← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وإبلاغه مأمنه هو توفير الأمان له، إما داخل الدولة، أو إلى محل يطلب من الدولة أن يذهب إليه، لعموم اللفظ. منع استهداف السفارات والشركات الأجنبية في بلاد المسلمين: ويحرم استهداف الشركات الأجنبية والسفارات وغيرها؛ لأنها موجودة بإذن وأمان، فلا يجوز إخفار ذلك، ولا نقضه. ومن فعل ذلك فإنه معتد وغادر، ولو كانوا أهل حرب؛ لأنهم كالرسل بين الدول، وكل رسول داخل بأمان لا يقتل عرفا ولا شرعا ولا قانونا إسلاميا ولا دوليا. فإن أرادت الدولة المسلمة في حالة الحرب طرد السفراء والدبلوماسيين من البلاد جاز لها ذلك. ويرحلون بطرق آمنة حتى يبلغوا مأمنهم (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)؛ لأنهم أهل أمان. العلاقة الدينية: وإن وجدت أقلية كتابية من أهل الذمة داخل الدولة المسلمة من المواطنين لا من المستوطنين فليس لهم بناء كنيسة ومحل عبادة في جزيرة العرب؛ لورود «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١)، وهو محمول على التواجد العسكري المسلح الذي يمثل دولة داخل الدولة، ومحمول على دين ظاهر مع دين الإسلام، وعليه فلا تبنى كنيسة في الجزيرة؛ لأنها أكبر ظهور لدين مع دين الإسلام؛ لأن الحديث عام يدخل فيه كل مظاهر الدين الكبرى ومنها الكنائس؛ ولأنه لا معنى للدين إلا هذا، أو دولة مسلحة. وثَم قول صححه جماعة من العلماء في غير جزيرة العرب، وهو إبقاء ما وجد من كنيسة ومنع بناء آخر. وإنما أخرجنا الأقليات الفردية المدنية السلمية من عموم النهي في حديث «لا يجتمع دينان»؛ للإقرار في دخول العمال، والأجراء، والخدم. وتزوج بعض الصحابة من كتابيات وأدخلوهن جزيرة العرب، وهؤلاء اليوم يمثلون جاليات

стр. 282

كثيرة من الحرفيين والأجراء في دول الخليج في الجزيرة اليوم، ومن العلماء من أنكر عملا بالعموم، وأكثرهم سكت لعموم البلوى. ولا يجوز إكراه أحدٍ على الدخول في الإسلام بعد البيان لقوله تعالى (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: ٢٥٦). ولا يجوز داخل الدولة المسلمة السماح لأتباع أهل دين غير الإسلام بالدعوة إلى دينهم كالمبشرين النصارى؛ لأنه بالنص لا يجوز في بلاد الإسلام أن يكون الدين المقبول رسميا إلا الإسلام (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥)، وهذا عام، وقوله تعالى (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥) يدل على أن عدم القبول هو في الدنيا (١). وعلة أخرى بعد دلالة النصوص أن دينهم محلي أسري لبعث موسى وعيسى إلى قومهم لا إلى العالمين. ولذلك لم يثبت نشاط تبشيري عبر القرون المتطاولة حتى بعد مبعث محمد ﷺ . ولم يدع النصارى واليهود مشركي العرب للدخول في دينهم؛ لعدم تكليفهم بذلك، ومن فعل ذلك كان متطوعا لا مكلفا بخلاف ديننا، فهو عالمي بالتكليف. فلما جاء العصر الحديث في القرن العشرين بدأت حملات التبشير كمجابهة وعناد لأهل الإسلام؛ لذلك فهم على خطأ في حكم دينهم وحكم ديننا، فمنعوا من ذلك بخلاف بعثة محمد ﷺ فهي عالمية بنص قانون الشرع في القرآن والسنة وبنصوص الكتب قبله. وهذا من الظهور على الدين كله، وغيره محدود بقانون شريعتهم وشريعتنا، وهو قانون سيادي للدولة المسلمة.

стр. 283

حكم معاهدات التسلح: ويحرم الدخول في معاهدات تمنع على المسلمين منفردين التسلح النووي والاستراتيجي: صناعة، وتسليحا، وبيعا، واستيرادا، كالطائرات والبوارج والغواصات والصواريخ بعيدة المدى والدروع والدبابات والمدفعيات وجميع التكتيكات العسكرية. لأن الدخول في مثل هذه المعاهدات المجحفة خلاف مقصود النص الشرعي (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: ٦٠). والقوة منها الرمي لحديث «ألا إن القوة الرمي» (١)، فإن امتنع الكل عن التسلح النووي بلا استثناء جاز الدخول في المعاهدة (٢). ولا يجوز استعمال سلاح نووي؛ لأنه فساد في الأرض والله لا يحب الفساد. ويحرم النووي حتى على العسكريين إلا لضرورة دفع ما لا يدفع بغيره في حالة استعمال العدو له وبمحدودية جدا.

стр. 284

ولا تتجاوز استعمالاته منطقة العدو العسكري الذي استعمل نفس السلاح؛ لأنه ضرورة تقدر بقدرها ولقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) (الشورى: ٤٠)، ولقوله سبحانه (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٩٤). وجوب وحدة دول الجزيرة والعرب والمسلمين ويجب على دول الجزيرة السبع خاصة، والعربية عامة والإسلامية إقامة اتحاد مناسب اقتصادي وعسكري وسياسي، وذلك كخطوة أولى وضرورية واجبة مفروضة؛ لأن دونها فيه ضعفهم وتلفهم، وتمكن عدوهم فيهم نافذ، ولا تدفع هذه المفاسد العظيمة إلا بهذا. ويبدأ بالدائرة الأولى لأنهم بيت الإسلام وعقر داره وطريق إلى غيره. يقول تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: ١٠٣). وقوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: ٤٦). والوحدة العربية الإسلامية مفروضة شرعا وكل مقصر عن السعي لتحقيق هذا من الزعماء يأثم لتقصيره. واتحاد دولتين منهم مفروض؛ لأن الشريعة قائمة على تقليل المفاسد وصولا إلى التعطيل، وإلى التخفيف وصولا إلى التجفيف. وتفرق دول الجزيرة السبع أعظم إثما؛ لأنها عقر الإسلام ودياره وأرضه، لذا خصها الشرع بأحكام كمنع تواجد دين ظاهر فيها غير الإسلام؛ ولتحقيقها ما لا يحققه غيرها من المصالح الكبرى ودفع المفاسد العظيمة. ولأنها طريق غالب لانضمام غيرها إليها؛ ولأنها حامية أعظم مقدسات الإسلام (مكة، والمدينة، والقدس). ويليها في الوجوب دول الشام والعراق ومصر؛ فإنها طوق الإسلام وحاميته وثغره، وخصت بالأمر بالقتال لمتاخمها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: ١٢٣)، ثم سائر بلاد العرب والمسلمين.

стр. 285

ووحدة اليمن بين شطريه جزء من الفرض الشرعي، والسعي لفصلها أو ارتكاب مظالم ومفاسد توصل لذلك، هو تعاون على الإثم والعدوان يوجب سخط الله وغضبه في الدنيا والآخرة. محكمة العدل العربية والإسلامية والتحاكم الدولي: ويجب إقامة محكمة العدل العربية والإسلامية لفض النزاعات السياسية بينهم وتحكم بينهم بما أنزل الله (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: ١٠). ولأن السعي لفض النزاعات واجب شرعي (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩). وحكمها ملزم، ويجب أن يكون لها قوات مشتركة، وإجراءات للإلزام بفض النزاع؛ لأن الله شرع الصلح وشرع قتال الباغي على المصالحة، ولا يكون ذلك إلا بقوة. فإن بغت دولة على الأخرى بعد الصلح وجب ردعها ولو بالقوة المسلحة المشتركة بين المسلمين لا غيرهم؛ وذلك عند تيقن غلبة المصالح (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (الحجرات: ٩). ويجب تكرير الصلح، وسائر المساعي الدبلوماسية؛ لعموم الأمر في الآية، والأصل تكرار الأمر بتكرار سببه أو بقائه، ولذا -والله أعلم- ورد تأكيده مرة أخرى بالآية بعد السابقة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: ١٠). وفرضٌ السعي لفض النزاعات بين الحكومات الإسلامية والعربية. وإذا سعت دولة عربية أو إسلامية لفض النزاع وجب من غيرها دعمها، ويحرم عكسه؛ لأنها قامت بفرض كفاية. والأصل حرمة التحاكم إلى المحاكم الدولية غير الإسلامية لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (النساء: ٦٠)، والطاغوت كل ما جُعِلَ التحاكم إليه بديلا عن التحاكم إلى الله ورسوله وشرعه.

стр. 286

ولثبوت جورهم وعدم نصيحتهم للمسلمين بالنص والوقائع، وما ثبت واقعا في كل قضايا الأمة العربية والإسلامية كقضية فلسطين وغيرها من لجوء إلى التحاكم الدولي في مجلس الأمن والأمم المتحدة ومحاكم العدل؛ أكبر إثبات واقعي لتلاعبهم بقضايا المسلمين ومكرهم وعدم عدلهم. ولو لم تنزل آية ولا حديث يدل على تحريم ذلك لكان من المحرمات لما ترتب عليه واقعا من المفاسد الكثيرة والكبيرة على بلاد الإسلام؛ فوجب فرضا إنشاء محكمة عربية إسلامية حقيقية للتحاكم إليها. فالحق أنه لا يجوز مطلقا. ويمكن استثناء حالة الاضطرار في اللجوء إلى القضاء الدولي أو التحكيم الدولي إن قطع بعدله ومساواته بين الخصوم، ونزاهته في النظر في القضايا الدولية، وعدم الظلم والإجحاف وسياسة الكيل بمكيالين؛ جاز بهذه الشروط الترافع الدولي إلى جهاته؛ بدليل أمر النبي ﷺ لأصحابه في مكة «أن يهاجروا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد» (١). وترافعوا هم وعمرو بن العاص مبعوث قريش إلى النجاشي للنظر في قضيتهم، وإصدار قرار به، والقصة مشهورة حكم فيها النجاشي للمسلمين المهاجرين إليه، وكذلك حكّم يوسف ملك مصر في قضيته وهو كافر. أما إذا كان التحاكم الدولي قائماً على الجور في قضايا المسلمين فيحرم. ووجب فرضا وحدة كيان عسكري وسياسي واقتصادي للأمة. حرمة تسليم المسلمين ويحرم تسليم المسلمين تحت أي مسمى. ويحرم الدخول في اتفاقات دولية ملزمة بتسليمهم، فإن فُعِلَ فهو باطل؛ لأن المسلم أخو المسلم لا يخذله؛ ولأن التسليم انتقاص من سيادة الدولة واستضعاف لها، يدل له أن دول الهيمنة العالمية الكبرى لا تسلم رعاياها البتة؛ لعلة السيادة. ويحاكم بالشريعة والقانون المنبثق عنها عن أي دعوى في داخل بلاد الإسلام.

стр. 287

وتسليم حاكم مسلم، أو عالم دين أو دنيا كعالم ذرة، أو تسليم رمز، أو قائد أعظم جرما وخيانة. وهي من طاعة الكافرين وموالاتهم، وخذل للمسلمين وإضعافهم، وكله محرم؛ ولأنه تعاون على الإثم والعدوان. ولا يقاس على مسائل صلح الحديبية في التسليم؛ لأنه كان خاصا بوحي، بدليل أن الصحابة لما كرهوا ذلك استفصلوا من رسول الله فأخبرهم أنه وحي من الله ولن يضيعه فيبقى غيره على الأصل (١).

стр. 288

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 289

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 290

فقه المال العام * (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) (النساء: ٥) * (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١) * «من استعملناه على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة». * المال هو قوام الحياة البشرية، وبه تقوم الدول، وبه تبنى الحضارات، وبه تنشر العلوم، وبه يرفع مستوى المعيشة، وبه تحمى البلاد من الطامعين، لأنه وسيلة للاستقلال السيادي والسياسي والاقتصادي من التدخلات والإملاءات الأجنبية المعادية، وإن المال هو رصاصة الجندي في ميدان الوغى، وهو قلم الكاتب، ومنجل الفلاح، وهو قارب الصياد، وهو الإرادة السياسية الحرة، وهو كتاب الطالب، وراتب المعلم، وهو منارة العلم. * حفظ المال أحد أهم وأكبر مقاصد الشرع الضرورية الستة (الدين، النفس، المال، العرض، العقل، وزدنا حفظ الجماعة العامة).

стр. 291

فقه المال العام تعريف المال العام: لا بد من تعريف المال العام قبل ذكر مسائله. وبالنظر إلى مفرداته ومتعلقاته بالاستقراء والتتبع يمكن التعريف للمال العام بأنه: ما لا يملك على الوجه الشخصي، ولا يورث، فكل ما يملكه شخص أو أشخاص فليس مالا عاما. وقولنا «يملك» احترازا من الوقف؛ فإنه ولو كان لجهة معينة لكنه غير مملوك، فدخل في المال العام؛ ولو كان نفعه لخاصةٍ، مَثَلُه كمثل توزيع المشاريع الخدمية من الدولة على جهات، فإن كل جهة منتفعة لا مالكة. وقولنا «ما لا يملك» بالمضارع خرج به إحياء الموات فإنه يمكن ملكه بإحيائه. واختلف في إذن الدولة في الإحياء، والراجح عندي أنه يعتبر في مواضع ويمكن ضبطه بأنه فيما لو لم يحصل الإذن لعمَّ الاختلال والبسط على الأراضي، فإن لم يحصل هذا الفساد فالأصل جوازه؛ ولعدم المانع. أو يُعَرَّف المال العام: أنه كل ما تجبيه الدولة. ولكنه تعريف ناقص؛ لأن من المال العام ما لا تجبيه الدولة مثل عقارات وأراضي وأصول الدولة. وإذا قيل: كل ما للدولة جبايته واستثماره، فهو كسابقه، والفارق زيادة «واستثماره». وهي مختلة؛ لأن الدولة قد تستثمر أموالا مملوكة على جهة المساهمة الشعبية في شركات وأسواق، وتعتبر الدولة مضاربة، لها من الربح النسبة المتفق عليها، أو شريكةً إن ساهمت (١).

стр. 292

ويمكن أن نُعَرِّف أو يُعَرَّف المال العام على غير هذه التعاريف؛ لأن هذا اجتهاد من المؤلف، لكنه عن بذل جهد في التأمل وجمع الضوابط، وتنقيح ذلك كله استغرق زمانا لكنه يبقى اجتهاديا قابلاً للقصور. والتعريف الأول هو أولى التعاريف وأجمعها. الآليات السبع لحفظ المال العام: أما حفظ المال الذي هو المقصود الشرعي الثالث؛ فإن حفظه يمكن أن نحصره في سبعة أمور فنقول: المال يحفظ: ضبطا، وتمييزا، وعددا، وتداولا، واستثمارا، وتوزيعا، وتخزينا. ١ - أما حفظه ضبطا: فهو التعريف الدقيق للمال وأنواعه تحت قواعد وضوابط تضم كل أنواعه. ٢ - وأما تمييزا: فهو تمييز وفرز أصنافه لتوظيف كل فيما وضع له. ٣ - وأما عددا: فهو معرفة الكم الدقيق للمال في كل صنف. ٤ - وأما تداولا: فهو ما يشمل مظاهر البيع والشراء، وانتقالات الملك بمعاوضة، أو تبرع، وتداول العملة، وما يتعلق بتنظيم ذلك بلا أضرار. ٥ - أما استثمارا: فالتجارات والصناعات والإنتاج ونحو ذلك من متعلقات الاستثمار. ٦ - وأما توزيعا: فهو يشمل معرفة الشرائح والجهات مستحقة المال بأولوية ضرورية أو حاجية أو تحسينية، وآليات وشروط وكميات وأنوع المال الموزع. ٧ - وأما تخزينا: فيشمل كل أنواع التخزين والتعليب والتوريد للخزانة العامة والبنك المركزي والخزانات الفرعية الرسمية في الوزارات وكافة جهات الدولة. حصر أنواع المال العام في أحد عشر نوعا: ومن خلال تعريف المال العام وآلية حفظه السباعية نستطيع بناء أكثر مسائل هذا الباب وأصوله، فنقول وبالله التوفيق:

стр. 293

ذِكْر أنواع المال العام مما يتعلق به الحكم الشرعي، وهو ما يدخل تحت قولنا في تعريفه: ما لا يملك على الجهة الشخصية ولا يورث. وما أمكن المؤلف حصره هنا أحد عشر نوعا بالاستقراء، وهذه الأنواع هي: ١ - كل عقارات وأراضي الدولة، بيضاء أو مزروعة أو مبنية أو مشغولة أو عاطلة محاطة أو غير محاطة، مسجلة في السجل العام أو شأنها التسجيل. ٢ - جميع مباني الدولة، ومؤسساتها، ووزارات وإدارات وهيئات ومنظمات ومراكز ومجمعات وعمارات ومراكز رئيسية، وسائر فروعها في كل أراضي الدولة، برا، وبحرا، سواء كانت مبنية على عقار الدولة، أو على عقار مملوك بإيجار، أو تَبرعٍ بالمنفعة به إلى حين. ٣ - جميع الآثار في جميع أراضي الدولة: الثابت، والمنقول. ٤ - جميع الأثاث والأدوات والأجهزة، أو وسائل تكنولوجية، أو عادية، مركبة أو مفردة، مصانع أو معامل ثابتة، أو منقولة: اللازمة للعمل في مرافق الدولة بما في ذلك الثابتة والمتحركة، والعهد داخلية وخارجية. وإن كانت مستأجرة فهي تجري مجرى المال العام في حفظها؛ لأن إتلافها يُعَوَّض من المال العام، وتفارق المال العام في ملكيتها الشخصية. ٥ - جميع ما ينفق من النقد وغيره لهذه المرافق صيانة وتشغيلا بما يدير المصلحة العامة من بدلات ونثريات، وتموينات بترولية، وقطع غيار، وتشمل النفقات التشغيلية والموازنة. وقولنا «بما يدير المصلحة العامة» خرج به النفقة النقدية التي لزمت الدولة كمعاوضة شخصية مقابل العمل الوظيفي بعقد، وهي الرواتب ونحو هذا، أو مقابل العمل الطارئ، وهي: إجارة عمال لعمل معين في المرفق لا على جهة الوظيفة، بل مؤقتا. فهذه بعد تسليمها للموظف أصبحت ملكا خاصا؛ لأنها معاوضة إجارة محضة بخلاف العُهَد، والتموينات النفطية، والنثرية؛ فلا تدخل في الملك الشخصي، بل تبقى في ملك المال العام، ولا تستخدم وتنفق إلا عليه، ولا تستخدم استخداما شخصيا محضا لا علاقة له بمصلحة العمل العام.

стр. 294

٦ - جميع ما تجبيه الدولة من أنواع المال يعتبر من المال العام بعد حيازته. ودخل في ذلك مال الزكاة، فهو من المال العام، لكنه مفروض أخذا، وقدرا، وصفة، وزمنا، وجهة إنفاق. لذلك فالواجب اتخاذ وسائل حافظة لهذا النوع بما لا يؤدي إلى إنفاقه في غير مصارفه، ولا الاختلال في أخذه. ويليه في الشبه أموال الوقف ثم النذور. ٧ - جميع الثروات الباطنة نفطية، وغازية، ومشتقاتها، ومعدنية. ٨ - جميع الثروات الجغرافية من موانئ، ومعابر، وحدود، وأجواء، ومتنفسات سياحية، وآثار، ومضايق بحرية، ومياه إقليمية، وثرواتها البحرية العامة، والأنهار ومنابعها فيما يتعلق بالمصلحة القومية العامة، وكذا الثروة الزراعية والبيئية والحيوانية والنباتية العامة في ذلك كله. وإنما قلنا «فيما يتعلق بالمصلحة»؛ لأن للأفراد والمجتمع حق المنفعة من الأنهار منفعة خاصة لا يد للدولة عليه بمسمى المال العام. ٩ - كل ما ينتج عن استثمار ما ذكر من الأموال فهو مال عام. ١٠ - وكل معاوضة بالمال العام من الدولة فالعوض مال عام. وقلنا «من الدولة» يشمل من تخولهم الدولة من أشخاص أو جهات. ويحترز بهذا القيد -أي «من الدولة» - عن معاوضة بمال الدولة من غير الدولة، لا أصالة، ولا وكالة، ولا تخويلا (١)، فإن المعاوضة باطلة، وهو من سرقة واختلاس المال العام، والعوض يضمنه ذلك المختلس لمن اشترى منه مال الدولة. وللدولة نزع مالها من ذلك المشتري وجوبا؛ لأنه من عين حفظ المال العام والأمانة عليه. ١١ - كل شبكات البنية التحتية من: طرقات، وتصريف صحي، وكهرباء، واتصالات، ومياه، وشبكات النفط والغاز في الدولة، وكل ما يتعلق بهذه البنية مما يوفرها ويوصلها

стр. 295

لعموم الشعب، من جسور، وأنفاق، ومعابر، وعبارات، ولوحات إرشادية، وعدادات، وكابلات وحواملها، ومحولات، ومولدات، ومنظمات الضبط، وموزعات، ومقويات الإمداد، والتغذية رئيسية وفرعية، عاملة واحتياطية، وكل متعلقاتها، وكل ما يتعلق بشبكة المياه حتى توفيرها للشعب لمحل الاستفادة منها سكنا، ومتجرا، ومنزلا، ومسجدا، ومرفقا عاما، أو خاصا. وجميع توابع هذا كله من العهد، والنفقات التشغيلية، ووسائل المواصلات والنقل. كل هذا داخل في المال العام. موارد الدولة: ويمكن حصر موارد الدولة في أربعة: الأول: التحصيل والجبايات. الثاني: الثروة الجغرافية. الثالث: الثروة القومية الكبرى. الرابع: الاستثمار. المورد الأول للدولة: التحصيل والجباية أما التحصيل والجبايات فيشمل كل ما يورد إلى خزينة الدولة من الأموال من جهة الفرض الشرعي، أو جهة الإيجاب الرسمي الاقتصادي الطارئ، أو الدائم، أو جهة المعاوضات الخدمية بالرسوم، أو جهة القرض من دولة أو جهة، أو عن جهة المنحة والهبة والمساعدة للدولة من التبرع الشعبي أو من جهة خارجية أو دولية أو محلية. ١ - الإيراد بالفرض الشرعي فالفرض الشرعي هو الزكوات، والواجب فيها تمييزها عن سائر الأموال (١)؛ لانحصار مصارفها وتعيينها بالنص (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠).

стр. 296

٢ - الضرائب والجمارك (والإيراد بالإيجاب الرسمي الاقتصادي) أما الإيجاب الرسمي الاقتصادي دائما أو طارئا فهو: ما يفرض من الدولة من ضرائب مختلفة، وهذه إنما تجوز للضرورة القصوى، والضرورات تقدر بقدرها، وتكون حال عجز الدولة عن القيام بنفقاتها الضرورية والحاجية عجزا غير ناتج عن السرف والتبذير للمال العام أو الفساد فيه. فالأصل عدم أخذ شيء من أموال الناس لحرمتها بالنصوص القطعية إلا بإذن شرعي، والشرع يأذن في الضرورات ما لا يأذن في غيرها، والواجب في فرض قانون الضريبة: جمع المختصين من العلماء في الشريعة، والخبراء في الاقتصاد، والتجار، وممثلين عن السلطة؛ لدراسة المسألة، والتقنين بما لا يتعارض مع أصول الشريعة المراعية للمصلحة العامة من جهة والخاصة من جهة أخرى. ومن جبايات الدولة كذلك الجمارك وهي: رسوم تؤخذ على كل السلع المستوردة الداخلة إلى أراضي الدولة. - حكم مقاولة الضرائب والجمارك ولا يجوز مقاولة الضرائب ولا الجمارك لشخص بمبلغ معين مقطوع يسلمه عن ضرائب جهة معينة؛ لما فيه من الفساد والظلم والمفاسد الكثيرة. وهو خارج عن العمل في جباية المال العام إلى ضمان مبلغ معين مقطوع في ذمة شخص معين للدولة على جهة عامة معينة. وهذا الالتزام بالمبلغ المقطوع لا يُخرَّج قياسا على الاستثمار بالمضاربة المشروعة من أي وجه؛ لأنها عبارة عن دفع مال لآخر يعمل فيه، والربح بينهما بما يتفقان عليه، والخسارة إن وقعت فعليهما ذاك من رأس ماله والعامل بعدم معاوضته بعمله. فليس لمقاولة الضرائب ولا الجمارك أيُّ وجه شرعي، لا منصوص، ولا منطوق، ولا مفهوم، بل هي هوى وظلم للناس بما يتخذه من حصل على العقد من مبالغات في فرض الضرائب على الناس ليحصل مبْلَغَه ومبلغ الدولة المقطوع.

стр. 297

وتنتج في ذلك كثير من المفاسد والفساد المالي والإداري والظلم والتزوير للأرقام والحقائق والغرر والجهالات والضرر على المال العام والشعب. ٣ - الإيراد بالرسوم مقابل الخدمة: والإيراد بالرسوم نقصد به كل أنواع الرسوم الخدمية التي تأخذها الدولة عبر مرافقها المختلفة وهي نوعان: النوع الأول: ما يؤخذ ويقصد به المعاوضة على الخدمة، وهي: ما تُحصِّله الدولة من وزارات خدمية مثل وزارة الكهرباء، والمياه، والاتصالات. النوع الثاني: ما يؤخذ ويقصد به رسوم إدارية نحو: رسوم المستشفيات، والمدارس، والكليات، والبلدية، والنظافة، وتصاريح الأعمال من الجهات المعنية وغير ذلك. والإيراد بالرسوم الأصل أنه لا مانع منه؛ لأنه نوع استثمار للمال العام بما يخدم المصلحة العامة، ويُحَسِّن ويطوِّر العمل في مرافق الدولة، وهذا مما لا تمنعه الشريعة، بل قد تأمر بأنواع منه بشروط. والعدل والإحسان في ذلك أكبر وأظهر الشروط؛ فلا ضرر ولا ضرار (١)، فلا يجوز فرض ما يعجز عنه عموم الناس. وإن عجز مواطن عن دفع رسوم خدمية، وكان العجز ناتجا عن الفقر لا التهرب؛ فإنه يعفى عنه. ويثبت العجز بشهادة عدلين، أو استفاضة، وتواتر، أو تشكيل لجنة لاتخاذ آلية لإيصال الخدمات للفقراء العاجزين عن الرسوم بلا مقابل، وهذا من التعاون على البر والتقوى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢). و المورد الثاني للدولة: الثروة الجغرافية: ونعني بالثروة الجغرافية: الموقع الاستراتيجي للبلد، والمعابر، والمضايق البحرية، والموانئ، والمطارات، والأجواء، والمياه الإقليمية، ومعابر أنابيب الثروات الاستراتيجية من نفط وغاز،

стр. 298

وكذا الثروة السياحية من متنفسات طبيعية، جبالية، وسواحلية، وبرية، ومعالم تاريخية أو جمالية. وكذا الثروة الزراعية، ويتبعها الحيوانية برية وبحرية، والصخرية، والنباتية الطبيعية كالغابات. فهذه كلها تمثل ما يمكن أن نسميه الثروة الجغرافية، ويشرع استغلالها الاقتصادي بما يعود بالنفع للمال العام، وما يترتب على ذلك من مصالح كبرى تبنى عليها مؤسسات الدولة. و المورد الثالث للدولة: الثروة القومية الباطنة ونعني بها هنا أكبر الثروات المعاصرة وهي النفط والغاز والذهب والمعادن (١). و المورد الرابع للدولة: الثروة الاستثمارية ونقصد بها: ١ - الاستثمار لهذه الثروات بكل عمل مشروع ينبني عليه الربح غالبا. ٢ - وجذب الاستثمار وتشجيعه، وحمايته، ودعمه. ٣ - إقامة نهضة صناعية وإنتاجية شاملة متكاملة. الأحكام العامة للمال العام: ولا يلي ولاية مالية عامة للدولة المسلمة إلا مسلم عاقل بالغ عدل قوي أمين راشد، فالإسلام شرط الولايات العامة في الدولة المسلمة. لأن طاعة أولي الأمر مشروطة بأهل الإسلام (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، ولأن خلع الإمام لو جاء بالكفر البواح واجب؛ فتمنع ابتداء بالأولى، ومنع ما دونها من الولايات أولى؛ ولأن موالاتهم محرمة؛ وولايتهم أعظم من الموالاة. وللنهي المحرم طاعتهم (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨)، والولاية أم الطاعة ورأسها، وأن الولاية العامة هي أعظم الموالاة، ومعلوم قطعا أن الموالاة من المؤمنين لا تكون إلا للمؤمنين لا للكافرين، ولأن تولية الكافر خلاف مقصود الشرع في التمكين للمؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ

стр. 299

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥)، ولأنه من أعظم السبيل للكافرين على المؤمنين، وهو محرم (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١). بيع المال العام: وبيع المال العام لا يجوز إلا من الدولة بقانون يوافق مقصد الشريعة في حفظ المال العام. ولا يباع إلا إن كان الأغبط بيعه لا بقاؤه؛ لأن خلاف هذا من الضرر، وهو مدفوع. ويورَّد الثمن للخزينة العامة. وأجرة السعاية في بيعه لا يعطى المفوض في بيعه شخصا، أو جهة منه شيئا؛ لأنه يؤدي إلى إمضائهم العقد ولو بغير غبطة لأجل تحصيل أجرتهم؛ ولأن بيعه جزء من عملهم الوظيفي ولهم عليه راتب وبدلات وعلاوات؛ ولأن أجرة السعاية لهم في معنى الرشوة لتمرير العقد والعمولة. و«الكاشن» التي تدفعها الجهات الراغبة في الشراء لأشخاص نافذين أو جهات هي من الرشوة؛ لأن مقصدها تمرير إتمام صفقة الشراء بثمن ليس فيه غبطة للمال العام. كأن يكون بأقل من سعر مثله في السوق محليا إن كانت جهة الشراء محلية، أو سعر مثله في السوق العالمية إن كانت جهة الشراء دولية أو خارجية؛ لأنه لا يجوز بيع مال المسلمين «المال العام» إلا بسعر مثله في سوقه زمانا ومكانا؛ لأن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة الغالبة العامة، وهذا ضرر. وقولنا «في سوقه»: هو قيد هام؛ لأن المماثلة تكون في سوق الصنف لا في مطلق السوق؛ لعدم انضباطه حينئذ. فإن فُعل وبِيع بأقل من سعر مثله مما لا يتسامح في عرف السوق بذلك النقص؛ فالبيع باطل؛ لأنه تصرف من الوكيل في مال الغير بضرر فاحش. ويبطل العقد؛ لأن الضرر يزال، فإن أمكن إزالته -أي الضرر- بتصحيح العقد بسعر مثله صح.

стр. 300

ولا يقال: إن رَضِي المالك صح ولو بضرر؛ لأن هذا العقد في ملك الشعب؛ ومعرفة رضاه بالضرر متعذرة، ولا ينوب عنه مجلس النواب في الرضا بالضرر؛ لأن نيابتهم موقوفة على المصلحة الغالبة، وهي منتفية هنا. لذلك يقطع بمنع تصرف الولاة ونواب الشعب إلا في المصلحة العامة: محضة، أو غالبة ظاهرة؛ لتعذر معرفة رضا كافة الشعب بالضرر في كل مسألة فقطع هذا الباب البتة بقاعدة «تصرفات الولاة منوطة في المصلحة». وقولنا «ظاهرة»: قيد مهم حتى لا يُدَّعى حصول المصلحة مع عدم ظهورها؛ لأنها حينئذ وهم أو خطأ أو حيلة على المال العام. والعقد إن أمضى مع الضرر الفاحش من متنفذين فاسدين من الولاة، فهو لا يلزم الشعب، ويجب إنكاره، والسعي لمنعه بكافة الوسائل رسمية وشعبية سلمية. ويفسق من أنفذ العقد، ويجب مقاضاته، وعزله؛ لخيانته أعظم الأمانات. فإن جاءت حكومة أخرى فالعقد غير لازم لها، ويجب عليها منع استمرار العقد إلا بتعديل سعر البيع بمثله. وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١)؛ لأن ثروات البلاد كالنفط والغاز والذهب والمعادن وغيرها ملك عام، والضرر فيها من المنكر العام، وإزالة المفاسد العامة من أول ما يجب على الدولة. بل وتقدم على جلب المصالح؛ لاجتماع المقصدين فيها؛ لأن دفع المفسدة العامة هو جلب للمصلحة العامة. الإقراض من المال العام: والإقراض للمواطنين من المال العام إن كان بآلية مُنظَّمة مضبوطة قائمة على المصلحة العامة وعدم الإضرار بالمال العام، مقرة من جهة النواب؛ فهي جائزة، بل قد تشرع وجوبا؛ لدفع الحاجة عن أهلها مع وفرة مال؛ لأنها من المصالح العامة، وهي من الرفق بالناس.

стр. 301

ويكون منعه مع قدرة الدولة وحاجة الشعب وفاقته مشقةً وضرراً، وهي مذمومة؛ لذلك دعا النبي ﷺ على من شقَّ على الرعية «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه» (١)، وهذا منه. ومما قلناه تُفهم شروطٌ للإقراض: الشرط الأول: الآلية المنظمة لذلك؛ لأن الإقراض بدونها خبط عشواء تترتب عليه مفاسد كثيرة وفساد. والشرط الثاني: إقرارُ ذلك من نواب الشعب أو جهة مخولة بتقنين يخدم مقاصد الشريعة في التيسير على الناس، وحفظ مصالحهم وأموالهم؛ لأنه إن لم يكن بتخويل من جهة تنوب عن الشعب دخل فيه فساد وعبث وتحكم بالهوى. والشرط الثالث: أن يكون القرض للمواطنين، لا لدولة أخرى، فسيأتي تفصيل هذا؛ لأن أحقيتهم في القرض مقدمة؛ إذ المال مالهم، ويجب أن تعود منافعه لهم، والقرض عقد إرفاق من أعظم المنافع والمصالح؛ فهم أولى به. والشرط الرابع: أن يكون الإقراض بلا فوائد ربوية. والشرط الخامس: غلبة المصالح في إقراض الناس، وعدم الضرر على المال العام. حكم الاقتراض بالربا لبناء مسكن أو شراء سيارة: ودليل حرمة الإقراض بالربا ظاهرٌ؛ لأنه محرم قطعيا بالنص (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥)، ويحرم على الدولة فعل ذلك، ولا يجوز الدخول من أحد في هذا العقد قطعي التحريم.

стр. 302

هذا هو الأصل الشرعي، ومن أفتى بجواز ذلك لمضطر لبناء مسكن، أو شراء سيارة جَعَلها استثناءً على خلاف الأصل، بعلة الاضطرار قياسا على النص (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة: ٣). وهو قياس مع الفارق؛ إذ الاضطرار في النص لحفظ ضروري لا يدفع عنه التلف إلا بذلك، فجاز أكل الميتة؛ لدفع الموت جوعا ولحفظ ضروري ولعدم بدلٍ يحفظ به من التلف إلا بذلك، بخلاف المسكن فهو مع كونه حاجياً ينزل منزلة الضروريات تدفع ضرورته بالاستئجار، وكذا السيارة، فافترق الفرع عن الأصل المقيس عليه. فإن لم يوجد السكن بعقد الإيجار ولا التبرع، وكذا الركوب استوى القياس وجوزت المسألة. وعلة الحاجة لمسكن أو مركب كانت موجودة زمن الصحابة حال نزول هذه الآيات، ولم تستثن. كما لم تستثن حاجة الأيتام لتخليل الخمر (١). ونزل تحريم الربا وكان الاقتراض الربوي لتجارة، أو لحاجة ضرورية، أو حاجية كبناء مسكن، أو شراء مركب موجوداً، وإنما نزل فيه ولم يتسثنه. ولذلك لا يُدْفع حد السرقة عمن سرق لعلة بناء بيت أو شراء سيارة، بخلاف دفع الحد لشبهة دفع الهلكة جوعا.

стр. 303

ولذا يجوز الاقتراض ولو بالربا لإجراء عملية جراحية لإنقاذ نفس أو عضو من التلف؛ لأنها من الضروريات، ويدفع الحد للشبهة في سرقة لذلك، ويبقى ضمان المال لصاحبه. ويشرب المختنق شربة ولو من خمر؛ لإنقاذ حياته اضطرارا، لكن لا يمكن لمفت أن يجيز صفقة خمر مربحة لبناء مسكن أو شراء سيارة. ولا يجوز الاتجار في الخمر والمحرمات لعلة توفير مصروف ضروري أو حاجي للأسرة من طعام وشراب وغيره؛ لأنها تصبح شريعة عامة تؤدي إلى هدم الدين؛ فبطل الإفتاء بذلك. وهذا بخلاف الإفتاء لشخص معين في زمن معين لدفع علة الهلاك نفسا أو عضوا تنتهي في ساعتها. المصاريف الإدارية على القرض: وفرض المصاريف الإدارية على القرض، ولو بنسبة واحد في المائة هي فائدة ربوية، ولا يمكن جوازها بعلة قلتها وحقارتها؛ لأن جريان الربا العالمي بنحو هذه النسبة؛ يُبْطل هذا التمسك بهذه العلة، ولعموم تحريم الربا قليلا وكثيرا. ولا يقاس على ما يعطى للوزان والحمال؛ لأن أولئك أجراء يعطى لهم ما يتعارف عليه بحسب وزن أو حمولة، وعقودهم مستقلة عن الصفقة ومتفاوتة العوض على ذلك العمل بعينه. بخلاف المصاريف الإدارية فهم موظفون مع جهة الصفقة برواتب معلومة مقطوعة بالقدر والزمن مقابل عملهم، وهذا منه. فتسمية نسبة لهم على العقد شيء آخر غير هذه الصورة وليس أجرةً بل هو الربا تحيلا. ثم إنه لا يصل إلى أيديهم ذلك، بدليل أن رواتبهم مقطوعة سواء حصلت عقود الإقراض أم لا، وإلا لظهرت هذه النسبة على علاواتهم وتزيد بالزيادة في مثل عقود الإقراض وتنقص بها. فكل هذا من الوهم والهوى والتحيل على الدين. هذا ما نراه، وفي كلام أهل العلم المعاصرين اضطراب واختلاف فيها. الإقراض من المال العام لدولة أخرى، وعدم اختصاص الثروات بالحدود السياسية: أما الإقراض من المال العام من الدولة لدولة أخرى، فإن كانت الدولة المقرضة غنية والأخرى فقيرة وهما دولتان مسلمتان، فقد يجب ذلك دفعا للضرر العام عن أهل الإسلام.

стр. 304

ولأن ثروات المسلمين الأصل أنها لسائر المسلمين، والاختصاص بمواطني الدويلة المعينة اختصاص تقديم أولوي لا حصري، أصله إخراج زكاة بلد على فقرائها، فإن كانوا أغنياء أخرجت الزكاة للفقراء والمساكين خارج البلد. والدليل على عدم اختصاص الثروات حصريا لأهل ذلك البلد أنه مال عام؛ والعلة في توزيع المال العام هي: الفقر والمسكنة وغيرها من العلل المنصوصة. وهذه العلل الشرعية ليس منها المواطنة، أو الجنسية الجغرافية، بل قال الله معللا توزيع الفيء من المال العام (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر: ٧). والتقسيم الحدودي السياسي بين دول العرب والمسلمين أصله باطل؛ لمناقضة أصل الأمة الواحدة، والباطل لا يكون علة شرعية، ولذلك انبنى عليه ما يعارض علل الشريعة في كثير من المواضع؛ فكان المال دُولَة بين دويلات العرب النفطية مع فاقة غيرهم من أهل الإسلام. وفُرِضَ بعلة الحدود السياسية الجغرافية عدم حفظ وسلامة دويلات الإسلام من غزو عدو من غيرهم؛ بحجة عدم التدخل في الشئون الداخلية، وانبنى على ذلك قوة أهل الكفر وضعف دول الإسلام عموما. إقراض دولة مسلمة لدولة كافرة: فإن كان القرض مقدما من دولة غنية مسلمة لدولة غير مسلمة، فإن كانت من أهل السلام فقد يشمله النص (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). وشرط القرض: أن يكون للأمور الإنسانية والمدنية لا الحربية والتسلح؛ لأنه ليس من البر إلا أن تكون الإغاثة لدفع كافر حربي اعتدى عليهم. وإن كانت الدولة محاربة لأهل الإسلام، وحل بها كارثة إنسانية كمجاعة، أو نزوح؛ فلا مانع من إغاثتهم تبرعا، أو قرضا؛ لأن المدنيين غيرِ المحاربين من بني الإنسانية يشرع الإحسان إليهم؛ لأنه من البر المأذون فيه، لذلك نُهي عن قتل النساء، والأطفال، والعُبَّاد، والمزارعين،

стр. 305

والعُمَّال (١). بخلاف حصول كارثة بالجيش المقاتل لأهل الإسلام كغرق سفنهم، فلا تجوز إغاثتهم، أو إعانتهم؛ لأنه منهي عنه بدلالة النص (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨)؛ فأجاز البرَّ لغير المحارب، ولأنه من الإعانة على البغي والاعتداء على أهل الإسلام. رهن المال العام: ولا يرهن من المال العام إلا لحفظ المال العام من جهة أخرى: كالمساهمة الاستثمارية الغالب عليها الربح، أو الاقتراض من جهة للمصلحة العامة الراجحة. ولا يرهن إلا ما يجوز رهنه مما لا ضرر فاحش في رهنه، فلا يرهن من الثروة القومية أو السيادية شيء كآبار النفط، والغاز، ومناجم الذهب، ومنافذ البلاد بحرية وبرية ونحوها، فهذا ونحوه مما لا يجوز رهنه؛ لضرره البالغ على أهل الإسلام؛ فالتصرف حينئذ باطل. تحصيل المال العام ومسائله: وعند تحصيل المال العام لا يؤخذ غير المقرر؛ لأن فوق ذلك اعتداء وأموال الناس معصومة بقطعيات الشريعة القليل والكثير، ولا تؤخذ كرائم الأموال (٢)، بل من الوسط لا ضرر ولا ضرار. ولا يتساهل في تحصيل المال العام؛ لأنه تفريط في أمانة، وذلك محرم.

стр. 306

ويجوز إسقاط الشيء الممكن إسقاطه، فقد كان من يبعثهم رسول الله ﷺ يسقطون نسبة معينة على أرباب الأموال (١).

стр. 307

والنسبة في كل بحسبه. وفرض غرامات تأخير دفع المقررات لا يجوز؛ لأنه يصبح دينا في الذمة، والغرامة على تأخير الدين ربا النسيئة، وهو محرم. - من عجز عن دفع المقرر للدولة: ومن عجز عن دفع المقرر لبيت المال أثبت عجزه بحجة شرعية، وأعفي. ولا يجوز تكليفه دفعه حينئذ؛ لأن الله يقول (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: ٧). إلا إن فشا فساد الذمم، فلا يعفى إلا بحكم قضاء عادل نزيه لا يحتمل فيه شراء الحكم بالمال. وإن قلنا يستقر في الذمة كالدين جاز إنظاره إلى ميسرة لعموم (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠).

стр. 308

تبديل المال العام: ويحرم تبديل المال العام بالخبيث (وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) (النساء: ٢). ولا يبدل مطلقا، ولو بالطيب؛ لأن التبديل هو معاوضة في معنى البيع والشراء، ولا يصح إلا إن كان الأحظ للمال العام في الربح بغبطة ظاهرة. وهذا لا يكون في التبديل؛ لأن المقصود الغالب منه تحصيل منفعة من بدل ماله، لا تحصيل مصلحة المال العام. فيكون بيعا ظاهرا، وحيلة خبيثة باطنةً. وكل حيلة أدت إلى مناقضة أحكام الشرع فهي منقوضة باطلة. سرقة المال العام واختلاسه ونهبه من كبائر الذنوب: ويحرم سرقة المال العام، ويعزر فاعله، ويضمن ما سرقه، وفي الحد قولٌ صحيح أنه يدفع؛ لشبهة شيوع حق عموم الناس فيه، والحدود تدرأ بالشبهات (١). والمختلس كالسارق في الحكم تضمينا وتعزيرا لا حدا. والفرق بينهما: أن المختلس يأخذ خلسة مما تحت يده من المال العام، بحكم وظيفته بخلاف السارق، فهو أجنبي عن ذلك.

стр. 309

وتعريفه: أنه أَخْذُ مال الغير خفية بلا حق من حرز مثله. فالسارق يأخذ من الحرز والمختلس مما في يده. ويحرم كذلك نهبٌ من المال العام حال حدوث فتنة، أو كارثة، وانفلات الأمن ويدخل في عموم (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٨٨). ومن أخذ شيئا من ذلك وجب عليه رده وضمانه؛ لأنه أخذه بلا حق. ويجوز أخذه لحفظه من ناهب، بل قد يجب كاللقطة يجب أخذها من يد فاسق لحفظها. والنهب هو: الأخذ علنا بلا وجه حق، ولو على غير وجه الغلبة بل لانفلات أمن بسبب حرب ونحوه، وقد نُهِيَ في الشرع عن النهب (١)، وبايع جماعة على ذلك. وكل أنواع الأخذ من المال العام بلا وجه حق هو من الغلول المحرم (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١). ضمان من أتلف شيئا من المال العام: ومن أتلف شيئا من المال العام ضمنه سواء كان بتفريط أو غير تفريط؛ لأن الأصل ضمان أموال الناس بمجرد الإتلاف والتفريط، وعدمه دعوى. ولا يوجد دليل يرفع الضمان عمن أتلف غير مفرط، بل أدنى ما يقال فيه أنه خطأ لا عمد ولا يقال ذلك في التفريط؛ لأن التفريط نوع تعمد. والشريعة تضمن حال الخطأ إتلافات الأموال والأنفس، ولو من غير مكلف كصبي ومجنون. ويجوز في بعض المسائل عدم التضمين ممن لم يفرط لا على الإطلاق. ويمكن أن نتخذ دليل «العادة محكمة» مُفَصِّلا للأصل الشرعي.

стр. 310

والعادة مأمور بها (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩) و «العادة محكمة» إحدى القواعد الخمس الكبرى التي تدور عليها الشريعة. فلا مانع من التفصيل في بعض المسائل، فيضمن المتلف مع التفريط لا مع عدمه فيها. ولا بد أن يقال بعدم التفريط وعدم التضمين في إتلاف ما يغلب تلفه لقدمه وتهالكه؛ لأن هذا من العدل والإحسان المأمور به شرعا إلا إن ثبت تعدٍّ بإتلاف عمد عدوان، فهذا ضامن. الاستعمال الآمن للمال العام: ويجب في استعمال المال العام أن يستعمل استعمالا آمنا، لا متلفا، ولا مسرعا بتلفه؛ لأن الدين النصيحة، ومنها النصيحة لعامة المسلمين، وحفظ مالهم من ذلك. فالواجب معاملته في الاستعمال كما يعامل الشخص ماله في الحفظ، وإلا فهو نوع غش محرم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١). فيصان دوريا، وينظف من أتربة ضارة وصدأ، ويشترى له قطع الغيار بدلا عن قطعة تالفة أو متهالكة تضر بأمور أخرى لو بقيت، ويصلح ما يمكن إصلاحه. وبالجملة فكل ما يحب المؤمن لنفسه في ماله، وجب أن يحبه في مال غيره خاصه وعامه، وإن لم يحب لم يكمل إيمانه للنص. ويجب عليه أن يفعل الحفظ ولو لم يحب ذلك؛ لأنه إن لم يحفظ المال العام، فهو خائن لا يجوز توليته؛ لمخالفته مقصود العقد من وظيفته وعمله الملزمة له بتمام الحفظ شرعا وعرفا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). ومن اطلع على مقصر في الحفظ نصحه؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى. ويحرم تبذير المال العام والإسراف فيه (وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا) (النساء: ٦)، (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨). والنثريات، والعلاوات، والبدلات تكون بما يقوم بالحاجة المرصودة لها، فإن كانت أكثر من ذلك بزيادة فاحشة دخلت في التصرف المفسد للمال العام، فبطلت.

стр. 311

ولا تُنْقَص نقصا فاحشا بما لا يفي بالغرض المقصود منها؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار؛ ولأنها حينئذ نوع عبث بالمال العام؛ لأنه كالتضييع له؛ لعدم تحقيقه المقصود منه. وهكذا جميع الاستحقاقات والصرفيات من المال العام، كالسيارات ولوازمها وتموينها لكبار الموظفين، يجب فيها القصد بما يحقق مقصودها، فلا سرف ولا إقتار. فإن واجهت الدولة أزمة قُدِّم في صرفياتها الضرورات، وما يقوم مقامها من الحاجيات، وهي: ما لا بد منه لتسيير الأمور، بحيث لو أزيلت تعطلت أمهات المصالح. ولا يوضع المال العام في بنوك تتعامل بالربا؛ لأنه محرم قطعي. ويحرم إيداعه في بنوك خارج الدولة أو داخلها بأسماء شخصية؛ لأنه تضييع له وسبيل إلى تملكه الشخصي. ويستثمر المال العام في كل عمل مباح ربحي فيه غبطة، واحتمال الخسارة فيه نادر، والربح غالب. ولا يستثمر في شركات تتاجر في المعاصي. وما كان من المال العام مما يعم نفعه للمصلحة العامة، فيحرم إقطاعه، وتمليكه لجهة شخصية. وتنزع إن حصل ذلك كما نزع رسول الله ﷺ الملح المأربي من رجل جاء إليه فقال: اقطعني الملح بمأرب فأقطعه فقيل له إنما أقطعه المال العد -أي: الخالص العام- فنزعه ﷺ (١).

стр. 312

التوزيع العادل للمال العام ومراعاة الشرائح الضعيفة: وما يوزع من المال العام بين الناس، يجب أن يكون بالعدل، فيعطى بحسب الحاجة، وإذا تساوت الحاجة أو تقاربت تساوى العطاء، وإن تباينت تباين العطاء بحسب ذلك. ويُقَدَّم الفقير والمسكين المتربة ممن لا مصدر له للدخل، لا بعمل يشتغل به؛ نظرا لانعدام الأعمال ووفور البطالة، أو لعجز في بدنه، ولا بكافل يكفله وينفق عليه. ودليله أن الفقر والمسكنة جعلهما الله عمدة في علل الإنفاق. ويقدم من هؤلاء صاحب العيال، وكذا الضعفة من النساء والمسنين والمعاقين واليتامى والأطفال، وكذا الضعفة من الرجال في بدن أو عقل أو عيٍّ. ودليل ذلك: أن الله خص في يوم المسغبة والمجاعة مسكينا ذا متربة، مراعاة لشدة حاجته. وقرنه باليتيم؛ لأنه مثله غالبا؛ لعدم الكافل. فهذه المراعاة تدل على اعتبار شدة الحاجة علة في التقديم. ويُغاث المتضررون جراء الكوارث أو الحروب من النازحين والماكثين، ويقدم الأشد تضررا في إسعافه وإغاثته، ثم الذي يليه، ثم هكذا حتى تعم سائر أهل الضرر؛ لأن دفع الضرر واجب، والأشد أوجب. ويراعى في التوظيف مع المؤهل جانب الحاجة؛ لأنها علة مرعية في الإحسان، والعطايا، وفرض الصدقات. فالإحسان كقوله تعالى (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) (النساء: ٣٦) فراعى أصحاب الحاجات من اليتامى والمساكين. وفي العطايا قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢١٥). وكذا في الفيء والغنائم وفرض الصدقات. والوظيفة العامة إحدى علتيها: سد الحاجة للموظف وهو من أعظم الإحسان، والأخرى طلب الكفاءة للإحسان في المصلحة العامة.

стр. 313

دعم مهن أصحاب الدخل المحدود والشرائح الفقيرة من المال العام، ومنع كبار الملاك: ويشرع الدعم من المال العام لمهن الشرائح الفقيرة ومصادر دخلهم فلا يعاملون معاملة أصحاب رؤوس الأموال. وقد جاء في البخاري عن عمَر سنُّ ذلك، واتباع الراشدين خاصة في سننهم العامة التي تتعلق بها المصالح أمر شرعي، وهذه مصلحة عامة مستمرة تعتبر من أصول السياسات الإصلاحية في توزيع الثروة، ومكافحة الفقر، ودعم مصادر الدخل للشرائح المحتاجة. فقد جعل عمر منطقة حصرية لنمو أنعام الأسر الفقيرة، ومنع رؤوس الأموال من ذلك، ونص عليهم بأسمائهم. فقال عمر لهني كمسئول عن ذلك: «يا هني أدْخِل ربَّ الصُريمة وربَّ الغُنيمة، وإياي: ونعم ابن عوف وابن عفان، فإنهما لو هلكت ماشيتهما، رجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة لو هلكت ماشيته جاء بأهله على بابي: يقول: أي عمر أطعم بنيَّ. أفتاركهم أنا لا أبا لك! ! فإن الماء والكلأ أهون علي من الذهب والورق» (١). ورب الصُريمة: أي صاحب القطعة القليلة من الماشية. ورب الغُنيمة: أي صاحب الغنم القليلة. وفي هذا القانون من مسائل الفقه السياسي الاقتصادي أصول وقواعد، فمنها: - اهتمام الحاكم بالأوضاع المعيشية في الشعب وتمام معرفتها؛ لأنها وسيلة إلى معالجتها التي هي جزء كبير من مسئوليات الحاكم. - ومنها: دعم الدولة للمشاريع الإنتاجية ومصادر الدخل للشرائح الفقيرة كما دعم عمر مصادر الدخل المعيشي لتلك الشريحة المحتاجة والمتمثلة في الماشية، فخصص لها من أرض الدولة الخصبة مكانا للنمو، مع إصدار أوامر صريحة بأرباب الأموال لمنعهم من ذلك. وعلل ذلك بوجود بدائل تغنيهم، بخلاف الشرائح الفقيرة وهم كثير.

стр. 314

فعلى الدولة دعم وسائل المعيشة للشرائح محدودة الدخل، من البساطين، والتجارات البسيطة التي هي مصدر عيش لا مصدر إثراء، فيعفون عن كثير من الجبايات الرسمية بما يدعمهم ولا يضر بالمال العام. ويُحْمَون وجوبا من أكلة السحت من النافذين الذين يظلمونهم ويبتزونهم بمسميات عديدة وتبريرات خاطئة. مما يؤدي إلى تعطيل كثير من مصادر الدخل للأسر الفقيرة، وينعكس ذلك تدريجيا على وجود نشاطات مختلفة كانت مرتبطة تكامليا بتواجد هؤلاء بكثرة في سوق العمل؛ لأن سوق العمل دائرة متكاملة إذا انفرطت أثرت في دورات المال (١). - ولذلك بيَّن عمر منبها: أن انعدام مصدر لدعم الأسر الفقيرة يحمل رب البيت على الخروج مع أهله في مظهر شعبي إلى باب عمرَ، مرابطين سائلين ضرورات العيش. - ويجب عليه حينئذ التجاوب بالإنفاق النقدي من خزينة الدولة. ويكلف الدولة تكاليف كثيرة أشد من دعم الأسرة الفقيرة بوسيلة إنتاج، وهذا هو تعليل عمر الاقتصادي «فإنفاق الماء والكلأ أهون من إنفاق الذهب والورق». دعم الضرورات المعيشية: ومما يشرع قياسا على هذا: دعم الضروريات المعيشية، وما ينزل منزلتها من الحاجيات فيدعم من المال العام سعر القمح، والخبر، والسكر، والمشتقات النفطية، والغاز تسهيلاً على الأكثرية الغالبة من الشعب من محدودي الدخل؛ لأن الحكم للأغلب (٢).

стр. 315

وكذلك يدعم سعر الدواء في المستشفيات الحكومية، وسائر أمور المعاينات، وأسعار الكتب المدرسية، ورسوم التعليم إن لم تكن هذه مجانية في الأصل؛ لأن هذه كالضروريات التي لا بد منها لعموم الشعب. وارتفاع أسعارها مع شدة الحاجة إليها يترتب عليه ضرر فاحش يتعلق بخدمة ضروريات كبرى في الشرع وهي النفس، والعقل. ودفع الضرر الفاحش العام على الناس من أول واجبات الدولة؛ لأنها ما وجدت إلا لدفع المفاسد وجلب المصالح. - العدل في توزيع الثروة والبنية التحتية بلا مناطقية أو فئوية: ويجب على الدولة العدل في توزيع الثروة وخدمات البنية التحتية الحديثة من صحة، وتعليم، وطرق، وكهرباء، واتصالات؛ فإن الله أمر بالعدل والإحسان، وهو عام تدخل فيه الدولة وغيرها. ولأن هذه الأمور هي من المال العام للمسلمين، والعدل فيه فرض. وتقديم أو حصر أو تخصيص جهات ومناطق بالخدمات بغير مبرر سوى النفوذ المناطقي أو الحزبي نوع من ترك العدل. الكفالات الاجتماعية: والكفالات الاجتماعية كالتي تسمى بالحالات الاجتماعية، أو الإعاشة، أو الإعانة ونحوها يجب في صرفها وتقريرها جعل الحاجة وسدها علةً لذلك. فلا تستغل لحزب أو نافذين أو ابتغاء تبعية؛ فإن هذا من القبائح؛ لأن فيها مع الظلم خيانة أمانة الولاية واستغلال حاجة الناس لتعبيدهم لحزب أو فئة، وحصار رأيهم في قول الحق، ومحاربة الظلم، وجعلهم أدوات وأعواناً ولو مع الظلم. العدل في توزيع الدرجات الوظيفية: وكذلك يجب العدل في توزيع الدرجات الوظيفية بين الناس من المؤهلين؛ لأن ذلك من المال العام، والحق فيه شائع ومشترك للناس بحسب ما يشترط من المؤهلات ونحوها من

стр. 316

الشروط، وكل وظيفة بحسبها. إكرام موظفي الدولة مدنيين وعسكريين: ويشرع إكرام موظفي الدولة مدنيين وعسكريين في رواتبهم وعلاواتهم وسائر التعامل معهم؛ لأن الإكرام وسيلة لتحصيل المنافع (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١). وقد ساقها الله مساق الامتنان والإقرار لما قاله العزيز؛ فشرعت؛ ولأن أصل الإكرام مقصود للشرع للنص «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١). ولأن إعطاء الرواتب للموظفين هي معاوضتهم على عملهم، وشرط المعاوضات العدل وعدم الغبن الفاحش، وإعطاؤه راتبا شهريا لا يكفي حاجاته الضرورية ولا أسرته التي يعولها هو من الغبن الفاحش، والاستغلال القبيح للحاجة والفقر. وهذه أمور تخالف مقصود الشرع في العدل والإحسان والمكارم؛ ولأن أجرة الأجير تكون عادة بحسب العرف الجاري، ومعلوم أن عادة الدول مع موظفيها مراعاة كفاية الرواتب والأجور للحاجات. والعمل بالعرف أصل شرعي. هذا إن كانت الدولة قادرة على ذلك وإلا جرى قانون (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) (الطلاق: ٧). رعاية أسر الشهداء والجرحى والمناضلين من المال العام: وعلى الدولة العناية من بيت المال بأسر الشهداء والجرحى، فإن هذا من المصالح العامة، وإلا لعزف الكثير عن الوظيفة العسكرية، وضعف جانب مفروض على الدولة في الشرع (وَأَعِدُّوا لَهُم) (الأنفال: ٦٠). دعم البحث العلمي: وعلى الدولة أن تدعم من المال العام البحث العلمي في كافة مجالاته، وتقدم بعض ذلك

стр. 317

على بعض بحسب الحاجة العامة؛ لأنها من فروض الكفايات؛ ولأن المصالح إذا تزاحمت قدم أَوْلاها. استثمار المال العام: ولا يجوز للدولة وضع المال العام في بنوك الربا ولا في شركات تتعامل بالمحرمات كالخمر والخنزير؛ لأن هذه الأمور مقطوع بحرمتها. والواجب استثمار المال العام للمصلحة العامة؛ لقوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، والاستثمار من الإصلاح، وعدمه مؤد إلى خسارات كبيرة فيه، فوجب استثماره دفعا للمفسدة وجلبا للمصلحة. ويكون في مضمون الربح عادة، ويجب قبله دراسات وافية لجدوى ذلك؛ لأنها وسيلة لدفع مفاسد إتلاف المال العام. ولا بد في استثمار المال العام من المتابعة، وتجنب ما يؤدي إلى الخسارة، والنصيحة في كل ذلك كما ينصح لنفسه، ولا مانع من إعطاء الموظفين في استثمار المال العام أجورا ونسبا كافية لهم؛ لأن الله شرع للعامل على مال الزكاة شيئا منها، وهو نوع من المال العام، قال تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) (التوبة: ٦٠)؛ لأن ذلك يكف أيديهم ويزيد نفعهم (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١).

стр. 318

فقه السمع والطاعة * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩) * (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢) * المعصية لأولي الأمر فيما هو مشروع محرمة؛ لأنها في الحقيقة خروج عن عقد الجماعة التي اختارته ورضيته * تصرفات الحكام معلقة على المصلحة العامة وإلا بطلت * الإصلاح الجزئي وإن كان مطلوبا في الشرع تخفيفا للمفاسد إلا أنه في باب الولايات العامة مُلْغى؛ لأنه يعد ضربا من ضروب الفساد في حالة القدرة وإلا فهو عجز لا يتماشى مع عقد الولاية العامة * السكوت عن مفسد أو متنفذ ظالم خوفاً منه هو فساد داخل نفوسنا أعظم من فساد ذلك المفسد

стр. 319

فقه نصوص السمع والطاعة يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩). فأمر بطاعة أولي الأمر بثلاثة شروط: الشرط الأول: (مِنكُمْ)، أي «مؤمنا» . فخرج به كافر ومنافق ومتول لهم للنص بأنه منهم (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١)، وهم ومن حُكِمَ أنه منهم لا طاعة لهم بالنص (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨). والشرط الثاني: الطاعة في حال الوفاق لا النزاع؛ لأنه حكم في حال النزاع بحكم آخر (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: ٥٩)، ولم يقل فأطيعوا ولي أمركم. والشرط الثالث: طاعته في طاعة الله ورسوله لا في معصية؛ للأمر بالرد إليهما عند الخلاف. - الأنواع الخمسة الذين هم «أولوا الأمر»: و(أُوْلِي الأَمْرِ) جَمَعَه ولم يُفْرِده بـ «ولي الأمر»؛ ليدخل كل أولي الأمر باللفظ لا بمجرد العموم المستفاد من الإضافة. وهم كل من له أمر مطاع في الناس، وهم أنواع خمسة: ولي الأمر العام، ومن دونه من الولاة، وولاة الأمر المدني والشعبي، وولاة الأمر الديني، وولي الأمر النَّسَبي. النوع الأول: فأما النوع الأول فهو رأس الدولة، الحاكم الأول، وهو ولي الأمر السياسي، أو ولي الأمر الأعظم، تحت أي اسم كان عمله في منصبه: الخليفة، أو الرئيس، أو الأمير، أو الملك، أو السلطان. أو هو البرلمان في حالة الحكم النيابي ويفوض من شاء وهو رئيس الوزراء في العادة السياسية المعاصرة لدى بعض الدول.

стр. 320

وتقوم مقام ولي الأمر الأول حال عدمه في ظروف معينة مؤسسات كبرى في الدولة يتفق عليها دستوريا؛ لأن هذا من أعظم المصالح، والنص عليه دستوريا يدفع أعظم المفاسد، فطُلِب. - طرق الوصول إلى الحكم والولاية العامة الأولى: ووصوله ولي أمر أعلى يكون بأحد الطرق التالية: أولا: بالترشيح التوافقي لواحد بلا تنافس، ثم البيعة (١). وهذا النوع حصل في تنصيب أبي بكر الصديق ﵁، حيث رشحه أكثر المهاجرين والأنصار في السقيفة قبل البيعة، ثم بايعته الكافة في اليوم التالي، ثم بايعه علي ﵁ وكان مشغولا بمرض فاطمة ﵂. ثانيا: بترشيح الحاكم السابق لشخص وموافقة الناس بالرضى، ثم البيعة، كما حصل لعمر ﵁ حيث رشحه أبو بكر ﵁ وتوافق الناس على ذلك، ثم بايعوه بلا خلاف. ثالثا: بترشيح عدة أشخاص بالتنافس، وعرضهم على الشعب، كما حصل للستة الذين رشحهم عمر، وأمرهم إن اختلفوا أن يرجحوا قول أكثرهم (٢). فانتهى الأمر إلى التنافس بين علي وعثمان ﵄. فشرط الشعب على من سيبايعه أن يسير فيهم بسياسة مجربة راشدة هي: سنة الشيخين، فقبل الشرط عثمان ورفض علي وقال أجتهد رأيي، فبايع الناسُ عثمان؛ لأن البيعة عقد
следующие страницы →