الشروط، وكل وظيفة بحسبها.
إكرام موظفي الدولة مدنيين وعسكريين:
ويشرع إكرام موظفي الدولة مدنيين وعسكريين في رواتبهم وعلاواتهم وسائر التعامل معهم؛ لأن الإكرام وسيلة لتحصيل المنافع (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١).
وقد ساقها الله مساق الامتنان والإقرار لما قاله العزيز؛ فشرعت؛ ولأن أصل الإكرام مقصود للشرع للنص «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١).
ولأن إعطاء الرواتب للموظفين هي معاوضتهم على عملهم، وشرط المعاوضات العدل وعدم الغبن الفاحش، وإعطاؤه راتبا شهريا لا يكفي حاجاته الضرورية ولا أسرته التي يعولها هو من الغبن الفاحش، والاستغلال القبيح للحاجة والفقر.
وهذه أمور تخالف مقصود الشرع في العدل والإحسان والمكارم؛ ولأن أجرة الأجير تكون عادة بحسب العرف الجاري، ومعلوم أن عادة الدول مع موظفيها مراعاة كفاية الرواتب والأجور للحاجات.
والعمل بالعرف أصل شرعي.
هذا إن كانت الدولة قادرة على ذلك وإلا جرى قانون (وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا) (الطلاق: ٧).
رعاية أسر الشهداء والجرحى والمناضلين من المال العام:
وعلى الدولة العناية من بيت المال بأسر الشهداء والجرحى، فإن هذا من المصالح العامة، وإلا لعزف الكثير عن الوظيفة العسكرية، وضعف جانب مفروض على الدولة في الشرع (وَأَعِدُّوا لَهُم) (الأنفال: ٦٠).
دعم البحث العلمي:
وعلى الدولة أن تدعم من المال العام البحث العلمي في كافة مجالاته، وتقدم بعض ذلك
стр. 317
على بعض بحسب الحاجة العامة؛ لأنها من فروض الكفايات؛ ولأن المصالح إذا تزاحمت قدم أَوْلاها.
استثمار المال العام:
ولا يجوز للدولة وضع المال العام في بنوك الربا ولا في شركات تتعامل بالمحرمات كالخمر والخنزير؛ لأن هذه الأمور مقطوع بحرمتها.
والواجب استثمار المال العام للمصلحة العامة؛ لقوله تعالى (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، والاستثمار من الإصلاح، وعدمه مؤد إلى خسارات كبيرة فيه، فوجب استثماره دفعا للمفسدة وجلبا للمصلحة.
ويكون في مضمون الربح عادة، ويجب قبله دراسات وافية لجدوى ذلك؛ لأنها وسيلة لدفع مفاسد إتلاف المال العام.
ولا بد في استثمار المال العام من المتابعة، وتجنب ما يؤدي إلى الخسارة، والنصيحة في كل ذلك كما ينصح لنفسه، ولا مانع من إعطاء الموظفين في استثمار المال العام أجورا ونسبا كافية لهم؛ لأن الله شرع للعامل على مال الزكاة شيئا منها، وهو نوع من المال العام، قال تعالى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) (التوبة: ٦٠)؛ لأن ذلك يكف أيديهم ويزيد نفعهم (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١).
стр. 318
فقه السمع والطاعة
* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)
* (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢)
* المعصية لأولي الأمر فيما هو مشروع محرمة؛ لأنها في الحقيقة خروج عن عقد الجماعة التي اختارته ورضيته
* تصرفات الحكام معلقة على المصلحة العامة وإلا بطلت
* الإصلاح الجزئي وإن كان مطلوبا في الشرع تخفيفا للمفاسد إلا أنه في باب الولايات العامة مُلْغى؛ لأنه يعد ضربا من ضروب الفساد في حالة القدرة وإلا فهو عجز لا يتماشى مع عقد الولاية العامة
* السكوت عن مفسد أو متنفذ ظالم خوفاً منه هو فساد داخل نفوسنا أعظم من فساد ذلك المفسد
стр. 319
فقه نصوص السمع والطاعة
يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩).
فأمر بطاعة أولي الأمر بثلاثة شروط:
الشرط الأول: (مِنكُمْ)، أي «مؤمنا» .
فخرج به كافر ومنافق ومتول لهم للنص بأنه منهم (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١)، وهم ومن حُكِمَ أنه منهم لا طاعة لهم بالنص (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨).
والشرط الثاني: الطاعة في حال الوفاق لا النزاع؛ لأنه حكم في حال النزاع بحكم آخر (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) (النساء: ٥٩)، ولم يقل فأطيعوا ولي أمركم.
والشرط الثالث: طاعته في طاعة الله ورسوله لا في معصية؛ للأمر بالرد إليهما عند الخلاف.
- الأنواع الخمسة الذين هم «أولوا الأمر»:
و(أُوْلِي الأَمْرِ) جَمَعَه ولم يُفْرِده بـ «ولي الأمر»؛ ليدخل كل أولي الأمر باللفظ لا بمجرد العموم المستفاد من الإضافة.
وهم كل من له أمر مطاع في الناس، وهم أنواع خمسة:
ولي الأمر العام، ومن دونه من الولاة، وولاة الأمر المدني والشعبي، وولاة الأمر الديني، وولي الأمر النَّسَبي.
النوع الأول:
فأما النوع الأول فهو رأس الدولة، الحاكم الأول، وهو ولي الأمر السياسي، أو ولي الأمر الأعظم، تحت أي اسم كان عمله في منصبه: الخليفة، أو الرئيس، أو الأمير، أو الملك، أو السلطان. أو هو البرلمان في حالة الحكم النيابي ويفوض من شاء وهو رئيس الوزراء في العادة السياسية المعاصرة لدى بعض الدول.
стр. 320
وتقوم مقام ولي الأمر الأول حال عدمه في ظروف معينة مؤسسات كبرى في الدولة يتفق عليها دستوريا؛ لأن هذا من أعظم المصالح، والنص عليه دستوريا يدفع أعظم المفاسد، فطُلِب.
- طرق الوصول إلى الحكم والولاية العامة الأولى:
ووصوله ولي أمر أعلى يكون بأحد الطرق التالية:
أولا: بالترشيح التوافقي لواحد بلا تنافس، ثم البيعة (١).
وهذا النوع حصل في تنصيب أبي بكر الصديق ﵁، حيث رشحه أكثر المهاجرين والأنصار في السقيفة قبل البيعة، ثم بايعته الكافة في اليوم التالي، ثم بايعه علي ﵁ وكان مشغولا بمرض فاطمة ﵂.
ثانيا: بترشيح الحاكم السابق لشخص وموافقة الناس بالرضى، ثم البيعة، كما حصل لعمر ﵁ حيث رشحه أبو بكر ﵁ وتوافق الناس على ذلك، ثم بايعوه بلا خلاف.
ثالثا: بترشيح عدة أشخاص بالتنافس، وعرضهم على الشعب، كما حصل للستة الذين رشحهم عمر، وأمرهم إن اختلفوا أن يرجحوا قول أكثرهم (٢).
فانتهى الأمر إلى التنافس بين علي وعثمان ﵄.
فشرط الشعب على من سيبايعه أن يسير فيهم بسياسة مجربة راشدة هي: سنة الشيخين، فقبل الشرط عثمان ورفض علي وقال أجتهد رأيي، فبايع الناسُ عثمان؛ لأن البيعة عقد
стр. 321
لمصلحة الشعب، فشرطه في عقده ما هو من المصلحة حق له ولازم لمن شرط عليه ذلك.
رابعا: ولاية العهد الوراثية من الحاكم المرضي السابق.
ولا يكون ولي العهد ولياً للأمر بعد السابق إلا إن رضيه الناس وبايعوه، وإلا كان نائبا فحسب.
خامسا: من ولّى نفسه في حالة فراغ منصب الحاكم الأعلى، لظرف طارئ كفتنة، فبسط نفوذ الدولة، وأطاعه الناس، وأهل الشوكة، فهذا يصدق عليه أنه ولي أمر.
فإن كان للبلاد دستور لمثل هذه الأوضاع، فهو كما نص.
فإن نص على: أن مثل هذا الوضع الطارئ محدد بمدة زمنية معينة انتقالية لزم ذلك؛ لأنه نص عقد لمن تولى فيلزم لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
ويرجع في تفاصيل مهمات الفترة إلى مواد الدستور، وإلى القوانين المفسرة لذلك، وإلى الخبراء المختصين حال التنازع، أو تشكيل لجنة تفسيرية من الخبراء والحكماء لفصل ما يطرأ من خلاف تفسيري، أو ما يظهر من خلاف بين الأطراف في هذه المرحلة.
وهم مشمولون بعموم (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣).
فأحال إلى أولي الأمر، وجعل ذلك منتجا لعلم الحادثة، وأكده باللام (لَعَلِمَهُ)؛ تأكيدا على أن إرجاع الحادثة إليهم موصل إلى علم سياستها ما كانت.
فإن لم يكن للبلاد دستور كان ذلك الحاكم الذي ولى نفسه على البلاد وأطاعه ورضيه الناس وليَّ أمرٍ بالإقرار والرضى شعبيا وشرعيا؛ لأن هذا هو واقع الأمر.
فالشعب إذا تحققت مصالحه ورضي عن حاكمه، فقد أقر به ورضيه ولي أمر، والشرع يقر ذلك؛ لأن الولاية في الشرع تعتبر برضى الشعب.
وإذا تحققت المصالح ورضيه الناس استمر حتى يتفق الناس على وضع دستوري ينظم الدولة ورئاستها.
ويشترك في وضعه الحاكم وأهل الحل والعقد وقيادات الشعب، ومن يختاره الشعب لذلك،
стр. 322
ثم يستفتى عليه شعبيا ليكون عقدا عاما عن رضى الشعب.
ويلتزم الحاكم الحالي ودولته به بعد إقراره والاستفتاء عليه؛ لأنه نص عقد عام، والالتزام بالعقود واجب (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
سادسا: الوصول للحكم بالقوة المسلحة:
الأصل منعه.
أ- فإن كان الحاكم عادلا مصلحا في الأرض راضية به الأكثرية والسواد الأعظم من الشعب، فالقائم عليه انشقاقي (١) ولا ينظر إلى كونه مصلحا، أو عدلا، أو فاسدا؛ لعموم «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق جماعتكم فاقتلوه كائنا من كان» (٢).
وقتله هو حكم أعلى كخيار شرعي مقنَّن للعقوبة، وليس بالضرورة إيقاعها؛ لجواز سجنه أو العفو عنه إثر محاكمة عادلة؛ لأنه حق عام يخفف، أو يسقط بنظر مصلحي عام من جهة مخولة أو معنية لها تفويض عام في مثل ذلك.
ولجواز إسقاط القصاص من أولياء الدم في القتل العمد العدوان؛ لأنهم مفوضون في ذلك، وهذا كذلك قياسا عليه.
ب- وإن كان الحاكم مفسدا في الأرض وقام عليه مصلح في الأرض مجمع على صلاحه وترجح غلبه على المفسد، فواجب على الشعب القيام معه لحديث «سيكون أمراء يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان» (٣).
стр. 323
ويقوم هذا المصلح بأعمال ولي الأمر، ثم يجمع وجوبا أهل الحل والعقد من سائر القيادات؛ لمشاورتهم في سياسة البلاد؛ لعموم (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)، وما نتج عن الشورى التزم به الكافة.
وإن قلنا بعدم إلزامها كانت عبثا، وهذا محال في الشرع.
ولا مانع أن تخرج الشورى بمبايعته، ولهم تحديد فترة ذلك، ولا بد من استمرار المشاورة حتى الخروج بمشروع عام يشكل ويعالج أوضاع البلاد شعبا ودولة يتفق عليه الحاكم والشعب؛ لأنه أدفع للمفاسد والفتنة.
ج- فإن كان القائم على المفسد في الأرض ظالما، أو فاسدا غير عدل، ولا مرضي، عمل هنا بفتوى الإمام مالك في تركهما يهلك بعضهما الآخر، ويختار الشعب على الفور عدلا عادلا مصلحا في الأرض للحكم، ويخلع بذلك سائر الأطراف الفاسدة المتنازعة على الحكم (١).
ومع هذا كله فهذه التقسيمات نظرية والواقع قد يخالفها، فواجب العمل بما يصلح الأمة وينشر الأمن والاستقرار، وواجب دفع الفتنة وعدم الدعوة إلى الانشقاقات وتفريق الأمة، هذا هو الأصل المدلل عليه نصوصيا ومقاصديا، فحرمة الخروج على الحاكم إنما هو لأجل مصلحة الجماعة ودرء المفسدة العظيمة عنها وهي غالبة.
النوع الثاني من أولي الأمر:
أما النوع الثاني من أولي الأمر فهم ممن ولاهم الحاكم «رأس الدولة» من الولاة، أو انتخبوا شعبيا في الولايات، أو المحافظات، والسلطات المحلية، والوزارات، وقادة الجيش.
النوع الثالث:
أما النوع الثالث فأولو الأمر شعبيا ومجتمعيا، وهم مشايخ القبائل، وقادة المنظمات، والنقابات، والمؤسسات المجتمعية، والجماعات الدعوية، والأحزاب السياسية، حتى أمير السفر بالنص.
стр. 324
وفي حديث أبي بكر الصديق في البخاري للمرأة التي سألته عن أولي الأمر فقال لها أليس على قومك رؤوس؟ قالت: نعم. قال: فهم (١). فيدل على شمول ذلك؛ وهم أهل اللسان، والقرآن نزل بلسانهم، واستعمالاتهم.
النوع الرابع:
أما النوع الرابع فأولو الأمر الديني، وهم العلماء المتبعون، وهو من أقوال العلماء في الآية (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
النوع الخامس:
أما النوع الخامس فالوالدان، ومن أقيم مقامهما تطوعا، ككافل اليتيم، أو بنصب من القضاء لناظر عليه، وعلى من يحتاج لنظر نحو سفيه.
فالوالدان مأمور بطاعتهما في غير معصية بنصوص من القرآن والسنة بلغت حد الضرورة الدينية.
وأما الكافل؛ فلأن طاعته من إصلاح اليتيم، وهذا مأمور به (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: ٢٢٠)، فلا يستطيع كافله الإصلاح له إلا إذا أطاعه في توجيهاته الخُلُقية والتعليمية وغيرها.
أما الناظر: فلأنه مُولَّى من حاكم، فطاعته طاعة للحاكم (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ).
فهؤلاء الأنواع الخمسة يصدق عليهم (وَأُوْلِي الأَمْرِ)، ولكل من هذه الأقسام في طاعته حدودٌ وشروط وتفاصيل للمسائل.
- حدود طاعة ولي أمر المسلمين:
وحدود طاعة ولي أمر المسلمين في ثلاثة أمور لا رابع لها، ونعني به ولي الأمر الأول وهو
стр. 325
حاكم الدولة، أو رئيسها، أو الملك، أو السلطان، أو الأمير، وطاعته واجبة وهو يدخل دخولا أوليا في الأمر (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، والثلاثة الأمور هي:
الأول: طاعة إلزام بالأوامر والنواهي في الشريعة.
الثاني: كل قانون انبثق من الشريعة باستنباط أهله وإقرار الجهات له بالأغلبية الشوروية، فيطاع الأمر فيه بالإلزام.
الثالث: الإلزام في دائرة خدمة المصالح العامة المدركة بمعرفة أهلها وإقرار أغلبية شوروية مؤهلة حرة.
وقلنا «مؤهلة»؛ لأن شرط أهل الشورى البرلمانية التأهل.
وقلنا «حرة» احترازا من تصويتٍ مأمور لتوجه معين بلا مراعاة للتجرد ومعرفة الحقائق.
وإنما حصرنا طاعته في هذه الأمور الثلاثة بالاستقراء والتتبع لأدلة الشريعة.
فلم نجد رابعا سوى الهوى، وذلك بالانحراف عن الحق والعقد الدستوري للشعب.
والدليل على هذه الثلاثة:
الأول: قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) (النور: ٥٥).
والدين المرضي هو الإسلام، يقول تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ) (آل عمران: ١٩).
ويقول تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥).
ويقول تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: ١٨).
وشريعة الإسلام هي الأحكام في الكتاب والسنة.
والإلزام بتنفيذها على الجهة الكلية واجب الدولة لقوله تعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
стр. 326
وقوله تعالى (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ) (المائدة: ٤٩).
وقوله سبحانه (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) (يوسف: ٤٠).
وقوله تعالى (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) (الأعراف: ٥٤).
وقوله سبحانه (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: ٤٤).
وقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: ٤٥).
وقوله سبحانه (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: ٤٧).
وواجب الحاكم في ذلك هو: الالتزام والإلزام بتنفيذ أحكام الله.
أما الأمر الثاني: فلأن تقنين الشريعة من جهة مؤهلة، وإقرارها بأغلبية الشورى هو من أمر أهل الإيمان (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)؛ فما نتج عن الشورى من قوانين تخدم المصالح العامة ولا تناقض الشريعة فلا مانع من ذلك (١).
أما الأمر الثالث: فلأن إقامة المصالح العامة ودفع المفاسد مشمولة بعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
فكل ما أمر به الحاكم من البر والتقوى العام فواجبٌ طاعته بأمر (وَتَعَاوَنُوا).
وهو يدل على الوجوب، وبأمر عام (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ).
ومن لم يطع في ذلك فهو متعاون على الإثم والعدوان، داع إلى الفتنة، وهو محرم.
ولا رابع لهذه الطرق سوى الهوى وحكم الجاهلية، ولا طاعة فيه (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية: ١٨).
ويقول تعالى (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) (المائدة: ٤٨).
стр. 327
ويقول تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: ٥٠).
ويقول سبحانه (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (ص: ٢٦).
وحكم الجاهلية هو كل حكم أو قانون أو تشريع أو دستور، كُلاً أو بعضا، صادم ما أمر الله به، أو ما نهى الله عنه، أو حرم ما أحله الله بالنص، أو أحل ما حرمه الله بالنص.
تعطل طاعة الحاكم:
وتتعطل طاعة الحكم فيما سوى هذه الثلاثة الأمور، أو اختلال شرط الولاية: وبيان ذلك في مسائل:
المسألة الأولى:
لا طاعة لحاكم كافر، أو منافق؛ للنص في قوله تعالى (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨).
والطاعة في أصل اللسان العربي تكون عن أمر ملزم، ولا إلزام إلا لولي الأمر في الأقسام الخمسة السابقة.
والوالدان (١) الكافران يصاحبان بما جرى به الإحسان العرفي (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لقمان: ١٥)، فسماها الله مصاحبة لا طاعة.
وأما العالم فطاعته لازمة من جهة لزوم سؤاله فيما لا يعلم من الشرع، يقول تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧)، ويقول سبحانه (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (يونس: ٩٤)، وإخباره بذلك ملزم دينا لا قضاءً، وإذا تعددت الفتوى في المسألة أطاع واحدا ولا يخرج عن قول كل مفت.
стр. 328
- ومن الأدلة على عدم طاعة أولي الأمر كافرا، أو منافقا قوله ﷺ «إلا أن تروا كفرا بواحا».
أي فاخلعوا الحاكم بالسيف إذا رأيتم الكفر البواح المبرهن عليه، فإذا وجب خلعه إن طرأ عليه الكفر البين، أو أمر به، أو هدم أصول الدين الكبرى، فعدم توليته أصلاً في الابتداء مثله في الحرمة وأولى منه.
ولأن الخلع بالقوة المسلحة لكافر أو منافق معناه قطعا أنه لا طاعة له في أي أمر من خير أو شر، حق أو باطل، حتى لا يقال نطيعه في الخير لا في الشر.
ومن الأدلة قوله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) أي: من المسلمين لا كافر أو منافق.
وقوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١).
وهو أمر بأسلوب الخبر، وهو من أقوى أنواع الأوامر، أي لا تجعلوا للكافرين على المؤمنين أي سبيل.
وأقوى وأعظم سبيل هو جعله من أولي الأمر حاكما على أهل الإسلام.
- وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، والولاية العامة أعظم من الموالاة؛ إذْ جعله واليا حاكما على المسلمين أعظم من موالاته سرا وإلقاء المودة إليه.
- وقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ) (النور: ٥٥) فالاستخلاف في الأرض وعد إلهي للأمة المؤمنة الصالحة ومقصود، وهو أمر للمؤمنين بالسعي لذلك؛ وتولية المؤمنين حاكما كافرا عليهم هو خلاف مقصود الله ورسوله.
ويعرف المنافق بأقواله، وأفعاله، فمنها:
أ- إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان.
ب- ومنها الفرح بمصيبة المؤمنين وظفر الكافرين (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ) (التوبة: ٥٠).
ج- ومنها تذبذب المواقف نفاقا (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء) (النساء: ١٤٣).
стр. 329
د- ومنها التثبيط عن الخيرات، والسعي للتفريق، والفتنة في الصف (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: ٤٧).
هـ- ومنها المسارعة في إرضاء الكافرين من يهود ونصارى وغيرهم (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) (المائدة: ٥٢).
و- ومنها القعود عن الجهاد في قضايا الأمة، يقول تعالى (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) (التوبة: ٨١)، ويقول تعالى (وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة: ٨٦).
ز- ومنها عدم الإعداد (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة: ٤٦).
ح- ومنها: محاربة الإنفاق في الخير (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) (الأحزاب: ١٩).
ط- ومنها: طول ألسنتهم على المصلحين في الأرض من المؤمنين (سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) (الأحزاب: ١٩).
وصفات أهل النفاق كثيرة، وما ذكرها الله إلا حذرا وتحذيرا منهم.
فمن أظهر صفات المنافقين كلا أو بعضا؛ فيحرم أن يكون حاكما ولي أمر للمسلمين؛ لأن طاعته محرمة (وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (الأحزاب: ٤٨).
ونحكم بمن أظهر من صفاتهم بالنفاق العملي، وأمره إلى الله، ولا يحكم عليه بكفر أكبر إلا بإظهار مكفر قطعي.
ومريض القلب في استعمال النصوص عند عدم التفصيل يشمل احتمال النفاق الأكبر والعملي، وقد يفصل (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً* مَلْعُونِينَ) (الأحزاب: ٦٠ - ٦١).
فالمنافقون في هذا النص قصد بهم من أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر.
стр. 330
والمرضى والمرجفون هم: أهل النفاق العملي ممن عمل بعمل المنافقين ولم يبطن الكفر الأكبر.
فهؤلاء جميعا ملعونون لا ولاية لهم ولا طاعة، بل قد ينفوا من أماكنهم إن اشتد ضررهم الاجتماعي وفسادهم (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً) (الأحزاب: ٦٠).
أي: إن لم يكفوا عن أعمالهم المفسدة فسنحملك على إخراجهم من المدينة.
ومن كان حقه الطرد والنفي من الأرض لأعماله الفاسدة، فكيف يكون حاكما! ؟
بل يجب أن يكون شرط الحاكم مسلما عدلا.
فشرط الإسلام خرج به الكافر، والعدالة خرج بها الفاسق العامل بأعمال أهل النفاق، وسواء كان منافقا أكبر أو مريضاً ومرجفاً بنفاق عملي.
وأشهر الصفات العملية الظاهرة لهم: الكذب، والخلف، والخيانة والفجور في الخصومة وترك العدل فيها (١).
ونُصَّ على هذه الأربع لأنها أظهر وأشهر وأضبط الصفات، فيسهل معرفتها للناس.
المسألة الثانية:
لا يطاع مطلقا من غلب عليه الفساد، لقوله تعالى (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢).
وقلنا من غلب عليه الفساد؛ لأنه مقتضى الإسراف المذكور في الآية، المفسر فيها بأنهم المستمرون على الفساد في الأرض، ومستمرون على ترك الإصلاح في الأرض.
والغلبة تشمل الكثير من الفساد ومناصفته فما فوق (٢)؛ لأن الله ذكر عن فرعون كثرة الفساد وهو غالب (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (الفجر: ١٢)، فإن ندر فلا يشمل.
وقولنا: «المستمرون»؛ لأنه مقتضى ما يفيده الفعل المضارع في (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥٢).
стр. 331
ومعلوم لغة أنه يفيد العمل في الحال باستمرار المستقبل فيه؛ لأنه لو انقطع لذكره بالماضي الذين أفسدوا ولم يصلحوا.
فدلت الآية على أن من غلب على أمره الفساد في الأرض حرم طاعته مطلقا لعموم (أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) في سياق النفي، أي: أي شأن من شأنهم قولا، أو فعلا صراحة، أو دلالة.
فإن قيل: كيف نزلت الآية في الحاكم؟ فجوابه أن الطاعة للأمر لا تكون إلا لمن له الأمر من أولي الأمر في الأنواع الخمسة.
والحكام داخلون في من لهم الأمر دخولا أولياً بالضرورة العادية، والعقلية المتبادرة، والشرعية.
وهذه الآية (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩) عامة في كل أولي الأمر، وآية (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء: ١٥١ - ١٥٢) خاصة استثنت من الطاعة من كان من أولي الأمر مفسدا في الأرض.
وقلنا: «خاصة»؛ لأن الصفة أخص من الموصوف؛ لأنها بعض صفاته؛ فوصف أولي الأمر بالعادل أو المفسد بعض صفاته فهي أخص حتى لا يقال إن الآيتين عامتان.
بل إن الطاعة أخص صفة متعلقة بأولي الأمر تعاملا معه، فأمر في آية بالطاعة ونهى في آية عن طاعة المفسد فهذا أخص.
فيكون الأمر بطاعة أولي الأمر مخصوصاً بالعدل العادل، لا كافراً، أو عاملاً بعمل المنافقين، أو مفسداً في الأرض.
المسألة الثالثة:
لا طاعة لمن لم يقم كتاب الله، وهذا منصوص عليه في قوله ﷺ «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله» وهو في صحيح مسلم (١).
وإقامة كتاب الله هي إقامة أحكامه كالأمر بالعدل والإحسان، وترك البغي والظلم والفساد، والدعوة لجمع الكلمة وحفظ الكليات الكبرى: الدين والعرض والنفس والمال والعقل
стр. 332
والجماعة والنسب والنسل وسائر القواطع الشرعية، فإذا لم يُقِمْ هذه الأمور أو أغلبها أو بعض الأصول، فلا طاعة له.
المسألة الرابعة:
يجوز العصيان المدني الشامل لنظام أهلك الشعب، لما أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال «هلاك أمتي على يد أغيلمة سفهاء من قريش. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: اعتزلوهم أو لو أن الناس اعتزلوهم» (١).
وإهلاك الشعب علة مقتضية لحكم هو الاعتزال الشعبي العام للحاكم ونظامه وسفهه.
ولفظ الإهلاك يدل على عظيم الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث والنسل وسفك الدماء، ويعم الإفقار والخوف والبطالة وتعطيل كثير من المصالح وتولية الفاسدين على رقاب الخلق.
فإذا حصل هذا ترتب عليه: أن للشعب اعتزال النظام الفاسد وحكامه، وهذا إجراء سلمي شعبي لم يصل إليه العالم إلا في القرن الحادي والعشرين في عصرنا هذا، في القرن الرابع عشر الهجري.
وإجراءات الاعتزال الشعبي السلمي للحاكم الفاسد وولاته ونظامه التي أمر بها الشرع هي طريق لا شك موصلة إلى أحد أمرين: إما إسقاط الحاكم ونظامه الإهلاكي الفاسد وتغييره، أو إلزام الحاكم بالإصلاح في الأرض وعزل المفسدين والعمل بالمصالح ودفع المفاسد.
وكلاهما مقصود شرعا، فإما العدل وإما العزل.
وإنما قال في النص «لو أن الناس اعتزلوهم» (٢). بحرف «لو» ليدل على أمور هامة منها: أن لو تقتضي جوابا؛ فيكون «لو أن الناس اعتزلوهم» لقُضِيَ على الفساد.
ومنها: جعل الأمر بالخيار الشعبي بحسب تقديراته المصلحية؛ فلو أنه أمرهم لوجب، فجعل هذا خيارا لا أمرا.
وترك النص تفسير الهلاك؛ لأن تقدير بلوغ الوضع إلى درجة الهلاك للشعب يعرفه
стр. 333
الشعب ويقدره، وقد يذكر النص بعض مفرداته ليقاس عليها كقوله تعالى (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) (البقرة: ٢٠٥).
المسألة الخامسة:
كل حاكم كذاب يقول ما لا يفعل ومنحرف عن لزوم المصلحة العامة للشعب، فيفعل ما لا يؤمر؛ فإنه لا طاعة له، ويقاطع ويعصى عسكريا وماليا ومجتمعيا.
والدليل على ذلك النص «لا تكن لهم جابيا ولا شرطيا ولا عريفا ولا خازنا» (١).
والجباية جمع المال من موارده إلى يد النظام الفاسد وحاكمه.
والعرافة تمثل الآن مشايخ القبائل ومنظمات المجتمع المدني ووجهاءه وقياداته.
والخازن: يمثل البنك المركزي وبيوت المال.
والشرطة: تمثل المؤسسة العسكرية والأمنية.
والنهي عن هذه الأمور يفيد التحريم؛ لأنه أصل استعمال النهي في المذاهب الأربعة والزيدية والظاهرية.
والمقصود من الحديث تعطيل عمل الحاكم والنظام الفاسد في مؤسساته الاستراتيجية الهامة التي يقوم عليها، وهي المؤسسة العسكرية والأمنية «لا تكن لهم شرطيا»، والمؤسسة المالية «لا تكن لهم جابيا»، والبنك المركزي «لا تكن لهم خازنا»، والمجتمع «لا تكن لهم عريفا».
ويصدق هذا بأمور:
- الإضراب الشامل في موظفي هذه الجهات الأربع.
- العصيان المدني في توريد أي مال إليهم.
- العصيان المدني في ترك التعامل مجتمعيا معهم أو التجاوب لفعالياتهم ومؤتمراتهم وحشدهم.
- انحياز القوات المسلحة والأمن إلى الشعب وحمايته، وعدم التعامل مع الحاكم الفاسد المهلك ونظامه، فلا يطاع لهم أمر في المؤسسات العسكرية، ويعبرون عن ذلك سلميا، دفعا
стр. 334
للفتنة إلا في حال حماية الشعب من أعوان الحاكم الفاسد أن يقتلوهم، أو يعتدوا عليهم؛ لقوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠).
- إضراب البنك المركزي والخزائن المالية وعدم التعامل مع الحاكم الفاسد ونظامه.
المسألة السادسة:
جهاد الحاكم الكذاب المنحرف عن إرادة الأمة من الإيمان، والدليل عليه الحديث الصحيح «سيكون عليكم أمراء -وفي رواية مسلم- خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان» أخرجه مسلم وأحمد وابن حبان وغيرهم (١).
وهذه العلة المنصوصة في الحديث «يقولون ما لا يفعلون» هي الكذب الشامل، وقد ورد في النص «إنه لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم» (٢).
والعلة الأخرى «ويفعلون ما لا يؤمرون» هي الحكم بالهوى دون الشريعة والنظام والقانون المتفق عليه المبني على المصلحة الشرعية العامة، والخروج عن إرادة الأمة وعقدها الدستوري وقانونها.
وقد تكون العلتان علة واحدة مركبة كما هو معلوم في الأصول، ولا مانع؛ لأن الحاكم الكذاب منحرف قطعا في العادة عن الحق والمصلحة العامة؛ لانسحاب كذبه على أفعاله.
وهذه العلة ظاهرة منضبطة يعرفها الشعب بمجرد وقوعها من الحكام (٣).
فالكذب والانحراف لا يخفى، خاصة من حاكم؛ لظهور أمره؛ فأفعال الحكام عامةٌ ظاهرةٌ؛ فالعلة صحيحة لانطباق شروط أهل الأصول عليها.
وهي: الظهور والانضباط، ويرجع في الانضباط إلى صيرورته عادة عند الشعب لكثرته، وهو يدل على أن شهادة الشعب للحاكم عمدة صادقة مبينة لحقيقته، فلتعتمد.
стр. 335
المسألة السابعة:
ولا طاعة لأولي الأمر في حال التنازع؛ لقوله تعالى (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩).
فأمر بالطاعة في الحالة الاعتيادية، وأمر بالتحكيم الشرعي عند التنازع، وهي الحالة الاستثنائية، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر بل نزع طاعتهم وجعلها لله ورسوله كتابا وسنة، وألزم أولي الأمر والشعب بذلك.
وجعله رافعاً للنزاع حالا ومآلا (ذَلِكَ خَيْرٌ)، والخير يلزم منه رفع النزاع؛ لأنه قطع للشر (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي تحقيق المصلحة ودفع الفتنة في مآل الأمر مستقبلا.
فمن نزل نصوص طاعة أولي الأمر على حالة التنازع فقد أخطأ؛ لتركه حكم النص في حالة النزاع.
والفتوى في منصوص على خلافه باطلة، خاصة كونها في آية واحدة وسياق واحد ومسألة واحدة هي طاعة أولي الأمر.
المسألة الثامنة:
ولا طاعة بالنص لمن لم يطع الله ورسوله «لا طاعة لمن عصى الله» (١)، وحديث «فليس لأولئك عليكم طاعة» (٢).
стр. 336
فالطاعة منتفية جملة وتفصيلا للعموم المستفاد من النكرة في سياق لا النافية للجنس «لا طاعة».
وهي نص في العموم بدليل كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»؛ فإن احتملت التفصيل وعدم العموم القطعي لم تكن كلمة التوحيد توحيدا.
وهذا الحكم عِلَّتُه منصوصة متى تحققت انبنى عليها حكمها؛ لأن العلة يدور معها الحكم وجودا وعدما.
المسألة التاسعة:
وإن خالف الحاكم العقد بينه وبين الشعب، فللشعب ترك طاعته للإجماع على ذلك من الصحابة ورأس السلطة الخليفة الأول إذ قال على المنبر في أول خطاب سياسي للأمة «أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم» (١).
وهذا عام يبلغ القطع في الدلالة لتركبه مع لا النافية للجنس في «لا إله إلا الله» ولو احتمل ظنية العموم لما كانت كلمة التوحيد قطعية لاحتمال الاشتراك معها، وهذا محال.
وإقراره من عامة الصحابة على هذا القانون؛ لانبنائه على المفهوم الجامع للنصوص في الطاعة والصبر والتغيير لمواجهة انحرافات الحاكم ونظامه، ولا يعارض نصوص الصبر على الحاكم والسمع والطاعة، بدلالة إقرار الصحابة ذلك، ولو صادم لأنكروا معارضته النصوص؛ فدل على أن نصوص الصبر في حالات معينة محدودة لمخالفات معينة في حدود القلة والندرة كما سيأتي.
وخطابه ﵁ يبين شروط عقد الولاية العامة بينه وبين الشعب، وأن مخالفتها توجب ترك الشعب لطاعته للحاكم.
стр. 337
المسألة العاشرة:
والحاكم إذا ظلم فردا، وتمنع من الإنصاف من نفسه ابتداء بمبادرة، أو إجابة قضاء بمثول للمحاكمة، فإن طاعته لا تجب على ذلك الفرد حتى يرفع مظلمته، وقد سن هذا القانون عمر ﵁ في خلافته كما جاء بسند صحيح في السنة للخلَّال «من كانت له عند أمير مظلمة فلم ينصفه فلا طاعة له عليه دوني» (١).
وأصل العمل به قوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (النساء: ٥٩)، فَنَزَع الطاعة وقت التنازع مع الحاكم وألزم الطرفين بالتحكيم.
فَفِعْل عمر مشروع، بل سنة، وهو نوع لتقنين مأخوذ من النص بصورة صاغه كمرسوم عام، أو أصل دستوري، أو مادة قانونية.
المسألة الحادية عشرة:
إذا صدر من الحاكم المصلح في الأرض أمر بما هو معصية في الشرع حرم طاعته فيها، وكذا في جزئية صادمت المصلحة العامة بقول القضاء أو الجهات المخولة كالبرلمان، وتبقى طاعته في غير هذه الجزئيات على الأصل.
وشرط بقاء الطاعة فيما سوى ذلك ألا تكون المخالفات التي أمر بها تعود على الأصول الشرعية والدستورية بالإبطال.
فالأول: كإصدار أمر بالتصريح لعمل العاهرات في الزنا، أو الشذوذ الجنسي، أو منع الصلاة في الكليات العسكرية، أو الدوائر الحكومية، أو إبطال فرض الزكاة، أو الترخيص للفطر في رمضان للناس بمبرر الحريات، أو الاقتصاد، أو السياحة، أو منع تعليم القرآن والسنة، لا رسميا ولا أهليا، ونحو هذه الأصول.
стр. 338
أما الثاني: مما قد يصدر من الحاكم مما يعود على أصول عقد الدستور بالإبطال فكتغيير نظام الحكم من شعبي إلى عائلي بلا توافق ورضى شعبي؛ لأن عقده ومبايعته إنما هو على نوع من الحكم فكان غير مبايع في تحويله النظام إلى غيره.
أو تغيير مادة مقيدة للولاية بتحايل وخداع بلا رضى عام؛ لأنه مبايع على مدة مقدرة محدودة، فكان ما فوقها بلا بيعة، فهو كالغاصب.
أو ما يقتضي استبداده بالأمر؛ لأنه خلاف شرط العقد، وللإجماع على إبطال ولاية المستبد.
أو ما فيه تفريط في سيادة الدولة ونحو هذه؛ لأنه حينئذ عاد على أصل مقصود الولاية بالإبطال، فبطل عقده.
فهذه المسائل الأصول الشرعية أو الشرطية توجب عزله بواحدة منها، فإن تاب أو أظهر جهله بذلك فيمكن القول ببقائه حسب عقد الولاية، وإن أصر عزل.
قواعد الصبر على الحاكم:
والصبر على الحاكم له قواعد تعرف بتتبع النصوص السياسية المتعلقة بحقوق الشعب وواجباته، وما للحاكم وما عليه، ولا بد حينئذ من جمع النصوص، والنظر فيها، وما تدل عليه.
ولا بد عند مقارنة النصوص من معرفة ما هو أصل، وما هو استثناء، ومعرفة حالات العمل بالاستثناء؛ لأن ما دونها تبقى على حكم الأصل.
ولا بد من معرفة معنى الصبر، وهل يضاد لزومه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
ولا بد من معرفة علة الحكم بالصبر ليقاس عليها.
- الصبر على ثلاثة أنواع:
فالصبر على الحاكم لا يخرج عن ثلاثة أنواع:
الأول: السكوت عن الحاكم الظالم وفساده في الأرض.
الثاني: مواجهة فساد الحاكم والصبر على تحمل إرهابه قولا وفعلا.
стр. 339
الثالث: ترك الخروج المسلح على طاعة الحاكم المصلح في الأرض.
ولو وجد منه أخطاء بقلة أو ندرة، وهو المقصود بلا شك بالنص في الحديث «السمع والطاعة في المنشط والمكره وعلى أثرة علينا» (١).
- حكم النوع الأول من الصبر:
فالأول: محرم؛ لأن السكوت العام عن الفساد العام يعود على المصالح العامة بالإبطال، وينقض الضروريات الكبرى؛ فالسكوت حينئذ تعاون على الإثم والعدوان.
ولا تُقيد بقدرة ولا عدم قدرة بالنسبة للأمة والشعب ككل؛ لأن الأمة بأسرها لا تستثنى من التكليف بدفع الفساد في الأرض؛ لأنه إبطال للشريعة.
ولا يستثنى إلا المستضعفون، وهم شريحة محدودة من الرجال والنساء والولدان (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا* إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء: ٩٧ - ٩٨).
وظالمو أنفسهم هم المتعايشون مع الفساد في الأرض من حاكم أو غيره، فسماهم الله ظلمة، وأبطل اعتلالهم بالاستضعاف؛ لإمكان ترك محله كأقل إجراء جماعي سلمي؛ لأن دعوى عجز الكل محال عادة، فلم يقبل لهم الاعتذار بالاستضعاف وهم طائفة محدودة فكيف بالأمة أو الشعب! ؟ فلا حجة لهم عند الله في التعايش مع ظلم النظام وفساده في الأرض، وواجب عليهم حينئذ دفع الفساد.
ويدل إبطال عذر الاستضعاف على ما ذكرناه من قاعدة، ويمكن صياغتها بقولنا: الاستضعاف حجة لا تُسْقِط التكليف العام، أو: لا يعذر الشعب بأسره بعذر الاستضعاف.
فتحصل من هذا أنه لا تعذر الجماعة ولو في بلاد غير الإسلام بالاستضعاف، فأولى ألا يعذر شعب مسلم بأسره بالاستضعاف من حاكم عليه يدعي الإسلام وهم في عقر دارهم وبلادهم.
стр. 340
ولذا أمرهم الشرع عند إهلاك النظام الفاسد للشعب بأقل إجراء شعبي سلمي عام هو «لو أن الناس اعتزلوهم» (١)، وهي المقاطعة الشعبية العامة للنظام حتى في أخص مؤسساته «لا تكن لهم جابيا ولا شرطيا ولا عريفا ولا خازنا» (٢)، ومع كونها أقل تكلفة للشعب فهي أشد وأقوى فتكا بالفساد والمفسدين من حاكم ونظام.
ولا يسمى صبرا السكوت عن مناكر ومفاسد الحاكم المفسد في الأرض، بل استضعافا واستكانة وذلا، وهو الاستضعاف الباطل الاعتذار به في الآية.
ولا يجوز إلا للرجال المستضعفين من المسنين والعجزة، أو النساء والولدان الضعفة، ولا يسمون كذلك حتى يبلغوا درجة العجز عن أي حيلة أو أي طريق لدفع الفساد عنهم (لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء: ٩٨).
- نصرة المستضعفين فرض:
وفرضٌ نصرة هؤلاء وإنقاذهم برفع يدٍ مفسدةٍ عنهم من حاكم، أو نظام عصابة إجرامية.
فإن لم ينقذوا إلا بالقوة المسلحة وجب ذلك للنص في (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) (النساء: ٧٥).
فإن كان هذا في غير بلاد الإسلام في دولة كفر؛ فإنقاذهم على كل قادر من أهل الإسلام وغيره، سواء كانوا مستضعفين من الأقليات المسلمة أو غير المسلمة.
لأن إنقاذ الأنفس المستضعفة من متلفٍ بظلم، واجبٌ مطلق.
وقولنا «واجب مطلق» ليشمل إنقاذ المستضعفين في الأرض، من مسلم وغير مسلم.
فإن كان في بلاد الإسلام من حاكم ظالم مفسد، فالواجب على أهل الإسلام.
ولا تدخل قوة لدولة الكفر بلاد الإسلام؛ لأن المفسدة لا تدفع بمثلها أو أعلى؛ ولأن أهل الإسلام على قدرة من رفع الظلم وإنقاذ الضعفة.
стр. 341
- لا يهاجر شعب مسلم لاحتلال:
ولا يهاجر شعب مسلم كلية من وطنه ودولته ولو لاحتلال دول الكفر فضلا عن احتلال الحكم وسلطته من حاكم مفسد في الأرض؛ لأدائه إلى ترك فريضة قطعية هي الدفاع عن وطن ودولة وبلاد الإسلام بالجهاد في سبيل الله بأنواعه، ولأنه لو أجزنا ذلك لجاز النزوح أو الهجرة من وطن آخر ثم ما يليه حتى تخلو بلاد الإسلام من أهلها ودولتها، وهذا لا يقول به مسلم؛ لأنه نقض للإسلام من أصوله وفروعه، ونقض ما أراده الله من أن يكون الدين كله لله والتمكين للمؤمنين، والتكليف بالدفع -حينئذ- فردي (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤).
- بطلان زيادة «ولو جلد ظهرك»:
ورواية «اسمع وأطع ولو جلد ظهرك وأخذ مالك» (١) روايةٌ من حديث حذيفة المشهور، وهذه الزيادة فيها علتان تسقطانها: الأولى: الانقطاع، والثانية: مخالفة كافة طرق الأثبات الصحيحة الموصولة التي لم تذكر هذه الزيادة في صحيح البخاري ولا مسلم في سياق روايات الأصول.
وما كان كذلك فهو شاذ منكر ضعيف، وهذه علة لا ينفع معها شيء، لا في الشواهد ولا المتابعات، وإنما أخرجها مسلم في غير حديثه في الأصول بل في المتابعات لينبه على علته وشذوذه كما هو عادته وعادة أهل الحديث.
стр. 342
وإن صح على جهة الفرض والتنزل، فمحمول عند أهل السنة والجماعة على ضرب الظهر في حدٍ أو قصاص، وفي أخذ المال من حق كزكاة، أو حكم للنفقة على من تجب عليه نفقته، أو إجباره قضاء دين، أو الحجر على سفيه، أو مفلس دفعا لفساده عن نفسه، وعن الحقوق المتعلقة به وعن الغرماء.
ولم يأخذ به علماء الأمة المعتبرون فيما اطلعت في الاستدلال على الصبر المتلفِ على حاكم مفسد في الأرض ينتهك الأعراض والأموال، واختص بإثارته وإظهاره حُكَّامٌ مفسدون في عصرنا، ولم يحمله على إطلاقه وعمومه سوى من لا تعمق له في فقه.
فإن قال به معتبر في عصرنا، فلرهبة نظامه الفاسد، أو لرغبة دنيوية، أو جهله بتنزيل الفقه على الوقائع في هذه المسألة، والثانية تسقط العدالة ويفسق بها وتبطل فتواه.
فإن لم تكن إحدى هاتين فلجهله بفقه تنزيل المسألة على الواقع، وعدم تحريه فيها وتحقيقه لمناطاتها ومقاصدها، وهي زلة عالم لا تتبع.
وعلى عالم معتبر تنبيه الناس على تلك الزلة محذرا ومعتذرا بالتي هي أحسن، فإن تبين الحق له وبلغته الحجة ونوظر فيها ولم يتراجع فسق وسقطت عدالته إن تَيقَّن أو غلب ظَنُّه أنه أخطأ في المسألة فعاند بفتواه نصرة للفساد والظلم.
وأخطأ على الخلق مدعٍ أن هذه الرواية الشاذة المُعلَّة مذهب أهل السنة والجماعة والسلف؛ لتركه أصول الشريعة ونصوصها الصحيحة في دفع الفساد في الأرض والمنكر والبغي والعدوان باليد واللسان والقلب متمسكا بواهيات لا تدفع الأصول، ولا تُعَارَض بمثلها الثوابت والصحاح ولا تؤثر في الاستدلال.
- حكم النوع الثاني من الصبر:
أما النوع الثاني من الصبر: فهو صبر الأنبياء والرسل والأئمة والعلماء والمجاهدين، وهو المقصود في قوله تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ٣) وفي قوله تعالى على لسان موسى (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: ١٢٨) بعد قول فرعون (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي
стр. 343
نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: ١٢٧)، وهو فرض.
وكل صبر في القرآن فهو من هذا النوع، أي الصبر على البلاغ ومواجهة الظالمين والمكذبين وجهادهم باليد واللسان والقلب.
والصبر في مواجهة الحاكم الجائر من هذا النوع. وهو أعظم الجهاد بالنص «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (١)، فإن قتل فهو سيد الشهداء بالنص الصحيح الصريح (٢).
- حكم النوع الثالث من الصبر:
وأما النوع الثالث من الصبر فهو: ترك الخروج على الحاكم المصلح في الأرض ولو وجد فيه خطأ، فيُتَعامل مع نفس الخطأ لعلاجه لا مع أصل الولاية بالبطلان والمعصية؛ لأن الحكم الشرعي يُورَد على الأغلب والأعظم من المحاسن والمصالح.
ويعالج الأقل من المفاسد إلا إن كان قليلَ الخطأ في الأصول الشرعية، أو الدستورية كما مر، فبحسب حكمها حينئذ.
فقه أحاديث الصبر على الحاكم:
وجميع أحاديث الصبر على الحاكم هي من النوع الثالث، وهي راجعة إلى:
١ - حديث «سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٣).
و«أثرة» نكرة تدل على القلة، وكذا «أمورا».
وقلة أخطاء الحكام انبنى عليها حكم الصبر على الحاكم وعدم الخروج؛ لأن الاستئثار بالحكم وقلة المناكرِ: مفاسدٌ مع قلتها يقابلها قيام الحاكم بأكبر وأكثر أصول المصالح العامة، ودفع العظائم، والمعظم الأغلب من الفساد والمفاسد.
فالقيام على الحاكم بالخروج هنا: اعتداء، وظلم، وفساد في الأرض، وتفريق للجماعة، وهذا كله محرم شرعا بالنصوص المتواترة المتكاثرة.
стр. 344
٢ - حديث «من رأى من أميره ما يكره فليصبر ولا يخلع يدا من طاعة فإن من فارق الجماعة ... » (١).
ولفظ «ما يكره» يدل على أن الكراهة المرئية شخصية، لا ينبني عليها موقف عام؛ لأن الكراهة قد تكون نفسية لا شرعية، وإن كانت شرعية فيحتمل أن يكون مكروها له لما عنده من نظر في الأدلة أو تقليدا، ويخالفه غيره في ذلك.
فإثارة المواقف العامة لأجل اجتهاد شخصي شرعي أو نفسي أو سياسي ممنوع شرعا؛ لأن مفاسده العامة أكثر من مصلحة بيانه وإظهاره.
ويحرم العصيان أو مفارقة الجماعة لأجل ذلك، وللتعليل النهائي في النص بذلك «فإن من فارق الجماعة». والتعليل بـ «الفاء» و «إنَّ» من مسالك العلة القوية، وهو ما يعرف بالمناسبة، أي مناسبة العلة للحكم.
فالحكم هنا: الصبرُ وعدم ترك الطاعة، والعلة أن ذلك مؤدٍ إلى مفارقة الجماعة، وهي أصل من الأصول، والإنكار لمكروه شرعي أو عادي عمله الأمير فرع، ولا يجوز أن يعود الفرع على الأصل بالإبطال.
٣ - وحديث «من أنكر فقد سلم ومن كره فقد برئ ولكن من رضي وتابع» (٢)، وهذا يدل على مباشرة الإنكار على منكر الحاكم، ويحرم الرضى به أو متابعته، والإنكار هنا يفصله حديث: باليد واللسان والقلب (٣).
стр. 345
٤ - «سيكون عليكم أمراء يسألون حقهم ولا يعطون حقكم» (١).
وفي هذه النصوص: ألا يفارق الحاكم ما دامت الجماعة والسواد الأعظم معه بدلالة «فإن من فارق الجماعة»؛ فإن هذه العلة تدل أن السواد الأعظم لا زال مع الحاكم، وإذا كان كذلك حرم على فئة تفريق كلمة المسلمين والخروج عليهم، ولزم الإنكار عملا بما سبق من النصوص؛ لعدم معارضتها للصبر، إذ هو هنا عدم مفارقة الجماعة والسواد الأعظم بالسيف.
ودل الحديث التزاماً أن الحق الممنوع في الحديث لا يصل إلى درجة المظالم العامة الكبرى، يدل على ذلك الروايات الأخرى التي نصت أن الجماعة مع الحاكم، فدل على استتباب الأمر وإلا لخرجت عليه عند عظائم الجور والظلم عادة، والشريعة أحكامها جارية على مجاري العادات.
٥ - وحديث «ألا ننازع الأمر أهله» (٢) فيه: حرمة منازعة من هو أهل للولاية.
وأهليتها: مسلم، عاقل، بالغ، عدل، قوي، أمين، مصلح في الأرض.
ومفهومه يدل على منازعة من ليس أهلاً للولاية؛ فالاستدلال به على الصبر للحاكم المفسد في الأرض خطأ محض.
فتبين من أحاديث الصبر على الحاكم بترك الخروج المسلح واستمرار السمع والطاعة أنه في حالات غلبة إصلاحه في الأرض، وقلة زلاته؛ لأن النصوص الموجبة للخلع بالقوة دلت على أفعال معينة تنقض الأصول، أو تكثر لتكون فسادا في الأرض، ولا بد حينئذ أن يكون الغالب عدم إقامة المصالح العامة ودرء المفاسد العامة.
وقولنا «أفعال معينة»، أي: ما ذكر في النص، وهي: استئثار سياسي (٣)، أو منكرات شرعية،
стр. 346
أو شخصية عملها الحاكم أو النظام (١) لم تبلغ حد الهدم لأصول الدين وكلياته الكبرى (٢)، ولا تبلغ أن تكون هدما للعقد الدستوري المبرم عليه البيعة (٣)، ولم تبلغ حد الكثرة التي تكون فسادا في الأرض (٤).
ومعلوم أن الاستدلال بالنصوص يلزم فيه:
ألا يعطى الفرعُ حكمَ الأصل المنصوص عليه إلا بتحقق العلة في الفرع؛ فإذا وجد نوع استئثار بالسلطة من الحاكم مع غلبة إصلاحه في الأرض، فيعطى هنا حكم الصبر مِنْ نصّ، ومن نص آخر ينكر عليه بالتي هي أحسن؛ لعدم تعارض الصبر والإنكار، إذ الصبر هو ترك الخروج المسلح والسمع والطاعة بالمعروف.
أما إن وجدت العلة وهي «الأثرة» ووجد معها مظالم وسفك للدماء وفساد في الأرض، من إهلاك التعليم، والتنمية، والزراعة، والموارد، وإفقار الشعب، وارتهان سيادة الدولة؛ فيحرم حينئذ أن يعطى نفس الحكم الذي يعطى لتصرف واحد، وهو الصبر عند وجود الأثرة وبعض المنكرات.
ولا يعطي هذا الحكم على إطلاقه إلا من لم يبلغ درجة النظر في فقه النصوص، أو بلغها ولم يمحص المسألة ويعطها حقها من النظر، أو فعل ذلك فغلبته رغبة دنيا أو رهبة سلطان وهو على كل حال ظالم لنفسه.
وإذا وجدت العلة في الفرع:
فإن كانت ذات العلة نحو «الاستئثار بالحكم» فهذا ما يسمى عين العلة (٥)، وهو أعلى مراتب التعليل؛ فإن لم توجد ذات العلة بل وجد أمرٌ أعم منها نحو: وجود منكرات بقلة، فهذا يشمل الاستئثار، وبعض المخالفات والأخطاء السياسية، والتجاوزات التي لا تخرجه عن دائرة
стр. 347
القبول به مع معالجة ذلك الأمر فيه.
فالأمر الجامع لهذه الأمور هو «مناكر بقلة»، فهذا يصلح علة لكنه يسمى جنس علة، ففي حال قلة منكر يحكم بالصبر، بمعنى عدم الخروج.
وعليه فالناظر في حال الحكام لتنزيل الأحكام الشرعية عليهم، فلا بد له أن يستعمل ما في النص من العلل بعينها مع عدم وجود غيرها في الحاكم.
وينزل عين تلك العلة على عين ذلك الحاكم، ويعطيه عين الحكم.
وهنا سيجد أن من العلل المنصوصة «يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون» (١).
فهذه في الجملة عين علة، وحكمها منصوص «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان» رواه أحمد وابن حبان والبزار وهو في مسلم بلفظ «ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون».
وكذلك علة إهلاك الشعب في النص «هلاك أمتي على يد أغيلمة من قريش»، جنس علة تشمل أنواع الإهلاك، والفساد، وتدل على غلبته (٢).
وحكمها في النص «لو أن الناس اعتزلوهم» (٣).
فإذا وجد الناظر نفس العلة نزل على الحاكم أو النظام نفس الحكم، ولا يصح إعطاؤها حكم الصبر؛ لأن علته غير هذه، وهي عيناً كالاستئثار، أو جنسا نحو منكرات نادرة أو غير غالبة على المصالح.
стр. 348
فقه المؤسسة العسكرية
* إنشاء القوات المسلحة التي تحدث توازنا أمنيا دوليا فرض شرعي على الدولة
* امتلاك العالم جميعا السلاح النووي فساد في الأرض، وامتلاك البعض ومنع البعض أكبر منه فسادا؛ لأنه يكرس سياسة العلو الفرعونية في الأرض
* تدوير المناصب العسكرية أمرٌ مطلوب يحقق العدالة ويمنع الاستئثار الاستبدادي
* العدل في الترقيات والرتب والأوسمة والنياشين والدراسات والإجازات والبدلات والعطاءات والحقوق أمرٌ مطلوبٌ شرعا
* واجبٌ إيفاء حقوق الجنود وكل منتسبي القوات المسلحة والأمن، بلا بخس، أو مماطلة، أو غبن
* إكرام أسر الشهداء والجرحى وتعويضهم التعويض العادل وإيصال حقوقهم وإيفاؤهم الرواتب بلا خصم، كل ذلك من العدل والإحسان
* المؤسسة الأمنية والعسكرية ملك الشعب لحماية أمنه واستقراره ولا يحق الاستحواذ عليها من جهة فئوية أو حزبية أو شخصية أو مناطقية أو عرقية أو نسبية أو أي مسمى آخر تحت أي مبرر أو لافتة ..
* يجب الاهتمام بسلاح البر والجو والبحر وبعيد المدى والتسلح الاستراتيجي صناعة وتدريبا
стр. 349
فقه المؤسسة العسكرية والأمنية
وإنشاء المؤسسة العسكرية والأمنية فرض عام (١)، وهو فرض عين على الدولة الممثلة برأس النظام؛ فإن قصّر وجب على الحكومة، والأجهزة النيابية، والمعنية، وكل قادر إلزامه بذلك، ولو بضغط شعبي عام.
ودليل فرضية إنشائها قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال: ٦٠).
فالتقصير في الإعداد مخالفة للنص، ومعصية لقاطع من قواطع الشريعة.
وكل ما تعلق لزوما ببناء القوات المسلحة فهو واجب، وهو من القوة المطلوبة كإنشاء الكليات العسكرية، والجامعات، والمعاهد، والمدارس العسكرية وغيره.
والواجب ينزل على مقتضيات الوقائع، وهو الآن وجوب الأخذ بكل وسائل العصر وتقنياته.
وولاة الأمر آثمون إن قصروا في هذا الإعداد الاستراتيجي المواكب لقوى العصر؛ لمعصية الأمر الشرعي في إعداد القوة وما يترتب عليه من ضعف سيادي وسياسي واقتصادي وحقوقي، وكل هذا من المفاسد العظيمة التي نتج عنها كبيرات الفواقر بالبلاد والعباد.
وفرضٌ إيجاد تصنيع عسكري شامل برا وبحرا وجوا بتقنيات العصر؛ لأنه لا يتم إعداد القوة المقصودة شرعا إلا به.
وقلنا: «المقصودة شرعا» ليخرج إعداد قوة بنحو استيرادٍ، فإنه غير معتبر في قوى العصر، فلا يعتبر المقصودَ شرعا؛ لأن شرط الإعداد هو الاستطاعة، ولم يعمل بها مع إمكانها هنا، ولعدم تحقيقه لمقصد الشريعة من الإعداد المنصوص (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
ومعناه قوة ردع تزيد أو تكافئ قوة موجودة في عصرها تحقق منع الاعتداء، لا قوة معتدية على مسالم لقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ
стр. 350
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
ويدخل في الوجوب إنشاء معاهد الأبحاث، اختراعا، وتطويرا، وتصنيعا.
فالأول: للسبق. والثاني: للمواكبة المستمرة. والثالث: للتغذية المسلحة إلى حد الكفاية التامة، ولا يحصل التمام إلا بوجود احتياطي مريح لطارئ، فإن توقع حصول هذا الطارئ تأكد الوجوب.
كشف مواقع التصنيع العسكري وأسراره:
ويحرم كشف مواقع التصنيع وأسراره، ومواقع المعسكرات، والاستراتيجيات العسكرية كخطط التدريب والعمل والتحرك.
وأعظم حرمة منه السماح لفرق التفتيش الدولية عن الأسلحة الاستراتيجية بالدخول والكشف؛ فإنه من أعظم الطاعة للكافرين والموالاة والتمكين لهم والاستكانة والضعف لأهل الإسلام.
والمراسلة لعدو المسلمين عن شأنهم وأسرارهم ولايةٌ محرمة بالنص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، وهذه الآية نزلت بسبب مراسلة تكشف أحد التحركات (١)، فالتمكين لهم بالتفتيش أعظم تحريما وجرما.
وهذا ما يسمى في علم الأصول بالقياس الأولوي، أو الأولى أو في معنى الأصل.
стр. 351
المعاهدات الدولية لمنع التسلح:
والمعاهدات الدولية لمنع أسلحة الدمار الشامل إن كانت شاملة لسائر الدول في العالم بلا استثناء لدول كبرى أو صغرى، فلا مانع من ذلك؛ لأنه تعاون على دفع المفاسد الكبرى عن الإنسان والحياة الناتجة من التسلح بأسلحة الدمار الشامل.
ويحرم الدخول في معاهدات تحضر التسلح الاستراتيجي على المسلمين خاصة، ولو أدخل غيرهم من الضعفاء معهم فيها تحيلاً أو تحليلا أو استضعافا؛ لأنه معصية قطعية؛ لخلافها لقطعي وهو: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: ٦٠).
ولأنه تقوية للكفر وإضعاف للإسلام فحرم؛ لأن كل وسيلة أدت إلى تقوية أهل الكفر وإضعاف أهل الإسلام من المحرمات المعلومة بالدين ضرورة لكثرة نصوصها.
وكل من وقّع تلك المعاهدات أو أمر بها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، فإن كان متواطئا فهو فاسق وموالٍ لمن نهى الله عن موالاتهم وطائعا لمن نهى الله عن طاعتهم (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣)، ولقوله (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١).
وهذه المعاهدة باطلة لا تلزم الشعوب لا حالا ولا مآلا، ويحاسب من فعل ذلك ولو رأس الدولة، ويحال إلى القضاء وجوبا؛ لأنه من نصرة الله ورسوله والمؤمنين، والنهي عن المنكر ودفع المفاسد.
ويحرم السكوت على ذلك من قادر على البيان كعالم، أو محام، أو ذي شوكة، أو إعلامي، أو فرد عادي.
ويتأكد وجوب البيان على الأحزاب والتكتلات والنقابات؛ لأن قيامهم بذلك أدفع وأوقع.
فإن كان توقيع الاتفاقيات إكراها للاستضعاف العام اجتمع مع الحاكم أهل الحل والعقد من العلماء وقيادات الشعب وتشاوروا في الأمر وتقديره لقوله تعالى (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
стр. 352
وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣).
وعند التوقيع إكراها ملجئا فإنه لا يلزم؛ لأن تصرفات المكره غير نافذة.
المؤسسة العسكرية ملك الشعب:
والمؤسسة العسكرية ملك للشعب، فلا يصح شرعا خصخصتها باستحواذ أسري، أو قبلي، أو حزبي، أو مناطقي.
بل الواجب وضع الأكْفاء في مواضعهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، بنظر عام عادل؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان.
ولأن السيطرة العسكرية لفئة يترتب عليها استعمال القوة العسكرية لنصرة عصبية أو فئة، وهذه جاهلية منهي عنها (١)، وتعطيل المؤسسة العسكرية عن واجبها العام المنوط بها، وهذه المفاسد واجبةُ الدفعِ، فحرم كل أنواع التمكين الفئوي على القوات العسكرية المسلحة.
التعيين بالكفاءة:
والقيادات الكبرى والوسطى في الجيش والمواقع الهامة يجب فيها التعيين بالكفاءات بآكدية وجوبية، لما يحقق ذلك من المصالح الكبرى للبلاد ويدفع المفاسد.
والواجب إيجاد آلية تحقق هذه المصالح بشروط معتبرة في مثلها، من دورات، ودراسات، ومؤهلات.
وقلنا «في مثلها» حتى لا تشترط شروط طاردة لبعض الفئات أو مُفَصَّلة على بعض.
تدوير المناصب في المؤسسة العسكرية:
والقيادة العليا وما يليها من المناصب في القوات المسلحة والأمن، يستسحن أن يشترط فيها التدوير للمناصب دفعا لمفاسد الأثرة، وتعيين من ليس بأهل.
فإذا قنن التدوير وجب؛ لأنه شرط مباح فيعتبر، والشروط المعتبرة يجب الإيفاء بها في العقود ونحوها؛ لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولا مانع أن يوضع لكل مستوى من المناصب القيادية فترة محددة بالسنوات أو فترتين إذا اقتضت المصلحة ذلك.
стр. 353
وهذا الضبط هو ما يجب في زمننا لكثرة فساد النفوس والذمم وحب السلطة، وما نتج عنه من مفاسد أثرت في السير الصحيح للبلاد، وعرقلت كثيرا من المصالح الكبرى، لذا أفتيت في زمننا: بوجوب التدوير العادل الكفء لما ينبني عليه من دفع مفاسد غالبة مؤثرة في الفتوى الشرعية بذلك.
الإلزام بإقامة الصلوات والشعائر في المعسكرات والمواقع:
وفرض على القيادة الإلزام بالصلوات في أوقاتها، والعقوبة المناسبة للمتهاون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم أفراد الجيش المسائل الهامة في الشريعة من عقيدة صحيحة نابعة من الكتاب والسنة، وإلزامهم بفرائض الدين الكبرى عملا وتعلما؛ لأن الله أمر به بالنص (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) (الحج: ٤١).
ويلزم شرعا بناء المساجد في المعسكرات لإقامة الصلوات في جماعة، ورفع الأذان لورود النص في استحواذ الشيطان على من لا تقام ولا يؤذن فيهم للصلاة (١).
ولقوله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) (النور: ٣٦ - ٣٧)، وهذا الإذن أمر وتكليف (٢)، لا إذن يدل على مجرد الإباحة المستوية الطرفين فعلا وتركا.
وقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤)، وهذا نص في تحريم منع المساجد.
стр. 354
وقوله تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: ١٨).
والرد على الشبهات، خاصة: ما تعلق بالدين واجبٌ لقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان: ٣٣).
ولا يُرَد على شبهة إلا إذا فشت وانتشرت وإلا سُكِت عنها، وإنما قلنا «إذا فشت» دفعا لمفسدة إشهارها بلا داعٍ.
الزي العسكري والهندام:
والزي العسكري مأمور به أمر دولة، فلزم طاعته؛ لأنه في مباح عام مطلق (١) يترتب عليه مصلحة تخدم الضبط والنظام، وهذه مصلحة يعتبرها الشرع؛ لأنها من معاني القوة بالعرف الدولي الآن، ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
ويشرع للجندي نظافته، وحسن ترتيبه، وهندامه اللائق، وسائر مظاهر الحزم والاهتمام بالسيادة والسياسة العسكرية، وما يوضع من الأسس التي تخدم مظاهر الضبط في مختلف الأحوال، وهذا يعم كافة المظهر العسكري لبسا ولياقة.
ويضع الشارات والأوسمة والرتب إن كانت؛ فالاهتمام بهذه الأمور وكل ما يتعلق بالجندية نظافة وترتيبا من المحاسن التي توافق مقاصد الشريعة التحسينية، ويشمل هذا: الحفاظ على الطهارة بدنا وملبسا ومكانا؛ فإنه شطر الإيمان بنص الحديث (٢).
وقد ورد التحذير من عدم الاستنزاه من النجاسات في حديث ابن عباس وأنه من سبب
стр. 355
عذاب القبر (١).
الخدمات العسكرية والدوريات:
والخدمات العسكرية والدوريات داخلة تحت لزوم طاعة ولي الأمر في قوله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
وشرط ذلك أن تكون وفقا للسياسة العامة الخادمة للمصالح العامة للبلاد، لا للاستغلال لغرض شخصي لفرد أو أسرة أو حزب، إن لم يكن مقننا له الاستفادة من ذلك ولا يتجاوز ما قنن له.
ومن أحسن النية في ذلك فهو مرابط في سبيل الله مدة مقامه في المعسكر والمواقع، وداخلٌ في الحراسة والرباط في سبيل الله المنصوص عليه (٢)؛ لأن هذا قصد حماية بلاد الإسلام من مباغتة عدو من غيرهم، أو دفع ضرر واقع أو متوقع ولو نادرا (٣).
ولأن هذه الدوريات والحراسات لتأمين ثغور بلاد الإسلام، فدخلت في عموم النصوص في فضل الرباط والسهر والحراسة في سبيل الله، فمن أخلص من القوات المسلحة والأمن نيته نال فضلا عظيما «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤).