قطيعة وتمزيق أسري أو مجتمعي، وقد لعن الشرع من خبب امرأة على زوجها أو زوجاً على زوجته (١).
أي ألقى بينهما البغضاء والشحناء؛ لأدائه إلى الفرقة بينهما، وتشظي الأسرة، وما كان تخبيبا مجتمعيا أو شعبيا كان أكبر في الجرم البالغِ نصوصُه المانعةُ مبلغ الضرورة الدينية والقطع الشرعي دلالةً وسنداً في القرآن والسنن والإجماع وفتوى العلماء.
وهذه الدعوات من الجاهلية «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم» (٢)، «ومن دعا إلى عصبة فهو من جثى جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (٣).
والسكوت المجتمعي على المفاسد منكر (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨ - ٧٩).
ومن البر والمكارم قيام المجتمع أسراً، وقياداتٍ، ووجهاء، ورجالا، ونساء، بالتربية على تنمية الفضائل، وترك الرذائل، وغرس وتكريس معاني المجتمع الفاضل (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١ - ٣).
فيجب التواصي بحفظ الأعراض وصيانتها من قذف، أو شتم، أو سخرية، أو غيبة، أو تنابز، أو همز ولمز وتنقص؛ لأنها محرمات بالنصوص القطعية، وكذا محاربة الإشاعة (٤)، أو تعال بنسب أو مال أو عقار أو مركب أو بيت، أو مغالاة أثاث وترف في ذلك، أو في مأكل ومشرب وملبس خارج مخرج الإسراف والبطر، وذلك للنصوص المانعة من هذه الأمور (وَلاَ تُسْرِفُوا
стр. 387
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١)، (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان: ٦٧).
ويتواصى الناس بتوعيةٍ: بأمر ونهي، وترغيب وترهيب، وتشجيع، وحث، وتحذير، وإنكار، وقول، وفعل لصغير وكبير، لقريب وجار، وزوج وزوجة، وذكر وأنثى، وقائد ومواطن للوصول إلى تقليل وتعطيل المفاسد والمنكرات ومساوئ الأخلاق وتكثير وغلبة المصالح والمكارم والفضائل.
ويربى المجتمع على قول الحق، وتعظيم لقاء الله، وإقامة الصلوات، وتوزيع الزكوات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونجدة وإغاثة ملهوف، وإسعاف مريض، وإعارة ما يعار، وإرفاق، وقرض معسر، وتزويج عزب، وتيسير مهر ومشاريط، والتوسط في البناء والأثاث واللبس والطعام، وزيارة المريض، والشهادة بالحق، والتواضع للخلق، ونصرة مظلوم، وقمع ظالم، وكفالة يتيم، وسعي على الأرملة والمسكين، وإحسان لابن السبيل.
ومراقبة التعليم والتعاون مع السلطة في الخير، والمحاسبة وعزل الفاسدين وتشجيع وتكريم من أحسن وأبدع؛ لأن جزاء الإحسان بالإحسان.
وبالجملة فالتربية المجتمعية من أهم الواجبات الشرعية، ومشمولة بعموم النصوص في التعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبخصوص كثير من النصوص في الأخلاق، والأعمال المرضية وما يضادها.
مجانية التعليم
والتربية والتعليم قرينان.
ويجب على الدولة رعايتهما، وتمام المصلحة أن توفر الدولة التعليم والتربية مجانا للمواطنين، وتدفع من المال العام تكاليف ذلك؛ لأنه مال عام وضع للمصلحة العامة، ومن أعظمها وأولاها التعليم والتربية؛ ولترتب مفاسد جمة على تجارية التعليم الرسمي؛ لانتشار الجهل -حينئذ- في شريحة كبيرة من الناس وذلك يؤثر على نهضة عامة، ونمو اقتصاد، وكثرة بطالة، وزيادة فقر، وتدهور الاستثمار، وضعف الدولة عموما.
стр. 388
ودفع هذه المفاسد بتولي الدولة لمجانية التعليم للناس، خاصة في فروض الكفايات فلا تتم إلا بذلك، فتعينت على الدولة.
ومنعنا من تجارية التعليم الرسمي يفهم منه أن هذه المفسدة لا تكون إلا بفرض رسوم مقصودها التجارة والربح، أما الرسوم الاعتيادية الرمزية التي لا يترتب عليها مشقة على عموم الناس فلا مانع منها.
وأخذ الأجرة على تعليم العلم والقرآن مسألةٌ غير هذه؛ لأن مبحوثها في أخذ الأجرة من المتعلم لا من بيت المال، فمنع الأول وأجيز الآخر، وقد سبق (١).
سن التعليم والتربية، وحق التعليم للجميع:
وحق التعليم للجميع ذكورا وإناثا؛ لعموم النصوص في شأن العلم، وسن التعليم الدراسي من التمييز والقدرة على التعلم، وأوله أربع، وأوسطه وغالبه ست سنوات، بخلاف التربية؛ فسنها قبل الرابعة بدليل قول النبي ﷺ للحسن إذْ أراد أكل التمر من الصدقة «كخ كخ إنا لا تحل لنا الصدقة» (٢)، وقوله «كخ كخ» زجر يقال للصبي قبل نطقه الكلام.
وجرت العادات على زجر الصبي عن الخطأ وتحذيره من أمور كلمس النار أو الوقوع في حفرة أو أكل ضار، وكل هذا بالأفعال والزجر المناسب تعليما له، ويحصل ذلك قبل نطقه، وتستمر التربية في سائر مراحل الحياة.
وعموم التربية ودوامها؛ لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى.
وهي أوسع معنى من التعليم الدراسي، إذ يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات، فالجيش يربي الجندي على الضبط والانضباط والصبر والطاعة والجلد والشجاعة.
وفي الوظائف يُربَّى بالقدوة، أو القوانين على الأمانة وأداء العمل بكماله ومراقبة الله، وفي
стр. 389
المجتمع على العادات والمكارم الحسنة.
أما التعليم الدراسي فله حد مرحلي ينتهي به بدءا بالابتدائية وانتهاءً بالشهادات العليا في الدراسات الجامعية العليا.
ولا حد للتعليم بعد ذلك، تجربة وخبرة وبحثا ووهبا إلهيا (١).
وكان الرسل والأنبياء يوحى إليهم في الأربعين من العمر ويعلمهم الله الشرائع ويبلغونها ويعلمونها للناس في كل سن، كلٍّ بحسبه.
وقد يفتح الله على صبي كيحيى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم: ١٢)، وعيسى في المهد (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (مريم: ٢٩ - ٣٠).
أركان التعليم والتربية
وأركان التعليم: منهج، ومدرس، وإدارة، وطالب.
أولاً: المنهج
فالمنهج الدراسي يضعه علماء في الشريعة وخبراء ومختصون في علوم العصر وتربويون في مفردات المنهج وأصوله ووسائله، وكلٌ في تخصصه.
- شرط من يضع المناهج
وشرط هؤلاء تمام المعرفة والاختصاص فلا يجوز غير أهلٍ (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦).
و«عِلْمٌ» نكرة في سياق النفي تعم كل علم؛ فيدخل علم الشريعة وعلومُ فروض الكفايات المتعلقة بمصالح الخلق من طب، وتكنولوجيا، وتصنيع، وهندسة، وغيرها.
ولا يدخل أحد في لجنة المناهج لجمالة، أو إصلاح وضع، أو لقرابة؛ لأنها ولاية من أعظم
стр. 390
الولايات، وعملها إلى عموم الخلق متعد بالإحسان أو الإساءة، وما تعدى إلى الناس من الأعمال عظم أجره في باب المصالح، وعظم وزره في باب المفاسد.
وتتعلق بالمناهج من المقاصد الكبرى: حفظ الدين، والمال، والنفس، والعرض، والعقل، والجماعة.
وهذا أكبر مقاصد الشريعة الضرورية، ولا بد -ضرورة- أن تكون المناهج خادمة لحفظها أو إهدارها، ولا وسط بين الحفظ والإهدار؛ لأن تبعيض حفظ الدين أو المال أو النفس أو العرض أو العقل أو الجماعة إهدار لها حقيقة، وقد لعن الله من رضي بحكمه في مواضع وترك في مواضع (وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (النور: ٤٩)، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (البقرة: ٨٥).
فإن كان هذا التبعيض التخريبي علته جهل واضع المناهج عُزِلَ وجوبا؛ لأنه غير أهل لحفظ وأداء الأمانة، وأُصلِح المنهج حينئذ وجوبا بأن يضعه مؤهل كفؤ؛ لأن إصلاحه من دفع الضرر وهو واجب.
أو كان تخريب المناهج لخدمة قوى مخربة، فالواضع ومن ولَّاه -مع علم حاله- فاسقان، ومفسدان في الأرض، ويجب محاسبتهم ومقاضاتهم وعزلهم إن اقتضى الأمر، وقد تجتمع هذه العقوبات أو بعضها بحسب النازلة زمانا ومكانا وبحسب ما يترتب عليها من فساد.
أو كان فساد المنهج بتآمر ومكر من خَدَمَةٍ لمشروع معادٍ للأمة، أو عائلي، أو طائفي، أو مذهبي، أو مناطقي ابتغاء تمكين هذه الفئة لنفسها في البلاد والدولة، ويكون إفسادهم المناهج قائم على مقصود هدم المقاصد الكبرى التي يقوم بها كيان الشعب، تسهيلا لهم فحكمهم أنهم مفسدون في الأرض واجب عزلهم.
- أعضاء لجنة المناهج:
ولا يدخل في لجنة إعداد المناهج إلا مسلم عاقل بالغ عدل عالم خبير بتخصصه.
فلا يجوز أن يضعها غير مسلم، ولا فاسق، ولا غير ضالع في علمه؛ لأن عدم النصيحة في مهمات في المنهج وارد غالبا من هؤلاء.
стр. 391
ولا مانع في علوم التكنولوجيا الحديثة من استشارة ماهر ضليع فيها، ولو كافرا إن عدم مسلم، بشرط التحقق مما أشار به من جهات متخصصة مماثلة منافسة؛ لأن هذا من تمام النصح لأهل الإسلام، والدين النصيحة.
وقولنا «منافسة»؛ لأنها أقرب إلى الإشارة بالحق حرصا على سمعتها.
وجوب وضع خطة المناهج ووجوب التزامها
فإذا تم وضع المناهج: وضعت خططها في التدريس؛ لأن السير بعشوائية مذموم في الشرع (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الملك: ٢٢)، فذم الماشي المكب ومدح الماشي على المنهج السوي المستقيم.
ولأنه خلاف للإحسان المأمور به (وَأَحْسِنُوَا) (البقرة: ١٩٥).
ولأدائه إلى الضرر والمفاسد الكثيرة، فوجب دفعه بوضع خطة السير في المناهج ومتابعة تنفيذها طوال العام.
ويجب شرعا على مدرس، وسائر الجهات التربوية والتعليمية الالتزام بتنفيذ خطة المناهج، ويأثم المناقض لها؛ لأن طاعة أولي الأمر واجبة، وهذا منه، فيشمله عموم الأمر بالطاعة في النص (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)، ولأنها طاعة قائمة على مصالح غالبة فلزمت؛ ولأن مناقضته لخطة المنهج خلاف مقصود الشورى التي بني عليها وضع المناهج، وخططها التي تحقق مصالح عامة تربوية وتعليمية وإصلاحية؛ بشورى وبحث مع أهل المعرفة والعلم والخبرات المختلفة والله يقول (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: ٧).
وهذا النص شامل لهم؛ ويقول سبحانه (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: ٣٨)، وهذا عام يشمل هذا الأمر، ولأن عقد التدريس، أو العمل في التربية والتعليم، شرطه الالتزام بالمناهج وخططها، وهذا شرط صحيح معتبر شرعا؛ لأدائه إلى المصالح الغالبة الكثيرة، ويحرم مخالفة شرط العقد الصحيح المعتبر؛ لأنه من مقصود العقد اللازم الوفاء به (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
ولأن الله أمر بطاعة أولي الأمر في كل ما فيه مصلحة عامة معتبرة، ومنها ولا بد السير على المناهج وخططها التربوية والتعليمية، وهذا هو الأصل.
стр. 392
وحرم تفويض وضع المناهج وخططها لجهات جاهلة، أو مضلة بعمد أو غير عمد، بإجارة عدو لها أو بدون أجر.
فإن حصل ذلك وجب على مدرسٍ وسائر الجهات التعليمية فعلُ ما يعالج الخلل، من بيانٍ للصواب أثناء التدريس، وإعداد مذكرات مصاحبة للطالب تغني وتصحح ما أُفْسِد في المناهج.
ووجب على نقابات التعليم اتخاذُ وسائل التغيير السلمية؛ لدفع الفساد بمظاهرات أو احتجاجات أو اعتصام ونحو ذلك بشروط في موضعها (١)، وهذا كله أدنى الواجب.
وأعلاه قيام الشعب: بمحاسبة ومقاضاة مفسدي مناهج التعليم، وعزل متورط في ذلك؛ لأن فساد المناهج من الفساد العظيم في الأرض، ودفعه واجب.
فإن قام به من الشعب فئة واستطاعوا؛ سقط فرض الكفاية، ورفع الإثم عن الناس.
وإلا فواجب على الكافة تعزيزهم ونصرتهم بكافة الوسائل حتى التغيير للمنكر.
وهذا من أكبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون عليه؛ لتعلقه بالضرورات الكبرى، والتعاون في ذلك فرض؛ لأدائه إلى زوال وكف المنكر وفاعِلِه بقوة الجماعة، ولو كان في أعظم الولايات رئاسة أو وزارة أو غيرها.
- تهميش المواد الشرعية أو التكنولوجية منكر:
وجعل مواد الشرع واللغة غير أساسية في المراحل الابتدائية والأساسية والثانوية؛ تعمد في تضليل الجيل بدينه وهويته العربية والإسلامية التي توصله لفهم الشريعة، وهو من الصد عن سبيل الله ومحاربة الله ورسوله؛ لأدائه إلى الجهل بالله ورسوله ودينه، وضروريات التكليف.
ولأن جعلها في المواد الهامشية غير الأساسية تربية عملية للجيل على عدم تعظيم شعائر الله ودينه والاهتمام به؛ لانطباع هامشيتها في ذهن الجيل؛ ويظن أنه لا يجعلها الخبراء التربويون هامشيةً مع سكوت الساسة، ومجالس البرلمان، إلا أنها غير معظمة ولا مهمة ولا ضرورية.
стр. 393
بل قد ينغرس في قلوبهم أنها ليست مما يلائم العصر ونهضته؛ لذلك لم تجعل أصلا، ولا أساسا في التعليم.
وهذا الفساد والتصور المنحرف يبين أن عدم الاهتمام بالمواد الشرعية والعربية في المناهج من أعظم المحاربة لله ورسوله والصد عن سبيله.
وينبني عليه من المفاسد الفاحشة العامة المؤثرة على الجماعة والكلمة والقوة.
ولا تظهر الفُرْقة وانشقاق صف أهل الإسلام إلا بإضعاف ما يجمعهم كفرض شرعي وهو دين الإسلام وما فيه من الأمر بالجماعة، والعدل والإحسان، ونبذ المظالم وإيتاء الحقوق والحريات والتكريم للإنسان وتعظيم الله ورسوله وإقامة الدين.
ويظهر ما في النص «اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١)، وهذه مفاسد كثيرة وكبيرة.
ولا بد أن تظهر الفرق الضالة والغلاة في الدين، ويظهر نتيجة لهذا تكفيرُ المسلمين لبعضهم الموجب لسفك الدماء، وسب وتفسيق وتكفير الصحابة، وإيذاء عرض النبي ﷺ ، ودعوى حق إلهي في الحكم لعرق مفضل على غيره معارضين (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣).
وتؤدي هذه الأمور غالباً إلى: الفتنة والقتل والقتال بين أهل الإسلام.
وتدخل الدسائس والمكر والكيد حال ذلك من عدوهم.
وتضعف الأمة ويُتَمكَّنُ منها، ومن استعمار بلادها ونهب ثرواتها.
ووقع هذا بتواتر التاريخ، ويقع إذا وجدت هذه السياسة الخاطئة.
فوجب قطعا دفع هذه المفاسد الكبرى التي تغضب الله، وتوجب عقوبته.
وأكبر دفع لها بتعليم شريعة الإسلام الوسطية بالدليل بلا تعصب، وتدريس آلاتها من: لغة وأصول ومصطلح وعقائد في مناهج التدريس للأجيال بمنهجية وسطية قائمة على الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، دافعة للتعصب لمذهب أو فئة أو سلالة أو أقوال، خادمة
стр. 394
لجمع الكلمة وحفظ المقاصد الكبرى: دينا، وعرضا، ونفسا، ومالا، وعقلا، وجماعة.
وكذا تهميش المواد التكنولوجية المعاصرة وعدم الاهتمام بها منكر؛ لأنه يبطل القيام بفرض الكفاية، وتعلم هذه العلوم فرض كلي على الأمة؛ لأنه من أعظم وسائل القوة المعاصرة، والشرع أمر أمرا ملزما بالإعداد الشامل ووسائله (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال: ٦٠).
وتعليم علوم العصر بتقنيات العصر هو باب النهضة الشاملة، فإذا قصَّرت الدولة في تعليم ذلك، فقد أخلت بفرض، وعلى الشعب بوسائله السلمية الرسمية والجمهورية إلزامها بذلك، فإن التزمت وإلا عزلت.
- وجوب تدريس قطعيات الشريعة:
ولا بد في الدراسة من الابتدائية إلى الثانوية من معرفة قطعيات الشريعة التي لا يجوز الجهل بها، وهي (١):
أولا: في باب الإيمان والتوحيد والعقائد:
مثالا لا حصرا: حرمة الشرك بالله ووجوب توحيده، وحرمة التحاكم إلى غيره ووجوب الحكم بما أنزل، والإيمان به وبرسله وكتبه واليوم الآخر وما فيه، والقدر، وحرمة عبادة غيره كالسجود لصنم، ودعاء حجر أو شجر، وعمل السحر والشعوذة والكهانة، وأن دين الإسلام هو الحق وغيره باطل (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥)، وأن تفريق الأمة وتمزيقها والفتنة بين أهل الإسلام كله حرام.
وأن الردة عنه من أكبر الذنوب ولا تقبل رسميا ولا شعبيا ولا مجتمعيا (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥)، وهذا حكم دنيوي؛ لأن الحكم الأخروي منصوص عليه آخر الآية (وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
والمرتد كافر له حكم الكفار أهل الفتنة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه) (الأنفال: ٣٩).
стр. 395
وأن الصحابة ومنهم آل البيت ناجون يوم القيامة قطعا بالدليل القطعي (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم: ٨).
ولم يقل «آمنوا به»، وإلا لشمل كل مؤمن إلى يوم القيامة، فدل على اختصاص هذه الآية بالصحابة.
ومن سبهم أو فسقهم أو كفرهم فقد ناقض القرآن في قوله تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: ٧).
ومن آذى رسول الله ﷺ في عرضه وأصحابه وآل بيته فهو ملعون في القرآن (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا* وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٧ - ٥٨).
والترضي عن الصحابة والآل مشروع؛ لأن الله ترضى عنهم (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: ١٠٠).
وكذا الاستغفار لهم (وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: ١٠).
وكل من آمن وقاتل قبل الفتح أو بعده فلهم الحسنى مع تفضيل الأولين (لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد: ١٠).
وما جرى بينهم فهو إلى الله؛ لأن الله لم يكلفنا بالحكم بينهم، ولا يسألنا عن ذلك؛ لعموم (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة: ١٤١).
ثانيا: في باب العبادات:
فمن قطعياتها وجوب الوضوء والطهارات للصلاة، ووجوب الصلاة والصيام على كل مسلم، والزكاة، والحج لبيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، وبيان تفاصيل ذلك في سنة النبي ﷺ في حديثه قولا وفعلا وتقريرا.
стр. 396
ثالثا: في باب الأموال:
حرمة الربا وحل البيوع، وحرمة أكل أموال الناس بالباطل، وحرمة أكل مال اليتيم، وحرمة الغش والخداع والتدليس في السلع، والتغرير والغلول، والأصل الإباحة في المعاملات.
رابعا: في أبواب الأسرة والمجتمع:
الإحسان، والمعاشرة بالمعروف، والنفقة من قادر على من يلي أمرهم من والدين وزوجة وأبناء وأقرباء، وحرمة الإضرار بالزوجة والزوج، وحرمة عقوق الوالدين، وحرمة إظهار الفواحش ونشر الرذائل، وحرمة الزنا وسائر الفواحش، وفرض لبس الحجاب على المرأة وهو ستر كامل بدنها سوى ما ظهر، وفي الوجه والكفين خلاف.
والإحسان إلى الخلق من جار وصاحب وذي قربى، وأن النكاح بين المحارم بنسب أو رضاع لا يجوز، وأن يتعاون الناس على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خامسا: في أبواب السياسات والأمن الداخلي والخارجي والأبواب العامة:
وجوب إقامة العدل بين الناس، وتحريم الظلم، ووجوب نصرة المظلوم، وحرمة تولية الفاسق الظالم، والإنصاف من الظالم، وحرمة الرشوة، ولزوم إقامة الحدود الشرعية على مستحقها، وحرمة القتل وقطع الطريق والسرقة والنهب والاختلاس والزنا والفواحش والخمر والميسر والقمار وأكل لحم الخنزير والميتة والدم، ولزوم الصدق، وحرمة التجسس -إلا على العدو المحارب- والغيبة والنميمة، والمنع من البطر والكبر والنفاق والرياء، وتحريم الفرار من الزحف، وشهادة الزور، وقذف المحصنات، وتحريم موالاة أهل الكفر على أهل الإسلام، والعمالة لهم على المسلمين.
- التأهيل الشرعي للعلماء العدول:
ويكون في التعليم الجامعي والعالي مناهج مختصة في أقسام وكليات شرعية محضة لتخريج العلماء العدول الحافظين لوسطية الإسلام، وهذا فرض على الدولة والمجتمع لما في ذلك من دفع المفاسد التي نص عليها النبي ﷺ في قوله «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا
стр. 397
ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» أخرجه البخاري.
وذلك فرض على الدولة بدلالة قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: ٥٥)، ولا تمكين للدين مع الصد عن تخريج فقهائه لتعليمه ونشره ووضع مناهجه، بل هو عين الصد عن سبيل الله ومحاربة الله ورسوله؛ لأن منع الشيء بمنع سببه أمر قطعي في العادة.
فمنع تأهيل عالم: منعٌ لتعليم الشرع، وتيسيرٌ للضلالات والجهل ومنع تأهيل الطبيب هو منع لتعليم الطب ونشر لفساد الأبدان، وهكذا في سائر العلوم والأسباب والعادات الجارية.
فمن منع علوم الهندسة أو التصنيع أو الكيمياء أو الفيزياء أو الأحياء فهو محارب لمصالح العباد والبلاد، صادٌّ عن الخيرات، داع إلى المفاسد والشرور، وهكذا الشريعة وعلمها.
ومنكر هذا منكر للأسباب ومسبباتها، جاهل أو فيه جنون، أو كاذب مفسد مزين للفساد ومجادل عنه بما تنكره العقول والعادات الجارية والعلل والأسباب والسنن المستمرة.
- دراسة علوم التكنولوجيا المعاصرة مقصود شرعي للاستخلاف:
وواجبٌ كلي التأهيل والتخصص في علوم العصر؛ لأنها من القوة العامة للأمة.
ودراسة علم الفيزياء والكيمياء والأحياء وعلوم التكنولوجيا فرض كفاية بإجماع، وفرض عين على الدولة تحقيقه، وهو مطلوب شرعا بعموم الطلب (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس: ١٠١) وهذا أمر بالنظر بـ (مَاذَا) فهو أمر للكشف عن الماهية والحقيقة للشيء، وهو ما تدور عليه هذه العلوم.
وطُلِبَ شرعا السير في الأرض لكشف حقائق الأرض والمخلوقات وأحوال الأمم وأسباب هلاكها (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠)، (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩).
стр. 398
والطلب فرض كفاية يوجب إقامة دراسات وأبحاث، ووسائلها مطلوبة.
وشُرِعَ الطب بدليل «تداووا فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء» (١)؛ ولعموم (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ) (الروم: ٨).
وعلة التفكر يُتوصَّل إلى حقائقها بتمام معرفة علوم الطب بمختلف فروعه وتخصصاته.
ولأن هذه العلوم من إصلاح الأرض وعمارتها وهو مقصود شرعي للاستخلاف (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: ١٢٩).
(وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: ٦١)، (وَأَصْلِحُوا) (الأنفال: ١)، (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) (الأعراف: ٥٦).
- لا يجوز استثمار العلوم للفساد في الأرض:
وحرم استعمال هذه العلوم للفساد في الأرض؛ لأنه خلاف مقصدها؛ ولأن الفساد في الأرض محرم قطعي، فحرم تدمير أصل الخليقة بالتغييرات الوراثية الجينية؛ لأدائه لتغيير خلق الله وفطرته وهو من عمل الشيطان المنصوص عليها (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: ١١٩).
وحرم استعمال الأسلحة الجرثومية والكيميائية والنووية؛ لعظيم فسادها في الأرض.
ولزم دفعها ومنعها على كافة الدول، فإن اختصت بها دول وجب على أهل الإسلام صناعتها كسلاح ردع يدفع استعمال الغير له عليهم، لا صناعته لقتل الخلق به.
- وجوب تدريس علوم التصنيع:
وسائر علوم التصنيع الحديثة واجب تدريسها بمعرفةٍ لأسسها العامة بدءا من مراحل التعليم المتوسط والثانوي؛ لعموم الأمر بالطلب في النظر والبحث في الأرض، فشمل كافة المستويات، وقيدناه بالمتوسط والثانوي؛ لأنها لا تستوعب قبله غالباً.
стр. 399
ووجب تعليمها في الدراسات العليا لطائفة مختصة في دراسات تخصصية بتقنية عالية؛ للقيام بفروض الكفايات الخادمة للمصالح العامة الكبرى للأمة.
- علوم العقائد والتوحيد والإيمان:
وفرضٌ تعليم العقيدة المدلل عليها كتابا وسنة، لحفظ الجيل من الانحراف والغلو.
وعلمُ الإعجاز العلمي من بينات الرسالة في عصرنا، فهو مصدق للرسالة ومثبِّت للإيمان، ودامغ لشبهات الملحدين واللادينيين والماديين، وما كان كذلك كان من وسائل حفظ الدين، والوسائل لها أحكام المقاصد.
والعقائد لها فروع تشمل: علم الأسماء والصفات، والفرق، واحترام الصحابة ومنهم الآل، وحفظ الجماعة العامة.
ونوع يبين الشركيات وأنواعها، وإفراد الله بالحاكمية، والدعاء، والاستغاثة، ومصدر التلقي.
ونوع يبين آيات الله في الخلق والكون.
وكل هذه الأنواع مأمور بتعلمها على وجه العموم، وما اشتد طلبه أعطي أكثرية في التعليم بحسب الحال وواقعه والمآل ومتوقعاته.
- علم اللغة:
وعلم اللغة آلة قراءة القرآن وفهمه، فوجب منها ما يقوم بذلك، والتوسع فيها فرض كفاية على طائفة؛ لأن القرآن والشرع بلسان عربي مبين غير ذي عوج، ولا يتمكن من معرفة دقائقه إلا بالتعمق في لسانه؛ فَفُرِضَ كفايةً.
- تشتيت العلوم والمعلومات سياسة خاطئة
ولا يجوز تشتيت العلوم على الطالب بإساءة تأليف وترتيب وعرض؛ لأنه يعسِّر العلم ويبغِّضه إليه، وهذا ضرر فاحش فوجب دفعه شرعا، ولأن التعسير ممنوع شرعا بالنص «يسرا ولا تعسرا» (١)، قال ذلك ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما على اليمن واليين ومعلمين.
стр. 400
ويدرس كل مادة مختصٌ فيها، أو متقن لها، فيلقن القرآن ماهر، ويدرس الشريعة من تفسير وحديث وفقه عالم بمسائل الكتاب المقرر -كحد أدنى- أو عالم شرعي مختص.
واللغة يدرسها عارف، وعلوم التكنولوجيا الحديثة يدرسها مختصون خبراء.
ويحرم في أي فن أن يدرسه من يجهله (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء: ٣٦)، وهذا نهي يفيد التحريم.
ولقوله تعالى (يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ) (آل عمران: ٧٨)، فذم من أوهم الناس وهو يعلم، وكذلك ذم من أوهم الناس وهو لا يعلم، فقال ذاما لهم (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (البقرة: ٧٨)، وقال (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٦٩).
وإذا تعذر إيجاد مختص أُخِذَ الأدنى، وفي حالة الضرورة يقوم مقام المختص في التدريس عند عدمه آخر ولو لم يبلغ مبلغ سابقه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
- توفير كتب المنهج قبل بدء الدراسة مصلحة شرعية معتبرة:
ومن المصالح توفير كتب المناهج للطالب قبل بدء الدراسة بمدة كافية لاستلام كافة الدارسين؛ لأن تأخيرها إلى بدء الدراسة يُضَيِّع على الطالب متابعة الكتاب، ومذاكرة الدروس، ويزداد الضرر بزيادة التأخير، وهذا خلاف العقد، والوفاء به واجب على الجهات المسئولة في المؤسسة التعليمية؛ لعموم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
وتأخير توفير المناهج إخلال بمهمةٍ من شروط العقد، ويأثم ولي الأمر، ووزير التربية، والجهات المسئولة عن ذلك، ووجب مساءلتهم برلمانيا أو قضائيا؛ لأنه من اختصاصهم المنصوص عليه في لوائح وظيفتهم.
فإن لم يُنصَّ فهو من مقتضيات العقد عرفا وشرعا، وكل شرط يقتضيه العقد للمصلحة فيه فهو منه، ويلزم الوفاء به؛ لأنه جزء معتبر مقصود من تفسيراته، فيدخل في عموم الأمر التكليفي (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١).
стр. 401
- مجانية الكتب المدرسية:
وإن كانت الكتب مجانية، فلا مانع من إلزام الطالب برد الكتب آخر العام، ويضمن ما أتلف؛ لأن ذلك شرط مصلحي عام بأمر من الدولة فيلزم طاعتها فيه شرعا؛ لعموم (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
وهو يخفف المؤنة على المال العام، وهذه مصلحة معتبرة، فإن ألزم بها من جهة الدولة دخلت في وجوب طاعة ولي الأمر.
ولأن ذلك يعلم الطالب الحفظ للمال العام، والإحسان في الحفظ، والحب للغير الآتي بعده ما يحب لنفسه، من سلامة ونظافة الكتب.
والأولى أن يكون الكتاب مجانيا؛ لأن المال العام أصل مقصوده خدمة مصالح المسلمين، ومن أكبرها دعم العلم وكتبه ووسائله.
ومن تعذر عليه شراء الكتب لفقر وجب على الدولة توفيرها له مجاناً، فإن تعذر ضبط ذلك لكثرة الفقر وغلبته، وجب تعميم المجانية بدعم من المال العام؛ لأنه يخدم مقصد حفظ العقل، وخلافه يؤدي إلى غلبة الجهل العام، وهو من أعظم المفاسد العامة الواجبة الدفع.
ولا يجوز لمدرس أو مدير أو جهة في المؤسسة التعليمية بيع ما يوزع مجانا من الدولة كالكتاب المدرسي، ولا الزيادة على سعره إن كان بيعا من الدولة، ولا مانع أن يحال مخالف ذلك إلى التحقيق للنظر في شأنه.
ولا يتهاون في ذلك؛ لأنه من الفساد، وقد لعن الله بني إسرائيل لعدم تناهيهم عن المنكر (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨ - ٧٩).
الركن الثاني للعملية التعليمية: المدرس
المدرس قائم بوظيفةٍ من القربات الشرعية العظيمة؛ لأن تدريس العلوم النافعة وطلب العلم، وتعلمه، وتعليمه من أصول مطلوبات الشريعة.
стр. 402
والتعليم وظيفة الأنبياء والرسل (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة: ٢).
والنصوص في ذلك قطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنة.
ويجب للمعلم وعليه أمور:
- حقوق المعلم وواجباته:
يجب للمعلم:
أ- تأهيل علمي تام.
ب- كفاية مالية عادلة.
ج- إكرامه معنويا في عمله من طالبٍ وإدارةٍ ودولةٍ ومجتمع.
ويجب عليه:
أ- تحضير تام.
ب- تدريس مُفْهِمٌ للطالب.
ج- متابعة الطالب فيما يتعلق بالتحصيل والسلوك.
د- لزوم المحاسن؛ لأنه محل قدوة وتعليمٍ بالعمل كما هو محل تعليم بالقول.
- تأهيل المعلم:
أما لزوم تأهيل المعلم:
فلأن وظيفته عقد على المال العام، وتوظيف غير مؤهل أو مؤهل يغلب عليه ضعف يعتبر غشا للأمة «ومن استرعاه الله رعية يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (١) وهذا نص على حرمة الغش للرعية وهو من كبائر الجرائم والذنوب؛ لتحريم الجنة عليه.
والغش أصل استعمالاته العربية راجع إلى ستر الفساد في الشيء، وإظهار ما يوهم صلاحه.
ومنه الغشاوة على العين (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) (البقرة: ٧)؛ لأنها تغطي الحقائق، وتصور الأمور على غير وجهها.
стр. 403
وكون المعلم غير مؤهل مع اعتماده مدرسا، هو من تعمد التستر على فساده المتعدي إلى الخلق في التعليم، وكذا هو فساد باعتماده موظفا في التدريس بدرجة معقودة على المال العام.
وهذا غش وضرر محرم على التعليم وعلى المال العام.
والولاية العامة لا تتضمن الضرر، بل المصالح الغالبة، وهذا ليس منها.
ولأنه تمكين للتكلم في العلوم من غير أهلها، وهو محرم (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٦).
ولأن مفاسده متعدية «اتخذ الناس رؤوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١)، لذلك وجب تأهيل المعلم.
- الجامعات والمعاهد العلمية لتأهيل المعلمين:
وواجبٌ اتخاذ وسائل تأهيلية على الدولة للقيام بتأهيل المعلم؛ لأن ذلك من المصالح العامة الكبرى، وتحصيلها على الدولة؛ لأن من مقاصد عقد الولاية رعاية المصالح الكبرى.
وما كان لا بد منه من الوسائل لتأهيل المعلم شُرِعَ بِحَسَبه، وقد يجب إن لم يتم إلا به استقلالا أو استكمالا.
ويطلب في الجملة ما حقق تمام المصالح العامة، كإنشاء كليات متخصصة في التربية والتعليم، والدراسات العليا، وكمعهد عال للتعليم والتربية يختص بإعداد تخصصات، وخبرات تعليمية وتربوية وإدارية مختصة للمؤسسة التعليمية، بدرجة عليا: كالماجستير والدكتوراة.
والمتخرج من هذه المؤسسات مقدم على غيره في إدارة المناصب الهامة في التربية والتعليم: كمكاتب التربية، والمراكز والمجمعات التعليمية الكبرى، وإدارات المناهج والتوجيه والتأهيل، وتدريس المواد التخصصية في أهم مراحل التعليم، وتدريس المعلمين في كليات التربية والتعليم. وهذا كله ونحوه يحقق كثيرا من المصالح العامة الكبرى للبلاد.
وما كان كذلك اشتد طلبه شرعا.
стр. 404
- الكفاية المالية العادلة للمعلم:
وأما الكفاية المالية العادلة للمعلم؛ فلأن وظيفته هي عقد إجارة، وعقد الإجارة عقد معاوضة محضة.
وقاعدة عقود المعاوضات المنع من الغبن الفاحش؛ لأنه من الظلم، ومن أكل أموال الناس بالباطل، وهو منصوص على حرمته.
والغبن الفاحش هو: دفع العوض غير العادل بنقص كثير لا يتسامح الناس فيه غالباً.
وراتب المعلم العادل هو: القائم على ضروريات حياته، وحاجياته، وتحسينياتٍ حافظة لمروءته. وإنما قلنا «تحسينات حافظة لمروءته»؛ لأن ما حفظ المروءة من التحسينات له حكم الحاجيات (١).
وعلى هذا فالراتب العادل يكون كافيا له ولأسرته، مأكلا ومشربا وملبسا وسكنا -ولو بإيجار- وعلاجا اعتياديا (٢)، ومواصلاته، وفواتير الخدمات من كهرباء وماء، فهذه ضروريات وحاجيات.
ومن التحسينيات القائمة مقام الحاجيات له:
كفاية راتبه لاتصالاته المعتادة، ولياقة ملبس بتوسطٍ له ولأسرته، وتوسط في أثاث، وإكرام ضيف، وصلة رحم بهدية، أو مال في مناسبات جرت العادة عليه كنحو عيد.
وقلنا «بهدية» أو «مال»؛ لأن الصلة بالزيارة مستمرة طوال العام بما جرت به العادات، ويرفع به قطع الرحم.
فالراتب العادل: قائم بذلك على وجه التوسط العرفي.
ولما كان المعلم وغيره من موظفي الدولة يبذل ثلث عمره في دوام رسمي بمعدل ثمان ساعات يومياً، في مقر عمله ست ساعات، وساعة سابقة وأخرى لاحقة في الغالب للوصول
стр. 405
إلى عمله والرجوع إلى منزله باستمرار لا يقطعه إلا الموت، أو المرض المقعد، أو التقاعد بعد عشرين أو ثلاثين سنة، وهو عامل في المصلحة العامة.
فإن كان راتبه المعاوض به لذلك لا يوفر له طوال هذه المدة بناء سكن بأدنى مستوياته، ولا ملبس يليق به ولا بعياله، ولا أثاث كريم، أو تعليم له ولأولاده في مراحله الأساسية والثانوية، أو في مراحله الجامعية والعليا، ولا يستطيع به رعاية صحية لنوازل المرض في نفسه وأهله، ولا امتلاك سيارة للقيام بحاجياته، بل يظل محتاجا طوال شهره ودهره مدينا لا للترفهات؛ بل لتوفير المواد الغذائية الضرورية له ولأسرته.
فهذا الوضع حيث كان، وأينما كان في دولة مسلمة أو كافرة وضعٌ مخالف لمقصد الشريعة في تكريم الإنسان وإيتائه حقوقه بالعدل، والله سبحانه يقول (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠).
ويقول (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠).
فالموظف معلما كان أو غيره، قائم بإحسان في دوامه خدمةً للمصلحة العامة وللدولة، عمرَه وشبابَه؛ يجب في حقه معاوضته في راتبه بإحسان مقابل إحسانه.
ويعدل معه كأمثاله الوسط في مجتمعات العالم، وهذه هي أجرة المثل العادل، بخلاف الذي يماثله في المظلومية، أو يكون أكثر منه مظلومية، فهذا لا يقاس عليه.
فوجب تعديل قوانين الرواتب؛ لتكافِئ بتوسط حاجيات وضروريات وتحسينات الموظفين، فإن لم يكن ذلك كذلك فهو غبن فاحش محرم، وظلم ممنوع، وانتهاز للناس وجهودهم بغير عدل ولا إحسان.
ويحق للموظفين في الدولة ونحوهم من القطاعات الخاصة إقامة النقابات للمطالبة بحقوقهم وتسوياتهم؛ لأنه تعاون على البر والتقوى المشمول بعموم النص (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢).
стр. 406
- إكرام المعلم:
وأما الأمر الثالث مما للمعلم فهو: إكرامه عموما؛ لأن الإكرام يثمر المنافع (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) (يوسف: ٢١).
فالطلاب يُعَلَّمون إكرام المعلم وتوقيره، والتأدب معه، والإنصات لدرسه، وعدم الإساءة له، فكل هذه الأمور من المحاسن المأمور بها شرعا؛ لأن تركها إساءةٌ وقلة أدب تمنعه الشريعة.
وما بُعِثَ رسول الله إلا لتمام المكارم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١)، وهو من مقاصد الشريعة الحاجية والتحسينية كما بينته في كتابنا الحاصر لمقاصد الشريعة (٢).
ويُكْرَمُ المعلم في محل عمله من زملائه، والموجهين، والإدارة.
ومجتمعيا: من أولياء أمور الطلاب، وغيرهم من شرائح المجتمع، وقد قال الله (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣) أي: ولو كافرا، وقال سبحانه (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (الممتحنة: ٨).
فشرع البر والقسط مع العالم من مشرك وكافر مسالم؛ فكيف بالمسلم إن أحسن إليك، فعلمك العلم؛ فالبر والإكرام مأمور له بالأولوية القياسية، وبالنصوص العامة في الحقوق والآداب.
- يجب على المعلم تحضير الدروس:
وأما ما يجب على المعلم:
فتحضيره للدروس، وهو واجب بالعقد لأنه من لوازمه، فيشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١)، ويأثم إن لم يحضر بإحسان يحقق مقصود العقد، أو إن لم يحضر البتة؛ لأن التحضير شرط معتبر في العقد، والإيفاء بالشروط المُقِيمة لمقتضى العقد لازم بلا خلاف، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا.
ومن أخل بالتحضير أساء في التدريس، مع خلافه الضار لشرط العقد.
والإساءة في العقود ضرر؛ والشريعة دافعة للضرر.
стр. 407
- لا يخصم من الراتب إلا إن كان مجزئا عادلا:
ومن أخلَّ بما عليه لحقته العقوبات الإدارية العادلة المنصوصة في اللوائح والأنظمة؛ لأنها جزء مفسر للعقد فصارت منه.
ويجوز وقد يجب خصمٌ من راتب مجزئ عادل على من أخل بواجبات العقد الوظيفي في التعليم وغيره، ففي التعليم كالتحضير للدروس والدوام والانضباط ونحو هذا؛ لأن الأجر معاوضة مقابلها عمله، والتحضير من أمهات مقصودات عمله.
فإذا أخل بجزء مقصود في العمل؛ جاز خصم عادل.
ويجب الخصم: إن فحش الإخلال؛ لأن المال العام أمانة، وتسليم راتب عادل كامل لأجير مخل تضييع وإهدار للمال العام؛ لأن الولاية عليه ولاية نظر، وليس هذا من النظر.
وقولنا: «من راتب مجزئ عادل»، هذا شرط للخصم؛ لأن الراتب غير العادل، وهو: ما لا يقوم بضرورياته وحاجياته لا يخصم منه؛ لأنه قد خصم منه بالغبن الفاحش ظلما في أصل الراتب.
فيعزر مخل بالعملية التعليمية إن ضاق راتبه وضعف بأمور إدارية لا مالية، لأن الضرر لا يدفع بالضرر.
والخصم مع قلة وضعف الراتب زيادة في الضرر، ولا يقال: يحتمل الضرر الخاص بدفع الضرر العام هنا، لأن هذه القاعدة عند التزاحم وعدم إمكان غيره.
وهنا يمكن تأديبه إداريا، وهو يحقق المقصود، فرجحت قاعدة: الضرر لا يدفع بالضرر أو بمثله «هنا»؛ لذلك (١).
ولأن الضرر الخاص هنا، وهو: خصم من راتب ضعيف يلحق الضرر بالضرورات المعيشية المباشرة له ولأسرته بخلاف الضرر العام، وهو هنا: عدم التحضير أو الإخلال به، فعائد على وسائل تكميلية تخدم بعض المقاصد التحسينية، أو الحاجية المطلوبة.
стр. 408
وملاحظة الضروريات المعيشية له ولأسرته مقدمة؛ فلا يخصم من راتبه إذاً، ويعاقب بغير ذلك.
- الواجب على المعلم التدريس المفهم:
ويجب على المدرس تدريسٌ مفهمٌ للطالب.
وقلنا «تدريس مفهم للطالب» ولم نقل: إفهام الطالب؛ لأن العبرة بالواقع في ركن العقد، وهو: عمل المدرس بإتقان، يَفْهم به الطالب الدروس عادة وغالباً.
وليست العبرة بإفهام الطالب؛ لأن عدم فهمه قد يكون لانشغاله هو، أو لعدم تركيزه، أو لغير ذلك مما هو سبب فيه لا المعلم.
- متابعة تحصيل وسلوك الطالب:
ومما يجب على المدرس: متابعة تحصيل الطلاب وواجباتهم وسلوكهم، بما هو من مقصود عقده الوظيفي التربوي والتعليمي، وتحت يد الإمكان منه.
وما تعذر وتعسر عليه في ذلك فلا يكلف به المدرس ولا يتحمل مسئوليته (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦). (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
وقلنا «تحت يد الإمكان منه»: حتى لا يكلف ما خرج عن ذلك، وهو ما كان في محل وظيفته في المدرسة، فلا يكلف متابعة الطالب خارج ذلك.
الإدارة التربوية والتعليمية
والواجب في تعيينات المؤسسة التعليمية في كافة إداراتها التزام شرط العدالة والكفاءة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وهي من أعظم الأمانات.
وهذا الأمر شامل لوزراء التعليم المدرسي، والعالي، والمهني، ووكلائهم، ونوابهم، ومدراء العموم، ورؤساء الإدارات والأقسام، ومدراء المراكز التعليمية، ومدراء المجمعات التعليمية والمدارس والمعاهد، ورؤساء وأمناء وعمداء الجامعات والكليات، وسائر إداراتها.
ويحرم تولية فاسد، أو غير كفء.
وشرط الانتماء الحزبي أو المناطقي أو العائلي غير معتبر شرعا، فإن عاد على التعليم بالفساد بطل؛ لأن الشروط الضارة بالعقد باطلة في الأصل.
стр. 409
الدوام الإداري:
ويجب عليهم الالتزام بالعقد لفظا ومقصودا: من دوام تام، وقضاء مصالح العباد المتعلق بعملهم، وإنجاز الأوراق والمعاملات، ورفع ما يحتاج إلى رفع.
وتحرم مماطلة وإهمال وتضييع الوثائق. ويضمن مخالفٌ، ويفسق بأخذ مال رشوة مقابل إنجاز عمل، ويحاسب، وقد يعزل إن اقتضى الأمر.
ويجب إيتاء الحقوق والمرتبات والعلاوات في مواعيدها، ويحرم تأخيرها؛ لأنه حق أجير فوجب إيتاؤه فورا.
ولا يجوز الخصم ولو قل إلا بأمر ينظم ذلك وتيقن المخالفة ممن خصم منه؛ لأن أموال الناس محرمة بيقين ولا تحل إلا بيقين.
سرية الاختبارات وحرمة الغش ومحاسبة المتورطين:
ويجب سرية الاختبارات؛ لأنها أمانة مقصود سريتها، فيحرم إفشاؤها، وتعظم حرمة إفشائها أو تسريبها مقابل مال أو عوض، ويقاضى فاعله فورا، ويعزل لعظيم فساده.
وكذلك يقاضى ويعزل من تورط في تسهيل غش الطالب للاختبارات، أو باع دفاتر، أو سكت عن هذا المنكر وهو قادر على منعه؛ لأنه متواطئ فاسق ومعاون على الفساد، أو باع شهادة مزورة أو زورها، ولكل حالة حكمها بما يناسبها، فلا تجري المسائل على قانون واحد.
ومن برئ اعتذر له، وعوض بما يراه قاض، أو نص قانون إن وجد؛ لأنه ضرر بالغ في سمعته، وهي عرضه وحفظها واجب، ولأن ذلك يلحق الضرر به ماديا ومعنويا، وقد تحجم جهات عن توظيفه، أو التعامل معه لذلك؛ فيدفع الضرر عنه وجوبا باعتذار مناسب دافع للضرر وتعويض عادل إن اقتضى الأمر.
غياب الموظف والمعلم:
وإن تغيب الموظف أو المعلم أقامت الإدارة مكانه، وإن بخصم من راتبه، إلا إن كان لعذر فالعوض على الجهة في ذلك.
فإن طال غيابه لغير عذر، فلا يعاقب بالفصل حتى ينذر، وينظر في أمره؛ لأن سنة الله
стр. 410
إقامة الحجج قبل المساءلة والمعاقبة (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: ١٥)، وهو كمال العدل، والله أمر به (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠).
ويجعل مكانه البديل عنه؛ لأنه استحق أولوية بالسبق مع الكفاءة، ولأن من سبق إلى مباح فهو أولى به (١)، وهذا أصل عام دلت عليه نصوص وتصرفات في الشرع، فيدخل فيه كل مباح في الأصل، وعقد الوظيفة مباح؛ فأثر في استحقاق الحكم بالسبق مع شرط الكفاءة.
الركن الرابع: الطالب
حق التعليم مشروع لذكر وأنثى؛ لعموم النصوص الطالبة للعلم والتعلم وما تعلق به.
فتعم عموما ثلاثيا: عموم الأشخاص، والزمان، والمكان. كما هو مقرر في الأصول.
والدفع بالطالب ذكراً وأنثى للمدارس التعليمية مطلوب شرعي وسيلي على الآباء والدولة والمجتمع؛ لأنه ما لا يتم المطلوب الشرعي إلا به فهو مطلوب.
وطلب العلم مطلوب، ووسيلته الهامة الدفع بطلابه إليه من الأسرة والمجتمع والدولة، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد.
الحملة الإعلامية للتعليم والنفقة التعليمية:
ويحسن حملة إعلامية حاثة على التعلم، خاصةً بداية كل عام، وفصل دراسي، وبداية الاختبارات، وتتولى نفقة ذلك الدولة؛ لأنها من وسائل خدمة المصالح العامة الهامة، فكان من المال العام؛ لأن من مقصوداته إقامة مثل هذه المصالح العظيمة.
ولأن رسول الله ﷺ عاوض عن المال مصلحة تعليمٍ للأميين: القراءة والكتابة.
وهذه قصة صحيحة مشتهرة وقعت بعد غزوة بدر (٢)، فاعتبر التعليم للناس مصلحة
стр. 411
شرعية عامة يعاوض بها بفك الأسير بدلا عن أخذ مال من الأسير الذي سيورد لبيت المال؛ فدل على أن الدولة تنفق على التعليم من المال العام؛ لأنها عاوضت به العلم.
وعلى المولود له تكاليف تعليم ولده من قرطاسيات الطلب، ومواصلاته، ومصروف يومي، وزي مدرسي ونحو ذلك، ولا تكلف نفس إلا وسعها.
وتتحمل الدولة ذلك إذا عجز، أو يتولى ذلك قادر من ذوي القربى، فإن لم فقادر مسلم؛ لعموم (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦).
وحق التعليم لفقير على ذوي القربى من أخص مصالحه ومنافعه له دينا ودنيا فشمله الأمر في النص (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ).
ولأنها مصلحة معتبرة من الحاجيات التي جرى عليها العصر.
والأمر المطلق في نحو (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) يرجع في تقديره إلى العرف؛ لأن المقصود سد الحاجات، وهي تختلف زمانا ومكانا.
وأما مشروعية النفقة من قادر مسلم على فقير إن لم يكن من ذوي قربى؛ فلأن من هذا حاله مسكين يشمله الأمر بإيتاء حقه في الآية (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، وحقه حاجاته المعتبرة شرعا وعرفا.
وأما الدولة؛ فلأن ولايتها ولاية نظر على الأمة في مال الأمة، وليس من النظر ترك قضاء حاجات الفقير، وحفظ ما هو من أخص مصالحه المتعلقة بحفظ مقصد من مقاصد الشرع الكبرى، وهو حفظ العقل.
الزي المدرسي:
ولا مانع من إلزام الطالب بزي مدرسي لأنه مباح متعلق بمصلحة عامة تحسينية،
стр. 412
ولأولي الأمر طاعةٌ في ما كان كذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
وتَعلُّقُ الزي بمصلحة عامة تحسينية من حيث: إظهار نظامٍ ومنظرٍ حسن، ومساواةٍ بين فقير وغنيّ دفعا للخيلاء والفخر الحادث كثيرا في الصغار لقصورهم في النظر والرشد.
وللذكر من الزي: ما يليق به فطرةً وديانة.
وللأنثى: ما يليق بها خلقةً وفطرة وديانة.
ولا يجوز إلباس الطلاب الذكور الزي المدرسي للبنات، ولا الطالبات زي الطلاب؛ لمخالفته الفطرة، والخلقة، والعقول، والأديان (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: ٣٠).
ولعدم المصلحة في ذلك.
ولأن الحجاب من جلباب وخمار: خاص بأنثى مراهقة، أو بالغة، لا لذكر؛ ولاختصاص الأنثى بوجوب إخفاء زينتها عن الأجانب حال مراهقة وبلوغِ ما بعدها من العمر (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: ٣١).
وأكثر ما قيل في الاستثناء، الوجه والكفين.
فبقي غيرهما بلا خلاف في وجوب ستره: كالشعر، والنحر، والصدر (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (النور: ٣١).
وسائر الجسد وغيره (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: ٥٩).
وتوحيد زي مدرسي لذكر وأنثى باطل لا مشروعية له، ولا طاعة للجهة التي أمرت به، ولو كان ولي الأمر الأعظم؛ لمعارضته نصوصا قطعية؛ ولخلافه أصل الفطرة والخلقة؛ ولعدم جلبه لمصالح عامة سوى العبث، والهوى.
والشريعة نزلت لإخراج المكلف عن داعية الهوى والعبث.
مدارس الطالبات ومدارس الطلاب:
والفصل بين طالبات وطلاب في التعليم يبدأ من: ظهور طفل على عورات النساء؛
стр. 413
لورود النهي عن إبداء زينة أنثى في حضرته (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء) (النور: ٣١).
وغالب ذلك من العاشرة؛ ولذا فرق بين ذكر وأنثى أخوين في المضاجع من عشر سنين «علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع» (١).
ولأن تصرف الدولة على الشعب باطل إلا بمصلحة راجحة أو محضة عامة، فإن لم تترجح المصالح ترجحا ظاهرا بطل التصرف.
أو تساوت المصالح والمفاسد، فكذلك؛ لأنه عبث حينئذ، أو غلبت المفاسد، فكذلك.
فما عدل عن رجحان المصلحة العامة أو تمحضها، لا حق للدولة ولا أولي الأمر أن يأمروا به الشعب، وأمرها باطل.
وجمعُ بالغين ذكورا وإناثا أجانب في الدراسة لا يحقق أيَّ مصلحة غالبة، ولا محضة عامة، لا شرعية، ولا وطنية، ولا فطرية، ولا تعليمية، ولا يؤثر في نهضة، وما كان كذلك فالأمر به باطل.
وإذا لم تكن المصلحة إحدى هذه الأمور فهي من اتباع الشهوات والأهواء (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا) (النساء: ٢٧).
ولذا منع الاختلاط في التعليم في دول متقدمة كبرى، لا لملاحظة دين؛ بل لأنه عاد بالتأثير سلبا على التحصيل العلمي للجنسين، وهذه مفسدة تدفع، وهي كافية في المنع؛ لوقوعها بالتجربة والاستقراء من الدول المتقدمة، وهم ذوو خبرة أقر بها العالم بالاستفاضة والشهرة والتواتر، وهذا دليل على أنها لا تحقق مصلحة وطنية ولا تعليمية ولا نهضوية.
стр. 414
- الطابور:
ولا مانع من إلزام الطالب حضورَ طابور الصباح؛ لأنه من المباحات الحسنة التي يتعلم فيها الطالب الإلقاء والمشاركة، ويستمع للتوجيهات التربوية من المدراء والأساتذة، وتُعلِّمُ الانضباط، والنظام، واللياقة، وتُساعد على حفظ صحة البدن وقوته.
وهذه الأمور من المحاسن، والشريعة راعية للمحاسن القولية، والتعليمية، والمعنوية.
وقد أثنى الله على إتقان الاصطفاف في القتال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (الصف: ٤).
فدل على أنه من المحبوبات الشرعية، وقد زادت القتال طاعة إلى طاعة.
- تحية العلم:
وتحية العلم عادة وطنية لا عبادية، فلها حكم العرف الرسمي أو المجتمعي؛ فلا تصادم الشرع؛ فلا مانع منها.
والسلام الوطني أصله شعر حسن يحث على حب الوطن والدفاع عنه: دولة، وشعبا، وحماية استقلاله، وأمنه، واستقراره.
وسماع معزوفته لا يشملها قول تحريم المعازف؛ لأن التحريم لما يؤثر في الغواية والهوى، والسلام الوطني ليس كذلك، بل يؤثر في محاسن تخدم الوطن.
والقيام أثناءه أمرٌ لا مانع منه؛ إذ لا دليل يدل على تحريم ذلك، والقيام له ليس بقصد العبادة حتى يقاس على الصنم.
وقد دافع جعفر ﵁ عن الراية حتىقطعت يده، فتناولها بالأخرى؛ فقطعت، فاحتضنها (١) حتى لا تُنَكّس رايةُ المسلمين؛ لأنها رمزٌ على العزة والوحدة والظفر.
стр. 415
ولم يكن فيها كتابة الجلالة أو الرسول حتى يقال: حفظها ورفعها لذلك؛ بل: مجرد قماشة اتفق على جعلها رمزا.
والوقوف لأداء النشيد الوطني أمام الراية فيه نوع من هذا المعنى.
- دخول الفصل:
وإذا دخل المعلم الفصل ألقى السلام، ورد عليه طلابه ندبا أو وجوبا (١). ولا مانع من القيام له تأدبا، ومحبة، واهتماما، واحتراما.
فهذه مقاصد القيام المباح:
فالتأدب: كقيام الولد لوالديه، والمحبة: كقيام رسول الله ﷺ مستقبلا فاطمة (٢)، والاهتمام كالقيام على الضيف للخدمة، والاحترام كقيام لقائد «قوموا إلى سيدكم» (٣).
واختص الله سبحانه بالقيام عبادة له تعبدا (وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) فلا يقام تعبدا إلا لله.
- مسائل طلابية وتعليمية وتربوية في الفصل:
وعلى الطالب الاستماع للدروس، والإنصات للمعلم، والتركيز على شرحه؛ فإن الله ذم من لا يفهم ولا يفقه (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) (الأعراف: ١٧٩).
فمن لم يستعمل حواسه للفقه والفهم في الخيرات، ومن أكبره تعلم العلم فهو كالأنعام.
стр. 416
وشرود الذهن، وعدم التركيز على فهم العلوم مذمومٌ لقوله تعالى (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) (الأعراف: ١٩٨).
فذم مجرد النظر لمعلم الخير مع انشغال البصيرة.
ويمنع الشغب والفوضى في الفصل؛ لأنه يلحق الضرر بالغير، ويفسد تعليمهم.
وهذا أمر محرم، ويؤدب فاعل ذلك إداريا بزاجر له إن تمادى، دفعا للضرر عن زملائه.
- الوسائل التعليمية:
والمناقشة بين معلم وطلبةٍ، ومساءلتهم، واختبارهم شفويا أو تحريريا من وسائل خدمة العلم وتثبيته.
وقد كان ﷺ يضع المسألة على أصحابه كما في حديث «إن من الشجر ما لا يسقط ورقه وهو كالمؤمن فحدثوني ما هو» (١) والحديث في البخاري. واستنبط منه طرح المسألة على المتعلم لاختباره.
وما خدم تعليم العلوم من: الوسائل البحثية، والنظرية، والتجريبية، والمسموعة، والمرئية، يعتبر مطلوباً في الشرع طلبَ وسيلة؛ لأن طلب المقاصد طلبٌ لما يحققها من الوسائل.
وقد رسم ﷺ خطوطا بيانية تمثل: الإنسان، والأجل، والأمل، والمصائب، ونقل رسمها العلماء في كتب الحديث (٢).
وعلمهم الصلاة عمليا فصلى على المنبر وهم خلفه، فكان إذا سجد نزل فسجد ﷺ على
стр. 417
الأرض (١).
وبالإشارة فقال ﷺ : الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه (٢).
وبالتجربة كما حصل في شأن النخل وتلقيحها (٣).
وفي دراسة الأرض والحياة (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) (العنكبوت: ٢٠).
وبضرب الأمثال، وهي كثيرة جدا في القرآن والسنن.
وبالقصة، وهذا كثير أيضا في القرآن والسنة.
وبالمنطق العقلي (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: ٢٢)، (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (الإسراء: ٤٢).
وبالفرضيات (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف: ٨١).
وبالتعجيز التنزلي مع الآخر (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (القصص: ٤٩).
стр. 418
عقوبة الطالب:
والعقوبة للطالب المستحق لها على ما جرت به العادات المستقيمة من غير ضرر، لا مانع منها؛ كإيقافه قائما بين زملائه، أو تحويله إلى الإدارة، أو تأنيبه بكلام، أو حرمانه من وقت الراحة ونحو ذلك، ولكل ما يناسب.
وضربُ الصبي ضربَ تأديب من غير ضرر، لا مانع منه؛ إن اضطر إليه.
وقد فرك رسول الله ﷺ أذن ابن عباس تنبيها له وكان يصلي إلى جانبه (١).
ولا يجوز لطم وجهه؛ لأنه محل التكريم (٢)، ومن باب أولى حرمة ما فوق ذلك من خدش الوجه أو وسمه، وقد نهى النبي ﷺ عن وسم وجه الحيوان (٣)، فكيف بالإنسان.
وعلى الإدارة منع تعارك طلبة وتعصيبهم ضد بعض، وعليهم تربيتهم على الأدب ومكارم الأخلاق وعدم الخصام والنزاع.
مسجد المدرسة:
وتتخذ المساجد والمصليات في المدارس وما لا بد منه من المرافق، ويصلي الطلاب الصلاة المكتوبة الحاضرة، ويجعل ذلك في الجدول العام، وتعمم الدولة ذلك؛ لأنه من أوائل واجباتها (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
ولأن جدولة ذلك تعظيم لشعائر الله، وهو مأمور به، وتعليم حفظ الصلاة وأدائها والجماعة.
آداب عامة في المدرسة كالتشجير وحملات النظافة:
وليحافظ على نظافة المدرسة، وأفنيتها، وفصولها، ودورة المياه؛ لأن هذا من المطلوبات
стр. 419
الشرعية «الطهور شطر الإيمان» (١).
وأمر النبي ﷺ بنظافة الأفنية «طهروا أفنيتكم» (٢).
ويعلم الطلاب التشجير والحفاظ على الشجر؛ لما ورد فيها من الترغيب في غرسها «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة» (٣).
ولا يعبث بالجدران بكتابة، أو قرش طلائها؛ لأنه من إتلاف مال المسلمين وإفساده، وهو محرم.
ولا يمسح بالقذر على الجدران؛ لأنه إيذاء للمسلمين، وهو محرم (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨).
ولا تُرمى الأوراق وبقايا الطعام والمهملات في أفنية المدرسة؛ لأنه خلاف ما طلبه الشرع من النظافة وإزالة الأقذار والمؤذيات عن الطرقات.
ويعلم الطلاب القيام بحملات النظافة في مدارسهم، وهذا أمر مشروع؛ لأن إزالة الضرر عن الطرقات ولو غصن شوك، أو شظايا زجاج، أو حجر مؤذي مشمول بقوله ﷺ «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له» (٤). وهو من الصدقات «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» (٥)، وهو من شعب الإيمان.
стр. 420
ومن تعمد إتلاف أثاث في المدرسة ضمن وليه ذلك، وكذا لو استعمله بطريقة تتلفه عادة.
نظافة الطالب والعناية الصحية المدرسية:
ويعلم الطالب المحافظة على نظافة ملابسه، وشعره، وبدنه، ونعاله، ومجلسه، وأدواته، وفي الحديث «يحب أحدنا أن يكون نعله حسنا وشعره حسنا» فقال ﷺ «إن الله جميل يحب الجمال» (١).
وعلى الإدارة اتخاذ وسائل تحفظ صحة الطلاب بالتفتيش على بائع الأغذية لهم، من مطعوم، ومشروب، وعمل حملات تطعيم، واتخاذ عيادة للإسعاف الطارئ، وتنظيف دورات المياه وتعقيمها، وكل هذا من دفع الضرر عنهم لأن الطلبة تحت نظر ورعاية المدرسة ما داموا فيها، والإدارة المدرسية مسئولة عن ذلك لعموم «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» (٢).
وعلى الدولة توفير الوسائل الحافظة للصحة المدرسية؛ لأنه من حفظ مقصد هام وهو حفظ النفس.
وتوفرها المدرسة إن كانت تجارية غير حكومية وجوباً شرعياً؛ لأنه من مقتضيات العقد معها، والإيفاء بالعقد واجب، ولأنه دفع للضرر، ودفع الضرر مطلوب شرعي وجوبا.
تشجيع الطلاب وتحفيزهم وتأهيلهم:
وعلى الدولة تشجيع الطلاب، وتكريم أوائلهم والنابغين والمبدعين. وإقامة حفل تكريم لذلك أمر حسن؛ لما يحققه من مصالح تربوية وتعليمية عامة.
وابتعاث الدارسين المؤهلين وعلى رأسهم الأوائل للدراسة المتخصصة، والتأهيل والتدريب أمر مشروع أصله الرحلة إلى العالَم لطلب العلم (٣)، وعلى الدولة كفالة تكاليفه؛ لأن ذلك من المصالح الكبرى للبلاد.
стр. 421
وإعطاء الشهادات، والجوائز، والمنح لا يخل بالإخلاص ولو في علوم شرع؛ لأن الشهادة مبناها على إخبار الجهة بما تعلمه هذا الشخص، وكتمانه لا يجوز (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: ٢٨٣).
والجوائز مبناها على التحفيز، وقد قال في الجهاد «من قتل قتيلا فله سلبه» (١)، ولم يطعن هذا في الإخلاص، والمِنَحُ كذلك وأوضح؛ لأنها كفالة للرحلة في العلم.
ولا تؤخر الوثائق والشهادات الدراسية تأخيرا يترتب عليه ضرر بالطالب؛ لأن الضرر مدفوع.
التعليم الفني:
وعلى الدولة إقامة التعليم الفني والتقني والإداري؛ لأن هذا يعتبر الآن من أعمدة الاقتصاد والنهضة الحديثة للدول.
وهذه مصلحة عامة تعتبرها الشريعة، فطلبت شرعا، ويطلب لها وسائلها التي تقيم ذلك؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد.
مدارس التحفيظ والمعاهد الشرعية ومراكز العلم:
ويضاف إلى الطلب الشرعي على الدولة إقامة مدارس التحفيظ ودعمها، وإعطاء رواتب مجزية عادلة للمدرسين والمشايخ المعلمين للقرآن وعلومه كالقرآن والتجويد والتفسير.
ويشرع إقامة المعاهد الشرعية الوسطية القائمة على الدليل كتابا وسنة بلا تعصب؛ لأدائها إلى مصالح عظيمة على فكر الأجيال، ودفع مفاسد الغلو والتطرف المؤدي إلى التمزق والتنازع بين الأمة.
ويطلب شرعا من الدولة الاهتمام بالمراكز العلمية المبنية على الوسطية والاعتدال بالدليل كتابا وسنة، وحلقات العلم في المساجد، ودعم علمائها والقائمين عليها وتحفيز طلابها، واعتماد معادلة إجازاتهم العلمية بشهادات ودرجاتٍ تيسيرا لتوظيفهم في القطاع الحكومي وغيره.
стр. 422
وهذه من المصالح العظيمة التي تحقق خدمة العلم والشريعة والوسطية، وتحقق بذلك السلم الاجتماعي بعيدا عن الغلو واستهداف المسلمين بأقوال وأفعال غالية مؤدية للفرقة والتمزق والتشظي.
стр. 423
فقه المجتمع المدني والقبيلة
* (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣)
* الطبقية المناطقية أو العرقية أو النسبية أو القبلية أو الشعوبية مفردات جاهلية لا يتعايش معها النظام الاجتماعي في الإسلام
* الوصول إلى مجتمع الفضيلة غاية مطلوبة في الشرع
* محاربة الفساد في الأرض والمناكر والإشاعات المجتمعية العامة والخاصة والنميمة والوشايات من الواجبات الشرعية
* القطاعات القبلية وقطع الطريق من الفساد في الأرض، وتصل عقوبة بعضها إلى الحرابة
* التصالح الاجتماعي والوطني الشامل من معاقد ما جاء به الإسلام الحنيف
стр. 424
فقه المجتمع
- تمهيد:
لا بد قبل أن نذكر تفاصيل الأحكام أن نقدم مجمل ما يتعلق بالمجتمع ومفرداته وتكوينه فنقول:
المجتمع: هو تجمع بشري دائم أو متنقل وما ترتب عليه.
ومكونات المجتمع: الأسرة بنوعيها: الأسرة الصهرية. والأسرة النسبية، وهي الأصول والفروع والحواشي والجميع يكون القبيلة ثم الشعب.
وهو التكوين الفطري والإنساني والجبلِّي بِجَعْل الله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣).
وكل تجمع بشري له أسبابه المكانية، والجغرافية، والاقتصادية، والأمنية، والسياسية، والدينية، والإنسانية (١).
وكل تجمع بمكوناته بدءا بالأسرة ثم القبيلة، والشعب، والأمة تتعلق بها أحكام كثيرة تشكل نظام الأسرة وفقهها: من زواج، وحقوق، ونفقات وكل ما تعلق بهذا، ونظام المجتمع ككل، وصلاته وحقوقه وآدابه وروابطه قبيلة وشعبا وأمة.
ولا بد لكل تجمع من بنيان ونحوه للسكن؛ لأنه من الحاجيات البالغة مبلغ الضروريات.
والأصل فيه شرعا الإباحة وله آداب وأحكام، من كيفية التملك للعقار، وجريان إجارات البناء والمنافع، وغير ذلك.
ولما كان يجب جبلةً أن يَخُصَّ كلَّ أسرة ما يسترهم من مسكن، مما يؤدي إلى كثرة البناء؛
стр. 425
تعين تنظيمه ضرورة:
على مستوى السكن الواحد داخليا.
وعلى مستوى الجوار.
وعلى مستوى المحارم والأجانب.
وعلى مستوى المحلات العامة والخاصة.
ووضع لهذا كله أحكام الدخول والخروج والاستئذان، وسعة الطريق، ووضعية الأبواب والمداخل والشبابيك، والمنافذ، واختيار أماكن البناء.
ومن مقتضيات التجمع البشري:
وجود المياه، والموطن الزراعي: إما محليا، أو عبر طريق سالك يوصل هذه الضروريات.
واقتضى ذلك: تنظيماً وترتيباً لهذه العملية بسائر أحكامها، وتنظيم البيئة السكنية، والزراعية، والمياه.
ولا بد كذلك من ظهور التعليم والتعلم في كل شيء: في المعماريات، والزراعيات، والتجارة، والقراءة، والقيادة، والقتال.
وهنا ظهر التعليم حتى قامت الثورة العلمية في كل الأمور.
ولما كان الإنسان يحتاج للانتفاع بما في الأرض شرع تنظيم طرق التملك.
ولا بد لهذا كله من وجود البيع، والشراء، والإجارات، والشركات لنقل التملكات، وإدارة المال.
ولعلاقة الإنسان بغيره من البيئة، وأنواع المخلوقات نافعة وضارة، وبالهواء، ومشارب المياه؛ اقتضى هذا إقامة أنظمة الدواء والصحة، وكل ما له تعلق بهذا الأمر.
ولا بد لكل تجمع بشري من قيادة بحسبه:
بدءا من الأسرة، ثم القبيلة، فلا بد لها من مرجع مُحَكَّم مطاع، ولا بد للشعب من قيادة مطاعة.
والقيادة تمثل الدولة، ولا بد أن تحمي المصالح العامة، ولا بد لذلك من قوة بكيفية معينة يمثلها اليوم المؤسسة الأمنية والعسكرية، والقضاء.