المعاهدات الدولية لمنع التسلح:
والمعاهدات الدولية لمنع أسلحة الدمار الشامل إن كانت شاملة لسائر الدول في العالم بلا استثناء لدول كبرى أو صغرى، فلا مانع من ذلك؛ لأنه تعاون على دفع المفاسد الكبرى عن الإنسان والحياة الناتجة من التسلح بأسلحة الدمار الشامل.
ويحرم الدخول في معاهدات تحضر التسلح الاستراتيجي على المسلمين خاصة، ولو أدخل غيرهم من الضعفاء معهم فيها تحيلاً أو تحليلا أو استضعافا؛ لأنه معصية قطعية؛ لخلافها لقطعي وهو: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (الأنفال: ٦٠).
ولأنه تقوية للكفر وإضعاف للإسلام فحرم؛ لأن كل وسيلة أدت إلى تقوية أهل الكفر وإضعاف أهل الإسلام من المحرمات المعلومة بالدين ضرورة لكثرة نصوصها.
وكل من وقّع تلك المعاهدات أو أمر بها فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، فإن كان متواطئا فهو فاسق وموالٍ لمن نهى الله عن موالاتهم وطائعا لمن نهى الله عن طاعتهم (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣)، ولقوله (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (المائدة: ٥١).
وهذه المعاهدة باطلة لا تلزم الشعوب لا حالا ولا مآلا، ويحاسب من فعل ذلك ولو رأس الدولة، ويحال إلى القضاء وجوبا؛ لأنه من نصرة الله ورسوله والمؤمنين، والنهي عن المنكر ودفع المفاسد.
ويحرم السكوت على ذلك من قادر على البيان كعالم، أو محام، أو ذي شوكة، أو إعلامي، أو فرد عادي.
ويتأكد وجوب البيان على الأحزاب والتكتلات والنقابات؛ لأن قيامهم بذلك أدفع وأوقع.
فإن كان توقيع الاتفاقيات إكراها للاستضعاف العام اجتمع مع الحاكم أهل الحل والعقد من العلماء وقيادات الشعب وتشاوروا في الأمر وتقديره لقوله تعالى (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
стр. 352
وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣).
وعند التوقيع إكراها ملجئا فإنه لا يلزم؛ لأن تصرفات المكره غير نافذة.
المؤسسة العسكرية ملك الشعب:
والمؤسسة العسكرية ملك للشعب، فلا يصح شرعا خصخصتها باستحواذ أسري، أو قبلي، أو حزبي، أو مناطقي.
بل الواجب وضع الأكْفاء في مواضعهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، بنظر عام عادل؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان.
ولأن السيطرة العسكرية لفئة يترتب عليها استعمال القوة العسكرية لنصرة عصبية أو فئة، وهذه جاهلية منهي عنها (١)، وتعطيل المؤسسة العسكرية عن واجبها العام المنوط بها، وهذه المفاسد واجبةُ الدفعِ، فحرم كل أنواع التمكين الفئوي على القوات العسكرية المسلحة.
التعيين بالكفاءة:
والقيادات الكبرى والوسطى في الجيش والمواقع الهامة يجب فيها التعيين بالكفاءات بآكدية وجوبية، لما يحقق ذلك من المصالح الكبرى للبلاد ويدفع المفاسد.
والواجب إيجاد آلية تحقق هذه المصالح بشروط معتبرة في مثلها، من دورات، ودراسات، ومؤهلات.
وقلنا «في مثلها» حتى لا تشترط شروط طاردة لبعض الفئات أو مُفَصَّلة على بعض.
تدوير المناصب في المؤسسة العسكرية:
والقيادة العليا وما يليها من المناصب في القوات المسلحة والأمن، يستسحن أن يشترط فيها التدوير للمناصب دفعا لمفاسد الأثرة، وتعيين من ليس بأهل.
فإذا قنن التدوير وجب؛ لأنه شرط مباح فيعتبر، والشروط المعتبرة يجب الإيفاء بها في العقود ونحوها؛ لعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ولا مانع أن يوضع لكل مستوى من المناصب القيادية فترة محددة بالسنوات أو فترتين إذا اقتضت المصلحة ذلك.
стр. 353
وهذا الضبط هو ما يجب في زمننا لكثرة فساد النفوس والذمم وحب السلطة، وما نتج عنه من مفاسد أثرت في السير الصحيح للبلاد، وعرقلت كثيرا من المصالح الكبرى، لذا أفتيت في زمننا: بوجوب التدوير العادل الكفء لما ينبني عليه من دفع مفاسد غالبة مؤثرة في الفتوى الشرعية بذلك.
الإلزام بإقامة الصلوات والشعائر في المعسكرات والمواقع:
وفرض على القيادة الإلزام بالصلوات في أوقاتها، والعقوبة المناسبة للمتهاون، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم أفراد الجيش المسائل الهامة في الشريعة من عقيدة صحيحة نابعة من الكتاب والسنة، وإلزامهم بفرائض الدين الكبرى عملا وتعلما؛ لأن الله أمر به بالنص (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) (الحج: ٤١).
ويلزم شرعا بناء المساجد في المعسكرات لإقامة الصلوات في جماعة، ورفع الأذان لورود النص في استحواذ الشيطان على من لا تقام ولا يؤذن فيهم للصلاة (١).
ولقوله تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) (النور: ٣٦ - ٣٧)، وهذا الإذن أمر وتكليف (٢)، لا إذن يدل على مجرد الإباحة المستوية الطرفين فعلا وتركا.
وقوله تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤)، وهذا نص في تحريم منع المساجد.
стр. 354
وقوله تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: ١٨).
والرد على الشبهات، خاصة: ما تعلق بالدين واجبٌ لقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان: ٣٣).
ولا يُرَد على شبهة إلا إذا فشت وانتشرت وإلا سُكِت عنها، وإنما قلنا «إذا فشت» دفعا لمفسدة إشهارها بلا داعٍ.
الزي العسكري والهندام:
والزي العسكري مأمور به أمر دولة، فلزم طاعته؛ لأنه في مباح عام مطلق (١) يترتب عليه مصلحة تخدم الضبط والنظام، وهذه مصلحة يعتبرها الشرع؛ لأنها من معاني القوة بالعرف الدولي الآن، ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
ويشرع للجندي نظافته، وحسن ترتيبه، وهندامه اللائق، وسائر مظاهر الحزم والاهتمام بالسيادة والسياسة العسكرية، وما يوضع من الأسس التي تخدم مظاهر الضبط في مختلف الأحوال، وهذا يعم كافة المظهر العسكري لبسا ولياقة.
ويضع الشارات والأوسمة والرتب إن كانت؛ فالاهتمام بهذه الأمور وكل ما يتعلق بالجندية نظافة وترتيبا من المحاسن التي توافق مقاصد الشريعة التحسينية، ويشمل هذا: الحفاظ على الطهارة بدنا وملبسا ومكانا؛ فإنه شطر الإيمان بنص الحديث (٢).
وقد ورد التحذير من عدم الاستنزاه من النجاسات في حديث ابن عباس وأنه من سبب
стр. 355
عذاب القبر (١).
الخدمات العسكرية والدوريات:
والخدمات العسكرية والدوريات داخلة تحت لزوم طاعة ولي الأمر في قوله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
وشرط ذلك أن تكون وفقا للسياسة العامة الخادمة للمصالح العامة للبلاد، لا للاستغلال لغرض شخصي لفرد أو أسرة أو حزب، إن لم يكن مقننا له الاستفادة من ذلك ولا يتجاوز ما قنن له.
ومن أحسن النية في ذلك فهو مرابط في سبيل الله مدة مقامه في المعسكر والمواقع، وداخلٌ في الحراسة والرباط في سبيل الله المنصوص عليه (٢)؛ لأن هذا قصد حماية بلاد الإسلام من مباغتة عدو من غيرهم، أو دفع ضرر واقع أو متوقع ولو نادرا (٣).
ولأن هذه الدوريات والحراسات لتأمين ثغور بلاد الإسلام، فدخلت في عموم النصوص في فضل الرباط والسهر والحراسة في سبيل الله، فمن أخلص من القوات المسلحة والأمن نيته نال فضلا عظيما «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤).
стр. 356
ولا بد أن يعدل في توزيع الدوريات والحراسة ومدة الاستلام؛ لأن الله أمر بالعدل والإحسان.
العدل في الترقيات والحقوق:
ويجب العدل في الترقيات، والحقوق، والدورات، والعلاوات، والبعثات، والدراسة، والإجازات، وكل العطاءات النظامية أو الطارئة، فلا يعطى لبعض دون بعض؛ لأن الله نهى عن الظلم، وهذا منه؛ ولأن هؤلاء من الرعية، والعدل فيهم بالسوية واجب بنصوص كثيرة.
والمساواة تكون بين أصحاب كل فئة، لا بين كل الفئات مع الفئات الأخرى؛ لأن لكل فئة حكم، فينظر إلى الأقدم، والمناضل، والمجاهد، ومن له مواقف بطولية، والمؤهل، فكلٌّ في فئةٍ يتساوى أفرادها في الحقوق والواجبات.
وقد فضل عمر في الرواتب المهاجرين الأولين على من تأخر، وهو اجتهاد حسن (١)،
وسنته مأمور باتباعها (٢).
стр. 357
تعيين القيادات العسكرية لا يجوز بالقرابة، بل بالكفاءة:
ولا يجوز تعيين القادة للألوية، والكتائب، والسرايا، والفصائل؛ إلا بشرط الكفاءة والتأهل، لا لقرابة، أو جمالة، فإن هذه من الأمانات، وإن الله يأمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وتوسيد الأمر لغير أهله خيانة لها «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قالوا: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا وسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١).
ويشرع تدوير هذه المناصب؛ لأنه مقتضى العدل الآن، وتقنين مدة القيادة في الكل، أو البعض بما يحقق العدل والمصلحة العامة ويدفع مفسدة السيطرة من جهة على مقاليد القيادة المسلحة والأمن، فإن غلب وجود هذه المفسدة وجب -حينئذ- نقل المناصب وتنظيمها.
الجزاءات العسكرية:
والجزاءات على التفريط والمخالفة العسكرية لا مانع منها بشرط العدل وعدم الإجحاف؛ لأن هذه الجزاءات إذا كانت عادلة وتحقق مصلحة الضبط مشمولة بمشروعية طاعة أولي الأمر بالعموم (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
وتحرم الجزاءات إن كانت لأغراض شخصية، فإنها مولدة للعداوة والبغضاء، وهما محرمان بالنص، ويحرم ما أدى إليها.
والتحريم لدفع مفسدة العداوة والبغضاء معتبر في النصوص (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائدة: ٩١).
ويمنع توجيه ألفاظ قبيحة، لأي فرد كان في الطابور أو في الجزاء، أو التعليم أو غيرها؛ لعموم
стр. 358
النصوص «ليس المسلم بسباب ولا طعان ولا لعان ولا بذيء» (١).
الخروج من المعسكر وقت الحجز:
والخروج من المعسكر في وقت الحجز والمنع بلا إذن ممنوع، ويأثم من خالف وقد قال تعالى (وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور: ٦٢)، وفي الحديث «من أطاع أميري فقد أطاعني» (٢).
وهذا من الطاعة في أمر مباح فيه مصلحة عامة فوجبت الطاعة.
تسليم الرواتب في وقتها المحدد وحرمة الاستقطاعات بلا حق:
ويجب تسليم الرواتب في وقتها المحدد بلا تأخير؛ لأن التأخير ضرر بالغير وهو مدفوع؛ ولأنه أجير في الأصل فوجب إعطاؤه أجره فورا، كما في النصوص، كقوله ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (٣).
وتحرم الاستقطاعات من الرواتب بلا وجه حق ولو أمرا يسيرا؛ لأنه سحت لقوله تعالى (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨).
ولا يجوز ذلك لكُتّاب الرواتب ولا القادة ولا غيرهم، ومن عاون على ذلك فهو معاون على الإثم والعدوان آكل للسحت والمكس (٤)، فإن كان لأمر قانوني كغياب فلا مانع؛ لأنه له حكم
стр. 359
عقد الإجارة، وإذا قصر الأجير تقصيرا مؤثرا خصم من أجره بقدر، لا ضرر ولا ضرار.
وجوب إيصال حقوق الجيش كاملة:
وحقوق الجيش من المواد الغذائية، والعينية، وسائر الصرفيات من فرش، وتوابعها، وألبسة وما يتعلق بها من أسلحة وذخائر، كل هذه ونحوها مما يصرف للأفراد يجب إيصاله كاملا تامّا إلى كل فرد بلا نقصان، ومن أنقص شيئا من ذلك فهو غال، والغلول من الكبائر، ويبطل أجر الشهادة، كما ورد في حديث الذي غل شملة وهو يجاهد مع رسول الله فعذب بها (١).
حرمة التغطية على الفرار:
ولا يجوز التغطية على الفرار والغياب، بغرض أكل رواتبه، أو الاتفاق معه على شيء، وهو من أكل السحت، وتعاون على الإثم والعدوان والمنكر.
ويجوز في الغيابات غير القانونية خصم مقابل الغياب وتوريدها إلى محلها الرسمي في المال العام.
كتمان الأسرار العسكرية:
والأسرار العسكرية صغيرة أو كبيرة، يجب حفظها، ولا يجوز إفشاؤها تصريحا أو تلميحا، حتى كلمة السر.
وكلمة السر مشروعة، وقد جعل رسول الله ﷺ الكلمة في بعض غزواته «حم لا ينصرون» (٢).
стр. 360
ومن أفشى أمرا من ذلك أثِمَ؛ فإن ترتب عليه ضرر في نفس أو عضو أو مال زاد جرمه وإثمه، ويمكن تعزيره وعقوبته عبر الجهات القضائية بما يناسب بالعدل.
العهد العسكرية:
والعُهَدُ الداخلية أو الخارجية كالأطقم العسكرية أو السلاح لا يُمَلّك في الأصل بل ينتفع به بحسب الإذن، ويجب الحفاظ عليه كالحفاظ على خاصيته المملوكة؛ لأنه أمانة وإهمالها من الخيانة، ومن فرط في شيء منه ضمن، ومن ادعى التلف بلا تفريط بَيَّنَ، وإلا ضمن.
والعهد العسكرية أماناتٌ لا يجوز بيعها، أو اختلاسها، أو شيء منها، ولو يسيرا؛ لأنه غلول (وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: ١٦١)، وفي الحديث «من كتمنا مخيطا فهو غلول يأتي به يوم القيامة» (١).
وسواء في ذلك السلاح والذخائر والفرش والبطانيات والملابس العسكرية والمواد العينية، كمواد غذائية، أو قرطاسية أو غير ذلك.
ولا يجوز تبديل قطعة شخصية رديئة كسلاح شخصي لجندي أو ضابط اشتراه بماله بأخرى جيدة من المخازن؛ لأنها خيانة وغلول، وقد قال الله (وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) (النساء: ٢).
المساواة في الحقوق والواجبات العسكرية:
ويجب المساواة بين النظراء المتساويين في المهام في:
صرف الاعتمادات النقدية أو العينية، غذائية أو بترولية أو غيرها؛ لأن التصرف على الرعية قائم على العدل المأمور به في النصوص.
والالتحاق بالكليات العسكرية والمدارس، والمعاهد العسكرية، يكون بالتساوي بين من وجدت فيه الشروط، ويحرم تقديم غير مؤهل، بتوصية أو أمر من جهة عليا، أو رشوة فهذا كله إثم وبغي داخل في قوله تعالى (وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) (النساء: ٨٥).
كما يحرم تقديم أشخاص بمناطقية، أو حزبية، أو أسرية، أو مجاملة، ولو مؤهلا؛ لأن هذا
стр. 361
يمنع العدل بين الرعية، ويؤدي إلى انحصار التعليم العسكري لمناطق وأسر، ومنع مؤهل من غيرها، وهذا ما لا تجيزه الشريعة؛ لأنه هضم وظلم، ومؤد إلى العداوة والبغضاء.
وقد كان فرعون يستضعف طائفة ويقوي أخرى، فلعنه الله ومقته لأفعاله المنكرة التي هذه من أكبرها.
وتَفَرَّد ذكرُها في آية القصص، مع دعواه الألوهية وطغيانه، لقبحها.
وما ورد مورد الذم فهو محرم في الأصل، ولأن الله إنما ذكر أكبر ما يصنعه من المنكرات؛ لأن غيرها لا حصر لها فدل على عظيم فعل ذلك بين الأمة (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: ٤).
المحاكم العسكرية:
والمحاكم العسكرية يجب أن تكون قائمة على حكم الشريعة بالعدل والقسط وحق الدفاع عن المتهم، واتخاذ محام، وسائر الإجراءات والحقوق.
ويحرم سجن فرد بدون تحقيق وحكم قضائي إلا مدة يسيرة يحددها القانون العادل كيوم.
والحبس للأفراد من القيادات في القضايا العادية والخفيفة بدون تحقيق ممنوع شرعا؛ لأنه ظلم؛ لحرمانه من الدفع عن نفسه والإجابة عن ما ادعي عليه.
بل يجب سماع الدعاوى والتحقيق في الأمر واتخاذ الإجراء المناسب.
فإن كان في قضايا التهم الجسيمة ونحوها، فيحول فورا للتحقيق، ومن ثم إلى القضاء، هذا هو ما يدفع المفاسد التي تترتب على الإجراءات الانفرادية من بعض القيادات، أقلها الظلم.
رعاية الجرحى وأسر الشهداء:
ويجب رعاية أسر الشهداء والجرحى، وإعطاؤهم حقوقهم تامة، وصرف رواتبهم بدون استقطاعات؛ لأن من عظمت مصيبته في أداء الواجب يعظم إكرامه ولا ينقص. هذا هو الأصل الشرعي (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠).
فمن لم يجاز الإحسان بالإحسان فهو مسيء ظالم.
стр. 362
والجرحى يداوون على حساب الدولة؛ لأن جرحهم كان لدفع المفاسد العامة، فيكون تعويضهم من مال العامة؛ ولأنه تعاون على البر والتقوى، وهو مأمور به (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢)؛ ولأنه لو لم يصنع ذلك بهم لأدى إلى الامتناع عن الخدمة العسكرية؛ أو قلة الإخلاص، لغلبة وقوع مثل هذا من جريح وشهيد مع عجز راتبه عن ذلك، وهذه مفسدة ودفعها واجب، ووسيلة دفعها تعويضه من بيت المال العام.
ولأن العاجز عن مداواة نفسه من ماله عسكريا أو مدنيا يجب مداواته على مسلم قادر، لا إهماله حتى تتلف نفسه أو عضو منه بإعاقة ونحوها، وهذا الوجوب بحسب الترتيب بدءا بالقربى، ونحوه على العموم.
وهذا من الحق في قوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (الإسراء: ٢٦)، ومن الحق العام لقوله تعالى (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) (النساء: ٣٦).
ولأن الغالب عدم إيفاء رواتب الجيش بذلك.
ولأنه أولى من الصاحب بالجنب والجار، فشمله الحق، ومن أهمه العلاج للجرحى ورعاية أسر الشهداء.
ويحرم تفضيل جريح على آخر مثله في الجرح، قائدا أو غيره، بل الكل سواء؛ لأن النفس البشرية واحدة في الحرمة.
فلا يجوز إسعاف أناس إلى خارج الدولة أو إلى أماكن عالية التقنية وأمثالهم في الجرح والضرر لا يفعل بهم ذلك؛ لأنه خلاف العدل.
وفي حال استدعى الأمر ذلك لعدم توفر إمكانات وخطر الجرح، فالكل في ذلك سواء في العناية، سواء كان بالعناية داخل الدولة أو بالسفر إلى خارجها.
ولا يفضل القادة أو البعض في غرف صحية راقية لمعرفة، أو مجاملة، أو مناطقية، وأمثالهم في الجرح والضرر من الأفراد أو غيرهم في الغرف العامة، فهذا كله جور وحيف وظلم، إلا لوضع أمني لبعض القادة أو المستهدفين قادة أو أفرادا.
стр. 363
قوات الأمن والشرطة:
وقوات الأمن بأنواعه والشرطة وأجهزة المخابرات الواجب عليها شرعا القيام بخدمة الشعب، وحفظ أمنه واستقراره؛ لأن هذا هو مقتضى العقد معهم، وكل ذلك بالوسائل المشروعة.
ويجب معاملة الناس بالرحمة والعدل والمساواة، ويحرم قطعا ممارسة القمع والإرهاب للمظاهرات السلمية؛ لأنه حق متفق عليه في العقد الدستوري؛ ولأن المسالم يدفع بالسلم لا بالسلاح؛ لحرمة إخافة المسلم (١)، فضلا عن العدوان عليه.
الشرطة والأمن واستعمال السلاح وإرهاب المواطن:
ولا يجوز توجيه السلاح والتهديد به لورود النصوص الدالة على حرمة الإشارة بالسلاح (٢) إلا دفعا لمفسدة القتل أو الإصابة من صائل أو عدو رفع آلة قتل لاستخدامها، ولذلك منع من المرور بالسهام في السوق وأماكن الجمع لئلا يَعقِر بها أحدا أو يؤذي (٣).
وتوجيه الرصاص الحي لمسالم غير ممتنع بسلاح شروع في قتل، فإن قتل فهو عمد وعدوان، وسواء عند الخروج بأمر النيابة، أو الأمن، أو غيره، لطلب شخص من محله، أو أثناء المظاهرات.
والضرب بالهراوات، أو الكهربائيات لمسالم غير ممتنع بسلاح محرم؛ لأنه عدوان (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠)، وإيذاء (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨)، ويضمن أي إتلاف في نفس أو عضو.
стр. 364
وتحرم الإهانة والسب والشتم؛ لعموم النصوص الدالة على التحريم.
ويتعامل مع الممتنع المسالم بالأخذ إجبارا بطلب نيابي كما يحدده القانون المنبثق عن الشرع.
وكل ذلك بلا إهانة فعلية أو لفظية، فإن كان بلا قانون أو نظام فهو اختطاف قد يأخذ في بعض حالاته حكم الحرابة.
ما يحرم في التحقيق مع المتهم:
ويحرم في التحقيق:
إرهابه، وتخويفه بتعذيب، أو ممارسة ذلك فعلا بصعق، أو حرق، أو ضرب، أو كسر عظم، أو الاعتداء على عرضه، أو تسليط وحش، أو كلب، أو حية، أو عقارب، أو إدخاله في ماء للتعذيب، أو بتبريده، أو تسخينه، أو التهديد بالاعتداء على أقاربه، أو ماله، أو نسائه، أو أطفاله.
كل هذا من الأمور المحرمة.
ومن ارتكب شيئا من ذلك فهو مجرم تجب محاكمته وعقابه بما يردعه وأمثاله، ويضمن أي إتلاف، وقد يأخذ حد الفساد في الأرض في حالات راجعة لنظر القضاء.
السجون السياسية:
والسجون السياسية الأصل تحريمها شرعا؛ لأن المعارضة السياسية المدنية السلمية مشروعة على أصل الإباحة بكافة صورها السلمية، ومنع ذلك منع لقول الحق، وصد عنه، والوقوف أمام ظالم ومفسد.
والسياسي أو المعارض إن ادعى على آخر ما لا يصح، أو اتهمه في صحافة، أو وسائل إعلام، أو على الملأ؛ جاز للمدعى عليه مقاضاته، ولو حزبا، أو سلطة حاكمة بدعوى وإجابة بنظر قضائي عادل.
ويحرم خطفه، أو سجنه بلا قضاء، ولا دعوى؛ لأنه ظلم.
حرمة التنصت والتجسس على الشعب:
والتجسس على الشعب محرم بالنص العام (وَلا تَجَسَّسُوا) وهو عام.
стр. 365
فيحرم التصنت على المكالمات الهاتفية، أو المحادثات عبر الإنترنت، أو تتبع العورات تحت أي مبرر، إلا على عدو حربي في الحرب، ولو باردة.
النقاط الأمنية العسكرية:
والنقاط الأمنية، والعسكرية الموضوعة دواما، أو لطارئ، يجب فيها: القيام بمكافحة كل محرم، ويحرم إدخال شيء مما حرم الله بتساهل أو بتواطؤ أو رشوة، ومن فعل ذلك خان الأمانة واستحق العقوبة قضاء وديانة.
ومن مهمات ما يجب مكافحته: المسكرات والمخدرات.
وكذلك في وقت الفتن يحرم تهريب الأسلحة إلى مناطق النزاع التي تعين على القتل وتوسع دائرة الفتنة، ويحرم على النقاط تمرير ذلك.
ويحرم في النقاط العسكرية اختلاس المال، وهو سحت محرم وظلم، وأي وسيلة من تعنت وتهديد واستفزاز وتوقيف لأي أحد بغية جني المال منه فهو ظلم محرم، ويجب معاقبة فاعله وإحالته إلى التحقيق والقضاء.
تنظيم حمل السلاح:
وتنظيم حمل السلاح مشروع، فقد ورد في النصوص النهي عن حمل السلاح يوم عيد (١)، أو إظهار نصل في سوق أو مسجد ونحوه (٢) من جمع لئلا يَجْرَح به أحدا.
ومن وضع سلاحه في نقطة فهو أمانة محفوظة تسلم له عند خروجه، ولا يجوز التفريط به، أو تبديله، أو شيء منه، أو إعارته أو مصادرته؛ فهذا مال مسلم لا يحق للدولة ولا لغيرها فعل ذلك.
ومن أخذت الجهات الأمنية سلاحه في مدينة يمنع فيها حمله، ولم يكن لديه تصريح، فإنه لا يجوز مصادرته بأي وجه، بل تتخذ الإجراءات القانونية التي لا تخالف الشرع، ثم يسلم له سلاحه، ولا مانع أن يكون في حوزة عسكري من الجهات الأمنية يرافقه ليسلم له إلى منزله
стр. 366
-إن كانت الدولة تسمح بالاقتناء وهو الأصل، ولا مانع أن يلتزم خطيا بعدم حمل السلاح في أماكن يمنع فيها ذلك، حفظا للأمن والاستقرار.
حرمة وجود طبقية مسلحة:
ولا يجوز أن توجد طبقية مسلحة بحيث ينفردون عن الشعب بحمل السلاح في أماكن الحضر.
سواء كانوا أسرة أو حزبا أو قبيلة أو مناطق معينة؛ لأن هذا من الفساد؛ لأدائه لتقوية جهات وإضعاف أخرى، وهذا مما ذمه الله على فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ) (القصص: ٤).
بل يتفق الجميع على قانون ينظم ذلك يلتزم به الجميع في عمومه الكلي، وفي استثنائياته للبعض بقانونية مضبوطة عادلة يرضى بها الشعب بمباشرة أو بواسطة نوابه في البرلمانات ونحوها.
التعبئة والتوجيه:
وفرض تعبئة القوات المسلحة والأمن بما يخدم الدين والعقيدة (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً) (النساء: ٨٤).
وبما يخدم المصلحة العامة للشعب.
ويحرم تعبئته لخدمة حزب حاكم، أو معارض، أو أسرة، أو قبيلة؛ لأن هذا خيانة للأمانة، وبه تحصل مفاسد كثيرة.
وهذا الواجب، على القيادة العليا وكل القيادات، والجهات المعنية كالتوجيه المعنوي ونحوه من وسائل الإعلام.
ويشرع كتابة الشعارات التي ترفع المعنويات، وترديدها في العرض، والسير، والقتال.
ويشترط أن تكون الشعارات مباحة، فيحرم ترديد شعار تفريق، أو تكريس طائفية، أو مناطقية؛ فإن هذه من الجاهلية في كثير من النصوص نحو «ليس منا من دعا إلى عصبية» (١).
стр. 367
وإن كان الشعار «الله، الوطن، الثورة»؛ فإنه يفصل بين هذه بمبيِّن نحو «الله نعبده، الوطن نبنيه، الثورة نحميها»، وإلا بـ (ثم)، لورود «ما شاء الله وشئت. قال: جعلت لله ندا ما شاء الله وحده» (١).
ولا يجوز أن يُجعل اسم رئيس أو ملك أو زعيم بجانب اسم الله، وهذا من باب أشد؛ لأنه لما حرم في النطق قول «ما شاء الله وشئت».
فمن باب أشد مَنْ قَرَنَه فجعله شعارا ملفوظا، ومكتوبا يردده الناس، أو طائفة منهم؛ فإن هذا أشد في التحريم لعموم مفسدتها، ولدوامها، ولتكرارها، والمحرم إذا عم ودام وكرر عظم إثمه ووزره وتعين منعه.
فإن كان الرجل القائل «لولا الله وأنت» قد جعل لله ندا، في نطق عابر لا يعظم ولا يكرر ولا يستدام، فكيف بمن جعل اسمه مع اسم الله على وجه التعظيم الدائم المكرر.
والتعظيم جاء من جهة كونه شعارا لطائفة أو شعب، فإن الشعارات الوطنية والدينية للدول والشعوب والطوائف يقصد رفعها في الأصل تعظيما لمن ذكر في الشعار، وبذلا لحمايته وصيانته له.
ولا يمكن تمييز ما لكلٍّ في الذهن العام، يعني للوطن الحماية، أو للزعيم، ولله التعظيم، فيؤدي إن كان لشخص، من ملك، أو زعيم، أو رئيس إلى نفخ الكبرياء فيه، وغرس الفرعنة والاستبداد في أمره ونهيه حالا أو مآلا أو كلاهما، وهذا فساد (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ
стр. 368
أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ) (القصص: ٤)، (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣).
ويؤدي إلى تعظيمه كتعظيم الله، وحبه كحب الله وهذا منهي عنه بالنص (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) (البقرة: ١٦٥)؛ لذلك يحرم جعل الشعار الوطني العام باسم شخص، أو حزب، أو أسرة؛ لما يكرس من المفاسد والاستبداد والتعظيم، وهذه يجب دفعها؛ فإن كان مقرونا باسم الله، فقد جعل نفسه ندا لله، إضافة إلى ما سبق من المفاسد، فهو أشد في التحريم.
والوقوف لأداء النشيد الوطني أمر لا أرى فيه مانعا؛ لأنه لا يقصد به التعبد، أو التعظيم، ولأنه نوع من الانضباط العسكري كوقوفهم لسماع صفارة أو نداء أو أداء التحية العسكرية.
وهي نوع من العرف الرسمي والدولي العام، ولا يناقض الدين ولا العقيدة.
والأناشيد الحماسية للجيش، أفتى جماعة من العلماء بجوازها، ولو بالموسيقى العسكرية المعروفة، وهذا ما يترجح عندي؛ لأن مفاسد ما حرم الغناء لأجله منعدمة هنا، والشريعة قائمة على التعليل.
الجنائز العسكرية:
ودفن الجنائز العسكرية أو الرسمية بمراسيم عسكرية ورسمية من البدع المنكرة؛ لأن هذه الأمور تعبدية ورد فيها أمر ونهي.
ويجب على من ظن أنه يُصْنَعُ به ذلك بعد موته منعه في حياته ولو بالوصية.
وجوب الاهتمام بالرمي طويل المدى والمتوسط والقصير:
ويجب الاهتمام بالرمي، فهو رأس القوة المأمور بها (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠).
стр. 369
ولحديث «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» (١).
ويحرم ترك تعلمه أو نسيانه، بل يجب التدريب المتواصل عليه للنهي المفيد للتحريم عن إهماله «من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى» (٢).
والرمي شامل للسلاح الثقيل، والخفيف، والمتوسط، وبعيد المدى، ولا بد وجوبا من تأهيل مختصين في ذلك بشكل مستمر دائم؛ لأن عدم ذلك مؤدٍ إلى نسيانه وهو محرم.
والسلاح بعيد المدى يدخل دخولا أوليا في وجوب تعلم الرمي، فيجب وجوبا مؤكدا؛ لأنه سلاح العصر المعتبر في توازن القوى؛ ولأن عدمه ضعف فاحش مؤد إلى غلبة العدو على أهل الإسلام وإذلاله لهم، وما أدى إلى هذه المفسدة حرم، وما دفعها وجب.
فالواجب الحصول على السلاح بعيد المدى برا، وبحرا، وجوا، وما لا يتم هذا الواجب إلا به فهو واجب، تصنيعا، وتطويرا، وتدريبا، من صواريخ، وراجمات، وبطاريات، وأنظمة اتصالات، ومواد تصنيع، ومصانع، وخبراء، وفنيين، ومؤهلين بتقنيات عالية مضاهية لتقنيات العصر.
سلاح الجوية:
ويجب امتلاك سلاح الجو بتقنية تكافئ المثل الدولي؛ لأنه من رأس القوة المأمور بها زمانا، ومكانا، وأشخاصا .. تصنيعا، وتطويرا، وتدريبا، من طائرات بطيار، وبدون طيار، مقاتلة، وحاملة، واستخبارية، وأنظمة دفاع جوي تصل إلى أبعد نقطة يمكن للعدو اختراقها، وأنظمة دفاع صاروخي تحقق الأمن والحماية التامة للبلاد، وأنظمة الاتصالات الجوية، وسائر متعلقاتها، وتدريب وتأهيل دائم لمن يقوم بهم فرض الكفاية، وإنشاء كليات ومدارس عسكرية جوية متخصصة، وفتح باب التصنيع الحربي الشامل لسلاح الجو بسائر متطلباته.
سلاح البحرية:
وفرض العناية التامة بسلاح البحرية؛ لأنها من أكبر أركان القوة العسكرية المعاصرة،
стр. 370
وقد خصت شرعا بمضاعفة أجور العمل فيها عند الله، حتى عَدَل دوار البحر دم الشهادة (١)، و «غزوة في البحر كعشر في البر» (٢).
ويجب على الدولة بناء أسطول متكامل من القوة البحرية من بارجات، وحاملات طائرات، وسفن حربية، وزوارق، وإمداد، وغواصات، وما يلزم لها من المؤن والتجهيزات والدراسات والخبراء والأفراد المؤهلين تأهيلا تاما.
العدل في رواتب القوات المسلحة:
وفرضٌ الاهتمام بأفراد القوات المسلحة والأمن في رواتبهم، وإعطاؤهم العوض المجزئ عن المخاطرة بالأنفس؛ لأن الله أمر بالعدل والإحسان (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠).
وليس من العدل أن يبخس أفراد الجيش والأمن في رواتبهم وحقوقهم، وما لم يكن عدلا كان ظلما، وهو محرم.
وتعاقب الدولة عقوبة إلهية من عند الله على الظلم، كما هي سنة الله على الظلمة، ويتخلف النصر لوجود المظالم.
فالواجب دفع الظلم والضرر عن منتسبي المؤسسة العسكرية والأمنية، بإعطائهم رواتب عادلة تسد حاجياتهم وضرورياتهم ومن يعولون، ولأن الله أمر بالإحسان مقابل الإحسان (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
ولا إحسان فوق من يبذل دمه في سبيل الله حماية لبلاد الإسلام والمسلمين (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٥).
стр. 371
فيقابل بإحسان راتبه ووضعه المعيشي الذي يدفع عنه الحاجة والفاقة.
ولأن الجندية عمل بإجارة؛ فهي معاوضة، ويحرم في المعاوضات الغبن، فإن كان فاحشا بطل العقد أو أُبْطِل المسمى من العوض ورُجِعَ إلى أجر المثل.
والثاني هو ما يمكن إجراؤه في وظيفة الجندي، فَيبْطُل المسمى من الراتب المعين، ويُنظَر إلى راتب أمثاله في الدول العادلة، ويُعطى الوسط إن استطاعت الدولة، أو يعطى الحد الأدنى من أجر المثل، لا ضرر ولا ضرار.
وإذا تقاعد أو استشهد أو جرح فأعيق؛ أعطي راتبه بلا خصم مُخْرِج له عن العدل والإحسان إلى البخس والإساءة والجور؛ ولأن العقد المبرم منصوص فيه بقاء الراتب في هذه الحالات؛ ويجب الإيفاء بالعقود.
ولأن الخصم المجحف ظلم، وهو محرم يخرج منصوص العقد في بقاء الراتب عن مقصوده، ولأن عدم دفعه دفعا معتبرا في تلك الحالات مؤد إلى عزوف الناس عن الجندية، أو التردد وقت القتال، وهذه علة معتبرة عند الفقهاء في القول ببقاء راتبه إن استشهد (١).
ولأن الشرع قصد إكرام المجاهد في الدنيا والآخرة ففرض الغنائم، وشرع «من قتل قتيلا فله سَلَبه» (٢)، وفَرَضَ النفل (٣)، وفَرَضَ لمن خرج بفرسه فوق من خرج ماشيا (٤)، ومن حضر المعركة بلا قتال يرضخ له (٥).
وشَرَع المعاوضةَ بالمفاداة لمن بيده أسير (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) (محمد: ٤)، وما عند الله أكبر؛ فدل هذا التعامل الشرعي على قصد الشرع إكرام المقاتلين في سبيل الله،
стр. 372
والقوات المسلحة والأمن كذلك؛ لأنها مرابطة لحماية بلاد الإسلام وحماية الدين والأنفس والأموال والأعراض وعزة أهل الإسلام.
وجوب إنشاء حلف عسكري عربي وإسلامي موحد:
وفرض على الدول العربية والإسلامية إنشاء حلف عسكري موحد بقيادة موحدة يقوم بالحماية والدفع بكفاءة كافية للتوازن الدولي المسلح، وهو فرض؛ لعموم (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال: ٧٣).
وتحالف الذين كفروا ظاهر بأحلاف دولية كبرى، وهذه علة الحكم؛ ففرض على دول العرب والمسلمين تحالف دولي مدني وعسكري مضاهٍ لذلك، وإلا يفعلوا فَتَنَهم عدوُّهم دينا ودنيا، وكثر الفساد الكبير في الأرض، ووقوع عليهم لا محالة، وهذه مفاسد كبرى، ودفعها فرض، ولا تدفع إلا بتحالف دول العرب والمسلمين في حلف مدني وعسكري فوجب ذلك (١).
تجنيد المرأة والشرطة النسائية:
وتجنيد المرأة إن كان في معسكرات مشتركة مختلطة بين رجال ونساء حرم؛ لأنه وسيلة عادت على مقصد حفظ العرض بالإبطال، والوسائل إذا أبطلت المقاصد بطلت؛ ولأن حفظ العرض يقاتل من أجله، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد (٢).
فقدم على حفظ النفس، وغاية التجنيد القتال لحفظ النفس والأموال والأعراض والدين والوطن، وتجنيد المرأة أدى إلى عكس مقصوده، وهو حفظ العرض فبطل التجنيد المشترك بين رجال ونساء.
стр. 373
وتجنيد المرأة في حالة فرض العين للقتال في سبيل الله يكون في معسكرات نسائية خالصة مهمتها توافق طاقتها ووسعها؛ لأنه (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، ووسعها دون الرجل خِلْقَة.
فإن لم يكن القتال فرض عين فتجنيدها، ولو في معسكرات مستقلة، خلاف مقصد الشرع المنصوص «لا جهاد عليكن» (١)، فأسقط عنها الطلب فرضا وتطوعا.
وذهاب من خرجت مع الجيش من آحاد النساء في زمنه ﷺ لا يستدل به؛ لانه تبع زوج أو محرم مقاتل لا لقصد قتالها ابتداءً، ولو قاتلت اضطرارا فلا يبطل الحكم الأصلي وهو عدم الطلب عليها، وشرط القياس المساواة بين فرع وأصل ولم يثبت هنا.
والشرطة النسائية للإشراف على السجون النسائية، وتفتيش النساء المحتاجِ إليه في المنافذ: ضرورةٌ تقدر بقدرها بضوابطها، ولا تتجاوز الضرورات إلى غيرها مما ليس بضرورة.
تجنيد الأطفال:
وتجنيد الأطفال غير مشروع، ويُرَدُّ طفل إن أدخل في القتال؛ لورود التشريع بذلك في الصحيح، عن ابن عمر أنه عرض على رسول الله ﷺ للقتال فرده ثم عرض عليه وقد بلغ فأجازه (٢).
وإذن الوالدين في التجنيد مشروع؛ لأن غايته القتال، وقد أمر الله باستئذانهما فيه (٣).
اتفاقيات الأمن والاستقرار العادلةُ والمهيمنةُ والقواتُ المشتركة:
والاتفاق مع دول ولو كافرةٍ على حماية الأمن والاستقرار العادل المتكافئ الوطني والإقليمي والدولي لا مانع منه؛ لأنه إذا حقق المصالح المعتبرة ودفع المفاسد جاز.
وقد عقد رسول الله ﷺ مع قوى اليهود وثيقة للحماية العامة للمدينة (٤).
стр. 374
وبدليل صلح الحديبية؛ إذ مقصوده تحقيق الأمن والاستقرار لهما.
وآلية تحقيق الأمن والاستقرار العادل بحفظ كل طرف لما هو تحت سلطاته من دفع المفاسد وجلب المصالح عن الدولة وعمن تحالف معها من الدول.
وقولنا «الأمن والاستقرار العادل المكافئ» احتراز عن اتفاقات دول الهيمنة والعلو في الأرض مع دول الإسلام القاصدة تمكينَ دول العدو ومصلحته لا مصلحة دولة مسلمة إلا إن كانت تبعا غير مقصود تحليلا لإبرام الاتفاق.
فهذا النوع يحرم الدخول فيه؛ لأنه جعل العزة لدول الكافرين على أهل الإسلام فخالف مقصود الشرع (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: ٨).
ولأنه ناقضَ المصالح العليا للدولة المسلمة؛ وانتقص سيادتها؛ وناقض مقصود إبرام الاتفاق؛ فحَفِظ الأمن والاستقرار لطرف على آخر، وهذا بغي وظلم وإذلال وامتهان للدولة المسلمة وشعبها، وهذا كله محرم.
وقولنا «بحفظ كل طرف لما هو تحت سلطاته»: هو شرط لدفع توهم إنشاء قوات مشتركة لذلك، فلها حكم آخر.
في قولنا «وإنشاء قوات مشتركة من مسلمين وكفرة» إن كان في بلادهم جاز، وإن كان في بلاد الإسلام حرم؛ لأنه ضرر كبير ومفسدة غالبة؛ لقوله (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١)، وهذا من أعظم السبيل للتمكين من رقابهم.
ومصالحه موهومة كحفظ السلام في بلد مسلم فيه نزاع.
وفعل ذلك فرض على المؤمنين بالنص (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩).
وإدخالهم قوات الذين كفروا لذلك خلاف الفرض المنصوص والتكليف به؛ ولأن الدول المحافظة على سيادتها لا تأذن بقوات حفظ السلام على أراضيها قطعا؛ لأنه انتقاص من
стр. 375
سيادتها ومصالحها واستقلالها، وهذه مفاسد كبرى معتبرة فرض دفعها.
ولا يجوز للدولة المسلمة الإذن بدخول أي قوات مشتركة لحفظ السلام أو التحالف أو غير ذلك على أراضيها، فإن اضطرت في مرحلة الاستضعاف وأمن من مفاسد هذه القوات على أراضيها، فالاضطرار باطل والحكم باق على التحريم.
وفرض على الدولة تقوية نفسها ومنع تواجد قوات أجنبية غير مسلمة على أراضيها، ودعوى اشتراط أمن مفاسد هذه القوات موهومة؛ لأنه لا أمن مع اضطرار وضعف.
فإن استؤجرت قوات غير مسلمة لدفع عدوان دولة كافرة جاز، لاختيار أهون الشرين ودفع أعظم المفسدين، خاصة إن كانت الدولة المستأجرة مسالمة بشرط أمن حالاً ومآلاً واضطراراً.
فإن كان لدفع عدوان دولة مسلمة فهو محرم، ووجب على المسلمين دفع ذلك بالمصالحة لعموم (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩)، فإن تخاذل المسلمون وضعت المسألة على الفقهاء حينئذ لتقديرها.
وما قررناه في الفقه الوظيفي من دخول جندي مسلم في قوات حفظ السلام على أرض الدولة المسلمة هو في مرحلة الاستضعاف للدولة وإجبارها على ذلك، واجتياح أراضيها بالقوة المسلحة عند رفضها دخول قوات حفظ السلام أراضيها، فحينئذ دخول مسلم فيها أولى من تمحضها للكفرة، وإن استُطِيعَ تمحضها من مسلمين فواجب، أو غلبة عدد من الجنود المسلمين فيها؛ فكذلك؛ فليتنبه لظروف وشروط كل واقعة حتى لا يضطرب ذهن قارئ لم يتنبه لفوارق المسائل وشروطها الحالية والمآلية والواقع والمتوقع المصلحي، فيظنَّ تناقضا وليس كذلك.
لا تسقط الصلاة على الجندي في أمن ولا خوف، ورخص العبادات:
وإذا كان الموقع العسكري بعيدا عن الماء واحتاجوا ما لديهم لشرب جاز لهم التيمم للصلاة (١)، للحدث الأصغر والأكبر وهو الجنابة.
стр. 376
ولا تسقط الصلاة في سلم ولا حرب، ويصلي الجندي صلاة الخوف عند حصول القتال أو توقعه، وهي أنواع بحسب الخوف والقتال شدة وخفة (١).
ويترخص في الفطر في نهار رمضان للمقاتل في سبيل الله إن كان الصوم يضعفه عن قتال العدو لورود الرخصة (٢).
أذكار المقاتل:
ويشرع للجندي الحفاظ على الأذكار الصباحية والمسائية والأدعية الخاصة بلقاء العدو.
الفرار من الخدمة العسكرية:
والفرار من الخدمة العسكرية حالة السلم محرم؛ لأنه نقض للعقد (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، فإن كان الفرار حال الحرب ولقاء العدو من الذين كفروا اشتد تحريمه، وهو من السبع الموبقات المهلكات من كبائر الذنوب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ* وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال: ١٥ - ١٦)، ولحديث «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها «والتولي يوم الزحف» (٣).
وإن كان الفرار في حالة حرب عدو مسلم باغ (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) (الحجرات: ٩) حرم؛ لأنه مع نقضه بالوفاء بالعقد، يترتب عليه ضرر كبير في خذلان مقاتلين في سبيل الله أمرهم الله بالقتال شرعا.
стр. 377
فقه التربية والتعليم
(وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: ١١٤)
* «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» صحيح
* أعطني تعليما أعطك نهضة، واعطني نهضة أعطك قيادة وريادة
* إكرام المعلم هو في حقيقة الأمر إكرام لذواتنا وأنفسنا؛ لأننا بإكرامه نُكْرِمُ الجيل والأمة جمعا
* الأمة التي لا تحترم نفسها لا تحترم التعليم، ولا تهتم به، ومن المؤكد أنها ليست هذه الأمة؛ لأنها ولدت بالأمر (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: ١ - ٥)
* لا يمكن أن يهتم بالتعليم الاستراتيجي والبحث وأدواته إلا من كان يحمل في قرارة نفسه مشروعا عظيما للوطن والأمة
* المناهج التعليمية إذا وضعها الخبراء ودرسها المؤهلون وأدارها الأكفاء لا بد أن تحقق مشروع نهضة شاملة خلال عقدين على أقصى تقدير
* الغش والتزوير وتسريب الامتحانات والوثائق والشهادات والسمسرة بذلك من الجرائم الكبرى والفساد في الأرض ..
стр. 378
فقه المؤسسة التعليمية والتربوية
فرض على الدولة خدمة العلم والمعارف.
وكل معرفة وعلم يتعلق بخدمة الضروريات، أو الحاجيات، أو التحسينات فهو من وسائل المقاصد، وكان مطلوبا شرعا.
فما تعلق بخدمة الدين، أو حفظ النفس، والمال، والعرض، والعقل، والجماعة، فهي علوم مطلوبة في الشرع، وتحصيلها فرض كفاية في الجملة، وفرض على الدولة تحقيق ذلك.
ويشمل هذا علوم العصر التكنولوجية التي تبنى عليها نهضة الدولة والأمة مدنيا وعسكريا.
تعريف التربية:
والتربية: يمكن تعريفها من خلال ملاحظة مفردات ما تقوم به في الواقع بما يشمل الإنسان، والمجتمع، والدول، والشعوب، والإنسانية من الأمور، فنقول: التربية هي الإصلاح بالمكارم، وترك أضدادها تعلماً وعادةً وقناعةً وتدينا.
فقولنا: «التربية هي الإصلاح»؛ لأن ذلك هو مقصدها، فهو تعريف بالتفسير.
وقولنا: «بالمكارم» جامعة شاملة للقيم، والأخلاق، والمحاسن، والمبادئ الفاضلة.
وقولنا «ترك أضدادها»، أي كل ما يضاد الإصلاح والمكارم (١).
وقولنا «عادة»، هي مرحلة غائية أُوْلى للتربية؛ لتحويل الفضائل إلى عادات شخصية، ومجتمعية يعاب تاركها ويمدح ملتزمها (٢).
وقولنا «قناعة»، مرحلة ثانية؛ لأنها تلزم الشخص في مجتمعه وغيره.
وقولنا «تدينا»، مرحلة ثالثة رفيعة مقصودة للشرع تجعل العمل بالمكارم تدينا، وعقيدة، وتعبدا لله طلبا لمرضاته، فيلتزم بها في السر والعلانية، والرضى، والغضب، فردا، أو جماعة، أو دولة في مختلف الظروف الحياتية، وهي أعلى رتبة تصل إليها التربية.
стр. 379
والتربية واجب شرعي، وتأخذ وسائلُها حكمَها في الجملة.
المؤسسة التعليمية والتربوية:
لما كانت الوسائل تأخذ أحكام المقاصد؛ فإيجاد المؤسسة التعليمية والتربوية أكبر وسائل تحقيق التعليم والتربية الآن، فإيجادها واجب؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وهو واجب عيني على الدولة لتحقيق الفرض الكفائي والعيني في التربية والتعليم (١).
-المؤسسة التربوية والتعليمية، أو التربية والتعليم:
ويمكن تعريفها أنها: عمل حكومي وأهلي منظم يدير التعليم والتربية.
فقولنا «عمل»: جنس التعريف يدخل فيه كل عمل.
وقولنا «حكومي وأهلي»: قيدان لذلك.
وقولنا «منظم»: خرج به العشوائية التعليمية والتربوية، فلا يتحقق معها ما قُصِد شرعا.
وهو قيد لا بد منه يدل على قيام العملية التربوية على الترتيب والتقنين والدراسة، وهذا واجب؛ لأنه يحقق المقاصد التعليمية.
وقولنا «يدير»: يشمل كل المهمات المنوطة به تلقيا، وتلقينا، وتطويرا، ومتابعة.
وقولنا «التعليم والتربية»: قيدان متممان للتعريف؛ لبيان محل هذا العمل المنظم المدير.
ولا بد للدولة والشعب من وجود هذا الكيان المؤسسي؛ لأنه وسيلة معاصرة لا يمكن قيام العملية التربوية والتعليمية في جميع مراحلها إلا بها وما يتعلق بها من الإدارات العليا والدنيا، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
- شروط من يدير المؤسسة التعليمية:
ويجب اختيار: عدلٍ راشدٍ كفءٍ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ خبيرٍ لتولي المنصب الأول في المؤسسة التعليمية والتربوية، سواء سمي وزيرا، أو ما كان حسب المسمى في الهيكلة الدستورية والقانونية للدولة.
стр. 380
ولا بد من هذه الشروط في هذا المنصب، ووكلائه، ونوابه، ومدراء عموم المكاتب التربوية في المحافظات، ومدراء المجمعات التعليمية، والمراكز، والمدارس، والأساتذة، والمدرسين، والموجهين، والأقسام والإدارات؛ لأن هذه المؤسسة من أخطر وأكبر المؤسسات مسئولية لبناء الأجيال، والعقول، والأنفس، والأموال، والاقتصاد، والأمن، والاستقرار، وحفظ الدين، والنسل، والنشء، وحفظ كيان الجماعة، وسيادة وسياسة الدولة، والنهضة القومية والحضارية والصناعية بمباشرة أو تسبب رئيسي.
ولا يمكن تحقيق هذه المقاصد الشرعية والواجبات الكبرى إلا بنهضة تعليمية وتربوية.
ووجب حينئذ إقامة كيان المؤسسة المديرة لذلك، ولا يقوم بها على هذا الوجه إلا الدولة. فَفُرِضَ عينا على ولي الأمر ومعاونيه خاصة وعلى النظام الحاكم ككل إقامة هذه المؤسسة.
ولتأثير هذه المؤسسة في تحقيق المقاصد الكبرى الآنفة الذكر؛ لا بد من اشتراط العدالة؛ لأن الفاسق ساقط العدالة يتعذر منه تحقيق هذه المقاصد؛ ولأنه ما حفظ نفسه تربويا فكيف يحفظ ذلك للغير حفظا محققا للأهداف والمصالح.
وقولنا «راشد»: لأن السفيه في الرأي والتصرف يقوم بما يفسد ويتلف حتى على نفسه، لذلك شرط لدفع مال اليتيم إليه بلوغه ورشده (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦).
وإذا حجر عليه التصرف في مهمات من حقوقه الخاصة به، لعدم رشده، وكثرة فساد رأيه وتصرفه؛ فحجره عن تولي الولاية العامة أشد وجوبا، خاصة ولاية المؤسسة التعليمية والتربوية.
وقولنا «كفء»: أي قوي أمين مؤهل للعمل في هذا المرفق، وقد رد الشرع ولاية من فقد شرطا مؤثرا وهو الكفاءة، فقال ﷺ : «إنك ضعيف» (١)، فدل على اشتراط الكفاءة الشاملة للقوة والأمانة ونحوها.
стр. 381
وقولنا «مسلم»: لأن فرض الطاعة مقيد بأولي الأمر من المؤمنين (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
و«منكم»: قيدٌ؛ فخرج غيرهم، ولأن التمكين في النص هو أمر بالتمكين للمؤمنين بذلك، أي بتحقيق التمكين لمؤمن لا لفاسق أو كافر أو منافق.
ولأن الخروج عن أولي الأمر لو ارتكبوا كفرا بواحا عن دليل برهاني من الكتاب والسنة مشروع، فلا ولاية للكافر ابتداء من باب أولى.
ولأن الموالاة للكافرين محرمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) (الممتحنة: ١)، وتوليته على المسلمين أكبر وأعظم من الموالاة؛ لأنها ولاية وموالاة وزيادة تمكين؛ ولأن الله يقول (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (النساء: ١٤١). وتوليته عليهم أعظم سبيل فمنع بالأوْلى.
ولأن شرط الولاية إقامة أخص شعائر الإسلام من الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه إقامة المصالح ودرء المفاسد.
وغير المسلم لا يقوم بذلك في نفسه ولا غيره في الصلاة والزكاة ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ* الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤٠ - ٤١).
فتولية المؤمنين نصرة لله ومستلزم لنصرته سبحانه، وتمكين أعدائه ليست نصرة لله بل معصية مستلزمة لسخطه وخذلانه، وهذا يدل على عظم هذا الشرط.
وقولنا «بالغ عاقل»: شرطان لكل ولاية؛ لأن الصبي والمجنون لا نظر لهما معتبر على وجه المصلحة لنفسيهما، فولايتهما على نفسهما ممنوعة؛ فمنعهما من الولاية على الغير من باب أولى؛ لأنها نظرٌ عام على النفس والغير.
وقولنا «خبير»: شرط أولوي؛ لأن الخبرة بالتجربة، وتكسب في هذا العمل سريعا (١).
стр. 382
- مصادر التربية
ومصدر التربية أم، ووالد، وأسرة، ومجتمع، ومَدْرسة، ومعلم، وتجربة، وعادة، وكتاب، ومؤسسات، ومنظمات، ونقابات، وإدارات.
- الأم ومهمات واجباتها التربوية
فالأم واجب عليها شرعا تربية ولدها وولد زوجها إن كان في بيتها؛ لأنها راعية ومسئولة عن رعيتها، كما في النص «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته». وفي لفظ مسلم «والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم» (١).
ويدل قيد «في بيتها»: على وجوب التربية ابتداء من داخل البيت.
ويدل قوله ﷺ «المرأة راعية»: على أن هذا الواجب متعلق بالأم والزوجة لدخولهما في اللفظ.
وفيه كذلك وجوب التربية؛ لعموم الاقتضاء في قوله ﷺ في الحديث «مسئولة» فشمل المسئولية التربوية والجنائية، عرضا، ونفسا، وعضوا، وخلقا، ويدل كذلك على أن مسئولية المرأة -أُمّاً وزوجة- عن البيت وما فيه.
ويدل على انحصار مسئوليتها عمن عندها في البيت من قُصّر كولد لها، أو لزوجها، أو ضعيف كوالد أو رحم لزوجها، أو يتيم كفله زوجها. وكذا مسئولة عن متاع، أو مالٍ لزوجها، ولا تسأل عن ما يتعلق بهؤلاء خارج البيت من تسجيل مدرسي، أو ذهاب بهم للمستشفى، أو معاملة لملفاتهم وأمورهم الشخصية في الجهات المختصة، أو الخروج لشراء ملابسهم وغذائهم، فهذه الأمور أخرجها مفهوم التقييد لمسئولية المرأة بالبيت وما فيه.
وإنما أدخلنا ولد زوجها ونحوهم من القُصّر والضعفة الذين في كفالة زوجها في بيته لعموم
стр. 383
دلالة الحديث، وعدم قصره على ولدها فقط، ويؤيده رواية مسلم المتقدمة، ففيها التصريح بأنها راعية على ولد زوجها.
ويدل باللازم على بقائها في البيت للقيام بهذه المسئولية، وتخرج ما لم يكن الخروج تضييعا لهذه الأمانة.
وعليها إرضاع بشرطه الشرعي وهو كونها والدة أو مرضعة بِعِوَض لنصوص الآيات في ذلك، وعليها حضانة ورعاية صحية ومعنوية، وتمريض في المنزل، وتعليم دين وخلق ومتابعة لذلك، ولدراسته ومذاكراته وواجباته، وخصوصياته كمعرفة من يصاحب كصديق في لعب وتعلم. كل هذا ونحوه من مسئوليات الأم والزوجة عمن تحت يدها في البيت من الأطفال لزوجها أو لهما داخل في عموم النص على المسئولية في الحديث، ولأن هذه الأمور من خصائص البيت عادة وغالبا، والعادة مُحَكَّمة وللنص (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، وليس من المعروف تركها ولد زوجها ونحوه عرضة للأضرار المترتبة على عدم قيامها عليه بما يصلحه دينا ودنيا (١).
- الوالد وواجبه تربويا:
وأما واجبات الوالد في التربية ففرض عليه ما في الحديث «الرجل راع وهو مسئول عن رعيته» من التربية لولده ويتيم يكفله، وولد زوجته إن كان عنده كافلا له وهو كاليتيم، وولد ولده إن كانوا في بيته، أو مع أبيهم في مسكن آخر يمكن متابعتهم مع تقصير أبيهم، أو سفره، أو مرضه، أو موته واستطاعة جدهم ذلك.
وكذا واجب على الرجل تربية إخوته الصغار إن كانوا معه في بيته لعموم «والرجل راع وهو مسئول عن رعيته» سواء كانوا أيتاما، أو لمرض وعجز والدهم، أو سفره ولا قائم عليهم غيره مما لا يقوم به إلا الرجال، أو كان والدهم حيا صحيحا، ولكنه وضعهم عند أخيهم؛ لعلةِ مترتبة على سكنٍ في ريف أو مدينة، أو لغير علة، وهذا في الأصل الجملي ومبني على الاستطاعة.
стр. 384
وكذلك أجنبي لو وضع ولده في منزل صديقه لعلة كدراسة، أو أمان، أو سفر ونحو ذلك لزم على الصديق وزوجته العناية بهم تربويا عند الاستطاعة؛ لأنهم قبلوا تحمل الأمانة، فإن لم تقبل الزوجة في هذه الصورة فلا يلزمها، لأنه تكليف لها بما لم يكلفها به الشرع، وعلى الزوج -حينئذ- القيام على شؤونهم بنحو استئجار حاضنة لهم، فإن لم يستطع لزمه عدم القبول دفعا لتحمل الأمانة.
وأما النفقات فعلى والدهم، أو من تلزمه شرعا في هذه المسألة وما قبلها من المسائل المشابهة.
ويجب على المرأة من المسئولية وكذا على الرجل ما كان جاريا على العرف العادل (١) (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩).
وكل ما يتعذر، أو يشق على المرأة أو الرجل مشقة ظاهرة خارجة عن المعتاد سقط عنه التكليف به (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦)، فلا تكليف عليهما في تلك المشقة، إلا بوالدين وولد وزوج، وزوجة، وكذا كل ما هو مختص بالآخر عرفا لزمه للأمر بالعشرة بالمعروف.
وقولنا «مختص بالآخر» أي بأحد الزوجين من أبيه وأمه وولده من غيرها، فإن واجب القيام عليهم مفروض على الزوج وإلا لأدى إلى مفاسد العقوق والتلف، ولما كان رعاية الرجل لهؤلاء متعذرة في الغالب لانشغاله بأمور العمل وطلب الرزق خارج البيت فعلى المرأة القيام بذلك لأنه من العشرة بالمعروف المأمور بها في النص (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ) (الطلاق: ٦)، وليس من المعروف ترك الزوجة هؤلاء بلا رعاية حسنة لما فيه من الإضرار بهم وبزوجها، فإن رفضت الزوجة رعاية والدي زوجها الضعيفين المقيمين معه في بيته تحت نفقته أو رفضت رعاية ولد زوجها القاصر المقيم مع أبيه في نفس البيت فلا بد -حينئذ- من تضررهم وتضرر الزوج للحوق الأذى بأخص أهله في عمود النسب والدا وولدا، وعليه -حينئذ- وعظها والمحاولة معها، فإن أبت إلا تركهم بلا رعاية وترتب على ذلك الضرر فيحرم عليه
стр. 385
تقديم إرضائها، فإن طلبت إخراج أبويه أو أحدهما من بيته أو منعهما أو أحدهما من دخول البيت فهي امرأة سوء خالفت الأخلاق والعرف والعشرة بالمعروف ووجب وعظها كما أمر الله فإن أصرت حرم مطاوعتها لأداءه إلى أعظم الكبائر وهو العقوق، وحينئذ تتزاحم مفاسد كبرى مع مصلحة بقاء الزوجة فيقدم هنا دفع المفسدة الكبرى بطاعة الوالدين وبرهما وإن أدى ذلك إلى مفارقة تلك الزوجة بإحسان عند تعذر الجمع.
ولأن الشرع أقر ما جرت به العادات على النساء في البيت وما يتعلق به وما جرت به العادات على الرجل والإقرار شرع، والعادة محكمة، وهذه الأمور مما جرت بها الأعراف والعادات وأقرها الشرع لأنها من المكارم في كل الأمم.
- التربية المجتمعية
وعلى الأسرة والمجتمع وكل راعٍ مسئولية على الرعية «ألا كلكم راع وهو مسئول عن رعيته».
وهذا يدل على واجب المسئولية على الجميع؛ للعموم في النص، ولا بد من وجود رعية لكل شخص تحت يده، فالأسرة، والمجتمع، والمدرسة، والولاة، والجماعات، والأحزاب، والنقابات، والمؤسسات، والمنظمات، والإدارات، والمشيخات، كلٌّ مسئول عن رعيته.
والتربية المجتمعية فرض كلي أصله (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
وهذا أمر، وهو يدل على وجوب التعاون على البر والتقوى. والتربية من البر والتقوى.
فواجب على المجتمع معالجة الظواهر والمظاهر المنكرة والتعاون على ذلك، وحرم تعبئة النشء والشباب وشرائح الناس بعصبية مناطقية، أو نسبية، أو سلالية تنصر أفرادها ولو على باطل كحماية قاتل أو معتد، أو قاطع طريق، أو ناهب مال أن يمثل للإنصاف، أو تفيد تعييناً مناطقياً للولاية لمؤهل أو غير مؤهل لمجرد علة التعصب.
ويحرم تشجيع أو سكوت عن أفعال أو أقوال أو اعتقادات تفرق الصف.
والمنع شامل لأي دعوات تشطيرية، أو مناطقية، أو سياسية، أوتشييع للشعب، أو
стр. 386
قطيعة وتمزيق أسري أو مجتمعي، وقد لعن الشرع من خبب امرأة على زوجها أو زوجاً على زوجته (١).
أي ألقى بينهما البغضاء والشحناء؛ لأدائه إلى الفرقة بينهما، وتشظي الأسرة، وما كان تخبيبا مجتمعيا أو شعبيا كان أكبر في الجرم البالغِ نصوصُه المانعةُ مبلغ الضرورة الدينية والقطع الشرعي دلالةً وسنداً في القرآن والسنن والإجماع وفتوى العلماء.
وهذه الدعوات من الجاهلية «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم» (٢)، «ومن دعا إلى عصبة فهو من جثى جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (٣).
والسكوت المجتمعي على المفاسد منكر (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨ - ٧٩).
ومن البر والمكارم قيام المجتمع أسراً، وقياداتٍ، ووجهاء، ورجالا، ونساء، بالتربية على تنمية الفضائل، وترك الرذائل، وغرس وتكريس معاني المجتمع الفاضل (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١ - ٣).
فيجب التواصي بحفظ الأعراض وصيانتها من قذف، أو شتم، أو سخرية، أو غيبة، أو تنابز، أو همز ولمز وتنقص؛ لأنها محرمات بالنصوص القطعية، وكذا محاربة الإشاعة (٤)، أو تعال بنسب أو مال أو عقار أو مركب أو بيت، أو مغالاة أثاث وترف في ذلك، أو في مأكل ومشرب وملبس خارج مخرج الإسراف والبطر، وذلك للنصوص المانعة من هذه الأمور (وَلاَ تُسْرِفُوا
стр. 387
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١)، (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: ٦٧).
ويتواصى الناس بتوعيةٍ: بأمر ونهي، وترغيب وترهيب، وتشجيع، وحث، وتحذير، وإنكار، وقول، وفعل لصغير وكبير، لقريب وجار، وزوج وزوجة، وذكر وأنثى، وقائد ومواطن للوصول إلى تقليل وتعطيل المفاسد والمنكرات ومساوئ الأخلاق وتكثير وغلبة المصالح والمكارم والفضائل.
ويربى المجتمع على قول الحق، وتعظيم لقاء الله، وإقامة الصلوات، وتوزيع الزكوات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونجدة وإغاثة ملهوف، وإسعاف مريض، وإعارة ما يعار، وإرفاق، وقرض معسر، وتزويج عزب، وتيسير مهر ومشاريط، والتوسط في البناء والأثاث واللبس والطعام، وزيارة المريض، والشهادة بالحق، والتواضع للخلق، ونصرة مظلوم، وقمع ظالم، وكفالة يتيم، وسعي على الأرملة والمسكين، وإحسان لابن السبيل.
ومراقبة التعليم والتعاون مع السلطة في الخير، والمحاسبة وعزل الفاسدين وتشجيع وتكريم من أحسن وأبدع؛ لأن جزاء الإحسان بالإحسان.
وبالجملة فالتربية المجتمعية من أهم الواجبات الشرعية، ومشمولة بعموم النصوص في التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبخصوص كثير من النصوص في الأخلاق، والأعمال المرضية وما يضادها.
مجانية التعليم
والتربية والتعليم قرينان.
ويجب على الدولة رعايتهما، وتمام المصلحة أن توفر الدولة التعليم والتربية مجانا للمواطنين، وتدفع من المال العام تكاليف ذلك؛ لأنه مال عام وضع للمصلحة العامة، ومن أعظمها وأولاها التعليم والتربية؛ ولترتب مفاسد جمة على تجارية التعليم الرسمي؛ لانتشار الجهل -حينئذ- في شريحة كبيرة من الناس وذلك يؤثر على نهضة عامة، ونمو اقتصاد، وكثرة بطالة، وزيادة فقر، وتدهور الاستثمار، وضعف الدولة عموما.
стр. 388
ودفع هذه المفاسد بتولي الدولة لمجانية التعليم للناس، خاصة في فروض الكفايات فلا تتم إلا بذلك، فتعينت على الدولة.
ومنعنا من تجارية التعليم الرسمي يفهم منه أن هذه المفسدة لا تكون إلا بفرض رسوم مقصودها التجارة والربح، أما الرسوم الاعتيادية الرمزية التي لا يترتب عليها مشقة على عموم الناس فلا مانع منها.
وأخذ الأجرة على تعليم العلم والقرآن مسألةٌ غير هذه؛ لأن مبحوثها في أخذ الأجرة من المتعلم لا من بيت المال، فمنع الأول وأجيز الآخر، وقد سبق (١).
سن التعليم والتربية، وحق التعليم للجميع:
وحق التعليم للجميع ذكورا وإناثا؛ لعموم النصوص في شأن العلم، وسن التعليم الدراسي من التمييز والقدرة على التعلم، وأوله أربع، وأوسطه وغالبه ست سنوات، بخلاف التربية؛ فسنها قبل الرابعة بدليل قول النبي ﷺ للحسن إذْ أراد أكل التمر من الصدقة «كخ كخ إنا لا تحل لنا الصدقة» (٢)، وقوله «كخ كخ» زجر يقال للصبي قبل نطقه الكلام.
وجرت العادات على زجر الصبي عن الخطأ وتحذيره من أمور كلمس النار أو الوقوع في حفرة أو أكل ضار، وكل هذا بالأفعال والزجر المناسب تعليما له، ويحصل ذلك قبل نطقه، وتستمر التربية في سائر مراحل الحياة.
وعموم التربية ودوامها؛ لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى.
وهي أوسع معنى من التعليم الدراسي، إذ يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات، فالجيش يربي الجندي على الضبط والانضباط والصبر والطاعة والجلد والشجاعة.
وفي الوظائف يُربَّى بالقدوة، أو القوانين على الأمانة وأداء العمل بكماله ومراقبة الله، وفي
стр. 389
المجتمع على العادات والمكارم الحسنة.
أما التعليم الدراسي فله حد مرحلي ينتهي به بدءا بالابتدائية وانتهاءً بالشهادات العليا في الدراسات الجامعية العليا.
ولا حد للتعليم بعد ذلك، تجربة وخبرة وبحثا ووهبا إلهيا (١).
وكان الرسل والأنبياء يوحى إليهم في الأربعين من العمر ويعلمهم الله الشرائع ويبلغونها ويعلمونها للناس في كل سن، كلٍّ بحسبه.
وقد يفتح الله على صبي كيحيى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢)، وعيسى في المهد (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (مريم: ٢٩ - ٣٠).
أركان التعليم والتربية
وأركان التعليم: منهج، ومدرس، وإدارة، وطالب.
أولاً: المنهج
فالمنهج الدراسي يضعه علماء في الشريعة وخبراء ومختصون في علوم العصر وتربويون في مفردات المنهج وأصوله ووسائله، وكلٌ في تخصصه.
- شرط من يضع المناهج
وشرط هؤلاء تمام المعرفة والاختصاص فلا يجوز غير أهلٍ (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦).
و«عِلْمٌ» نكرة في سياق النفي تعم كل علم؛ فيدخل علم الشريعة وعلومُ فروض الكفايات المتعلقة بمصالح الخلق من طب، وتكنولوجيا، وتصنيع، وهندسة، وغيرها.
ولا يدخل أحد في لجنة المناهج لجمالة، أو إصلاح وضع، أو لقرابة؛ لأنها ولاية من أعظم
стр. 390
الولايات، وعملها إلى عموم الخلق متعد بالإحسان أو الإساءة، وما تعدى إلى الناس من الأعمال عظم أجره في باب المصالح، وعظم وزره في باب المفاسد.
وتتعلق بالمناهج من المقاصد الكبرى: حفظ الدين، والمال، والنفس، والعرض، والعقل، والجماعة.
وهذا أكبر مقاصد الشريعة الضرورية، ولا بد -ضرورة- أن تكون المناهج خادمة لحفظها أو إهدارها، ولا وسط بين الحفظ والإهدار؛ لأن تبعيض حفظ الدين أو المال أو النفس أو العرض أو العقل أو الجماعة إهدار لها حقيقة، وقد لعن الله من رضي بحكمه في مواضع وترك في مواضع (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (النور: ٤٩)، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: ٨٥).
فإن كان هذا التبعيض التخريبي علته جهل واضع المناهج عُزِلَ وجوبا؛ لأنه غير أهل لحفظ وأداء الأمانة، وأُصلِح المنهج حينئذ وجوبا بأن يضعه مؤهل كفؤ؛ لأن إصلاحه من دفع الضرر وهو واجب.
أو كان تخريب المناهج لخدمة قوى مخربة، فالواضع ومن ولَّاه -مع علم حاله- فاسقان، ومفسدان في الأرض، ويجب محاسبتهم ومقاضاتهم وعزلهم إن اقتضى الأمر، وقد تجتمع هذه العقوبات أو بعضها بحسب النازلة زمانا ومكانا وبحسب ما يترتب عليها من فساد.
أو كان فساد المنهج بتآمر ومكر من خَدَمَةٍ لمشروع معادٍ للأمة، أو عائلي، أو طائفي، أو مذهبي، أو مناطقي ابتغاء تمكين هذه الفئة لنفسها في البلاد والدولة، ويكون إفسادهم المناهج قائم على مقصود هدم المقاصد الكبرى التي يقوم بها كيان الشعب، تسهيلا لهم فحكمهم أنهم مفسدون في الأرض واجب عزلهم.
- أعضاء لجنة المناهج:
ولا يدخل في لجنة إعداد المناهج إلا مسلم عاقل بالغ عدل عالم خبير بتخصصه.
فلا يجوز أن يضعها غير مسلم، ولا فاسق، ولا غير ضالع في علمه؛ لأن عدم النصيحة في مهمات في المنهج وارد غالبا من هؤلاء.