← Фикх общий

Фикх общий · id 130550

المقدمة في فقه العصر

فضل مراد

Полный текст (1 109 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وإعطاء الشهادات، والجوائز، والمنح لا يخل بالإخلاص ولو في علوم شرع؛ لأن الشهادة مبناها على إخبار الجهة بما تعلمه هذا الشخص، وكتمانه لا يجوز (وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: ٢٨٣). والجوائز مبناها على التحفيز، وقد قال في الجهاد «من قتل قتيلا فله سلبه» (١)، ولم يطعن هذا في الإخلاص، والمِنَحُ كذلك وأوضح؛ لأنها كفالة للرحلة في العلم. ولا تؤخر الوثائق والشهادات الدراسية تأخيرا يترتب عليه ضرر بالطالب؛ لأن الضرر مدفوع. التعليم الفني: وعلى الدولة إقامة التعليم الفني والتقني والإداري؛ لأن هذا يعتبر الآن من أعمدة الاقتصاد والنهضة الحديثة للدول. وهذه مصلحة عامة تعتبرها الشريعة، فطلبت شرعا، ويطلب لها وسائلها التي تقيم ذلك؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد. مدارس التحفيظ والمعاهد الشرعية ومراكز العلم: ويضاف إلى الطلب الشرعي على الدولة إقامة مدارس التحفيظ ودعمها، وإعطاء رواتب مجزية عادلة للمدرسين والمشايخ المعلمين للقرآن وعلومه كالقرآن والتجويد والتفسير. ويشرع إقامة المعاهد الشرعية الوسطية القائمة على الدليل كتابا وسنة بلا تعصب؛ لأدائها إلى مصالح عظيمة على فكر الأجيال، ودفع مفاسد الغلو والتطرف المؤدي إلى التمزق والتنازع بين الأمة. ويطلب شرعا من الدولة الاهتمام بالمراكز العلمية المبنية على الوسطية والاعتدال بالدليل كتابا وسنة، وحلقات العلم في المساجد، ودعم علمائها والقائمين عليها وتحفيز طلابها، واعتماد معادلة إجازاتهم العلمية بشهادات ودرجاتٍ تيسيرا لتوظيفهم في القطاع الحكومي وغيره.

стр. 422

وهذه من المصالح العظيمة التي تحقق خدمة العلم والشريعة والوسطية، وتحقق بذلك السلم الاجتماعي بعيدا عن الغلو واستهداف المسلمين بأقوال وأفعال غالية مؤدية للفرقة والتمزق والتشظي.

стр. 423

فقه المجتمع المدني والقبيلة * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣) * الطبقية المناطقية أو العرقية أو النسبية أو القبلية أو الشعوبية مفردات جاهلية لا يتعايش معها النظام الاجتماعي في الإسلام * الوصول إلى مجتمع الفضيلة غاية مطلوبة في الشرع * محاربة الفساد في الأرض والمناكر والإشاعات المجتمعية العامة والخاصة والنميمة والوشايات من الواجبات الشرعية * القطاعات القبلية وقطع الطريق من الفساد في الأرض، وتصل عقوبة بعضها إلى الحرابة * التصالح الاجتماعي والوطني الشامل من معاقد ما جاء به الإسلام الحنيف

стр. 424

فقه المجتمع - تمهيد: لا بد قبل أن نذكر تفاصيل الأحكام أن نقدم مجمل ما يتعلق بالمجتمع ومفرداته وتكوينه فنقول: المجتمع: هو تجمع بشري دائم أو متنقل وما ترتب عليه. ومكونات المجتمع: الأسرة بنوعيها: الأسرة الصهرية. والأسرة النسبية، وهي الأصول والفروع والحواشي والجميع يكون القبيلة ثم الشعب. وهو التكوين الفطري والإنساني والجبلِّي بِجَعْل الله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: ١٣). وكل تجمع بشري له أسبابه المكانية، والجغرافية، والاقتصادية، والأمنية، والسياسية، والدينية، والإنسانية (١). وكل تجمع بمكوناته بدءا بالأسرة ثم القبيلة، والشعب، والأمة تتعلق بها أحكام كثيرة تشكل نظام الأسرة وفقهها: من زواج، وحقوق، ونفقات وكل ما تعلق بهذا، ونظام المجتمع ككل، وصلاته وحقوقه وآدابه وروابطه قبيلة وشعبا وأمة. ولا بد لكل تجمع من بنيان ونحوه للسكن؛ لأنه من الحاجيات البالغة مبلغ الضروريات. والأصل فيه شرعا الإباحة وله آداب وأحكام، من كيفية التملك للعقار، وجريان إجارات البناء والمنافع، وغير ذلك. ولما كان يجب جبلةً أن يَخُصَّ كلَّ أسرة ما يسترهم من مسكن، مما يؤدي إلى كثرة البناء؛

стр. 425

تعين تنظيمه ضرورة: على مستوى السكن الواحد داخليا. وعلى مستوى الجوار. وعلى مستوى المحارم والأجانب. وعلى مستوى المحلات العامة والخاصة. ووضع لهذا كله أحكام الدخول والخروج والاستئذان، وسعة الطريق، ووضعية الأبواب والمداخل والشبابيك، والمنافذ، واختيار أماكن البناء. ومن مقتضيات التجمع البشري: وجود المياه، والموطن الزراعي: إما محليا، أو عبر طريق سالك يوصل هذه الضروريات. واقتضى ذلك: تنظيماً وترتيباً لهذه العملية بسائر أحكامها، وتنظيم البيئة السكنية، والزراعية، والمياه. ولا بد كذلك من ظهور التعليم والتعلم في كل شيء: في المعماريات، والزراعيات، والتجارة، والقراءة، والقيادة، والقتال. وهنا ظهر التعليم حتى قامت الثورة العلمية في كل الأمور. ولما كان الإنسان يحتاج للانتفاع بما في الأرض شرع تنظيم طرق التملك. ولا بد لهذا كله من وجود البيع، والشراء، والإجارات، والشركات لنقل التملكات، وإدارة المال. ولعلاقة الإنسان بغيره من البيئة، وأنواع المخلوقات نافعة وضارة، وبالهواء، ومشارب المياه؛ اقتضى هذا إقامة أنظمة الدواء والصحة، وكل ما له تعلق بهذا الأمر. ولا بد لكل تجمع بشري من قيادة بحسبه: بدءا من الأسرة، ثم القبيلة، فلا بد لها من مرجع مُحَكَّم مطاع، ولا بد للشعب من قيادة مطاعة. والقيادة تمثل الدولة، ولا بد أن تحمي المصالح العامة، ولا بد لذلك من قوة بكيفية معينة يمثلها اليوم المؤسسة الأمنية والعسكرية، والقضاء.

стр. 426

وكل الشعوب لها علاقات مع بعضها على مستوى الأفراد، والجماعة، والمجتمع، وعلى مستوى السياسات والدول، فكان علم العلاقات الدولية. ويظهر لهذا كله في المجتمع شرائح متعددة شكلت طبقات ثلاث: اقتصادية، وقيادية، وعلمية. وهذه الطبقات التفاضلية متعلقة بالكسب بخلاف الطبقية العرقية، فهي جاهلية حيوانية؛ لأن كل ما للكسب فيه مدخل، ففيه تفاضل، ولا تخرج عن الثلاثة. وكل ما لا يأتي بالكسب مثل اللون والعرق والنسب والبلاد والجنسية فلا تفاضل فيه، لا عند الله ولا عند خلقه العقلاء، ومن زعم فيه التفاضل فقد جرى على قانون البهائم (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣). ولا توجد في الأصل الجبلي ولا الدليلي الشرعي طبقية لعرق بشري على آخر، بل الكل من تراب، وإن أوجدها الجاهليون (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣). فأصل رسول الله وسائر الرسل والأنبياء، وكل إنسان صالحاً أو طالحاً من تراب. ولا تفاضل إلا بأمر واحد هو الكسب، وهو ديني بالتقوى، أو كسبٌ دنيوي، وهو ثلاثة مكاسب: اقتصادية وقيادية وعلمية. وترتب على هذا تقاسيم فئوية، وأسرية، وعمالية، ومناطقية، وتحتها شرائح مجتمعية كثيرة متعددة منها: - أصحاب المال، والجاه والقيادة والسلطان، والعلم، والعامة، والمنافقون والمرضى والمذبذبون، والمؤمنون أصحاب المبادئ والقيم، والكفار بالرسالة كلا أو بعضا، والظلمة وأعوانهم وأتباعهم. وتنوعت الأخلاق والأعمال بحسب ذلك. فأخلاق أهل المال غير السلاطين، والقيادات، والعلماء. وأخلاق المصلحين صالحة، وأخلاق المنافقين منافقة مع الكل، وأخلاق أصحاب الحرف البسيطة بسيطة عادة. وحتى لا تسير الجماعة بشكل عشوائي لا بد من قانون ينظم أمورها.

стр. 427

فأنزل الله الشريعة، فأمر بما يخدم المصالح ويدفع المفاسد، وكل هذا يدور على أمهات الإصلاح العام والخاص للإنسان والأرض والدولة والمجتمع والأسرة. وساقه بقواعد وأصول معيارها العدل والمصلحة ودرء المفسدة، والإحسان، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي. وأقر العادات الجارية الصحيحة. وكل ما يتعلق بصلاح البشرية شمله الإسلام، الدين الحق الخاتم. وأرسل الله به نبيه محمداً ﷺ فمن الناس من آمن، ومنهم من كذب، ومنهم من كذب فآمن ظاهرا وكفر باطنا وهم المنافقون، ولكل أحكام وأوصاف. السكن: لكل إنسان حق في السكن: أ- بالتملك. ب- أو الاستئجار. ج- أو التبرع. ولو موقوفا كمسكن لابن السبيل، أو كمسجد لمضطر؛ لأن أهل الصفة اتخذوا مسجده ﷺ مقرا مؤقتا (١) لهم؛ لفقرهم؛ وعدم استطاعة بيت المال توفير سكن لهم. ولا يجوز ترك أسرة أو فرد من غير إيواء في سكن؛ لأدائه إلى ضرر في نفسه، وماله، وعبادته، وعرضه، ومن يشق عليه ممن معه من أسرته كولد أو والدين أو زوجة أو قريب. ودفع الضرر عنه واجب، والوجوب يكون عليه أولا بدفع ذلك الضرر عن نفسه وأهله بتملك مسكن، أو استئجار، أو الحصول عليه بتبرع؛ فإن عجز ففرضُ عين على الدولة أن تؤويه وأسرته، وهو فرض كفاية على المجتمع، ويأثمون جميعا بتركه.

стр. 428

ويجب عيناً على مسلم قادر له فضل سكن، واطلع على وضع أسرة بلا سكن أن يؤويها إن لم يقم به غيره، ويكون الإيواء مدة مؤقتة لدفع ضرر الاضطرار؛ لأن الدوام ضرر بالمتبرع إلا إن رضي أو استمر الاضطرار ممن آواهم واستمرت قدرته على إيوائهم؛ ولأن هذا هو ابن سبيل، وابن السبيل مؤقت لا دائم. وسواء كان هذا الفرد أو الأسرة موافقا في الدين أم مخالفا؛ لأن دفع الضرر الواقع والمتوقع عن الأنفس والأعراض والأموال واجب مطلق لا يُقَدَّرُ بمن يوافق في الدين، وذلك لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولقوله تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨). فهذه إباحة، والأُوْلَى أمرُ. ولعموم الأمر في (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (النساء: ٣٦). فلم يخصص مسلما عن غيره. ووصْفُ ابن السبيل يشمل من لم يجد مأوى، كان فردا أو أسرة؛ لأن السبيل هو الطريق: وهذا مثله. فوجب بنص الآية الإحسان إلى ابن السبيل، ولا إحسان مع تركه في الشارع مع ولده وأسرته أو حتى منفردا، بل هو من الإساءة والمخالفة لنص الأمر بالإحسان. وفي هذا الباب شرعت العمرى والرقبى وهو: أن يهب رقبة البيت لآخر ولأسرته مدة عمره، أو مدة معينة عارية، وقد شرعها الله وبين أحكامها على لسان نبيه ﷺ (١). وهل هو تمليك؟ خلاف. والذي يظهر من خصوص هذا الدليل، وعموم محاسن الشريعة، وأدلتها في الإحسان والإنفاق أن يقال: إن نَصَّ على الملك فهي هبة؛ لأنه تمليك بلا عوض أو معاوضة، وعليها يحمل نص الرقبى والعمرى، وإن نص على الإذن في السكن؛ فلا تمليك، وله قبض السكن

стр. 429

متى شاء؛ لأنه عقد منصوص مشروط، ومقتضى الوفاء به أن له قبضَه متى شاء، وهو مشمول بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: ١). فإن لم ينص: أ. فإن كان العرف يقضي بأنها هبة فهي كذلك. ب. وإن كان العرف أنه إذن في السكن حملت عليه. ج. وإن لم يكن عرفٌ في ذلك، ولم يُنص على إحدى الحالتين؛ حُمِل على مجرد الإذن؛ لأنه متَيقَّنٌ، ولأن الأصل بقاؤه في ملكه، وعدم انتقال ملكه إلى غيره إلا بيقين، لا بمجرد الاحتمال؛ لأن الملك لا ينقل إلا باليقين؛ ولأن الله يقول (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨)، ومن الباطل أخذه بتوهم التمليك لا بيقين. ويقول سبحانه (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) (الرحمن: ٦٠)، وليس من الإحسان نزعه من مالكه بمجرد التوهم والظن بالتمليك. - طهارة المسكن ونظافته ويجب تطهير البيت من النجاسات والأقذار لحديث «الطهور شطر الإيمان» (١). والطهور هو: إزالة الخبث والنجس، فشمل الطهارة من النجاسات المعروفة ومن كل الأقذار والأوساخ والمؤذيات، ولحديث «كان لا يستنزه من البول فعذب» (٢). وفي معنى البول سائر النجاسات؛ وللأمر بإزالة الأقذار وما في معناها في حديث «طهروا أفنيتكم» (٣). والنظافة تشمل ما هو أعم من النَجَس والقذر من الأوساخ والأتربة ونحو ذلك، والأمر يدل على الوجوب في الأصل. وهذا دليل على التكليف بتمام العناية بنظافة البيت وتوابعه من منقول وثابت، كفرش، ووسائد، وألحفة، وغيرها؛ لقوله تعالى (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) (المدثر: ٤). والثياب تشمل الملابس،

стр. 430

والمفارش، والألحفة بدليل قوله تعالى (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) (نوح: ٧)، وقوله تعالى (أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (هود: ٥)، ومعناه حين يتغطون (١). - البناء ومواصفاته والسكن وأحكامه: ومن كان له أرض فلا يبيعها إلا إلى أرض لورود النهي في قوله ﷺ «من كان له أرض فلا يبعها إلا إلى مثلها» (٢). ويحسن أن تكون الأرض المعدة للبناء واسعة ندبا لحديث «البيت الواسع من السعادة» (٣)، وأن تكون قرب مسجد لتيسر حضور الجماعة. النزوح والنقلة: ولا تنتقل جماعةٌ ولو إلى قرب المسجد -ولو بعدوا- إن كان انتقالهم يعري ذلك المكان. ولهذا نُهِي بنو سلمة عن الانتقال إلى قرب المسجد (٤)، وأخبرهم ﷺ بعظيم أجرهم وأراد من النهي كراهة أن يعروا المدينة. وإذا نهى عن ذلك، ولو كان بعلة القربة الشرعية؛ فإنه من باب أولى ينهى عن انتقال جماعي أو نزوح إلى مكان آخر للسكن بغير ضرورة، إن كان انتقالهم إعراءً للمكان.

стр. 431

ومعنى هذه العلة أمني؛ لأن وجود بيوت وسكان في أماكن معينة على الطرق والمداخل يؤمن الخطوط، والمارة، والمسافرين، ويدفع مفاسد كثيرة في هذا الشأن. فإن كان انتقالهم لضرورة كحصول جفاف، أو جوع، أو خوف من مداهمة سيل أو عصابات فساد في الأرض في مكان ناءٍ، ولا يمكن لأهل البيوت دفعهم، ولا يوجد من يؤمنهم منهم، أو ينجدهم في حال مداهمة، أو نحو ذلك من الضرورات والحاجيات، فإنه لا مانع من انتقالهم فرادى أو جماعات، وقد يجب (١). والنزوح الطارئ كالحاصل للمدنيين في الحروب من نساء وأطفال ونحوهم لا مانع منه، ولو كان في الحرب مع الكفار، ولا يُعَدُّ فرارا من الزحف؛ لأن الفرار الممنوع هو الفرار في حالة اللقاء بين الفريقين أهل القتال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) (الأنفال: ١٥). والمدنيون من النساء والأطفال والعجزة ليسوا كذلك؛ لاستثنائهم من وجوب المواجهة. - بعد السكن عن أماكن الأضرار والأقذار والكيماويات وخطوط الضغط العالي: ويختار في السكن كونه بعيدا عن الأماكن التي يغلب فيها النجاسة والأقذار كمصبات المجاري ومقالب القمامات العامة، كونها مواطن الشياطين. ولذلك تُبْعَدُ عن المساكن، وقد كان ﷺ إذا ذهب المذهب أبعد حتى لا يشم له ريح ولا يسمع له صوت (٢)، وكان يستعيذ من الخبث والخبائث (٣)، وامتنع ﷺ من الصلاة في واد فيه شيطان (٤)، كما في الحديث، وأمرهم فزايلوه مع تأخرهم عن وقت إمكان أداء الصلاة. ومعلوم بالنصوص أن هذه الأماكن مواطن للشياطين.

стр. 432

ولأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم كما ورد في النص (١). وإيذاء الملائكة محرم، والسكن هناك إيذاء؛ لأنهم ملازمون لابن آدم. ولقوله تعالى (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧)، أي: أكلا، وشربا، ولبسا، وسكنا؛ لأن حذف المقتضى يدل على العموم في متعلقاته. وكذا لأن الضرر على صحة الأبدان والعقول غالب عند السكن عند مصبات النجاسة ومقالب المخلفات العامة، وشرط الضرر أن يكون فاحشا، وهذا كذلك، والضرر الغالب واجب دفعه في الشرع. ويختار في السكن بعده عن مصانع الكيماويات السامة بعدا يغلب معه السلامة. وكذا عن مراكز الإشعاعات النووية من مصانع ومعامل ونحوها؛ لعظيم ضرر إشعاعاتها. والبعد عن خطوط الضغط العالي الكهربائي بسبب تأثيراته على صحة الأبدان. وعلى الدولة القيام بالتخطيط العمراني الذي يراعي ذلك كله، وغيره من المصالح. وعلى المرء أن يختار سكنه بجوارٍ حسن؛ لاستعاذة النبي ﷺ من جار السوء في دار المقامة (٢). - التوسط في البناء والزينة: والمشروع في بناء البيت التوسط في كل أموره: عمارة، وأثاثا، وزينة؛ لأن قاعدة الشرع التوسط. والأصل في تزيين البيت الإباحة للنص (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٢).

стр. 433

وحديث «ستكون لكم أنماط» (١) هو على الإخبار لا النهي، ولذا عمله جابر بن عبدالله ﵁. - شجر الزينة، واللوحات الطبيعية، والمجالس الافرنجية والعربية: وشجر الزينة واللوحات الطبيعية من الجمال، والله يحب الجمال (٢). والمجالس الإفرنجية ليست من التشبه؛ بل من عموم الزينة الإنسانية المشتركة في الدنيا خالصة للمؤمنين يوم القيامة بالنص (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: ٣٢). ومفهوم خلوصها لهم في الآخرة يدل على الاشتراك بها في الدنيا اشتراكا إنسانيا عاما. وذلك يشمل كل تراث وإنتاج إنساني، عربيا كان أو أجنبيا، ومنه الزينة ما لم يخالف صراحة النصوص الصحيحة. ويجب أن يضبط ذلك بالتوسط وعدم الإسراف والبذخ وقصد الاستعلاء والكبر. فلا يجوز شراء لوحات باهظة الثمن للزينة؛ لأجل كونها لفلان مِنْ رَسْمه، أو ملكه قديمة أو حديثة؛ لأنه مخالف للأمر بالتوسط، وداخل في الإسراف والتبذير؛ ولأنه لا منفعة فيه سوى الفخر والخيلاء والبطر، وهذه المعاني كلها منصوص على تحريمها، قال تعالى (وَلاَ تُسْرِفُوا) (الأعراف: ٣١)، (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨). وتعليق صور ذوات الأرواح ورد النص بالنهي عنه (٣)؛ فليجتنب ولو للذكرى احتياطا. ولا مانع أن توضع محفوظة في خزانة ونحوها. - مجلس الضيوف، والمطابخ ودورات المياه: ومن المحاسن جعل مجلس للضيوف للقادر على ذلك؛ لأنه داخل في أنواع إكرام الضيف

стр. 434

المطلوبة عموما في النصوص، كحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (١)، ووسائل الإكرام لها حكمه. إلا إن كان للفخر والبطر والخيلاء به، فهو مذموم عند الله (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨). ومن المحاسن اتخاذ دورات للمياه للتطهر من الأحداث والأنجاس والأقذار؛ إذ الطهور شطر الإيمان، ووسائل الطهور مطلوبةٌ بحسب أدائها لمطلوب الشرع، ودورات المياه من هذه الوسائل. ومن المحاسن اتخاذ المطابخ؛ لأنه توسعة على أهل البيت، وفي النص «البيت الواسع من السعادة» (٢). وينهى شرعا أن تترك النار مشتعلة، خاصة ليلا عند النوم، لحديث «إذا نمتم فأطفئوا السراج فإن الفويسقة تضرم النار على أهل البيت» (٣). ويقاس عليه إغلاق اسطوانات الغاز في المطبخ دفعا لاحتمال تسرب غاز قد يحرق المنزل، إما لارتخاء التوصيل، أو لإتلافٍ في أنبوب التوصيل بسبب قوارض كالفأرة. ويشرع تخصيص غرف للبنات من سن العاشرة مستقلة عن غرف الذكور؛ لورود «وفرقوا بينهم في المضاجع» (٤) أي وهم أبناء عشر، وهذا موافق للفطرة البشرية، والإنسانية، والاجتماعية، والأصل في الأمر أنه على الوجوب في المذاهب الأربعة والظاهرية. - أحكام الدخول للبيوت: ومن دخل بيت غيره استأذن وأعلم بنحو تنحنح أو حركة ثم دخل وسلم إن أذن له (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 435

آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النور: ٢٧)، (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) (النور: ٦١). وهذا النص الأخير فيه الأمر بالسلام عند دخول أي بيت، فيشمل بيت الشخص أو غيره، والنص قبله أمر عند دخول بيوت الغير بالاستئناس والسلام. والاستئناس تنبيه لمن في البيت لرفع المفاجأة والثاني السلام المشروع. ولا يوجد قانون على وجه الأرض ينظم هذا التنظيم الاجتماعي في شأن البيوت إلا ما ورد في هذه النصوص من لدن حكيم خبير. ويمنع النظر حال الاستئذان لدخول بيت الغير؛ لورود الحديث في ذلك «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (١). ومن نظر من شق أو ثقب في الباب أو الجوار بلا إذن فقد أثم لورود النهي «وقد هم رسول الله ﷺ أن يختل الرجل الفاعل ذلك بمشاقص كانت في يده» (٢). وقال «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» (٣). ومن طرق باباً طرقه من جانبه الساتر حتى لا يسبق النظر حال الفتح، وقد ورد في ذلك حديث صحيح (٤).

стр. 436

ويطرق ثلاثا للنص (١)، وإن كان لا يميز الثلاث حال كونه ضاربا بالجرس؛ فإنه يقايس الأمور عرفا بتوسط غير خارج إلى الفجاجة والإيذاء. فإن أذن له بالدخول وإلا رجع، لقوله تعالى (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) (النور: ٢٨). ولا يتذمرْ؛ لأنه عبد مكلف بالأمر الإلهي في الآية بالرجوع، وهو من سبل تزكيته عند ربه بالنص في الآية. ويجلسُ حيث أذن له إن دخل؛ لأنه في ملك غيره؛ فلا يتصرف فيه إلا بإذن ملفوظ أو عرفٍ. ولا يُجْلَس على مكرمة الرجل صاحب البيت إلا بإذنه للنص (٢). ولا يصلي فرضا في بيته إلا بإذنه، فإن كانت جماعة فالأولى أن تكون بإمامة رب المنزل كما ورد في النص (٣). وإن كان في البيت منكر قطعي من الكبائر، أنكر قطعا في الأصل؛ فإن كان غير قطعي؛ لاحتمال دلالات النصوص، واختلاف فهوم العلماء فيه، فلا عليه أن ينكر، ويجوز بالتي هي أحسن. وإن دخل فرأى حسنا قال (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) كما ورد في الآية (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) (الكهف: ٣٩).

стр. 437

والمجالس بالأمانة (١)؛ فلا يفشي سرا (٢)، ولا ينقل خبرا موغرا للضغينة. ولا بد في المجالس من ذكر الله، وورد ما يدل على وجوبه في نصوص كثيرة (٣). - الجوار: وللجار حق عظيم (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (النساء: ٣٦)، والإحسان إليه فرض، وأذاه كبيرة منكرة (٤)، ويصله بما جرت عليه العادة؛ لأنها مُحَكَّمة. ولقوله ﷺ : «إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك» (٥). ولا يجوز غيبته، ولا عرضه، ولا خيانته في نفسه، أو عرضه، أو ماله فإن ذلك من أكبر الكبائر، قال تعالى (وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) (الحجرات: ١٢)، وفي الحديث «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» (٦)، وفي حديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم» (٧)، وكذا «أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وهو خلقك أو تزاني حليلة جارك» (٨).

стр. 438

ويزوره في مرض، أو عزاء، ويجيب دعوته ولو كان مخالفا في الدين، وقد ورد ذلك عنه ﷺ في نصوص «فقد زار رسول الله ﷺ يهوديا» (١)، ويحرم ظلمه؛ لعموم «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (٢)، ويجيب الدعوة؛ لحديث «وإذا دعاك فأجبه» (٣). وأجاب رسول الله ﷺ يهوديا دعاه على شعير وإهالة سنخة، وأضافه اليهود ووضعوا له السم في الشاة، كما في الأحاديث الصحيحة. - الرقابة المجتمعية: وأهل الحي رقباء في التعاون على البر والتقوى، وإنكار المنكر ومحاربة الجريمة، والتعاون مع الجهات المعنية في الدولة؛ لعموم النصوص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: ٧٨ - ٧٩)، ولقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: ٢). وليحذر من أوكار الجريمة التي تتخطف الشباب، مما ظاهرها الإباحة وباطنها المنكر. ولا يقال لنا الظاهر والله يتولى السرائر؛ لأن ذلك في الأمر القلبي، أما الأمر المجتمعي والسياسي العام فالأصل فيه الحذر من ظواهر الجريمة وبواطنها، والله يقول (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) (الأنعام: ١٢٠) وهذا عام في الفرد والجماعة. وكل وسيلة أدت إلى ذلك وجبت؛ ولأن رسول الله ﷺ عامل المنافقين على ظواهرهم في دعوى الإيمان لا في الأعمال.

стр. 439

بل أمره الله بجهادهم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم: ٩). وجهادهم منه: تغيير منكراتهم باليد، ولو أظهروا منها الإحسان إيهاماً (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة: ١١ - ١٢). ولذا نُهِي عن مسجد الضرار وهو مسجد ظاهره الدين، ونزلت فيه نصوص وهي أصل في إلغاء كل وكر اتخذ ظاهرا للإحسان وباطنا للجريمة؛ لأنه إن كان ذلك في المسجد فغيره أولى. - التخطيط العمراني: والتخطيط العمراني للمدن والسكن من المصالح العامة، والشريعة جاءت لرعايتها، وهي من الإحسان المأمور به في قوله تعالى (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، ولأن التخطيط يعتبر قياما من ولاة الأمر بحق المواطنين لأن ذلك من مقتضيات العقد لما فيه من المصلحة العامة والتيسير لهم ولمعايشهم وهو داخل في النصح للأمة، وقد ذمّ الشرع من شق على الأمة وفي ترك التخطيط والإحسان فيه إشقاق ظاهر على الأمة. ويكون في المدن وجوبا التخطيط لوسائل دفع الأضرار من مقالب القمامات ومجاري مياه الصرف بحيث تبعد وجوبا من السكن؛ لعظم ضررها إن لم يفعل بها ذلك، وهو فساد (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥). والطريق العام ملك عام، وتكون سعة الشوارع بحسب عموم نفعها؛ فلا يتخذ في داخل الحي الصغير شوارع عظيمةَ السعة لا يبرر وجودها لمصلحة حالية أو مآلية؛ لأن هذا من العبث، والشريعة تنهي عنه. ولأن تصرفات الحاكم منوطة بالمصلحة العامة ولا مصلحة هنا. بل يجعل لكل شارع سعة بقدر عموم نفعه، بلا زيادة فاحشة ولا تقصير مفسد. والمرور في الطرقات مقيد بسلامة العاقبة. فمن مر بسيارته فضربت حجرا فحصل إتلاف به ضمن، هذا في الأصل؛ لأن الأموال والأنفس محترمة، وحقك المباح في العبور لا يطغى على حق غيرك في السلامة.

стр. 440

ولكل بيت حق يسمى «حريم الدار» يستعمل لمنافع الدار كالوقوف أمام منزله بلا ضرر. ولا يرمي المخلفات على باب بيته فيؤذي الناس، وقد لعن رسول الله ﷺ من آذى. ولا يرميها في شارع عام، ولا خاص؛ فكل ذلك داخل في الإيذاء للمجتمع (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨). بل يضعها في مكان أعد لها؛ لأنه يدفع بذلك مفسدة الضرر والأذى. ومن ارتفع بيته عن بيت غيره؛ فلا يحل له النظر من نحو نافذة إلى دار غيره المكشوف، بل يسترها بستارة، ولا يجب سدها نهائيا؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار. ومن بنى بناءً أحاطه حال البناء؛ لئلا تقع الأضرار على المارة، أو يؤذي الناس. ولا يحفر في الطريق العام إلا بإذن مصرح مع وضع إشارات السلامة والتحويط، وإلا ضمن ما يتلف بوقوع في الحفرة. وشرطنا الإذن للحفر؛ لأن الطريق العام لمنفعة العامة، ومدة حفره ضرر عام، فلا بد من الإذن من الجهة المسئولة العامة؛ لأنها نائبة عن المسلمين في مصالحهم. فإن لم توجد اكتفى بالإذن العرفي ولا يتمادى في الضرر؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، فإن تمادى أثِم وإن أتلف ضمن. وتبنى المتنفسات والحدائق والنوادي الفكرية والثقافية والرياضية؛ وهي من الأمور المباحات والتحسينات. والشريعة ترعى الأمور التحسينية والجمالية والله يحب الجمال. منظمات المجتمع المدني: والمجتمع له شرعا أن ينظم نفسه في جمعيات، ومؤسسات، ومنظمات، ومجالس، وملتقيات، ومنتديات، وسائر أنواع التجمع الذي يخدم المصالح العامة ويدفع المفاسد والضرر، وسواء كانت إنسانية، أو حقوقية، أو خدمية، عامة أو خاصة، لفئة أو شريحة أو منطقة. وقد يصل حكم إقامة بعضها إلى الوجوب الشرعي بحسب ما تقوم به من مقاصد كبرى جاءت الشريعة لرعايتها وأمرت بخدمتها.

стр. 441

فالمنظمات الحقوقية التي تدافع عن المظلوم وتنصره بما يحقق دفع الضرر والمظلومية هو أمر لا شك في مشروعيته؛ لأدائه إلى ما أمر الله به من العدل ودفع البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي كل ذلك نصوص بالغة حد القطع؛ فإن لم يقم بنصرة المظلوم أحد وجب ذلك على منظمات أقيمت لأجل هذه القضايا مع القدرة، ويحرم ترك نصرة مظلوم؛ لأنه إبطال لمقصود ما أقيمت له المنظمة وهو منهيٌ عنه؛ لقوله تعالى (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: ٣٣)، إلا عند تحقق العجز؛ لعموم النص (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦). السلطة المجتمعية الكبرى: ومن أكبر قواعد الشريعة قاعدة «العادة محكمة»، وهي إحدى القواعد الكبرى التي تدور عليها الشريعة. وهذه قاعدة مجتمعية هامة، فكل العادات والأعراف المجتمعية الصحيحة مُحكَّمة شرعا إذا لم تناقض المأمورات والمنهيات التكليفية الصريحة الصحيحة. وشرط اعتبار العادة أن تكون عامة مستمرة موافقة للمشروع. وشُرِعَ موافقة العادات؛ مراعاةً لعدم الفُرْقة والنُّفرة. وهذا أمر معتبر في الشرع؛ ولذا قال الفقهاء في مخالف العادات الصحيحة إنه مخروم المروءة، وهي جزء من العدالة في بعض الأمور كالرواية للحديث والشهادة. فالعادة المشروعة الفاضلة يمكن تعريفها أنها: إلزام مجتمعي على الفضيلة. فهي -إذا- من الوسائل في نشر مقصود الشريعة والتمسك بها، فوافقت خدمة الشرع في بناء المجتمع، فشرعت. ولما كان الإلزام القضائي متعذرا في البناء المجتمعي؛ لاحتياجه إلى رقابة شاملة على مكونات المجتمع، كانت العادة واقعا هي القضاء المجتمعي الملزم برقابة شاملة من عموم المجتمع لبعضه، فالعادة المجتمعية هي السلطة القضائية المجتمعية بلا كلفة مالية ولا رسمية، فاعتمدها الإسلام سلطة يرجع إليها، وجَعَلَها حَكَمَاً، وقَعَّدَ الفقهاء لها أصلا هو «العادة مُحَكَّمَة».

стр. 442

ولأن العادات الشريفة الفاضلة الحسنة من مكارم الأخلاق. والشرع من مقاصده رعاية الأخلاق وحفظها وتتميمها «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١). ولورود الأمر بالعرف (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، وللأمر بالمعاشرة على وفقه (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: ١٩)، (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٢٨). ولأن الفضائل معتبرة والعادات ملزمة بها، فكانت وسيلة للخير تأخذ حكم المشروعية، ولأن العادات الحسنة تطلبها العقول والفطرة السليمة وتقرها الشريعة، ولو كانت في مجتمع جاهلي. وأثنى عليها شرعاً «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» (٢). «وقال أسلمت على ما سلف من الخير» (٣). المجتمع السياسي، أو السلطة المجتمعية السياسية ولا مانع أن ينظم المجتمع نفسه في تنظيمات، وتجمعات سياسية كأحزاب ومنظمات ونقابات، ونحو ذلك. وهي بحسب ما أدت إليه من المصالح العامة؛ فإن أدت إلى خدمة المصلحة العامة شرعت، وإن أدت إلى المفاسد منعت. والمصالح والمفاسد العامة يقدرها أهلها من الأمة العامة كالعلماء مع أهل الحل والعقد ممن رضيتهم الأمة من قيادات المجتمع (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣).

стр. 443

وللمجتمع كامل الحرية السياسية في مناقشة القضايا السياسية العامة العالمية، والخاصة الداخلية، وكل ذلك كان يقع زمن النبي ﷺ والقرآن ينزل. وكانوا يتحدثون عن كافة الأمور ومنها السياسية، وتُنَاقش التحركات، ويؤتى بأخبار الملوك، والغزوات، والسرايا، والجيوش، والعزل، والتعيين. ولم يُنْهَ عن ذلك في زمن التشريع، ولا في زمن الراشدين؛ فدل على الحرية السياسية المجتمعية والشعبية. وقد قال الخليفة الأول: «إن أسأت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني» (١)، وهذا عين السلطة المجتمعية السياسية. والتوعية السياسية في الندوات، واللقاءات، والخطابات، والخطب جائزة؛ بل قد تجب إن كانت للتداعي لنصرة المظلوم وحمايته، وكف المفاسد والظلم. وهذا في الأمور العامة المعلومة على الوجه العام، أما الأمور غير المعلومة إلا على وجه خاص، والتي يؤدي نشرها إلى الضرر البالغ بالمجتمع والأمة؛ فلا تنشر إلا في إطار ضيق للمعالجة عبر الطرق والجهات المسئولة، وعلى هذا يدل عموم قوله تعالى (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء: ٨٣). الأمن المجتمعي: والأمن المجتمعي طلبه مقصود؛ لأن الشرع قصد الامتنان به (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: ٣ - ٤). وهذا الأمن في النص هو اللازم توفره شرعا في المجتمع، وهو مكون من الأمن الغذائي والأمن القومي؛ لأنه من ضروريات العيش. وقد أمر الله الناس بعبادته سبحانه مع استحقاقه للعبادة بلا علة؛ إلا أنه علل ذلك في سياق المنة على عباده بتوفير الأمن الغذائي والأمن القومي، مما يدل على أنهما من أعظم النعم الإلهية الربانية على العباد.

стр. 444

وفرضٌ أن يتعاون الناس على تحقيق ذلك؛ لأن دفع المفاسد واجب، وهذا منها. ولأن تحقق الأمن والاستقرار والغذاء يدفع مفاسد عظيمة عن المجتمع. ويجب الإبلاغ عن الفساد في الأرض، وفرضٌ على الدولة التجاوب، فإن قصرت أو لم تقم؛ فالواجب على أهل الحي والمجتمع القيام بإنهاء مظاهر المفاسد بالتشاور بينهم عن وسائل ذلك، فإن سكتوا أثموا جميعا وعمهم الله بعذاب (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١). ولأن الفرض في الخطاب التكليفي بمحاربة المفاسد وإقامة المصالح وإقامة التكاليف هو -في الأصل- موجه إلى العموم العام، والدولة نائبة عنهم، فإن لم توجد، أو لم تفعل، وجب عليهم القيام بهذا الفرض. وكيفيته: راجعةٌ إليهم بما يناسب الوقائع، فقد يفرض اختيار جماعة مفوضة من المجتمع للقيام بالفرض دائمة أو مؤقتة. وقد يكون توقيتها أنسب، فيكون هو الأولى شرعا؛ لأنه يؤدي إلى تحقيق مصالح أكثر، وعكسه عكسه. فما كان أنسب فهو خادم المقصود الشرعي. المجتمع والشعائر الكبرى: وواجب على المجتمع إقامة شعائر الله وتعظيمها، وأعظمها الصلاة والزكاة. فالأولى أعظم صلة بين العبد وربه، والأخرى أعظم صلة مجتمعية مالية مفروضة. ويجب على أهل الحي بناء مسجد؛ لأنه وسيلة إلى أعظم الطاعات، والوسائل تأخذ أحكام المقاصد؛ ولقوله تعالى (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (التوبة: ١٨). ومفهومه أن غيرهم لا يفعل ذلك؛ فعمارة المسجد دليل الإيمان. وقال (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) (النور: ٣٦). وإذنه هنا إيجاب بدليل مثله في قوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج: ٣٩)، ولأنه لو لم يكن إيجابا بل مباحا لاستوى حكمه مع أي بناء مباح، ولجاز للناس عدم بنائه، فدل على أن مقصود الإذن التشريع الموجب.

стр. 445

وقال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤). فلا ظلم فوق المنع. والامتناع عن بناء مسجد بلا عذر هو كالمنع؛ لأنه إن كان لعجز فيجوز بناؤه بأدنى متيسر ولو بإحاطة مكانه وتعليمه كمسجد للصلاة، وإن كان لجهل فهذا نادر جدا قد لا يقع أصلا. فلم يبق إلا أن صدود قلوبهم عن بناء المسجد كائن عن عدم تعظيم شعائر الله، ويجب أن يتعاون من تقوم بهم الكفاية وإلا بناه فرد واحد بقدر استطاعته. وعلى قادرٍ إعانته، ولو من غير أهل الحي، إعانة مادية، وفعلية، ومعنوية. ورفع الأذان للصلوات الخمس في المساجد واجب؛ لأنه قوله وتقريره ﷺ مدة حياته، ولم يتركه سفرا ولا حضرا، وأمره بلالا ومؤذنيه بما هو ظاهر في دلالته على الوجوب. - تحريم جعل التسجيل الصوتي للأذان عوضا عن المؤذن: ولا يجوز جعل تسجيل صوتي للأذان في مسجد بدلا عن المؤذن؛ لقوله تعالى (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢). وهذا ليس من التعظيم في شيء، بل هو إلى الاستخفاف أقرب. فإن كان عاما في مساجد بلاد أو دولة، فهو أعظم في الاستخفاف، ودليل سقوط تعظيم شعائر الله من قلب من أمر بذلك، ولا يفعلها إلا جاهل سفيه، وإن كان الآمر بذلك هو الإمام أو الحاكم فلا طاعة له؛ لأنه يصد عن سبيل الله ويهون شعائر الله في القلوب؛ ولأن مآل أمره منع ذلك؛ لأنه لا يتدرج إلى الكمال بل إلى النقص، وهو سعي في خراب المساجد لا في عمارتها (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤). وقوله سبحانه (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) (البقرة: ١١٤)، يدل على التدرج والاستمرار لا تخريبها جملة واحدة. ولأن الأذان بتسجيل صوتي موحد في الدولة مؤد كذلك لتقديم وتأخير الصلوات عن أوقاتها، والإفطار قبل أو بعد وقته؛ لاختلاف الغروب باختلاف الأماكن في الدولة الواحدة.

стр. 446

ولأن المؤذن مكلف شرعا بمراقبة الوقت الشرعي للصلوات والصيام، واتخاذ تسجيل صوتي موحد للمساجد يبطل ذلك؛ لأن اختلاف الأماكن موجود وتختلف المواقيت لذلك لا محالة، ولو في الدولة الواحدة، فهو مؤد إلى تخريب في مواقيت شعائر الإسلام الكبرى صلاة وصياما. وبالجملة فمن عمل بذلك فهو ساع في خراب المساجد، وصاد عن سبيل الله غير معظم للشعائر متبع غير سبيل المؤمنين مشاق لله ورسوله (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: ١١٥). ولا أوضح في مشاقاة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين من هذا الأمر؛ فطريقة رسول الله، وسبيل المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها هو اتخاذ مؤذنين في المساجد إلى عصرنا هذا. فمن أراد استبدال المؤذنين بتسجيل صوتي عام فهو متبع غير سبيل المؤمنين. المجتمع وصلاة الجماعة: ويشهد أهلُ الحي في مسجدهم الصلاة جماعة، ولا مانع من اصطحاب الأطفال إلى المساجد لغرس ذلك في قلوبهم، وقد كان الأطفال يأتون إلى المساجد في زمنه ﷺ ، ونزل للحسن والحسين ليأخذهما وهو يخطب على المنبر (١). وكان إذا سمع بكاء الصبي خفف الصلاة لأجل أمه (٢). فدل على اصطحاب الأطفال إلى المساجد. حكم إقفال السماعات أثناء الصلوات: وإقفال السماعات أثناء الصلوات، إن كان احترازا من تداخل أصوات سماعات المساجد لتقاربها، فيمكن جوازه بمحدودية لواقعة بعينها.

стр. 447

وإن كان بحجة أن فيها إزعاجا للغير؛ فقائل هذا مريض القلب يخشى عليه أن يكون قوله هذا نوع ردة عن الدين؛ لأنه جعل إسماع القرآن في الصلاة وتكبيرات الانتقال إيذاء للناس. وهو كقول ابن سلول للنبي ﷺ : لا تؤذنا في مجالسنا اذهب فمن جاءك فانصحه (١). مشروعية التبرع لمحتاجين: ويشرع جمع تبرع لمحتاج في المسجد كما ورد عنه ﷺ (٢). والأصل الشرعي ذم التسول (٣)، فإن اضطر شخص وجب على المجتمع سد حاجته. ومعرفة مدى حاجته حقيقة أولى؛ لأنه أنفع له ولقضاء حاجته. وأما من اعتاد السؤال تكثرا فيُتبين أمره، فإن ظهر محتاجا أعطي وإن كان لمهنة يقصد بها التكاثر منع ونصح. ولا ينهر السائل (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) (الضحى: ١٠)، ويصرف بالقول الحسن إن لم يتصدق عليه للآية (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا) (الإسراء: ٢٨). الاحتفالات والندوات في المسجد: والاحتفالات والندوات والإنشاد في المساجد جائز، لحدوث ما يدل على ذلك في زمن

стр. 448

النبي ﷺ ، فقد كان ينصب المنبر لإلقاء حسان الشعر (١). وكان الحبشة يرقصون في المسجد وهو ينظر (٢). وكذا يجوز مداواة مريض في المسجد (٣). - والغيرة على الأعراض ومحاربة الإشاعة والقيل والقال من الواجبات: وذلك أن حفظ العرض من مقاصد الشريعة الستة الكبرى: حفظ العقل، والنفس، والعرض، والمال، والعقل، وحفظ الجماعة العامة. والغيرة على الأعراض أمر يحبه الله، ففي النص «أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغْيَرُ منه والله أغْيَر مني» (٤). والديوث ملعون على لسان رسول الله ﷺ ومحرمة عليه الجنة بالنص «لا يدخل الجنة ديوث» (٥)، والديوث كل من لا يغار على العرض، لا عرضه ولا عرض غيره، ويرضى على أهله بالخبث.

стр. 449

ومن لا يغضب على عرضه في سمعة، أو طعن، أو قذف، ولا بمجالسة أهل الفواحش الأخلاقية، أو عدم مبالاة بداخل وخارج على عرضه، فهذا ديوث ملعون فاسق محرمة عليه الجنة. فيجب على المجتمع عموما، وعلى كل فرد فيه: حفظ الأعراض، ومنع كل ما يطعن فيها، ومحاربة الإشاعة على الأعراض؛ لأنها من أكبر الكبائر، ولذا حرمها الله وحرم الكلام فيها في المجالس العامة والخاصة، وجعل من ينشر ذلك من أهل النار والعذاب في الدنيا والآخرة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩). وعذابه في الدنيا سماوي أو قضائي، فالأول كتسليط الله العذاب عليه في بدنه، ونفسه، وماله، وأعماله. والثاني تعزيره قضاء بما يردعه عن الإشاعة وبما يؤدي إلى منعها، ومواجهتها، ومنع نشرها. ويجب إحسان الظن بالمؤمنين لعموم (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) (النور: ١٢). والتكافل المجتمعي والإعانة بالقرض والعارية وإغاثة الملهوف مشروعة: وهذه الأخلاق من مهمات مما حث عليه الإسلام، فشرع القرض وأحكامه في أطول آية في القرآن، وأمر بإنظار المعسر (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠). ومن أقرض شخصا فله أجر المتصدق بالنص (١).

стр. 450

ويجب رد القرض، ومن نوى عدم الرد فقد ارتكب خصلة من الكبائر والآثام، ويتولى الله إتلافه؛ للنص «من أخذ أموال الناس ليردها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (١). ولا يجوز في القرض اشتراط مبلغ زائد عند القضاء؛ فهذا من الربا المحرم، وهو المقصود قطعا بالنص (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (البقرة: ٢٧٥). والعارية مشروعة، وما كان من الأشياء التي يعتاد الناس استعارتها بلا ضرر مع الحاجة

стр. 451

إليها كالقدور وأشياء من أدوات المطبخ، أو بعض الفرش لمن عنده ضيف، أو مناسبة، أو نحو هذه الأمور فواجب إعارتها؛ لورود تحريم منعها (الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ* وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون: ٦ - ٧). ومن استعار شيئا فهو ضامن له، فإن أتلف شيئا منه، فإما أن يأتي بالبدل المماثل، أو القيمة المتوسطة لحديث «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١). ومن المكارم إغاثة المحتاج والملهوف، والنجدة والمساعدة للناس، وعون من نزلت به مصيبة بالتعاون والبذل، وكل هذا مما يرضي الله؛ لعموم (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢). والصدق، والوفاء، وحفظ الأمانات واجبات: ففي الحديث «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» (٢). وهذا يدل على وجوب الصدق والوفاء وحفظ الأمانة، ومن فعل شيئا خلاف ذلك ولم يتب استحق مقت الله ونبذة الخلق، وفي النص أن هذه المنكرات تهدي إلى النار وأن الصدق يهدي إلى البر والجنة (٣). - العزاء والتعزية مشروعة، ويحرم جعلها غرامةً على أهل الميت بالإقامة عندهم وتكليفهم الذبح والطعام والنثريات المختلفة، وهو معدود في النياحة المحرمة عند الصحابة لحديث جرير بن عبدالله البجلي، قال: كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة، وهذا ضرر، وهو مدفوع في الشرع، وهو خلاف السنة، وبدعة من البدع التي ناقضت السنن، ففي

стр. 452

الحديث «اصنعوا لآل جعفر طعاما» (١). والسنة حضور الناس إلى بيت العزاء بلا إطالة، وهذه هي السنة الثابتة (٢). ويشرع أن يقول «لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى» (٣)، ولا مانع من كل كلام حسن للمواساة مع عدم اعتقاد التعبد به بلفظه مثل «عظّم الله أجركم ورحم ميتكم». والسنة الحضور للصلاة على الميت والدفن لحديث «من مشى مع جنازة حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها انقلب من الأجر بقيراطين أدناهما مثل جبل أُحُد» (٤). ويكبر على الجنائز حال الصلاة عليها أربع تكبيرات: بعد الأولى الفاتحة، وبعد الثانية الصلاة على النبي ﷺ ، وبعد الثالثة الدعاء للميت، وبعد الرابعة السلام، هذا ما ثبت في السنن الصحاح المنقولة، ويسلم إلى جهة أو جهتين، كل ذلك صحيح وارد، ويقف حال الصلاة حيال رأس الرجل، وحيال وسط المرأة؛ لورود النص من السنة الصحيحة في ذلك.

стр. 453

ولا يصلى على قاطع صلاة، ولا القاتل عمدا وعدوانا إلا إن قوصص به، ولا على الغال من الغنيمة، ومثله قياسا مختلس المال العام، ويصلى على السقط إذا كان تاماً، وبما مر ثبتت السنن الصحيحة. - الثأر وحرمة دم المسلم، وماله، وعرضه من أكبر قواطع الشريعة وفرائضها. ومن قتل متعمدا معتديا فهو من أهل النار المخلدين فيها بالنص (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣)، ووجب فيه القصاص شرعا، ويوصل إلى القضاء وجوبا، دفعا للفتنة إلا إن أُصلح بينهم للعفو عن القصاص وأخذ الدية -حينئذ-، أو العفو عنهما معا. والثأر محرم؛ لأنه يفتح باب الفتنة، وإذا كان الثأر على شخص من قبيلة القاتل وليس هو بقاتل، فهو حينئذ قتل عمدٍ وعدوان، محرم، وملعون فاعله، ومخلد في النار (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣). - ظلم المرأة والمرأة مُكرَّمة كالرجل لعموم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: ٧٠)، وهي مكلفة بالشرع، لا فرق بينها وبين الرجل، ولها الحقوق تامة كما للرجل، وأكثر من الرجل في أمور كوجوب النفقة عليها وتخفيف التكاليف عليها مما هو لازم على الرجل، فلا جهاد عليها بمعنى القتال، ولا تلزم بحضور جمعة ولا جماعة. وفي الميراث فضلت المرأة على الرجال في كثير من المسائل، فتأخذ الأكثر في مسائل النصف والباقي للرجال من العصبات، وتأخذ إذا اجتمع منهن اثنتان فما فوق مسائل الثلثين والباقي للرجال من العصبات. وتتساوى المرأة مع الرجل في مسائل، فالأب والأم لكل واحد السدس مع الفرع الوارث الذكر.

стр. 454

والجد والجدة السدس في مسائل. والإخوة للأم سدس للأخت لأم، وسدس لأخيها من الأم، فإن كانوا أكثر قسم بينهم الثلث بالسوية ذكورا وإناثا (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ) (النساء: ١٢). ويفضل عليها الرجل في مسألة الأبناء والإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين. ومن ظَلَم المرأة في ميراثها أو منعها فهو قاطع رحم، لا تستجاب له الدعوات وهو متعد حدود الله يؤدب ويعزر ويؤخذ منه الحق، وقد قال الله سبحانه بعد ذكره الفرائض (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء: ١٣ - ١٤). - التصنيف الجاهلي: ويحرم تصنيف الناس -على أساس العرق والنسب- إلى سيد وخادم وقبيلي ونحو ذلك مما يقتضي الطبقية التفضيلية، وهو أمر جاهلي لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣)، ولقوله ﷺ لمن عيّرَ خادمه «إنك امرؤ فيك جاهلية» (١). وقد جمع الإسلام بين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وسائر العرب من قريش وغيرهم. وزوج من كانوا عبيدا في الجاهلية بخيار نساء قريش (٢).

стр. 455

ويحرم اشتراط نسب علوي للزواج بعلوية أو فاطمية؛ لأنه من أمر الجاهلية.

стр. 456

وقد زوج بناته ﷺ من أهله، وغير أهله كعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب. وزوج عليُّ بن أبي طالب ابنته لعمر بن الخطاب. والطعن في الأنساب محرم «اثنتان من أمتي هما بعض كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (١). وتصنيف النساء إلى شريفة وهي من نسبها فاطمي، وغير شريفة وهي من نسبها إلى آدم ﵇، تقسيم قبيح وتسمية جاهلة. ولا يجوز لأحد منع ابنته الزواج إلا من نسب معين، ولو تقدم لها كفء من غيره رفضه. وإذا تقدم لها كفء من غير النسب الذي يريد الولي فامتنع عن التزويج مع رضى ابنته فهو عاضل مرتكب لمحرم (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٢)،

стр. 457

(وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) (النساء: ١٩) (١). و«يفسق بأدنى عضل»؛ لإصراره على محرم، ولا ولاية له، ويحق للبنت أن يزوجها وليها غير أبيها، فإن لم تجد زوجها القاضي. ومن اشترط من الفقهاء شروطا للكفاءة فعلى وجه الأولوية لا الفرض والوجوب الشرعي، وقد نظمت ما استحسنه الفقهاء من الكفاءة مع ذكر بعض مشايخي، فقلت: الدِّينُ والحريةُ احترافُ ... والنسب اعتبره الأسلافُ ومالك شرط خصلتين ... بُرْؤٌ ومعْه الشافعي في الدِّين واشترط اليسار عند الحنبلي ... وشيخنا زيدان في المفصل والمالكي الأحناف أما الزيدي ... فشَرَطَ الدِّين بغير زيدِ (٢) الناصرُ زيدُ بن عليْ والهاديْ ... وكمْ لهم من جاهلٍ معاديْ كالمتوكل وكالمنصورِ ... والمسوري أحمد المبتور

стр. 458

نقضه الأمير والشوكاني ... والمقبلي وشيخنا العمراني وشرف العلم علا فوق النسب ... للجعفري وسما فوق الرتب - الحلف بالطلاق والحلف بالطلاق لا يجوز، كأن يقول: الطلاق عليَّ إن كان كذا وكذا. أو يقول: عليّ الحرام والطلاق إن كان كذا وكذا. ولا يجوز اليمين إلا بالله «من حلف بغير اسم الله فقد أشرك» (١). وقد أفتى أكثر فقهاء العصر على أن الحلف بالطلاق ينظر فيه إلى نية الحالف، فإن نوى اليمين كفر كفارة يمين وهي (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (المائدة: ٨٩)، وإن نوى الطلاق وقع عليه طلقة، إذا وقع ما ذكره في يمينه. - أكل الأوقاف الوقف هو إخراج شيء ذي منفعة من الملك الشخصي، وجعل منافعه لوجه الله، وفي الحديث أنه «لا يباع ولا يوهب ولا يورث» (٢).

стр. 459

ومن أكل الوقف ومنعه مما وضعه له الواقف، فهو آكل الحرام والسحت (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١)، ويجب على المجتمع والدولة منعه وردعه. ويحرم بيع الوقف، أو هبته، أو التصرف فيه بما يخرجه عن كونه وقفا. وبيع أراضي الوقف بمسمى إجارة حيلة قبيحة لأكل السحت والحرام، ووسيلة لتضييع الأوقاف؛ فحرمت. الأحكام القبلية: يمكن تعريف القبيلة بأنها تجمع بشري لأسر وأفخاذ وبطون، يجمعهم النسب الواحد غالبا. وقولنا «غالبا»: لوجود بعض التجمعات التي قد تنسب إلى أي أب آخر؛ لإمكان تفرق أبناء القبيلة في كثير من الأماكن، فإن كان التفرق قاطعا باتا بقي لهم صلة النسب لا حقوق القبيلة من التعاون حال النوازل والعاديات نحو دفع دية وغير ذلك. وهي قائمة جبلَّة من أصل الفطرة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣). وعلة هذا منصوصة بقوله تعالى (لِتَعَارَفُوا). إذ المعرفة للأشخاص بأعيانهم تترتب على أسمائهم وأنسابهم القبلية. لا تفاضل بالنسب ولا بالقبيلة: ولا تفاضل في الأنساب إلى الأجداد ولا إلى القبائل ولا إلى الجغرافيا المكانية ولا إلى البيوت ولا إلى الوظائف والأموال والأولاد. وكل ما أصله من أصل الفطرة والخلقة والجبلة مما لا يد فيه لأحد فالقاعدة فيه: قطع باب التفضيل عند الله وعند خلقه، وما كان من باب الكسب ففيه تفاضل، والإيمان والعمل الصالح في الأرض باب التفضيل وأصله عند الله. مشايخ القبايل وأهم واجباتهم: وشيخ القبيلة أو العشيرة أو الأسرة هو من رضيه الناس ورَقَمُوا له ذلك؛ لجريان العادة على ذلك والعادة محكمة وأصلها (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، ولكل قبيلة عرف في

стр. 460

ذلك، فما تراضى عليه الناس في هذا الأمر اُعْتُبِر. وفَرْضٌ عليه أن يقوم بين الناس بالعدل لقوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: ٥٨)، وأن ينصر المظلوم وينتصر للضعيف لقوله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» (١)، وحديث «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب» (٢). البت في القضايا وعدم تعليقها: ويجب عليه إذا حكم أن يفصل في القضايا بين الخصوم، ولا يعلق ذلك، أو يتساهل، أو يؤجل إلا ما يمكن تأجيله من القضايا الخفيفة برضى الخصوم؛ فإن المفاسد تكثر والخصام يتسع، وقد يصل إلى أعظم المفاسد من قتل وفتنة، ووزره الأكبر على الشيخ المحكم لفظا أو عرفا؛ لتعليقه القضايا بين الخصوم؛ وعدم الحزم والحسم مع الإمكان؛ ولأن درء الفتنة بين الناس واجب فوري. فعلى المحكم درء الفتنة فورا بلا مماطلة لقوله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠)، والتعقيب بالفاء يقتضي الفور. ولكل قضية فور بحسبها، والفرض الواجب في الجميع حرمة التساهل والمماطلة عمدا مع عدم المانع من البت فيها. ردع المفسدين: ويجب على الشيخ أن يردع المفسدين ممن تحت مشيخته، وأن يمنع وجوبا قطع الطريق والسرقات والقتل والاقتتال، ويحرم إيواء القتلة والمحاماة عنهم، أو الدفاع عن الظلمة
следующие страницы →