر على خاص من خاص، والضرر لا يدفع بمثله، وخلف للعقد؛ لأن المطالبة بزيادة عوض على ما في العقد مباحة ما لم يترتب عليها ضرر وإلا منعت، إلا إن كان
стр. 262
الراتب غير عادل ولا مجزئ، فهو من الظلم والغبن الفاحش، فيدفع.
فإن طالبوا بحقوق مقرة شرعا وقانونا كنثريات أو بدلات سفر ونحوه، فإنه يرجع فيه إلى العرف؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا، وإن لم يتضمن العقد، إلا إذا نص العقد على إسقاطها، فالتصريح مقدم على الدلالة، ولهم إذا لم ينص على إسقاطها المطالبة بها بسائر الوسائل التي لا تناقض الشرع.
ويجوز اعتصام أو إضراب غير مخل ولا مضر ضررا فاحشا بالعمل، كإحداثه متقطعا على فترات؛ لتحقيقه دفع المفسدة العامة على الأجراء والمفسدة الخاصة على رب العمل الفعلي أو الاعتباري.
أنواع الإضرابات والاعتصامات للأجراء والموظفين:
١ - في القطاع العام.
٢ - في القطاع الخاص.
٣ - في المجال الطبي.
٤ - في المجال التجاري.
٥ - في المجال التعليمي.
٦ - في المجال العسكري والأمني.
أما الإضرابات والاعتصامات في المجال الطبي فالأصل أنها جارية في الحكم كأحكام ما سبق: من أن الأصل الإباحة وغيره في الجملة، وأفردت لتعلقها بحفظ النفس بالمباشرة.
فيجب على طبيب موظف وصلت إليه حالة مرضية اعتيادية معاينتها؛ لأن هذا هو أصل العقد معه، والإيفاء به واجب عليه كفاية (١).
وإن كانت الحالة المرضية طارئة لا تحتمل التأخير تعين عليه إنقاذها، فإن أبى ذلك لعلة إضراب أو نحوه، فهلك المريض، أو تلف عضو منه فإنه آثم.
وإثم قتل نفس هلكت بالإمكان له إنقاذها يستنبط من قوله تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا
стр. 263
عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
والإحياء يكون بإنقاذها من التلف المهلك ونحوه، والقتل يكون بالمباشرة أو التسبب، وهو من الإفساد في الأرض في حالات، ومنه ترك إنقاذ مريض في حالة يمكن إنقاذها بيسر، كحالة ربو شديدة أدت إلى الاختناق، وبالإمكان للطبيب إعطاؤه الأوكسجين حال وصول الحالة، فامتنع لعلة الإضراب، فمات الرجل أو تلف عضو منه بشلل لنقص الأكسجين، فالطبيب مشارك في الفساد في الأرض؛ فيأثم، وقد يضمن بغير قصاص.
قواعد هامة:
والقاعدة في جميع الإضرابات والاعتصامات بالنسبة للضرورة:
١ - أن ما ترتب عليها من ضرر حالاً أو مآلاً ويمكن تفاديه حالا فهي جائزة بالتفادي، كإضراب على منافذ السير، فيمكن ترتيب فتح المنافذ مع استمرار الإضراب في المحل.
٢ - ما لا يمكن تفاديه حالا ويمكن دفعه مآلا فلا مانع منه في الجملة كإضراب طلاب لفصل دراسي يمكن تعويضه بمثله في زمن العطلة الدراسية.
٣ - وما لا يمكن تفاديه لا حالا ولا مآلا لتعلقه بإزهاق نفس أو تلف عضو فيحرم كإضراب الأطباء إن حصل هذا الضرر.
ضوابط هامة للإضرابات والاعتصامات في المجالات المختلفة:
١ - الإضرابات في شريحة من القطاع العام ولو سببت أضراراً إلا أنها يسيرة في التأثير في القطاع ككل فتتحمل ويدفع ضرر على المعتصمين والمتضررين إن كان ضررا معتبرا.
ولأنه يمكن دفعه مآلا بإضافة دوام بقدر زمن الإضراب يدفع به الضرر.
٢ - فإن كان في القطاع الخاص فالأصل المنع منه مع حصول الضرر؛ لأن الضرر لا يدفع بالضرر؛ ولأنه ضرر معتبر في الواقع ليس بيسير؛ ولأن الضرر في هذا القطاع لا يتحمل غالبا؛ ولأن العقد يمكن فسخه ابتداء من طرف القطاع فيمكن فسخه في الأثناء لطارئ إضراب، أو اعتصام لموظفين.
стр. 264
بخلاف العقد مع القطاع العام، فهو عقد مع الدولة، وهي ملك للعموم، فالوظيفة الحكومية عقد لازم من الطرفين؛ لأن التوظيف الحكومي هو من المال العام فكان حقا عاما بشروطه، فلا يحق للجهة فسخه لإضراب؛ لأنه حق مقنن عام. وما ترتب على المشروع مشروع وهو الإضراب في حقٍ مشروع، فلا يعاقب فاعله.
٣ - أما الإضرابات الطبية إن حصلت، فيجب بقاء من يقوم بقسم الرقود الداخلي واستقبال الحالات الطارئة أو ما مآلها إلى الضرر.
٤ - أما الإضرابات من المعلمين وأساتذة الجامعات فهي من النوع الثاني؛ لأنه مما يمكن دفع ضرره مآلا بتمديد الدراسة أو تكثيف ونحو ذلك.
٥ - أما الإضرابات والاعتصامات في القوات المسلحة والأمن والشرطة والمرور فهي إن عمت محرمة لا تجوز؛ لأدائها إلى مفاسد كبيرة خارجية، وداخلية، وإزهاق الأنفس، وإتلاف للأموال، وانتشار للجريمة؛ لعدم وجود من يسد مسدهم، وعوضها تشكيل لجنة داخلية للمطالبة بحقوقهم.
وقولنا «إن عمَّت»: شرط للتحريم؛ لجواز الجزئية بشروطها.
٦ - يحرم إضراب أئمة وخطباء المساجد ومدرسي القرآن لأدائه إلى تعطيلها؛ ولأن الأصل فيها الطوعية والمجانية.
٧ - أما إضراب واعتصام القضاة فهو جار على أصل الجواز بالتفصيل السابق.
وفرض واجب بقاء طائفة للبت في القضايا العاجلة وما في حكمها؛ لأن تأجيل رفع الظلم محرم.
٨ - وقطاع الاتصالات والمواصلات بأنواعه وكذا الإعلام وغيرها على أصل جواز الإضراب والاعتصام؛ لحاجة بحسب ما سبق من القواعد الضابطة.
٩ - والإضراب في قطاع الكهرباء إن عم ترتب عليه تعطل أمهات المصالح، فحرم. ويجوز إذا رُتِّبَ بقاء ما يقيم الضرورات ويدفع كبائر المفاسد جمعا بين المصالح ودفعا للمفاسد، ومثله قطاع النفط والغاز.
стр. 265
وأما العصيان المدني:
فيمكن أن نعرفه فنقول:
العصيان المدني هو: ترك الطاعة لمن تجب له طاعة مقيدة من البشر لعلةٍ.
وأما من تجب طاعته مطلقا وهو الله ورسوله فيحرم العصيان لأي أمر، لقوله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: ٦٣). وقوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) (التغابن: ١٢). والنصوص كثيرة.
وطاعة الله ورسوله هي: عدم مخالفة القرآن والسنة.
وأما من تجب طاعته مقيدة فهم:
أ- الوالدان ما لم يأمرا بخلاف ما أمر الله به ورسوله.
ب- والزوج طاعته واجبة على الزوجة في المعروف (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) (النساء: ٣٤)، فإن أمر بما لا يجوز في الشريعة فلا طاعة له.
ج- وطاعة أولي الأمر للنص (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) وهو مقيد بقوله تعالى في نفس النص (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: ٥٩). أي إذا اختلفتم مع أولي الأمر فتابعوا طاعة الله ورسوله.
والعصيان المدني هو: ترك طاعة الحاكم، وهو مقيد في الإطار المدني السلمي، لا المسلح؛ لأن المسلح له شروط عسيرة وتقديرات صعبة.
فإن أمر الحاكم بأمر على خلاف الشريعة، أو على خلاف ما تقتضيه المصلحة الغالبة العامة، وخلاف مقتضيات العقد معه الممثل في الدستور، فأمره باطل ولا طاعة له، فإن أجبر الناس على طاعته فهو منكر، فمن استطاع تغييره وجب عليه باليد واللسان والقلب؛ للنص في قوله ﷺ «سيكون أمراء يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان» (١) أخرجه أحمد وغيره.
стр. 266
والاستطاعة إما:
١ - فردية في تحمل البلاء كسيد الشهداء الذي أمر ونهى فقتل، وهو ثابت في النص الصحيح «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» (١)، وكصاحب قوم فرعون الذي آمن سراً (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) (غافر: ٢٨)، وكما فعل الأنبياء والرسل مع الجبابرة وهم فرادى.
٢ - أو جماعية: فإن كانت بالسلاح منعت؛ لأنها تغلب عليها الفتنة التي تجاوز حدود الجواز ويتعذر تقديرها، وإن كانت بغير السلاح كالخروج في مظاهرة، أو اعتصام، أو إضراب فلا مانع فيه في الأصل على تفاصيل سبقت.
فإن استطاعوا تغيير المنكر بذلك كفى، فإن لم يُستطع ذلك فهذا الحاكم الآمر على خلاف أمر الله ورسوله وخلاف مقتضيات المصلحة الغالبة العامة تعتبر أوامره باطلة، وهو فاسق، وولايته باطلة؛ لأن الولاية لا يعهد بها لظالم (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: ١٢٤)؛ ولأن الله شرط في الحكم العدالة (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: ٩٥).
والعدالة في الشخص غير العدل، بل هو من مقتضياتها.
فأوامر هؤلاء المخالفة للشريعة هي الأهواء، والله يقول (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) (المائدة: ٤٨).
فيحرم العمل بهذه الأوامر، وللنص (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢).
وهو معنى العصيان.
فإذا اتفق الناس عليه فقد اتفقوا على العصيان وهذا هو العصيان المدني، ويدل له حديث البخاري «هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء من قريش. قالوا: ما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم» (٢)، والاعتزال الشعبي هو مقصود العصيان.
وللحديث الصحيح «لا تكن لهم جابيا ولا شرطيا، ولا خازنا، ولا عريفا» (٣).
стр. 267
وقد يكون هذا جزئيا، أو كليا بحسب مخالفة الحاكم للشريعة وما انبثق من المصالح العامة للناس.
فيكون جزئيا مع جزئيات المخالفة، وكليا مع كليات المخالفة.
ويجب هنا التفريق بين مسألتين هما: الحاكم العاصي، والحاكم الآمر بالمعصية.
فالحاكم العاصي في نفسه فاسق والأصل بطلان ولايته، لكن إن أجرى العدل والحق فالصحيح أن أمره إلى الله.
ومترتبات الإنكار العام بالإضراب ونحوه لمعصية الحاكم فيما بينه وبين الله غير مشروعة؛ لأنه في معصية نفسه كآحاد الأمة، يوجب ذلك نصحه سرا وموعظته وعدم فضحه إلا إن أعلن وجاهر، لأن الناس يقتدون به.
بخلاف الحاكم الآمر بالمعاصي، فهنا تعلقت المعصية بأصل وموضوع الحكم، فهذا معصيته في ما أمر على خلاف الشرع واجبة وفرض عين على كل أحد.
فإن أكثر من ذلك كثرت معصيته وتوسعت حتى يتشكل عصيان مدني مجتمعي فردي وأسري ومجتمعي ولو بلا توافق.
فإن توافقوا وأعلنوا فهو من التعاون على البر والتقوى.
وهذا هو العصيان المدني الفردي السلمي الذي ينتهي بانتهاء المفاسد ورفعها، أو بإسقاط الآمر بمعصية الله والفساد في الأرض باسم الشعب وشرعيته وهو الحاكم، وكل هذا جائز.
ويدل له الكثير من النصوص كأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والتعاون على البر التقوى، وحديث البخاري «لو أن الناس اعتزلوهم» وحديث «لا تكن لهم جابيا ولا شرطيا ولا خازنا ولا عريفا»، ومنه قوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩).
فإن بغى عليهم نظام حاكم، فعلى الشعب أن ينتصر على هذا البغي بوسائل تجلب أفضل المصالح وتدفع أكثر المفاسد.
والاعتصامات والعصيان المدني السلمي العام لإسقاط البغي الظالم هو من الانتصار على البغي، وهو أعلى أنواع الانتصار؛ لأدائه إلى إزالة الظلم والبغي بقوة الجماعة العامة سلماً.
стр. 268
والعصيان المدني ليس خروجا على الجماعة والنظام؛ لأن الذي تمارسه هي الجماعة كلها، أو غالبها، ولأن دلالات المنصوص دلت عليه، وقواعد وأصول الشرع لا تمنعه.
وهناك فرق بين خروج الجماعة ككل على الحاكم، وخروج شرذمة من الجماعة على الجماعة وهو الانقلاب، أو عن الجماعة وهو الانشقاق، والحاكم خارج عن إرادة الجماعة وهو فرد خالف مقصود العقد المبرم معه، وعاد عليه بالإبطال فبطل عقده وخرج عن الجماعة وشرطها ويدها.
ومن الأدلة قوله تعالى (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى: ٤١ - ٤٢).
فهذا يدل على أن الانتصار العادل الذي يقوم به المظلوم ضد الظالم لا يؤاخذ عليه، وهذا عام يدخل فيه الإضرابات والاعتصامات، والمظاهرات، والعصيان المدني، وكلها وسائل سلمية لتغيير المنكر والظلم، فجازت. فكل مظلوم صنع ذلك فلا سبيل عليه، بل يعد فعله من الأمور التي مدح الله بها المؤمنين.
ويصنع كل ذلك بحسب المظالم عموما عاما، أو عموما خاصا.
فالبغي العام يدفع بما يناسبه زمانا ومكانا.
والظلم العام على الأمة يدفع بتغيير عام من الأمة لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١) (١).
فشرع فعلها جوازا أو وجوبا؛ لأنها وسيلة إلى تغيير المنكر، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد. ولأن من ادعى المنع لا حجة له سوى التعلق بأحاديث الصبر والطاعة والخروج، وكلها لا تأتي هنا، إذ هي واردة في وقائع جزئية يسيرة لا في عموم فساد في الأرض، وشرط القياس مساواة الفرع للأصل المقيس عليه، أما كونها خروجا فلا معنى له؛ لأنه وارد في الخروج
стр. 269
المسلح، وليس هذا موضوع البحث هنا وإلا للزم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلما، ولكان سيد الشهداء الذي قال الحق لظالم فقتله خارجا عن الحق، ولمَّا كان أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، ولبطُلَت نصوص وقواطع محاربة الفساد في الأرض، فتبين بطلان هذا القول (١).
стр. 270
العلاقات الدولية
والسياسات الخارجية
стр. 271
العلاقات الدولية والسياسات الخارجية
الأصل دعوة كل كافر لا قتل كل كافر، والأصل السلام لا الحرب، لقوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣)، وقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
والأصل إعداد القوة البالغة بجاهزية بالغة للردع عند فرض ذلك فرضا شرعيا (١).
- الأصول الستة التي تقوم عليها العلاقات والسياسات الخارجية:
والعلاقات والسياسات الخارجية قائمة على ستة أصول استنبطناها بالتتبع والاستقراء من نصوص القرآن والسنن ومقاصد وقواعد الشرع.
فالعلاقات بين دولة الإسلام وغيرها، وبين المسلم وغيره: تعاونية، تبادلية، سلمية، مثلية، عادلة. والقتالية استثناء عند اقتضاء السبب من عدوان أو فتنة لأهل الإسلام، أو لمن أراد الدخول في الإسلام.
فقولنا «تعاونية»: وذلك كما تعاون رسول الله ﷺ مع يهود أول مقدمه المدينة على حماية المدينة بوثيقة مشهورة منقولة بالاستفاضة عند أصحاب السير (٢).
وجاء في الصحيح عند البخاري أن علي بن أبي طالب ذهب مع يهودي لجلب الإذخر وبيعه في السوق لوليمة عرسه (٣)، وهذا تعاون.
وكانت الأسواق التجارية مفتوحة للتجار، وقنن عمر ذلك (٤)، وأمر بتيسير عمل التجارة
стр. 272
من كفار وغيرهم.
واقترض ﷺ من يهودي، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ مات ودرعه مرهون عند يهودي في شعير (١).
وزار ﷺ يهودَ وأكل من طعامهم (٢)، وأحل الله لنا طعام أهل الكتاب والزواج منهم بالنص، وهذا يمثل أقوى العلاقات الاجتماعية والإنسانية والتعاونية (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة: ٥).
وهاجر المسلمون إلى الحبشة عند النجاشي وهو على النصرانية، وهو كاللجوء السياسي اليوم.
والله يقول (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨).
فأمر بالبر، وهو ما أمر الله به في آية التعاون (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
وعليه فالتعاون الدولي بين دولة الإسلام وغيرها من الدول، وبين المسلمين وغيرهم: رسميا، وشعبيا، وفكريا، وإنسانيا، وسياسيا، واقتصاديا، أمر يمثل الأصل في التعامل مع الدول.
فلا مانع من إقامة علاقات الابتعاث العلمي، والتبادل التجاري، والاقتصادي، والحوار الفكري، والإغاثة الإنسانية الرسمية والمدنية للمتضررين والمنكوبين.
стр. 273
وكذلك الاقتراض الدولي بدون فوائد، أو المشاركة في شركات استثمارية داخل الدولة وخارجها، لا مانع منه.
وكذا تبادل الزيارات الرسمية التي تهدف إلى التعاون الدولي الاقتصادي والسياسي، بشرط ألا يكون مصادما لأصل شرعي كتسليم مسلم أو لاجئ سياسي كافر مستجير في دولة الإسلام لدولة كافرة؛ لأن ذمة المسلم لا يجوز أن تخفر؛ للنص «ويسعى بذمتهم أدناهم» (١).
كما لا يجوز التعاون المؤدي إلى ضرر وإذلال وارتهان لدولة الإسلام.
وقولنا «تبادلية»: مثل تبادل التجارات والخبراء والخبرات والبعثات الدبلوماسية والأسرى والمصالح والمنافع العامة التي تعود بالخير على الأمة.
وأفردناها عن التعاونية مع دخولها فيها؛ لأن العلاقات التبادلية أخص سياسة؛ لأنها مقابلة مشروطة بما يقابلها به الآخر بخلاف التعاون، فقد يكون ابتداء من جهة لا تبادليا مشروطا.
وقولنا «سلمية»: هذا هو الأصل في التعامل، والحربُ استثناء بشروط لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣)، فالتعارف مقصودٌ، والقتال خلافه.
ولقوله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، وهذا عام.
وقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)، والرحمة قائمة على السلام العالمي وتبادل المصالح.
وقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
أما الأوامر بقتال المشركين والكفار، فقد أجبنا عليها في فقه الجهاد من كتابنا هذا، وقررنا أنها مسببة معللة لا أصل مبتدأ يتعامل به.
стр. 274
وقولنا «مثلية»: لقوله تعالى في السلم (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال: ٦١).
والنهي عن طلب السلم منا هو مع عدم طلبهم ذلك؛ فيكون الابتداء به فيه نوع وهن؛ ولأنها خلاف سياسة المماثلة، إذْ من حارب قوبل بالمثل، فعرض السلم عليه ممنوع ابتداء؛ لأنه يؤوَّل بالوهن، قال تعالى (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥).
وقال (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
وقال في المماثلة السيئة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠).
وقال (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
فأمر بالاعتداء المماثل لا مجرد دفع الاعتداء، فمن احتل دولة للإسلام فالرد من وجهين واجبين، الأول: إخراجه منه، والثاني: الاعتداء عليه باحتلال مماثل قدرا وزمنا ومكانا عند القوة وإلا اكتفي بمجرد الدفع. هذا ما تقتضيه الآية من الفهم.
وإخراج الاحتلال دليله الخاص (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (البقرة: ١٩١).
وقولنا «عادلة»: دليله قوله تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٨)، فأمر بالعدل مع العدو، فكيف مع من يعدل معك ويسالمك؟
ولا يلزم من كون الدولة دولة حرب أن شعبها كذلك، بل عامة مواطنيها وقاطنيها أهل سلم، من نساء، وأطفال، وشيوخ، وعباد.
وكل من لم يقاتل ويعاون ويظاهر على الحرب فهو من أهل السلام، لعموم قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة: ٨ - ٩).
стр. 275
وقولنا «قتالية عند اقتضاء سببه من عدوان»: لقوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، ودفع فتنة عن أهل الإسلام؛ لقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩)، وهذا عام، فيشمل قتال من منع الناس عن الدخول في الإسلام، أو فَتَنَ من أسلم واستضعفه، وأسباب القتال دائرة على هذا (١).
العلاقات الأمنية:
وتنقسم الأنظمة إلى:
١ - أنظمة حرب غير معاهدة.
٢ - أنظمة حرب معاهدة.
٣ - أنظمة سلام محايد.
٤ - أنظمة سلام مناصر، كمن دخل في حلف النبي ﷺ وكمحالفته لليهود ونظام النجاشي.
٥ - أنظمة سلام على الأصل (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ).
٦ - أهل سلام مشروط.
أولاً: أنظمة الحرب غير المعاهدة:
والتعامل معها بما يكف خطرها وبأسها. فمن ذلك:
أ- التعبئة القتالية العامة (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤).
ب- وإمكان القتال للمتاخم المحارب عند اقتضاء الأمر وضرورته، والاستعراض العسكري، والمناورات وغيرها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ١٢٣).
стр. 276
والغلظة: منها إظهار قوة الردع، والمناورات، والاستعراضات، والقتال إذنٌ وأمرٌ حين تتوفر دواعيه.
ج- والمعاملة بالمثل العام (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٣٦).
د- والرد على العدوان المعين (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
والفرق بين الصورتين أن هذه الأخيرة تمثل استراتيجية الرد السريع، وأما الأولى فهي استراتيجية الردع العام.
هـ- والإعداد الاستراتيجي (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال: ٦٠).
و- وقبول عرض السلام (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: ٦١).
ي- وحرمة الابتداء بالدعوة للسلام للكافر المحارب الذي يشكل خطرا ويفهم من الدعوة أنها من مصدر وهن؛ للنص (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥).
وقولنا «للكافر المعتدي» خرج به الكافر غير المعتدي، فالسلام على الأصل لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
فإن شكل خطرا وجب التعامل معه بما يقتضي المصلحة العامة.
ز- وأثناء المعركة ومباشرتها مع الكفار المحاربين يجوز الدعوة إلى الإسلام، أو السلام المشروط، أو الحرب (١).
ومقابل السلام المشروط تدفع لخزينة الدولة من القادر الذكر البالغ رسوم حماية تسمى الجزية.
стр. 277
ويجوز الاجتهاد في إسقاطها اسما لا حقيقة كما فعل عمر على أهل الكتاب من العرب وأخذ منهم كالزكاة أو ضعفها (١).
وهذه تفرض في قوة محاربة استسلمت في الحرب، ولهم دينهم، وحرياتهم، وأموالهم، وأعراضهم، ومحاكمهم ونظامهم بكامله، إلا ما اقتضاه النظر المصلحي العام من الأمور.
ح- وأما في داخل جزيرة العرب فلا يقبل وجود أي دين بشكل دولة، أو قوة منظمة تستطيع الضرب من الداخل، وهذا هو معنى قوله ﷺ «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» (٢)، وقوله ﷺ «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (٣)، وليس معناها الأفراد ولا الأقليات الأسرية المسالمة التي لا تحمل أي سلاح، فإنها موجودة من زمنه ﷺ إلى اليوم، وبلا نكير (٤).
فدل على أن المقصود التواجد العسكري المسلح الذي يشكل خطرا داخليا ونظاما مناوئا.
ولهذا تبطل كل معاهدة من هذا النوع، ويعطون مهلة كأربعة شهر وتنزل على هذا آيات الافتتاحية في سورة براءة (بَرَاءةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ) (التوبة: ١)، أي عاهدتم في جزيرة العرب كيانات مسلحة أو داخل الدولة المسلمة ولو خارج الجزيرة، وحملناها
стр. 278
على هذا فقط؛ لأن غيرهم فيه قوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)، فهؤلاء خارج الدولة ولو أهل سلاح أو داخلها من المواطنين السلميين غير المسلحين سلاحا يناوئ الدولة ويشكل خطرا على السلم الاجتماعي.
هذا فيمن ظهر أو خيف غدرهم أو لم يكن له عهد، أما غيرهم فيوفى إلى المدة ثم يخرجون بدليل (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٤).
ثانيا: أنظمة الحرب المعاهدة:
فهؤلاء يوفى إليهم عهدهم إلى مدتهم لقوله تعالى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ٤).
ثالثا: أنظمة السلام المحايد:
فهؤلاء يحافظ على حيادهم (أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء: ٩٠)، فهؤلاء لا يريدون القتال مع أحد. وحصرت: ضاقت وكرهت صدورهم القتال.
رابعا: أنظمة السلام المناصر:
فهؤلاء يحافظ على السلام معهم، ولا يجوز حربهم، بل برهم والقسط معهم كالنجاشي، وكل دولة تناصر قضايا المسلمين فهي دولة بر وسلام ومناصرة.
خامسا: أنظمة السلام على الأصل أو دول المتاركة:
وهم الدول البعيدة عن دول الإسلام غالبا، فالأصل معهم الدعوة والسلام وتركهم «اتركوا الترك ما تركوكم، وذروا الحبشة ما وذروكم» (١).
стр. 279
سادسا: أنظمة السلام المشروط:
وهم أهل الحرب المستسلمون، ويشرط عليهم شروط، ولهم السلام والأمان والحريات ومحاكماتهم إلى محاكمهم أو شريعتنا، بحسب المصلحة (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة: ٤٢)، ويدفعون رسوما تسمى الجزية، أو رسوم مواطنة تكافلية لازمة على القادر منهم؛ لعدم التعبد بالاسم؛ ولأن المسلمين يدفعون الزكاة فهؤلاء يدفعون هذه الرسوم، ولا تسقط بالضرائب؛ لأنها رسوم للدولة على أمور معينة من مسلم وغيره تؤخذ حال حاجة الدولة، وإلا فالأصل عدم أخذ شيء على مسلم سوى الزكاة، وغير مسلم سوى رسوم الجزية.
العلاقات العامة:
وما ذكرناه سابقا فهو في الأنظمة، أما في الشعوب والأفراد فهم:
١) إما مقاتل، فهذا له حكم نظام الحرب.
والمقاتل: كل مباشر للحرب ظهيراً أو معاوناً، والقوات المسلحة تدخل في هذا دخولا أوليا.
٢) وإما مدني، وهذا له حكم السلام ولو كان في دولة حرب.
والمدني: من ليس من الجيش ولم يشارك أو يظاهر على أهل الإسلام.
الدخول إلى بلاد الإسلام
ومن دخل بلاد المسلمين، ولو مقاتلا بأمان أو عهد، فلا يجوز قتله.
والأمان يكون بالتأشيرة للدخول أو الإذن الرسمي.
ومن جاء من السياح والزائرين والتجار وسائر المدنيين من كل الشعوب، كتابياً، أو وثنياً بدين، أو بلا دين، فإنه في الأصل يدخل تحت الأمر بالبر والقسط لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
ولا يجوز قتله ولا الغدر به؛ للنص «من قتل معاهدا أو ذميا أو مستأمنا كنت خصيمه
стр. 280
يوم القيامة» (١).
فإن قبض على جاسوس تعاملت معه الدولة بالمصلحة، ولا يقبض عليه مواطن، ولا يقتله، ولا يؤذيه، بل يبلغ عنه وجوباً.
ودليل الوجوب أنه دفع لمنكر «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» (٢).
وأما أنه لا يباشر هو عقوبته؛ فلأن الدولة منعت ذلك وطاعتها في المصالح العامة واجب للعموم في النص؛ ولأنه لو فعل ذلك من شاء لدخل الفساد وعم؛ ولأن الله أمر بالعدل، ولا يعرف العدل الصحيح في هذه القضايا إلا في القضاء، فليس كل إنسان يفقه ذلك ويفقه حُكْمَه وكيف يتعامل معه.
حرمة إيذاء الداخلين إلى بلاد الإسلام بأمان:
والأصل تبادل العلاقات الإنسانية بين الشعوب والأفراد لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣).
ولا يجوز خطف السياح ولا إيذاؤهم، ومن فعل فقد عصى الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الله أمر بالبر معهم وأمر رسول الله ﷺ بعدم الاعتداء عليهم.
وإن قبض على غير مسلم دخل إلى الدولة المسلمة بدون إذن ولا تأشيرة، أخذ من الدولة لا من مواطن، وأسمع كلام الله، وعرض عليه الدين، ثم يبلغ مأمنه، وهو تسليمه لسفارته أو ترحيله بالطرق الآمنة.
اللجوء السياسي:
واللجوء السياسي من كافر للدولة المسلمة جائز، وواجب قبوله في الأصل، قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ) (التوبة: ٦).
стр. 281
وإبلاغه مأمنه هو توفير الأمان له، إما داخل الدولة، أو إلى محل يطلب من الدولة أن يذهب إليه، لعموم اللفظ.
منع استهداف السفارات والشركات الأجنبية في بلاد المسلمين:
ويحرم استهداف الشركات الأجنبية والسفارات وغيرها؛ لأنها موجودة بإذن وأمان، فلا يجوز إخفار ذلك، ولا نقضه.
ومن فعل ذلك فإنه معتد وغادر، ولو كانوا أهل حرب؛ لأنهم كالرسل بين الدول، وكل رسول داخل بأمان لا يقتل عرفا ولا شرعا ولا قانونا إسلاميا ولا دوليا.
فإن أرادت الدولة المسلمة في حالة الحرب طرد السفراء والدبلوماسيين من البلاد جاز لها ذلك.
ويرحلون بطرق آمنة حتى يبلغوا مأمنهم (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)؛ لأنهم أهل أمان.
العلاقة الدينية:
وإن وجدت أقلية كتابية من أهل الذمة داخل الدولة المسلمة من المواطنين لا من المستوطنين فليس لهم بناء كنيسة ومحل عبادة في جزيرة العرب؛ لورود «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١)، وهو محمول على التواجد العسكري المسلح الذي يمثل دولة داخل الدولة، ومحمول على دين ظاهر مع دين الإسلام، وعليه فلا تبنى كنيسة في الجزيرة؛ لأنها أكبر ظهور لدين مع دين الإسلام؛ لأن الحديث عام يدخل فيه كل مظاهر الدين الكبرى ومنها الكنائس؛ ولأنه لا معنى للدين إلا هذا، أو دولة مسلحة.
وثَم قول صححه جماعة من العلماء في غير جزيرة العرب، وهو إبقاء ما وجد من كنيسة ومنع بناء آخر.
وإنما أخرجنا الأقليات الفردية المدنية السلمية من عموم النهي في حديث «لا يجتمع دينان»؛ للإقرار في دخول العمال، والأجراء، والخدم.
وتزوج بعض الصحابة من كتابيات وأدخلوهن جزيرة العرب، وهؤلاء اليوم يمثلون جاليات
стр. 282
كثيرة من الحرفيين والأجراء في دول الخليج في الجزيرة اليوم، ومن العلماء من أنكر عملا بالعموم، وأكثرهم سكت لعموم البلوى.
ولا يجوز إكراه أحدٍ على الدخول في الإسلام بعد البيان لقوله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: ٢٥٦).
ولا يجوز داخل الدولة المسلمة السماح لأتباع أهل دين غير الإسلام بالدعوة إلى دينهم كالمبشرين النصارى؛ لأنه بالنص لا يجوز في بلاد الإسلام أن يكون الدين المقبول رسميا إلا الإسلام (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥)، وهذا عام، وقوله تعالى (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥) يدل على أن عدم القبول هو في الدنيا (١).
وعلة أخرى بعد دلالة النصوص أن دينهم محلي أسري لبعث موسى وعيسى إلى قومهم لا إلى العالمين.
ولذلك لم يثبت نشاط تبشيري عبر القرون المتطاولة حتى بعد مبعث محمد ﷺ .
ولم يدع النصارى واليهود مشركي العرب للدخول في دينهم؛ لعدم تكليفهم بذلك، ومن فعل ذلك كان متطوعا لا مكلفا بخلاف ديننا، فهو عالمي بالتكليف.
فلما جاء العصر الحديث في القرن العشرين بدأت حملات التبشير كمجابهة وعناد لأهل الإسلام؛ لذلك فهم على خطأ في حكم دينهم وحكم ديننا، فمنعوا من ذلك بخلاف بعثة محمد ﷺ فهي عالمية بنص قانون الشرع في القرآن والسنة وبنصوص الكتب قبله.
وهذا من الظهور على الدين كله، وغيره محدود بقانون شريعتهم وشريعتنا، وهو قانون سيادي للدولة المسلمة.
стр. 283
حكم معاهدات التسلح:
ويحرم الدخول في معاهدات تمنع على المسلمين منفردين التسلح النووي والاستراتيجي:
صناعة، وتسليحا، وبيعا، واستيرادا، كالطائرات والبوارج والغواصات والصواريخ بعيدة المدى والدروع والدبابات والمدفعيات وجميع التكتيكات العسكرية.
لأن الدخول في مثل هذه المعاهدات المجحفة خلاف مقصود النص الشرعي (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: ٦٠).
والقوة منها الرمي لحديث «ألا إن القوة الرمي» (١)، فإن امتنع الكل عن التسلح النووي بلا استثناء جاز الدخول في المعاهدة (٢).
ولا يجوز استعمال سلاح نووي؛ لأنه فساد في الأرض والله لا يحب الفساد.
ويحرم النووي حتى على العسكريين إلا لضرورة دفع ما لا يدفع بغيره في حالة استعمال العدو له وبمحدودية جدا.
стр. 284
ولا تتجاوز استعمالاته منطقة العدو العسكري الذي استعمل نفس السلاح؛ لأنه ضرورة تقدر بقدرها ولقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، ولقوله سبحانه (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤).
وجوب وحدة دول الجزيرة والعرب والمسلمين
ويجب على دول الجزيرة السبع خاصة، والعربية عامة والإسلامية إقامة اتحاد مناسب اقتصادي وعسكري وسياسي، وذلك كخطوة أولى وضرورية واجبة مفروضة؛ لأن دونها فيه ضعفهم وتلفهم، وتمكن عدوهم فيهم نافذ، ولا تدفع هذه المفاسد العظيمة إلا بهذا.
ويبدأ بالدائرة الأولى لأنهم بيت الإسلام وعقر داره وطريق إلى غيره.
يقول تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: ١٠٣). وقوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٦).
والوحدة العربية الإسلامية مفروضة شرعا وكل مقصر عن السعي لتحقيق هذا من الزعماء يأثم لتقصيره.
واتحاد دولتين منهم مفروض؛ لأن الشريعة قائمة على تقليل المفاسد وصولا إلى التعطيل، وإلى التخفيف وصولا إلى التجفيف.
وتفرق دول الجزيرة السبع أعظم إثما؛ لأنها عقر الإسلام ودياره وأرضه، لذا خصها الشرع بأحكام كمنع تواجد دين ظاهر فيها غير الإسلام؛ ولتحقيقها ما لا يحققه غيرها من المصالح الكبرى ودفع المفاسد العظيمة.
ولأنها طريق غالب لانضمام غيرها إليها؛ ولأنها حامية أعظم مقدسات الإسلام (مكة، والمدينة، والقدس).
ويليها في الوجوب دول الشام والعراق ومصر؛ فإنها طوق الإسلام وحاميته وثغره، وخصت بالأمر بالقتال لمتاخمها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: ١٢٣)، ثم سائر بلاد العرب والمسلمين.
стр. 285
ووحدة اليمن بين شطريه جزء من الفرض الشرعي، والسعي لفصلها أو ارتكاب مظالم ومفاسد توصل لذلك، هو تعاون على الإثم والعدوان يوجب سخط الله وغضبه في الدنيا والآخرة.
محكمة العدل العربية والإسلامية والتحاكم الدولي:
ويجب إقامة محكمة العدل العربية والإسلامية لفض النزاعات السياسية بينهم وتحكم بينهم بما أنزل الله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: ١٠).
ولأن السعي لفض النزاعات واجب شرعي (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩).
وحكمها ملزم، ويجب أن يكون لها قوات مشتركة، وإجراءات للإلزام بفض النزاع؛ لأن الله شرع الصلح وشرع قتال الباغي على المصالحة، ولا يكون ذلك إلا بقوة.
فإن بغت دولة على الأخرى بعد الصلح وجب ردعها ولو بالقوة المسلحة المشتركة بين المسلمين لا غيرهم؛ وذلك عند تيقن غلبة المصالح (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (الحجرات: ٩).
ويجب تكرير الصلح، وسائر المساعي الدبلوماسية؛ لعموم الأمر في الآية، والأصل تكرار الأمر بتكرار سببه أو بقائه، ولذا -والله أعلم- ورد تأكيده مرة أخرى بالآية بعد السابقة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: ١٠).
وفرضٌ السعي لفض النزاعات بين الحكومات الإسلامية والعربية.
وإذا سعت دولة عربية أو إسلامية لفض النزاع وجب من غيرها دعمها، ويحرم عكسه؛ لأنها قامت بفرض كفاية.
والأصل حرمة التحاكم إلى المحاكم الدولية غير الإسلامية لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (النساء: ٦٠)، والطاغوت كل ما جُعِلَ التحاكم إليه بديلا عن التحاكم إلى الله ورسوله وشرعه.