وقد زوج بناته ﷺ من أهله، وغير أهله كعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب.
وزوج عليُّ بن أبي طالب ابنته لعمر بن الخطاب.
والطعن في الأنساب محرم «اثنتان من أمتي هما بعض كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (١).
وتصنيف النساء إلى شريفة وهي من نسبها فاطمي، وغير شريفة وهي من نسبها إلى آدم ﵇، تقسيم قبيح وتسمية جاهلة.
ولا يجوز لأحد منع ابنته الزواج إلا من نسب معين، ولو تقدم لها كفء من غيره رفضه.
وإذا تقدم لها كفء من غير النسب الذي يريد الولي فامتنع عن التزويج مع رضى ابنته فهو عاضل مرتكب لمحرم (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: ٢٣٢)،
стр. 457
(وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) (النساء: ١٩) (١).
و«يفسق بأدنى عضل»؛ لإصراره على محرم، ولا ولاية له، ويحق للبنت أن يزوجها وليها غير أبيها، فإن لم تجد زوجها القاضي.
ومن اشترط من الفقهاء شروطا للكفاءة فعلى وجه الأولوية لا الفرض والوجوب الشرعي، وقد نظمت ما استحسنه الفقهاء من الكفاءة مع ذكر بعض مشايخي، فقلت:
الدِّينُ والحريةُ احترافُ ... والنسب اعتبره الأسلافُ
ومالك شرط خصلتين ... بُرْؤٌ ومعْه الشافعي في الدِّين
واشترط اليسار عند الحنبلي ... وشيخنا زيدان في المفصل
والمالكي الأحناف أما الزيدي ... فشَرَطَ الدِّين بغير زيدِ (٢)
الناصرُ زيدُ بن عليْ والهاديْ ... وكمْ لهم من جاهلٍ معاديْ
كالمتوكل وكالمنصورِ ... والمسوري أحمد المبتور
стр. 458
نقضه الأمير والشوكاني ... والمقبلي وشيخنا العمراني
وشرف العلم علا فوق النسب ... للجعفري وسما فوق الرتب
- الحلف بالطلاق
والحلف بالطلاق لا يجوز، كأن يقول: الطلاق عليَّ إن كان كذا وكذا. أو يقول: عليّ الحرام والطلاق إن كان كذا وكذا.
ولا يجوز اليمين إلا بالله «من حلف بغير اسم الله فقد أشرك» (١).
وقد أفتى أكثر فقهاء العصر على أن الحلف بالطلاق ينظر فيه إلى نية الحالف، فإن نوى اليمين كفر كفارة يمين وهي (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) (المائدة: ٨٩)، وإن نوى الطلاق وقع عليه طلقة، إذا وقع ما ذكره في يمينه.
- أكل الأوقاف
الوقف هو إخراج شيء ذي منفعة من الملك الشخصي، وجعل منافعه لوجه الله، وفي الحديث أنه «لا يباع ولا يوهب ولا يورث» (٢).
стр. 459
ومن أكل الوقف ومنعه مما وضعه له الواقف، فهو آكل الحرام والسحت (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٨١)، ويجب على المجتمع والدولة منعه وردعه. ويحرم بيع الوقف، أو هبته، أو التصرف فيه بما يخرجه عن كونه وقفا.
وبيع أراضي الوقف بمسمى إجارة حيلة قبيحة لأكل السحت والحرام، ووسيلة لتضييع الأوقاف؛ فحرمت.
الأحكام القبلية:
يمكن تعريف القبيلة بأنها تجمع بشري لأسر وأفخاذ وبطون، يجمعهم النسب الواحد غالبا.
وقولنا «غالبا»: لوجود بعض التجمعات التي قد تنسب إلى أي أب آخر؛ لإمكان تفرق أبناء القبيلة في كثير من الأماكن، فإن كان التفرق قاطعا باتا بقي لهم صلة النسب لا حقوق القبيلة من التعاون حال النوازل والعاديات نحو دفع دية وغير ذلك.
وهي قائمة جبلَّة من أصل الفطرة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: ١٣).
وعلة هذا منصوصة بقوله تعالى (لِتَعَارَفُوا).
إذ المعرفة للأشخاص بأعيانهم تترتب على أسمائهم وأنسابهم القبلية.
لا تفاضل بالنسب ولا بالقبيلة:
ولا تفاضل في الأنساب إلى الأجداد ولا إلى القبائل ولا إلى الجغرافيا المكانية ولا إلى البيوت ولا إلى الوظائف والأموال والأولاد.
وكل ما أصله من أصل الفطرة والخلقة والجبلة مما لا يد فيه لأحد فالقاعدة فيه: قطع باب التفضيل عند الله وعند خلقه، وما كان من باب الكسب ففيه تفاضل، والإيمان والعمل الصالح في الأرض باب التفضيل وأصله عند الله.
مشايخ القبايل وأهم واجباتهم:
وشيخ القبيلة أو العشيرة أو الأسرة هو من رضيه الناس ورَقَمُوا له ذلك؛ لجريان العادة على ذلك والعادة محكمة وأصلها (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩)، ولكل قبيلة عرف في
стр. 460
ذلك، فما تراضى عليه الناس في هذا الأمر اُعْتُبِر.
وفَرْضٌ عليه أن يقوم بين الناس بالعدل لقوله تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: ٥٨)، وأن ينصر المظلوم وينتصر للضعيف لقوله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» (١)، وحديث «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب» (٢).
البت في القضايا وعدم تعليقها:
ويجب عليه إذا حكم أن يفصل في القضايا بين الخصوم، ولا يعلق ذلك، أو يتساهل، أو يؤجل إلا ما يمكن تأجيله من القضايا الخفيفة برضى الخصوم؛ فإن المفاسد تكثر والخصام يتسع، وقد يصل إلى أعظم المفاسد من قتل وفتنة، ووزره الأكبر على الشيخ المحكم لفظا أو عرفا؛ لتعليقه القضايا بين الخصوم؛ وعدم الحزم والحسم مع الإمكان؛ ولأن درء الفتنة بين الناس واجب فوري.
فعلى المحكم درء الفتنة فورا بلا مماطلة لقوله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: ٩)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ١٠)، والتعقيب بالفاء يقتضي الفور.
ولكل قضية فور بحسبها، والفرض الواجب في الجميع حرمة التساهل والمماطلة عمدا مع عدم المانع من البت فيها.
ردع المفسدين:
ويجب على الشيخ أن يردع المفسدين ممن تحت مشيخته، وأن يمنع وجوبا قطع الطريق والسرقات والقتل والاقتتال، ويحرم إيواء القتلة والمحاماة عنهم، أو الدفاع عن الظلمة
стр. 461
والخونة لمعرفة أو قرابة أو مصلحة دنيوية أو حزبية.
فإن فعل فعليه لعنة الله ورسوله بالنص «لعن الله من آوى محدثا» (١).
وقاطع الطريق يقام عليه حد الحرابة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
القيام بالقسط وحرمة المجاملات:
ويجب القيام بالقسط والشهادة لله ولو على النفس أو أقرب الأقربين كالوالدين.
فلا يجوز للشيخ مجاملة الغني لغناه، أو مجاملة الفقير رحمة به، أو القريب عصبته له، فإن فعل فهو ظالم ينتقم الله منه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: ١٣٥).
حفظ وثائق الناس:
وفرض على المشايخ والمحكَّمين حفظ ما بأيديهم من وثائق الناس وأحكامهم، ويحرم إخفاؤها، أو نقضها بزور، أو منعها من صاحبها؛ لأن الله يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: ٥٨).
ردع المبطلين:
وإن علم أن هذا المال لفلان، أو أن فلاناً على غير الحق ويستطيع ردعه، وجب عليه؛ لعموم «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» (٢).
стр. 462
المرافقون والمشاورون:
وليكن مرافقوه ومشاوروه من أهل الخير والحكمة والصلاح والقوة والعدل؛ ليكونوا أعوانا له على إقامة الحق لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، وقد قال ﷺ : «لو أن رجلا صالحا يحرسني الليلة» (١)، فإذا قصد الرسول ﷺ الصلاحَ في الحارس فمثله أولى منه في المستشار.
الضغط على الناس في الانتخابات:
ولا يجوز في الانتخابات حمل الناس على انتخاب الفاسد، أو الظالم، أو تضليلهم، أو إكراههم، أو تهديدهم براتب، أو أخذ مال من تحت أيديهم كأرض، أو برواتب الحالات الاجتماعية المقررة من الدولة، أو الكذب عليهم بوعود يعلم أنها من البهتان والتغرير، ومن فعل ذلك فقد تحمل أوزارا ومظالم كثيرة، وعاون على الإثم والعدوان، والله سبحانه يقول (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) (النحل: ٢٥)، ويقول (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (المائدة: ٢)، وقال ﷺ : «الدين النصيحة» (٢).
وفعل هذه الأمور ليس من النصيحة، وقال ﷺ «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٣).
وقد أصبحت هذه الأعمال المنكرة سنة يستعملها النافذون والظالمون في الانتخابات لكسب الأصوات، فما ترتب عليها من المظالم كان لهم من وزرها.
الأمر بالصلوات والزكاة وإقامة المساجد:
ويجب على المشايخ والوجهاء الأمر بالصلاة وإقامة المساجد ومدارس التحفيظ وإيتاء
стр. 463
الزكوات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح في الأرض، لقوله تعالى (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج: ٤١).
محاربة السحرة والمشعوذين:
ويجب محاربة السحرة والمشعوذين والمقذين (١) والمنومين (٢)، وردعهم، والتبليغ عنهم؛ لمحاكمتهم؛ لأن أفعالهم من المنكرات (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: ١٠٢)، وقال ﷺ : «حد الساحر ضربة بالسيف» (٣)، وقوله ﷺ : «من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (٤).
وشراء السحر مبطل ومحبط للعمل وموجب للنار (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢).
العادات القبلية:
والعادات القبلية الحسنة يحافظ عليها شرعا كنجدة وكرم وشجاعة وتعاون وبرٍ بوالدين وأقارب وصلة رحم ووفاء وصدق وعدم الضرر بالناس وترك الكذب؛ لأن إقامة المكارم ورعايتها من مقاصد الشرع «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٥).
وكل عادة سيئة من تفاخر على البعض بالأنساب والأحساب والأملاك والأراضي
стр. 464
والعمارات والمعرفة والجاه والعلاقات والصداقات وغيرها، تجتنب شرعا (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨).
ومن المحرمات الدس والنميمة بنقل الأخبار من فلان لفلان بما يثير الأحقاد وهذه من الكبائر «لا يدخل الجنة نمام» (١).
والغيبة والفتنة بين الناس وسب العار والعرض والأمهات والوالدين واللعن وسائر الشتائم، وهذا كله من المحرمات المعلومة في الدين.
- قطع الطريق والقطاعات القبلية:
والتقطع والقطاعات بين القبائل من المحرمات؛ لما فيه من الفساد في الأرض والظلم وقطع مصالح الناس وأخذ البريء أو ماله، وما يقع فيها من إخافة المسلمين في السبيل العام، وغصب أموالهم وإهانتهم، أمور من كبار الجرائم عند الله، ويشمله في الأصل حد الحرابة.
وأما قطع الطريق لنهب وسلب وإخافة للناس فهو من الحرابة في الأرض وحَدُّه ما ذكر الله في كتابه (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣).
حكم الزوامل
والزوامل (٢) والأشعار القبلية إن هيجت على الخير وحثت عليه جازت وندبت، فإن منعت قتالا، أو فسادا، أو فتنة فهي -حينئذ- من وسائل الخير المؤكدة، وإن حملت الناس على الشر والفتنة والسباب والعصبية فهي من نفخ ونفث الشيطان، والمتبع له حينئذ من الغاوين بالنص (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) (الشعراء: ٢٢٤).
стр. 465
الضيافة والأعراس
وإجابة الدعوة لضيافة أو عرس مأمور بها بالنص «وإذا دعاك فأجبه» (١)، ولا يتخلف عنها إلا إن كان معه دعوة سابقة أو عذر لا تكاسلا.
فإن كان في العرس منكرات معلومة، وجب على من حضر إزالتها باليد إن كان لا يحدث فتنة، وإلا أبلغ القائم على العرس، أو نصح بحكمة.
فإن كانت منكرات قطعية كشرب الخمر، أو رقص النساء مع رجال وجب تغييرها والإنكار وإلا حرم الحضور.
والإسراف في الأعراس لا يجوز، سواء في مأكل أو مشرب أو غيرهما (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١).
بل على التوسط بلا خيلاء ولا كِبْر ولا بطر (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨).
ولا يسرف في المظاهر والشكليات والنفقات؛ لأنها تكسر قلوب الفقراء والمحتاجين وتؤدي إلى التحاسد، والكبر، والعجب، وما أدى إلى المحرم محرم.
وضرب العيارات النارية الحية: إن غلب أداؤه إلى مفاسد، أو أسرف فيه ولو لم يحصل منه ضرر حرم في الحالتين؛ لأن الإسراف والتبذير محرم، قال تعالى (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، وقال (وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١).
وأما الضرب بالسلاح الثقيل في الأعراس فهو محرم؛ لأنه خروج عن التوسط الذي قام عليه الدين إلى البطر والإسراف، والمخيلة على الخلق (٢).
وضرب الدف، والبَرَع (٣)، والزوامل، والإنشاد في الأعراس كله من الأمور التي تدخل في المباح والمستحب؛ لأنه من إعلان النكاح، ولعدم المحضور الشرعي فيه، بل ورد فيه «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف» (٤).
стр. 466
ويحرم إعلان فض البكارة؛ لأنه كشف للعرض بما لا يجوز علمه إلا للزوجين، وفاعله كالشيطان في الشرع «إنما مثل ذلك كمثل شيطان لقي شيطانة فغشيها في الطريق والناس ينظرون» (١)، وهذا دليل التحريم؛ لأنه من فعل الشيطان.
وأما الغناء الفاحش والمزمار والموسيقى، فجميع المذاهب على تحريمه، والمخالف كابن حزم ومن قلده أو رجح قوله إنما أجاز الغناء والموسيقى إذا لم يفحش ويدعو إلى الخلاعة والمنكر، ويد الله مع الجماعة.
والخروج عن الخلاف مستحب، ومثل هذه المسألة قد تكون في أقل أحكامها من الشبهات،
стр. 467
ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام بالنص (١).
ومن العادات السيئة البقاء أياما عند العروس ضيافة، وأكثر الناس ليسوا من المقتدرين على ذلك، وقد قال ﷺ «ولا يقعد عنده حتى يحرجه» (٢)، وهذا إحراج فدخل في النهي.
فإن كان مستطيعا جاز ثلاثة أيام ضيافة، وفوق الثلاثة أيام منهي عنه ومذموم شرعا وخلقا وعادة؛ لأنه حرج ومشقة على الخلق، لجريان العادات على أن الأكثر في العرس ثلاث، والغالب يوم وليلة.
حكم الهجر:
والهَجَرُ والعقر هو: الحكم على شخص في قضية بإرضاء خصمه برأس أو أكثر من الغنم أو البقر أو الجمال.
وحكم الهَجَرِ في الشريعة أنه محرم؛ لأنه لا يذبح إرضاء له ودفعا لغضبه إلا الله، ويمكن أن نعرف الهجر بأنه ذبح لمخلوق لا يرضى إلا به.
وما كان كذلك فلا يكون إلا لله، ولذلك خص سبحانه نفسه بها فقال (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ) (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣). وقال (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر: ٢). أي لا لغيره.
ولا تساق الأنعام إرضاء لأحد إلا لله كسوقها له في الهدي البالغ الكعبة.
فإن اضطر الناس في الحالات الشديدة لإطفاء فتنة القتل ونحوه، فقد أفتى جماعة من علماء اليمن بأنه يُسلَّم الهَجَر حيا إلى من أرادوه له، وهو يتصرف فيه إن شاء بالذبح أو غيره.
стр. 468
أما أن يذبحوه هم على باب بيته، أو في أي مكان يأمر به أو جرت العادة، فهذا لا يجوز، ولحمه رجس يحرم أكله؛ لأنه ذبح إرضاء لمخلوق لا يرضى إلا به، فهو كالذبح للجن، ولو ذكر عليه اسم الله، ويحرم أكله كحرمة ما ذبح للشياطين والجن.
وهو ليس كالذبح لإكرام الضيف؛ لاكتفاء الضيف بما تيسر، بخلاف الهجر فلا يرضى إلا بذبح رأس من الأنعام بصفة معينة لإطفاء غضبه وجلب رضاه، فهو ذبح لمخلوق لا يرضى إلا به (١).
وعندي -بعد هذا كله- أن الهجر من المشتبهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام.
стр. 469
فقه البيئة والصحة العامة
* «الطهور شطر الإيمان».
* «طهروا أفنيتكم».
* «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»
* «إن الله جميل يحب الجمال»
* الحفاظ على الإنسان متلازم مع الحفاظ على البيئة
* غير ممكن فساد الأرض والغلاف الجوي والبيئة عموما بريها وبحريها وجويها إلا إذا أفسدناها نحن بتصرفاتنا الخاطئة (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١)
* ما ضر بالبيئة والحياة لا بد أن يُبعد حيث لا يضر؛ لأنه من دفع المفاسد والضرر
* عشوائية الصيد المؤثر في إتلاف نوع من الحياة البرية أو البحرية منهي عنه
* الحدائق والمتنزهات والجماليات من المحاسن المرعية في مقاصد الشرع التحسينية
* التعاون الدولي والاجتماعي الرسمي وغير الرسمي بين الشعوب على حماية البيئة مطلوب وتتحمل البشرية المسئولية عن ذلك؛ لأنه من الإصلاح في الأرض
стр. 470
فقه البيئة والصحة العامة
البيئة: هي ما تعيش فيه الأحياء بحرا وبرا وجوا من الإنسان وغيره، أو هي الأرض برا وبحرا وجوا (١).
وقد وضع الله الأرض للناس ومنافعهم (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ) (الرحمن: ١٠)، فدل على إمكان الانتفاع بها برا، وبحرا، وجوا، فكل انتفاع للإنسان بري، أو بحري، أو جوي، داخل في المقصد الإلهي من وضع الأرض، فيحرم إفسادها (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) (الأعراف: ٥٦).
وقال (بَعْدَ إِصْلاَحِهَا)؛ لأنها موضوعة على وجه صالح للحياة، وكانت غير ذلك فأصلحها الله.
ومن أفسد لحقته العقوبات الإلهية، فإن عم الفساد عم العقاب (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
فكل فساد في الأرض محرم لا يحبه الله (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
- حفظ البيئة:
وحفظ البيئة المتعلقة بالعيش من الأنجاس والأقذار والأضرار واجب في الجملة؛ لأنه يدفع كثيرا من المفاسد التي تهلك الأنفس والأموال.
والطهارة عموما واجبة من الأنجاس والأقذار.
أما الأولى فلقوله ﷺ في الذي يعذب في قبره «كان لا يستنزه من البول» (٢).
وأما الأخرى فلقوله ﷺ : «طهروا أفنيتكم» (٣)، والأمر على الوجوب.
стр. 471
وقلنا «عموما» في وجوب الطهارة أي أن الطهارة عامة للصلاة، ولغير الصلاة في عموم الحياة، بل هي مقصود شرعي عام (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ) (المائدة: ٦)، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة: ٢٢٢).
واختصت الصلاة بشرطيتها لها «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» (١)، أي طهارة بما فيها الوضوء وطهارة البدن والمكان.
- المياه:
ويحرم الإسراف في استعمال المياه لقوله تعالى (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١)، فإذا منع الإسراف في المشرب ففي غيره من الاستعمالات بدنا ومكانا وملبسا أشد منها بالأولى.
ولا يجوز تلويثها لقوله ﷺ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة» (٢).
ولا يشرب من فم القربة للنص (٣)، ولا يغمس يده في ماء بعد نوم حتى يغسلها للنص (٤)، ولا يتنفس في الإناء (٥).
- الصرف الصحي:
ويجب تصريف المجاري بعيدا عن ضرر المجتمع لحديث «كان ﷺ إذا ذهب المذهب أبعد حتى لا يوجد له ريح ولا يسمع له صوت» (٦).
стр. 472
ولأنه الآن ضرر عام أشد من مجرد ريح أو صوت، ويترتب على عدم تصريفه بعيدا عن الخلق مفاسدُ تلحق بالأبدان: إنسانا، وحيوانا.
بل تضر عموم الحياة حيوانية ونباتية وجمادية. وهذا ضرر فاحش فيدفع.
والضرر المتعلق بالجمادات كإفساد التربة والصخور عن منافعها.
ومن الشريعة تعليم آداب ذلك «علمكم نبيكم حتى الخراءة» (١).
ومن المصالح العامة وضع المخلفات بعيدة عن الإضرار والإيذاء للناس.
وتجعل لها مقالب خارج المدن، ويتخلص منها بما يذهب ضررها من: طمر، أو حرق، أو تحليل، أو تدوير لما يمكن بلا ضرر.
- الحفاظ على المتنفسات والحدائق والأماكن العامة:
ولا يجوز قضاء الحاجة تحت الشجر، ولا الثمر، ولا الزروع، ولا في الطرق، ولا في الظل، ولا في متحدث الناس (٢)، ولا في ثقب (٣)؛ للنصوص الكثيرة في ذلك، وهي تدل على أن
стр. 473
الحفاظ على البيئة مطلوب شرعا.
ويدخل في هذا دخولا أوليا: الحدائق، والمتنزهات، والأرصفة، والمتنفسات الطبيعية؛ لأنها مجامع الناس؛ فيحرم تلويثها بما يؤذي من قذر، أو نجس، أو مخلفات؛ للأحاديث المتقدمة، ولعموم قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: ٥٨).
وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ومن موجبات الجنة للنصوص في ذلك (١).
- التشجير وحكم استيراد المواد الضارة:
والتشجير مندوب والمثمر آكد، لحديث «من غرس غرسا أو زرع زرعا فأكل منه إنسان أو بهيمة أو طير كان له أجر» (٢)، ومكافحة التصحر مشروع لحديث «من أحيا ميتة فهي له» (٣).
وإفساد الشجر والزرع بقلع، أو بكسر، أو حرق بلا معنى صحيح خارج على العادة، وهو كل إتلاف على خلاف ما جرت به العادات وطبائع الناس، عبثٌ (٤).
فإن عم أو كثر ظهوره فهو فساد (وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
ويحرم استيراد وبيع المواد الضارة بالزروع والثمار والبيئة التي يفحش ضررها.
- الحرث والنسل:
ويحرم إهلاك الحرث والنسل للنص (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة: ٢٠٥).
وهو شامل لنسل كل دابة؛ ولكل حرث صالح للزراعة، لعموم اللفظ المستفاد من (ال) الجنسية الداخلة على الحرث والنسل، والحرث يطلق على ما يشمل التربة، وأدوات الحراثة ووسائلها، وإهلاكه إفساده بما لا مصلحة فيه.
بخلاف ما فيه مصلحة اقتضت ذلك، وترجحت على المفسدة كالبناء فيه عند اتساع رقعة العمران في المدن والقرى وضيق الأرض، ولا يوجد بديل متيسر؛ فيجوز حينئذ.
стр. 474
وإهلاك النسل: إتلافه بأي الوسائل، كان نسل إنسان، أو حيوان بري، أو بحري، إلا نسل ضار من أفعى مؤذية (١)، وطفيليات ضارة، أو ميكروبات، أو فيروسات ممرضة حالا؛ فإن قتلها بعلاج ونحوه من دفع الضرر.
ولأن الشرع أمر بالمداواة من المرض، وهو يقتضي دفع مسبباته من أحياء طفيلية أو ميكروبية.
- الصيد وتنظيمه ومنع صيد الأمهات:
ويجوز الصيد البري والبحري إلا ما كان إفسادا وإتلافا لوجود نوع؛ لأنه في معنى إهلاك النسل؛ لأن المقصود الشرعي حفظ تواجده وتناسله.
فالصيد بتوسط لا بإفراط، ولأن الإسراف محرم على العموم في الشرع (وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١).
ولا مانع من تقننين صيد الأمهات إن اقتضى الأمر حفاظا على النسل؛ لأن صيدها بإفراط إهلاك للنسل بعموم النص، وهو محرم.
ويجوز بناء محميات طبيعية؛ لأن الأصل الإباحة.
وقد حمى عمر لإبل الصدقة مواقع خاصة من بيت المال العام؛ حفظا للمال العام الإنتاجي من إبل الصدقة.
وحمى لعامة المحتاجين محميةً للرعي كما في البخاري (٢).
- الحيوان وحقوقه، وصحته، والمنع من إيذائه والعبث به:
وإيذاء عموم الخلق، من إنسان أو حيوان أو نبات أمر محرم، ففي النص «دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (٣).
стр. 475
وواجب إطعام حيوان من الطوافين -كهرة، أو كلب- معرض للتلف عطشا أو جوعا، مع القدرة على إطعامه، وعدم توفر ما يأكل؛ لحديث الهرة.
وإن لم يفرض فهو إحسان مأمور به (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: ٩٠)، ولأن «امرأة سقت كلبا فغفر الله لها» (١).
ولا يقتل شيء من الحيوان عبثا؛ للنهي (٢).
ويقتل المؤذي منه بلا تجاوز لأن رجلا أحرق قرية نمل فنهي (٣)، لأنه قتل قرية لأجل نملة قرصته، ومفهومه يدل على جواز قتل عين المؤذي لا جنسه ولو لم يؤذِ.
ويحرم دفع حيوانات لقتال بعضها (٤).
ووسم حيوان في وجهه محرم «إن رسول الله ﷺ رأى حمارا قد وسم في وجهه فلعن من
стр. 476
وسم في الوجه» (١)، وفي مأكول اللحم يمنع من الإساءة في ذبحها (٢).
- الطيور وتعهد صحتها وصحة الحيوان:
وعصفور الزينة يجب إطعامه على من حبسه في قفص؛ لحديث الهرة.
ويشرع تعاهد صحة الحيوان مما تحت اليد أو ما أمكن دفع الضرر عنه؛ لأن رسول الله ﷺ كان يسأل عن عصفور مريض «يا أبا عمير ما فعل النغير» (٣).
وقولنا «مما تحت اليد»: دليله هذا الحديث، وحديث الهرة.
وقولنا «ما أمكن دفع الضرر عنه»: دليله حديث سقيا الكلب «وفي كل كبد رطب أجر».
ونهى عن إيذاء طير بإتلافه أو إفساد عشه أو ترويعه بأخذ صغاره للحديث «من روع هذه بولدها؟ ردوا لها ولدها» (٤).
ولأن العدوان محرم، وإتلافه، أو إفساد عشه عدوان لعموم (وَلاَ تَعْتَدُوا) (البقرة: ١٩٠).
- دفع ضرر المؤذي:
فإن كان من المؤذية الضارة التي تعتدي على المجتمع، فيجوز دفع ضررها، ولو بقتلها للرخصة في نحو ذلك كالفواسق الخمس لغلبة تعدي مباشرتها الضرر على الناس.
- الأمراض المعدية والوبائية والحجر الصحي:
والحجْر الصحي واجب شرعا في الأمراض الوبائية للنص «إذا سمعتم بالطاعون في أرض
стр. 477
فلا تقدموا إليها ولا تخرجوا منها» (١)، «ولا يرد ممرض على مصح» (٢).
وممرض بصيغة مُفْعِل تدل على تعديته للمرض إلى الغير بمجرد وروده على الصحيح.
وأما الأمراض المعدية غير الوبائية: فلا يحجر؛ لكثرة الابتلاء بها في المجتمع والأسرة، فيؤدي إن قيل بالحجر إلى حرج ومشقة على الناس، والحرج مدفوع (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥).
ولندرة الإصابة في هذا النوع بمجرد المخالطة نحو مرض الزكام، وبعض أمراض الجهاز التنفسي ونحوه.
وأما النوع الثالث من الأمراض فهي غير المعدية وهي كثيرة.
فهذا النوع والذي قبله هما مقصودان في قوله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة» (٣)، أي: لا عدوى تنتقل بمجرد المخالطة إلا في الطاعون.
بل حتى في وباء الطاعون ليست المخالطة هي المعدية؛ ولكن لأن المرض كثرت مسبباته في الهواء والماء في مكان معين، فمن أصيب بجرعة قوية منه مع ضعف بدن هلك غالبا؛ لا أنه يهلك بمجرد مخالطة المريض.
بدليل أن أفراد الأسرة الواحدة في أرض الطاعون، منهم من يصاب ويهلك، ومنهم من لا يصاب وهو مخالط، فدل على أنه لا عدوى بالمخالطة وإنما لأمور أخرى، فالحديث عام.
ولهذا رغب الشرع في زيارة المرضى، وجعلها من أعظم القرب عند الله (٤)؛ والمستثنى هو أن يأتي شخص من خارج أرض الطاعون لزيارة مريض بداخل أرض الطاعون، فهذا يمنع للنص.
стр. 478
وأما حديث «فر من المجذوم فرارك من الأسد» (١)، فهو عند غلبة انتقال المرض، وكذا في كل مرض مهلك، أو شديد الضرر يغلب انتقاله كالإيدز ونحوه من الأمراض المعدية ولكل سببه.
فتحصل أن الأمراض على أربعة أقسام:
الأول: الأمراض المعدية الطاعونية الجماعية المهلكة، فهذا الحجر الصحي فيها واجب.
الثاني: الأمراض شديدة الخطورة مع إمكان الإصابة به بكثرة كالإيدز الآن، ومرض الجذام في شدته، فهذا يبتعد عن مسبباته وجوبا.
الثالث: الأمراض غير المعدية، سواء كانت خطيرة أو غير ذلك، مثل الأورام السرطانية، والحساسية، وكمرضى حوادث السير ونحوها، فهذه لا يحجر بها على المريض والزيارة فيها مشروعة.
الرابع: الأمراض العامة التي يغلب وقوعها، وهي متوسطة وخفيفة، كالتهاب المسالك، أو الجهاز الهضمي، أو التنفسي، لأسباب قد تتعدى، فهذه لكثرة الابتلاء بها، ولوجود مناعة ذاتية منها غالبا رحمة من الله لعباده، فلا يشرع فيها الحجر، ولا تمنع الزيارة، ولا المخالطة، وإلا لأدى إلى تقاطع العالم عن بعض لكثرة الابتلاء بهذا النوع.
- التلوث الهوائي، والوقود الصديق للبيئة:
ويجب الحفاظ على البيئة من التلوث الهوائي ويحرم إفساده بما يلوثه من ضار أو مؤذ.
وقد نهى الشرع عن حضور مجامع الناس لمن أكل ثوما؛ لإيذائه تنفس الخلق (٢).
وقد أخرج عمر شخصا إلى البقيع وكان أكل ثوما، وكان ﷺ إذا قضى حاجته أبعد حتى لا يشم له ريح (٣).
فإذا منع من هذا الإيذاء الهوائي المحدود، فأولى أن يمنع التلويث الشديد للهواء بعوادم المصانع والآلات والناقلات والوقود.
стр. 479
وإذا نهى عن حضور أكل الثوم المجامع وأخرجه عمر، فأولى أن تمنع المصانع ونحوها أن تكون داخل المجمعات السكنية بل تخرج إلى مكان لا يضر بالتهوية؛ لعموم قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
والضرر في الشرع مدفوع، وهذا ضرر فيدفع، وكذا يحرم إفساد التربة أو إفساد البحر؛ لعموم (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
ويطلب شرعا كل ما فيه مصلحة لصلاح الأرض والبيئة كعمل أبحاث لإنتاج وقود صديق للبيئة غير ضار بالحياة؛ لأنه وسيلة للمصلحة المعتبرة شرعا، فطلبت.
стр. 480
فقه المرور وأحكام السير
* (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان: ٦٣)
* (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا) (لقمان: ١٨)
* (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: ١٩)
* (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) (الزخرف: ١٣ - ١٤)
* «أعطوا الطريق حقه» قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال «غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي، عن المنكر». البخاري
* المشي في الطريق حق مكفول بشرط السلامة
* اتباع تعليمات السلامة المرورية من جلب المصالح ودفع المفاسد، وهو مشمول بـ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩)
стр. 481
فقه المرور وأحكام السير
- التوسط في السير:
قال تعالى (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان: ٦٣).
هذه الآية أصل دال على أن المشي في الأرض يكون هونا، وهو التوسط في السير من غير إسراع ولا تعجل، ومن ذلك قيادة السيارة ونحوها.
وتدل على أن السرعة الزائدة في المشي أو القيادة ليست من صفات عباد الرحمن، ولا من الأمور المشروعة ولا مما يحبها الله.
بل المشروع أن يقود أو يمشي مقتصدا (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: ١٩). وهو: السير الوسط بلا سرعة زائدة مؤذية، وبلا بطء يعرقل حركة السير، فكلاهما ضرر مدفوع.
- القيادة ببطر وتفحيط:
ويحرم المشي والقيادة ببطر، أو مرح، أو تصعير؛ لأنه من الخيلاء والكبر المحرم (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨).
وما يعرف اليوم في التعبير الدارج بـ «التفحيط» إنما هو عبث ومرح وخيلاء، فهو داخل في التحريم.
- قوانين المرور وإشاراته ملزمة:
وقوانين المرور وإشاراته تلزم الناس بأمر ولي الأمر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) (النساء: ٥٩).
هي طاعة تعلقت بمصالح عامة ودفع مفاسد خاصة وعامة، إلا في حالة الضرورة والحاجة كإسعاف مع غلبة السلامة عند التجاوز.
- حوادث المرور:
وحوادث المرور مضمونة بحسب الشرع، وما انبثق منه من قوانين تنص على ذلك؛ لأن السير في الطريق مضمون بسلامة العاقبة، ولأن النفس البشرية والأموال مضمونة على من صح عليه وصف الجاني.
стр. 482
وعند الالتباس ينظر في الصلح.
والأصل في حوادث المرور الخطأ؛ لأنها آلة لا للقتل إلا إن اعترف أنه تعمد قتل شخص معين بدهسه، وهو عمد عدوان أو فساد في الأرض (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة: ٣٢).
فإن لم يعترف وشهد الشهود عليه بالعدوان القاصد للقتل، كمن كانوا بجانبه على السيارة أو سمعوه مهددا بذلك وارتكبه أمامهم وقت تهديده بأن تتبَّعه بالسيارة وقتله، فيضمن عمدا في الأصل، وتقضي محاكم مختصة بذلك إن استدعى الأمر، خاصة عند حصول إزهاق النفس، ومن عفا وأصلح فأجره على الله.
وقلنا محاكم خاصة؛ لأن حركة المرور وما يترتب عليها أمور مستجدة متكاثرة تحصل فيها خلافات ونزاعات كثيرة، تقتضي تفرغ قضاة ومحكمة مختصة لهذه القضايا، كمحاكم الأموال والمحاكم التجارية.
ومن صح عليه وصف الجاني؛ فعليه كفارة عن كل نفس صيام شهرين متتابعين، فإن عجز لكثرة الأنفس كحافلة أو مقطورة وصح تحميله الجناية أجزأه واحدة عن الجميع؛ لأن المشقة تجلب التيسير.
ومن صح عليه وصف المجني عليه؛ فلا صيام، كسيارة في خطها المشروع للسير اُعْترضَ عليها بمركبة عاكسة لخط سيرها في نفس خط الأولى غير المخالفة مع عدم إمكان التفادي، والأصل عدمه حتى يثبت خلافه (١).
стр. 483
- غرامات المخالفات:
وغرامات المخالفات تدفع لخزينة الدولة، ويحرم أن يقبضها جندي، أو ضابط المرور: له،
стр. 484
أو رشوة، أو يأخذها من مواطن بلا سند رسمي موثق معتمد؛ لأدائه إلى الفساد والابتزاز للخلق (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨).
ويحرم التعنت لأحد، أو الطلوع معه في سيارته تعنتا وتهديدا ابتغاء أكل ماله ونهبه، ومن فعل ذلك أكل السحت واستحق العقوبة من الله؛ لظلمه، ووجب إحالته إلى التحقيق ومحاسبته.
- رخصة السائق:
ورخصة السائق مطلوبة بأمر ملزم من ولي الأمر ضمن قانون منظم لذلك، وطاعته في المباح والمصالح العامة مشروع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩).
وهذا مباح يحقق مصالح عامة ويدفع مفاسد؛ فلزم بأمر ولي الأمر.
ولا يجوز أن تعطى رخصة القيادة لغير عارف بالقيادة؛ لأنها شهادة على معرفته بذلك؛ فإن كان الواقع خلافه فهي شهادة زور، فإن كانت بشراء فهي رشوة وسحت فوق ذلك، وشهادة الزور من أكبر الكبائر «أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ... ألا وقول الزور وكررها» (١).
والرشوة ملعون آكلها «لعن الله الراشي والمرتشي والساعي بينهما» (٢).
- تجديد الرخصة:
وتجديد الرخصة:
إن كان لإعادة اختبار على المركبة وسائقها، فلا مانع.
وإن كان لجباية، فلا معنى له إلا العبث، والحيلة الجبائية.
وهما منهي عنهما في الشرع، ولعموم (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) (البقرة: ١٨٨)، وهذا إدلاء إلى الحكام بقصد أكل الأموال بلا مقابل، إلا إن كان لمصلحة عامة لدفع الأجور المتعلقة بموظفي المرور أو غيرهم، نظرا لحاجة الدولة.
стр. 485
فإن كانت الدولة مفسدة في المال العام وعم الفقر وحاجة الناس، وجب التيسير على الشعب حتى لا تجتمع عليه الأضرار؛ ولورود النص على من شق على الأمة «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه» (١).
وهذا بخلاف تجديد كرت الملكية الخاص بالمركبة؛ فعلته توثيق الملك وحركة انتقاله، فجاز دوريا (٢).
- غرامات تأخير التجديد:
وأخذ غرامات مالية على التأخر في تاريخ التجديد، يمكن القول بجوازه إن كان التأخر سيؤدي إلى ترك التجديد كلية، ويترتب على ذلك ضرر عام وخاص؛ نظرا لإهمال فحص السلامة الدوري على المركبات.
ودفع الضرر واجب في الشريعة.
ولا يبالغ في الغرامات؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار، ولأنه لا يزال الضرر بالضرر.
- سن السائق:
ويجوز إصدار قانون يحدد السن القانونية لإصدار التراخيص لسوق المركبات؛ لأنه مباح من باب العفو.
وقد نص الله تعالى في كل أمر مسكوت عنه أنه عفو (عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، بعد قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا) (المائدة: ١٠١)، وتحديده أمرا مباحا لمصلحة المجتمع العامة، ودفع الضرر عنهم؛ لا مانع منه.
ولا تعرف المصلحة هنا إلا بمعرفة الخبراء.
стр. 486
وقد قال الله في شرط دفع المال للصبي بالغا (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: ٦)، فشرط مع البلوغ الرشد لدفع المال، وهو كثير في ثمانية عشر عاما أو أغلبي.
ودفع السيارة إليه هو دفع مال كثير مع ما يترتب عليه من إمكان الإضرار بالناس.
والسفيه في قيادة السيارة يحرم إعطاؤه، ويجعل له سائق لاحتمال إضرار به وبالمركبة وهي مال، وكذا أموال الناس وأنفسهم (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
وعلى ذلك فلا مانع من تحديد سن بقانون للسماح بقيادة المركبة، ولدفع الخلاف في هذا يقوم إبراز الرخصة عند الاشتباه أو الطلب مقام معرفة تقدير العمر، أو خبرة القيادة؛ لعدم انضباط ذلك بمجرد الإخبار.
- لوحات الأرقام:
وإصدار لوحات تحمل رقم كل مركبة على حدة واجب شرعا وجوبا وسيليا؛ لأن به تحفظ حقوق الناس المتعلقة بملكية المركبة، ويتمكن من معرفة من ارتكب بها جرما كقتل، أو خطف، أو نهب، أو تهريب مخدرات، أو تقطُّع، أو من له علاقة بذلك، فلزم وضع هذه اللوحات؛ لأنها وسيلة لحفظ هذه الواجبات.
ولا يجوز وضع لاصق على اللوحة، أو ما يمكن إخفاء الأرقام أو تغييرها به، ويضبط من فعل ذلك متعمدا؛ لأن إخفاء الأرقام هو في حقيقة الأمر كإزالة اللوحة.
وفشو الأمر وانتشاره بلا ضبط، مؤد إلى تعذر ضبط الجناة والمجرمين، والحوادث ومرتكبيها؛ فحرم أي عمل لإخفاء الأرقام أو تشويهها أو تغييرها.
- شراء اللوحات ذات الأرقام المميزة:
وشراء لوحات بأرقام مميزة بأموال كثيرة لا معنى له سوى البذخ، وإنفاق المال فيما لا منفعة فيه لا شرعا، ولا عقلا.
ويدخل فاعله في المبذرين والمسرفين والسفهاء (وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا) (الإسراء: ٢٦)، (وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ
стр. 487
تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: ٣١)، (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) (النساء: ٥).
وقولنا: لا شرعا ولا عقلا؛ لأن الشرع لا يعتبر هذه منفعة معتبرة مباحة؛ بل على عكس ذلك إذ هي خادمة لمحرم شرعي خدمة كثيرة غالبة، وهو البطر والفخر (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨)، ولأن العقل لا يعتبر ذلك مصلحة عادة عند العقلاء، بخلاف أرقام التلفونات المميزة لعلة معتبرة شرعا كسهولة حفظها؛ لأهميتها كأرقام الطوارئ، والنجدة، وأرقام من له تعلق كثير بخدمة الناس لسهولة الوصول إليه.
فإن كان لمجرد الزهو والفخر فهو سفه محرم.
- كوابح السيارات وأدوات السلامة والحمولات الزائدة:
ويجب الامتناع عن قيادة السيارة، أو المركبة حال تلف كوابح البريك «الفرامل»؛ لأنه تعريض للأنفس والأموال لتلف يغلب وقوعه.
وهذا ممنوع شرعا لعموم (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥)، وللأمور التي يتعلق بها غالباً السلامة للأرواح والأموال نفس الحكم مثل: الذراعات، ومقبض القيادة، والإطارات، ونحو ذلك.
فهذه الأمور ونحوها مما يجب الامتناع عن القيادة للمركبة حال تلفها الشديد المؤدي إلى التهلكة غالبا.
ويحرم كذلك الحمولات الزائدة المؤدية غالبا وعادة إلى التلف بانقلاب ونحوه؛ لأنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو محرم (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
- الأمور المشروعة في الركوب:
ويشرع الدعاء لمن ركب (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف: ١٣).
ومن قيدها بالسفر قيَّدَ مطلقا بلا دليل.
والنقل عن فعل النبي ﷺ ذلك سفرا لا يمنع قوله في الحضر؛ لأنه ﷺ لم يكن يركب في الحضر إلا على وجه نادر، بل يمشي راجلا.
فظهر أن قوله ذلك في السفر لأجل الركوب لا لأجل السفر والركوب، وهذا ما تدل عليه
стр. 488
الآية (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف: ١٣).
وهذه العلة عامة، حضرا وسفرا، وهي (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ)، فجعل علة الدعاء الاستواء على الظهر لا السفر، وإن كانت العلة وهي الركوب في السفر أكثر قديما، فقد استوى حضرا وسفرا في زمننا.
فتبين أن الاستدلال بفعل النبي ﷺ على الدعاء سفرا لا حضرا محتمل؛ لأنه كان لا يستوي على راحلته إلا سفرا، ويندر ذلك في الحضر، كما ورد أنه ركب فرسا عريا (١)، لما أحس بخطر حاصل بليل على المدينة، وكذا لما أقبل وهو في المدينة راكبا على حمار فنزل على القوم وسلم ودعاهم إلى الله فقال ابن سلول: «لا تؤذنا في مجالسنا» (٢).
فهذه ونحوها من النوادر التي لا يفهم منها إلغاء أصل الحكم بعلته المنصوصة في الآية.
وعلل الأحكام لا تقيد بالاحتمالات، فتبقى على أصل التشريع حضرا وسفرا.
فيقولها من ركب السيارة، وسائر المراكب؛ لقيامها مقام الرواحل، بل أولى.
وله أن يقول ذلك في المصعد الكهربائي والسلالم الكهربائية، ونحو ذلك قياسا، ويحتمل عدمه، والأول أولى لوجود العلة، وهي (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ).
- السلام والإشارة به للراكب والماشي:
ويشرع الابتداء بالسلام من راكب لماشي، ويجب رده (٣).
وإذا كان خلف الزجاج تلفظ بالسلام وأشار بيده.
стр. 489
وينهى عن الإشارة فقط بلا تلفظ بالسلام كما ورد في الحديث (١).
- بوق السيارة:
واستعمال بوق السيارة للتنبيه بلا إزعاج وإيذاء مباح، فإن آذى منع؛ لأنه في معنى (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: ١٩)؛ لإمكان التحكم فيه.
- فحص المركبة:
وينبغي فحص المركبة، وآلات تمام السلامة فيها (٢): كالأنوار، والإشارات، والمرايا، والحرارة، والزيت، ونحو ذلك؛ لأن هذا من الإحسان المشمول بعموم الأمر في (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
- إزالة حواجب الرؤية ونظافة السيارة وزينتها:
وتزال الأتربة الحاجبة للرؤية، ويأثم إن ترتب على الإهمال ضرر في نفس أو مال. ويشرع تجميل السيارة وتنظيفها؛ لأن الله جميل يحب الجمال (٣)، ولأنه من المركب الحسن المنصوص عليه (٤).
ولا يسرف في أدوات الزينة، بل بتوسط واعتدال غير خارج عن العرف؛ لأن العادة محكمة.
فلا يزينها بما لا يليق من صور ونقشات ينكرها عرف الناس ولو كانت في بلاد غيرها كذلك (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) (الأعراف: ١٩٩).
стр. 490
- القيادة في الضباب وتعذر الرؤية:
ويُتَجنب القيادة عند حجب الرؤية بضباب كثيف، أو مطر غزير؛ دفعا لحصول حوادث السير، ويحرم إن غلبت التهلكة أو كثرت؛ لأن الشرع قائم على اعتبار الكثرة والغلبة في الأحكام.
- قيادة المرأة للسيارة:
ولا مانع أن تقود المرأة السيارة؛ لأنها من مسائل الإباحة الأصلية، كركوب الإبل وسائر الرواحل، إذ لم يرد نص في منع المرأة من ركوبها.
ولم يقيد النص في القرآن بالرجل (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (الزخرف: ١٣).
ومن خصص حكمها على الرجل فقد أخطأ، ومن ادعى المنع لزمه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة.
ومن استدل بالعادة قيل له: شرط العادة استمرارها وعمومها وعدم مخالفتها الشرع.
ولم تكن هناك عادة أصلا في منع النساء؛ لأن قيادة السيارات أمر مستحدث فلا عادة هنا.
ولا يقاس على ركوب الحمير والخيل في منع المرأة عند بعض العرب عادةً؛ للفارق البين بين هذا وذاك.
وقولهم إنها مؤدية إلى فساد النساء أمر باطل؛ لأن ركوبها مع سائق أجنبي مستأجر، أو تنقلها مع سيارات الأجرة يقال فيه ذلك بأوضح، ولم تحرم في الأصل، بل مباحة بشروط عدم ما يؤدي إلى مخالفة نُهِيَ عنها شرعا.
وما يقال في هذا يقال في ذاك.
стр. 491
فقه السياحة
* (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا) (العنكبوت: ٢٠)
* كل من دخل الدولة بإذن الدولة فهو في أمان، من سائح، أو باحث، أو متعلم، أو تاجر، أو دبلوماسي، مدني أو عسكري
* إيذاء السواح أو خطفهم أو ظلمهم أو قتلهم من الجرائم العظيمة في الشرع
* المعالم السياحية تاريخية أو طبيعية مقصودٌ في الأمر الشرعي التعامل معها ترفها أو تفكرا أو اعتبارا لا تخريبها أو إتلافها
* الآثار يحافظ عليها؛ لأنها أصبحت من المال العام والاعتداء عليها أو إهمالها أو تهريبها اعتداء على المال العام
* الترويج السياحي الجنسي أو الخليع أو المصادم لقواطع الفواحش المحرمة شرعا لا يحل بتشريع ولا بأمر دولة ولا بقانون ولا بدستور كائنا مصدره من كان
стр. 492
فقه السياحة
يمكن أن نعرف السياحة بقولنا: هي السير في الأرض، نظرا، وترفها بالقصد، أو العرض.
وقولنا «نظرا»: شمل النظر للاعتبار، ونظر البحث.
وأصله قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: ٢٠)، فهذا للبحث والتأمل.
وقوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩)، وهذا في الاعتبار.
وأما السفر للترفيه فيشمله عموم الإباحة الامتنانية في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥).
وأما السياحة عرضا لا قصدا؛ فدليله قوله ﷺ «سياحة أمتي الجهاد» (١).
ومعلوم أنها مع الجهاد عارضة لا قاصدة.
وقد ذكر الله ذلك بقوله (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) (التوبة: ١١٢) وفسرها النبي ﷺ بالمجاهدين.
وقال في الآية (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (التوبة: ٢)، ومعناه حرية التنقل في هذه المهلة (٢).
تأمين السياح وحرمة إيذائهم وخطفهم:
والسياح إذا دخلوا الدولة بطرق رسمية فهو أمان لهم وإن كانوا كفارا ومشركين من أهل الكتاب أو غيرهم.
حتى ولو كانوا من دولة معادية محاربة، فإعطاؤهم تأشيرة الدخول تأمين لهم، فلا يجوز الغدر بهم ولا إخفار ذمتهم التي أعطيناها لهم؛ لعموم «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى
стр. 493
بذمتهم أدناهم» (١)، وحديث «من أخفر ذمة معاهد فعليه لعنة الله» (٢).
وقد أجرى عمر ﵁ مجرد الإشارة التي يفهم منها الأمان مجرى إعطاء الأمان كما أورد عنه الفقهاء ذلك (٣).
- تحريم خطف السواح:
وخطف السواح محرم وكبيرة من الكبائر؛ لأنه غدر وخيانة للأمان والذمة التي أعطيناهم، وقد قال تعالى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) (التوبة: ٤).
والسائح كالمعاهد داخل بتأمين رسمي، فوجب الإيفاء بهذا العقد.
ولأنه إما أن يكون بعهد، أو ذمة، أو أمان، وكلها يحرم إخفارها ونقضها.
ومن خطفهم فالواجب على الدولة ردعه وتعزيره بما يمنع تكرار ذلك.
ولا يجوز تلبية مطالب الخاطفين إلا لأخذ السياح من أيديهم، لكن بعد ذلك معاقبتهم أشد العقاب، ونشر سلطان الأمة حتى لا يتخذ أمان أهل الإسلام لغيرهم خلفا وكذبا.
والخاطف مشمول بلعنة رسول الله ﷺ فيمن أخفر الذمة (٤).
стр. 494
الدليل السياحي والمحاسن:
ويشرع عرض محاسن الإسلام عليهم، وإزالة الشبهة عنهم ليعرفوا حقيقة الدين الحق ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، فإن هداية رجل واحد خير من أفضل الأموال (١).
وعلى السائق والدليل السياحي الخبير بلغتهم تطعيم كلامه ببيان محاسن هذا الدين من غير تنفير ولا تشديد، لحديث «بشرا ولا تنفرا» (٢)، وهو وارد في الدعوة.
ويجب عليه حفظ أماناتهم لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وغض بصره عن محارمهم؛ لعموم (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) (النور: ٣٠).
ويحرم عليه إعانتهم على المعاصي: كأن يعطيهم الخمر، أو يناولهم، أو يحمله لهم أثناء نقل أمتعتهم؛ للنص «لعن الله في الخمر عشرة .. » (٣).
حرمة التصريح للفنادق في المحرمات:
وعلى الدولة والجهات المعنية فيها منعهم من إظهار ما يخالف الدين وعادات المجتمع من عري وخمر وخنزير، وأخلاق مشينة.
ولا يجوز التصريح للفنادق في بيع الخمر، ولا إقامة المراقص الماجنة، ولا القنوات الإباحية والدعارة، ولا بيع الخنزير. وكل محرم.
التعامل مع القادم المصاب:
ويجب التعامل مع القادم المصاب بمرض من الأمراض الفتاكة المعدية بما تقتضيه قواعد
стр. 495
الطب والصحة والمصلحة العامة، بإحسان، فإن الله أمر بالإحسان مع عموم الخلق في عموم الأحوال (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣).
السياحة والاقتصاد:
والمعالم السياحية ثلاثة أقسام:
أ) طبيعية.
ب) وآثارية وتاريخية.
ج) ودينية.
وإذا أدرت الحركة السياحية دخلا، وأنعشت الاقتصاد، ولم تحدث مفاسد على الدين والأعراض والأخلاق؛ فإنها تصير من المصالح المرسلة العامة.
وقد كان عمر يشجع الحركة التجارية، ويؤمن التجار ولو من بلاد الحرب، طلبا لمصلحة حركة السوق، ودفع البطالة والحد من الفقر (١).
والسياحة في هذا المعنى؛ لأنها أصبحت تجارة عالمية رائجة اعتمدتها دول في بناء اقتصادها؛ لذلك فالاهتمام بها أمر لا يخالف الشرع؛ بل يخدم بعض جوانبه التي أمر بها في باب الأموال والاقتصاد من تنمية وحفظ.
المعالم الطبيعية:
وإذا أنشأت الدولة المعالم الطبيعية السياحية حرم إتلافها؛ لأنه مال لأهل الإسلام ومتلفه معتد آثم.
فالحفاظ على الحدائق والمتنفسات من حفظ المال.
ولا تلقى فيها الأقذار والمخلفات؛ لورود النهي عن قضاء الحاجة في مجالس الناس وطرقهم؛ وورود لعن من فعل ذلك في نصوص كثيرة (٢)، وقريب من هذا المعنى سائر المستقذرات المؤذية.