فقه السياحة
* (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا) (العنكبوت: ٢٠)
* كل من دخل الدولة بإذن الدولة فهو في أمان، من سائح، أو باحث، أو متعلم، أو تاجر، أو دبلوماسي، مدني أو عسكري
* إيذاء السواح أو خطفهم أو ظلمهم أو قتلهم من الجرائم العظيمة في الشرع
* المعالم السياحية تاريخية أو طبيعية مقصودٌ في الأمر الشرعي التعامل معها ترفها أو تفكرا أو اعتبارا لا تخريبها أو إتلافها
* الآثار يحافظ عليها؛ لأنها أصبحت من المال العام والاعتداء عليها أو إهمالها أو تهريبها اعتداء على المال العام
* الترويج السياحي الجنسي أو الخليع أو المصادم لقواطع الفواحش المحرمة شرعا لا يحل بتشريع ولا بأمر دولة ولا بقانون ولا بدستور كائنا مصدره من كان
стр. 492
فقه السياحة
يمكن أن نعرف السياحة بقولنا: هي السير في الأرض، نظرا، وترفها بالقصد، أو العرض.
وقولنا «نظرا»: شمل النظر للاعتبار، ونظر البحث.
وأصله قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: ٢٠)، فهذا للبحث والتأمل.
وقوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩)، وهذا في الاعتبار.
وأما السفر للترفيه فيشمله عموم الإباحة الامتنانية في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك: ١٥).
وأما السياحة عرضا لا قصدا؛ فدليله قوله ﷺ «سياحة أمتي الجهاد» (١).
ومعلوم أنها مع الجهاد عارضة لا قاصدة.
وقد ذكر الله ذلك بقوله (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) (التوبة: ١١٢) وفسرها النبي ﷺ بالمجاهدين.
وقال في الآية (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) (التوبة: ٢)، ومعناه حرية التنقل في هذه المهلة (٢).
تأمين السياح وحرمة إيذائهم وخطفهم:
والسياح إذا دخلوا الدولة بطرق رسمية فهو أمان لهم وإن كانوا كفارا ومشركين من أهل الكتاب أو غيرهم.
حتى ولو كانوا من دولة معادية محاربة، فإعطاؤهم تأشيرة الدخول تأمين لهم، فلا يجوز الغدر بهم ولا إخفار ذمتهم التي أعطيناها لهم؛ لعموم «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى
стр. 493
بذمتهم أدناهم» (١)، وحديث «من أخفر ذمة معاهد فعليه لعنة الله» (٢).
وقد أجرى عمر ﵁ مجرد الإشارة التي يفهم منها الأمان مجرى إعطاء الأمان كما أورد عنه الفقهاء ذلك (٣).
- تحريم خطف السواح:
وخطف السواح محرم وكبيرة من الكبائر؛ لأنه غدر وخيانة للأمان والذمة التي أعطيناهم، وقد قال تعالى (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) (التوبة: ٤).
والسائح كالمعاهد داخل بتأمين رسمي، فوجب الإيفاء بهذا العقد.
ولأنه إما أن يكون بعهد، أو ذمة، أو أمان، وكلها يحرم إخفارها ونقضها.
ومن خطفهم فالواجب على الدولة ردعه وتعزيره بما يمنع تكرار ذلك.
ولا يجوز تلبية مطالب الخاطفين إلا لأخذ السياح من أيديهم، لكن بعد ذلك معاقبتهم أشد العقاب، ونشر سلطان الأمة حتى لا يتخذ أمان أهل الإسلام لغيرهم خلفا وكذبا.
والخاطف مشمول بلعنة رسول الله ﷺ فيمن أخفر الذمة (٤).
стр. 494
الدليل السياحي والمحاسن:
ويشرع عرض محاسن الإسلام عليهم، وإزالة الشبهة عنهم ليعرفوا حقيقة الدين الحق ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، فإن هداية رجل واحد خير من أفضل الأموال (١).
وعلى السائق والدليل السياحي الخبير بلغتهم تطعيم كلامه ببيان محاسن هذا الدين من غير تنفير ولا تشديد، لحديث «بشرا ولا تنفرا» (٢)، وهو وارد في الدعوة.
ويجب عليه حفظ أماناتهم لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨)، وغض بصره عن محارمهم؛ لعموم (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) (النور: ٣٠).
ويحرم عليه إعانتهم على المعاصي: كأن يعطيهم الخمر، أو يناولهم، أو يحمله لهم أثناء نقل أمتعتهم؛ للنص «لعن الله في الخمر عشرة .. » (٣).
حرمة التصريح للفنادق في المحرمات:
وعلى الدولة والجهات المعنية فيها منعهم من إظهار ما يخالف الدين وعادات المجتمع من عري وخمر وخنزير، وأخلاق مشينة.
ولا يجوز التصريح للفنادق في بيع الخمر، ولا إقامة المراقص الماجنة، ولا القنوات الإباحية والدعارة، ولا بيع الخنزير. وكل محرم.
التعامل مع القادم المصاب:
ويجب التعامل مع القادم المصاب بمرض من الأمراض الفتاكة المعدية بما تقتضيه قواعد
стр. 495
الطب والصحة والمصلحة العامة، بإحسان، فإن الله أمر بالإحسان مع عموم الخلق في عموم الأحوال (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣).
السياحة والاقتصاد:
والمعالم السياحية ثلاثة أقسام:
أ) طبيعية.
ب) وآثارية وتاريخية.
ج) ودينية.
وإذا أدرت الحركة السياحية دخلا، وأنعشت الاقتصاد، ولم تحدث مفاسد على الدين والأعراض والأخلاق؛ فإنها تصير من المصالح المرسلة العامة.
وقد كان عمر يشجع الحركة التجارية، ويؤمن التجار ولو من بلاد الحرب، طلبا لمصلحة حركة السوق، ودفع البطالة والحد من الفقر (١).
والسياحة في هذا المعنى؛ لأنها أصبحت تجارة عالمية رائجة اعتمدتها دول في بناء اقتصادها؛ لذلك فالاهتمام بها أمر لا يخالف الشرع؛ بل يخدم بعض جوانبه التي أمر بها في باب الأموال والاقتصاد من تنمية وحفظ.
المعالم الطبيعية:
وإذا أنشأت الدولة المعالم الطبيعية السياحية حرم إتلافها؛ لأنه مال لأهل الإسلام ومتلفه معتد آثم.
فالحفاظ على الحدائق والمتنفسات من حفظ المال.
ولا تلقى فيها الأقذار والمخلفات؛ لورود النهي عن قضاء الحاجة في مجالس الناس وطرقهم؛ وورود لعن من فعل ذلك في نصوص كثيرة (٢)، وقريب من هذا المعنى سائر المستقذرات المؤذية.
стр. 496
ويحافظ على معالمها، وإشاراتها الدليلية، وكل ما يتعلق بها؛ لأنه جزء من المال العام للمسلمين، وإفساده محرم.
المعالم التاريخية والآثار والحفاظ عليها وحرمة تهريبها:
وأما المعالم التاريخية الأثرية فهي من الأماكن التي أمر الله بالسير في الأرض والنظر والاعتبار منها (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ) (الحجر: ٧٦)، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ* وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الصافات: ١٣٧ - ١٣٨)، (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل: ٦٩)، وغيرها من الآيات.
واللازم من الدعوة إلى الاعتبار والنظر ألا يعتدى عليها، ولا تهدم، ولا تطمس؛ لأن الله جعلها عبرة للعالمين إلى يوم القيامة.
ولا تطمس تصاويرها، ولا أصنامها، ولا معابدها؛ لعدم فعل النبي ﷺ ذلك، ولا أمره رغم مروره بها (١).
وإنما حصر أمره في تكسير الأصنام المعبودة في قبائل العرب آنذاك، ولأن الله لما ذكر هذه الآثار والمعالم للظالمين أمر بالنظر إليها والسير عبرة ولم يأمر بهدمها، وإنما أمر الرسول أن يهدم ما كان معبودا.
هذا ما تحمل عليه الأدلة جمعا وتوفيقا، ومن رام خلاف هذا فقد أجحف وأخطأ، وخالف مقصود الشرع من الأمر بأخذ العبرة والعظة من هذه المعالم.
وكما لا يجوز إتلافها؛ لا يجوز بيعها؛ ولا المتاجرة بأي شيء من تلك الآثار: كان منحوتا، أو ذهبا، أو فضة، أو كتابا؛ لأنها أصبحت ملكا عاما بنظر الدولة، ومالا استثماريا يعود بالنفع والمصلحة العامة على البلاد عامة.
стр. 497
ولذلك فحكم تجار الآثار ومهربيها حكم نهابي ومختلسي مال أهل الإسلام في الجملة.
فإن لم تكن الدولة؛ شكلت لجنة شعبية لحمايتها واستثمارها لما يعود بالخير على عموم الشعب لا على أفرادٍ، سواء كانوا نافذين، أو غيرهم.
المعالم الدينية الإسلامية:
وأما المعالم الدينية والإسلامية فمنها: المساجد التاريخية، والمدارس، والمخطوطات للمصاحف وكتب السنة والعلوم، والمحافظة على المساجد من إعمارها المأمور به ورفعها وتشييدها ورفع مآذنها مشمول بالإذن الصريح العام في رفع المساجد (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ) (النور: ٣٦).
والرفع هنا شامل لسائر أنواع العمارة، والرفع المحسوس والمعنوي.
وكذلك الحفاظ على مخطوطات القرآن والعلم هو أمر شرعي؛ لأنه داخل تحت عموم الأمر بحفظه ونشره وتعليمه وصيانته.
دخول السياح إلى المساجد:
وإذا أراد السياح دخول المساجد فيجوز أن يدخلوا المساجد بآدابها، وقد كان المشركون يدخلون مسجد رسول الله ﷺ لمقابلته (١).
ويجوز للسواح دخول المساجد إلا المسجد الحرام للنص (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨).
وقد كانوا يدخلون مسجده ﷺ بآدابه.
ولهم مس المصحف، وأخذه؛ لأن هذا من مقتضيات دعوتهم وتعرفهم على الإسلام.
ويحمل قوله تعالى (لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة: ٧٩) على الكتاب المكنون عند الله، أي: لا يمس الكتاب المكنون عند الله إلا الملائكة المطهرون.
ولا يحمل على الخبر والنفي؛ لأنه موجود، ولا على النهي؛ لأنه متعذر؛ لأن ما في أيدينا
стр. 498
يتعذر منعه من الكفار لكثرته وانتشاره؛ لأنه اليوم نوع من الدعوة بعد انتشار المصاحف، وتفسيرها المترجم.
فرؤيتهم لنسخه القديمة، ومطابقتها لما هو موجود اليوم أدعى لهدايتهم، وإقامة الحجة في قلوبهم.
بل لا مانع أن توضع منها نسخ مخطوطة في متاحف العالم لرؤيتها للناس، فإن ذلك من أعظم الدعوة.
الواجب على الجهات المعنية بالسياحة في الدولة:
ويجب على الجهات المعنية بالسياحة وسائر موظفيها أن يكونوا ممثلين لدينهم ومحاسنه ولوطنهم وأصالته خير تمثيل، فإن الله أمر بذلك في عموم الإحسان (وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ١٩٥).
فيحسنون للسواح ولو كانوا على غير دينهم (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة: ٨).
وقال تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (البقرة: ٨٣)، وهذا عام.
فهذا وما قبله في غير العدو المحارب.
وقال تعالى (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) (التوبة: ٧).
وهذا في المحارب المعاهد وغيره.
وقال ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (١).
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)، وإكرامهم مشمول لعموم نصوص إكرام الضيف؛ للإطلاق.
ولا يكرم أحد إلا بما أباح الله تعالى، لا بمحرَّم، ولو كان السائح يعتقد حله في دينه.
حرمة السياحة الماجنة:
والسياحة الجنسية محرمة قطعا.
стр. 499
ومن سهل لها، أو روج، أو صرح؛ فهو ديوث ملعون فاسق تسقط عدالته، وتبطل ولايته إن كان واليا أو وزيرا أو غير ذلك، ولو كان إمام المسلمين لوجب خلعه بشروطه (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩).
والإشاعة والترويج للسياحة الجنسية في بلاد العرب والمسلمين داخل قطعاً في عموم الآية، فدل على كون ذلك من المعاصي القطعية في الشرع ولأن حفظ العرض أحد المقاصد الكبرى الكلية في الشرع، والسياحة بالدعارة والجنس يعود بالنقض على هذا الأصل العظيم.
ولا يروج للبلاد سياحيا كذلك بوضع صور النساء في الأدلة السياحية أو غيرها بمسمى عَرْض التراث، والأزياء؛ فإن هذا من قلة الدين والغيرة، ولأنه يخل بمقصد حفظ العرض فحرم.
حكم الجاسوس من السياح وحكم إيذائهم:
ومن ثبت كونه جاسوسا من السواح؛ فالدولة تتعامل معه بما تقتضيه المصالح العامة للبلاد، ويجوز إن كان قد نقل معلومات هامة من أسرار البلاد أو نحوها أن يقاضى بالعدل بما تقتضيه أحكام الشريعة ولا ذمة له؛ لأنه خالف عقد دخوله البلد.
ومن اعتدى على السواح بقتل وجب على الدولة تعزيره أبلغ تعزير، وللقاضي الاجتهاد في الحكم عليه عقوبةً قد تصل إلى القصاص بالقتل، كما نص على ذلك عمر ونقله عنه ابن قدامه في المغني (١).
ويحرم سرقة مال أي سائح، أو نهبه، أو خداعه، أو غشه، أو انتهاك عرضه؛ فإنه آمِنٌ نفساً ومالاً وعرضاً، وعموم هذه المنهيات يشملهم.
ويعاقب بما يردع من فعل ذلك، ويضمن إتلافاته نفساً ومالاً.
ويعوَّضُ من سُلِبَ أو نُهِبَ من السواح وأثبت ذلك ببينة عادلة.
стр. 500
إظهار محاسن الدين قولا وفعلا:
ويجب على الجهة المعنية بالسياحة التنسيق مع الجهات في الدولة لترتيب حمايتهم والتعاون مع مراكز الدعوة والأوقاف؛ لإيجاد أحسن الأساليب لتوضيح محاسن الدين الإسلامي لهم، وترجمة أمور لازمة لذلك بلغتهم، وإهدائها ضمن مجموعة مطبوعات الوزارة لإهدائها لهم بطرق مناسبة لا تنفر ولا تعسر ولا تبغض.
стр. 501
فقه الشباب
* إذا صغت الشباب .. صغت الحياة
* إذا أهملنا جيلا واحدا من الشباب بكامله فإننا سنفشل، ولا بد أن تنهار دولة تصنع ذلك خلال بضع عقود
* الحاجة والخوف والقلق والجهل من أهم مصادر التدمير، فأبعدوا الشباب عن الخوف والقلق والحاجة والأمية
стр. 502
فقه الشباب
الشباب هو سن معين معلوم بالضرورة الفطرية والعادية، ويبدأ بالبلوغ، والأصل في بلوغ الذكر خمسة عشر عاما أو الإنبات أو الاحتلام، والأنثى بذلك أو بالحيض.
وبالبلوغ يكون التكليف المفروض، وقبله تعليمٌ واجب «علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع» (١).
والاحتلام يوجب الغسل لكامل البدن لرفع حدث الجنابة لقوله تعالى (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: ٦).
والحائض لا تصلي، ولا تصوم وتغتسل إذا انقطع عنها الدم وطهرت.
وتقضي الصوم لا الصلاة.
ودم الحيض أسود يعرف.
وسنن الفطرة: نتف الإبط، وحلق العانة، وغسل البراجم، وتخليل الأصابع، وإحفاء الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، والمضمضمة، والاستنشاق (٢).
وجوب تيسير الزواج:
وفرض على الشاب غض بصره، وحفظ فرجه عن الحرام لعموم (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ) (النور: ٣٠ - ٣١).
ومن استطاع النكاح فعل لقوله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٣).
стр. 503
ومن لم يستطع استعف حتى يعفه الله؛ لقوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) (النور: ٣٣).
والمجتمع مخاطب بتيسير الزواج، فلا يعسر بغلاء المهور والمشاريط الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان (وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور: ٣٢).
فوجه الأمر إلى عموم المجتمع وألغى التعلل بالفقر؛ لعدم الإنكاح للفقير.
سن الزواج:
وسِنّ النكاح غير محدد في الشرع، بل هو مرتبط بالجبلة البشرية والطبيعية.
والفطرة تأباه قبل البلوغ.
وكل أمر موافق للفطرة فالشريعة تطلبه وتتمه، وما هو مخالف للفطرة منعته في الأصل، قال تعالى (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: ٣٠)، فسمى الفطرة دينا.
فمن بلغ جاز تزويجه؛ لأنه من دواعي الفطرة الضرورية كالطعام والشراب لكن بحسبه، وخادم أَحَدَ مقاصد الشريعة الكبرى وهو حفظ العرض.
ومن بلغ فليس للإمام منعه كشخص؛ لأنه لا شأن له بهذا كشخص؛ لأنه كغيره من الأشخاص، ولا بقانون عام؛ لأن سن القوانين العامة يجب أن تكون على وفق المصلحة العامة.
ولم يثبت ضرر عام لا مجتمعي، ولا طبي في زواج البالغ أول بلوغه على مر الدهور، وإلا لعمَّ وظهر، ومُنع مجتمعيا وعادة، فضلا عن منعه بقانون؛ ولأنه -أي القانون المانع- يصادم الجبلة والفطرة حينئذ ويمنع ما هو من الضروريات.
ولا يقاس على المباحات كقيادة السيارة، أو الانتخابات.
أما الأول وهو قيادة السيارة:
١ - فلأنه مباح لا من الضروريات الجبلية كالنكاح.
٢ - كما أنه مباح كلي لا على الكل، فسيتغني الغير بقيادة غيره له بخلاف النكاح.
стр. 504
٣ - ولأنه ثبت ضرره قبل ثماني عشرة سنة؛ لكثرة الحوادث المرورية، لعدم الدواعي له إلا الطيش.
بخلاف النكاح فالداعي له الضرورة والجِبِلَّةُ، ولعدم ثبوت الضرر في الزواج بعد البلوغ قبل الثامنة عشرة بأكثرية عامة تؤدي إلى قانون عام، كالمنع.
وأما الثاني وهو الانتخابات:
١ - فلأنها على الكفاية لا على العين بخلاف النكاح.
٢ - ولأن الانتخابات يجوز فيها النيابة؛ فتصح من مجموعة عن أخرى (١)، بخلاف النكاح.
٣ - ولأنها مطلب جماعي كلي.
والنكاح مطلب شخصي فردي ضروري بالفطرة.
وعلة أخرى هامة هي:
أن سَنَّ القوانين العامة لتحديد أمر مباح لا يجوز قانونا ولا شرعا إلا إن تعلق بدفع مفاسد عامة غالبة وخدم مصالح غالبة.
وإثبات أن الزواج قبل ثمانية عشر عاما له مفاسد غالبة يحتاج إلى استقراء لعدد حالات الزواج لثلاث فئات (١٥ - ١٦ - ١٧).
فإن فرضنا عدد الشابات اللاتي تزوجن في هذه السن في اليمن مئة ألف شابة، ثم حصل في خلال هذه السنوات الثلاث موت عشرة بالمائة، أي عشرة آلاف من الأمهات اللواتي تزوجن في هذا السن، وتبين أن السبب هو الحمل في هذا السن.
وأما تسعون ألفاً فلم يصبهن شيء؛ فالحكم الشرعي والقانوني في الأصل النظر إلى الأكثرية وهو تسعون ألفا.
ومعالجة المفسدة على النسبة الأقل بإصدار قانون للفحص الطبي قبل الدخول؛ للنظر في عدم ترتب ضرر بالحمل لا منعه؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بأكثر من تسعين بالمئة، ودفع الضرر بالضرر محرم.
стр. 505
ومع هذا كله فلو حدث هذا في كل الحالات التي تتزوج في هذا السن (١٥ - ١٦ - ١٧) بهذه النسبة.
فإن حصل دائما فلا بد أن يكون أمرا مشتهرا بين المجتمع، بالغا حد التواتر من فجر التاريخ، حتى يبلغ التواتر على مستوى الأطباء والمجتمع والأسرة، وحينئذ فالمجتمع يمنعه عادة، أي على سبيل العادة، ولكن هذا لم يحصل أبدا بل على العكس من ذاك، وهو أن الأصل عدم الضرر من تزويج الشابة في سن (١٥ - ١٦ - ١٧)، والضرر طارئ أو نادر.
والضرر يقدر بقدره، ويدفع بقدره ولا يتجاوز؛ لأنه إن تجاوز دَفْعُ الضرر إلى غير المتضرر تضرر، ولا يزال الضرر بالضرر خاصة على وجه العموم كما في مسألتنا.
وهكذا يقال في دعوى كثرة الطلاق.
زواج الولد على والده المستطيع والعدل بين الأبناء في ذلك:
وزواج الولد على نفسه في الأصل.
وعلى الوالد المستطيع تزويج ولده الفقير، وهو من حقه في قوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (الإسراء: ٢٦)؛ لأن النص أطلق الحق فعلمنا رجوعه إلى الحقوق الضرورية والحاجية، وما قام مقامها من التحسينات وقضى بذلك عرف؛ لأن العادة محكمة.
فإن زوج بعض أبنائه، ثم مات وله آخرون قُصَّر أخرج من ماله ما يفي بزواج القصر؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وهذا منه، ولأن رسول الله ﷺ قال «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم» (١).
ويُخْرج من الثلث من الوصية الواجبة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ١٨٠).
الصداقة والشباب:
وإذا اختار الشاب جليسا أو صاحبا لزمه اختيار الصاحب والصديق الذي تؤدي صحبته إلى النفع في أموره.
стр. 506
ولا يصاحب تحريما: المتهتك، ولا الفاسق، ولا البذيء، ولا قطاع الصلاة.
ويحرم مجالسة المنافقين، والذين في قلوبهم مرض كالساخرين بالدين ونحوهم من المستهزئين والمستهترين؛ لقوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: ١٤٠).
الابتعاد عن الخبائث:
ويجب الابتعاد عن كل خبيث من مأكول ومشروب، وخاصة ما أسكر أو خدر من خمر وحشيش ومخدرات وغيرها؛ لأن الله حرم الخبائث بالنص (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: ١٥٧) وهذه منها.
ويجتنب ما يضر كالدخان، وكثير من علماء العصر على تحريمه؛ لتبين ضرره.
ويجب على الشباب البعد عن كل ما يوصل إلى الذنوب خاصة الكبائر.
أخلاق الشباب:
ويجب عليه التخلق بالصدق وترك الكذب؛ فإن الكذب معيب في الخَلْق، وكبيرة في الدين، ولا يتوهم النجاة فيه، بل هو قائد إلى الهلكة فإن عظم وصل إلى النفاق (١).
«عليكم بالصدق وإن رأيتم فيه الهلكة ... وإياكم والكذب» (٢).
والكذب قائد إلى التهلكة وقد يصل إلى درجة النفاق.
«آية المنافق ثلاث .. » (٣).
وفرض حفظ الأمانات، وترك الخيانة صغيرة أو كبيرة؛ لعموم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: ٥٨).
والوفاء بالعهود والوعود وترك الخلف؛ قال تعالى (وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) (النحل: ٩١)، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الإسراء: ٣٤).
стр. 507
ويجب حفظ السر، وهو من الأمانات.
النهي عن الكسل والحزن والجبن والبخل:
والكسل مذموم في الشرع.
فإن عطل به واجبا أو فرضا حرم، والتسويف يجمع الكسل والخلف والعجز.
والهمُّ مستعاذ منه، وكذلك الحزن «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال» (١).
فالهمُّ: حركة نفسية في القلب لأجل شيء يولد القلق والحزن.
والحزن: غمة في القلب، إما على فوت شيء، أو عدم استطاعة ما يستقبل.
وهو مذموم كله، حتى إن تعلق بالدعوة إلى الله بهداية غير المهتدي، وقد قال الله (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل: ١٢٧)، وقال تعالى (لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) (المائدة: ٤١).
فالواجب مدافعة الحزن، ولو في غاية الشدة، لقوله تعالى (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: ٤٠)، فنهى عن الحزن وهو في أعظم الشدة محاصراً في الغار.
وأما العجز المستعاذ منه فهو:
انعدام العزم في القلب على فعل الشيء.
ويترتب عليه أن يكون الإنسان عالة على غيره.
وقد يوجد العزم، ولا توجد البصيرة في الأمور، فلا يستطيع الفعل، وهو عجز وعي، فيكون مؤديا إلى النتيجة السابقة.
فهذا منهي عنه، ومستعاذ منه كما في الحديث.
والكسل: ترك فعل ما ينفع ودفع ما يضر مع الاستطاعة.
والجبن: ترك الإقدام والشجاعة؛ لضعف في الهمة القلبية عن المواجهة، وهو أمر غير محمود،
стр. 508
وضده الشجاعة، وهي من المكارم.
والبخل: ترك الإنفاق للمال في وجهه المستحق فرضا ونفلا.
وغلبة الدين: كثرته على الشخص حتى يولد الهم والحزن، فهو غلبة نفسية، ويولد الغلبة الحسية من المطالبين بالإهانة أو الحبس ونحوه.
ولذلك لا يستدين الشخص إلا للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
وأما قهر الرجال فهو: ما يسببه الرجال من انهزام معتبر قولي أو فعلي.
ولذا ارتبط بأصل لفظ القهقرى وهو: التراجع.
وفي الحديث الاستعاذة من جميع هذه الأمور «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال» (١).
ومن أعظم التكاليف الشرعية التي يجب ملازمتها الصبر على المكاره وتقلبات الحياة، وعدم التضجر.
فإذا صبر الإنسان استقامت حياته كلها؛ لأنه يضاد جميع الأمور المذمومة، ويولد جميع المستحبات، فالشجاعة تحتاج إلى صبر، والصدق كذلك، وترك الجبن والشح والكذب، كله بالصبر وضبط النفس.
تنظيم الوقت:
وعليه تنظيم وقته (٢)؛ لأنه عمره وتركه بعشوائية تفريط، وهو محرم في الجملة، ولأنه يترتب على إضاعته ضرر في حياته حالا ومآلا، والضرر مدفوع.
التعامل مع الوالدين وطاعتهم وصلة الأرحام:
وفرض عليه طاعة والديه في طاعة الله لا في محرم؛ للنص (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (النساء: ٣٦)، (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (العنكبوت: ٨).
стр. 509
ويجب عليه صلة رحمه وهم والداه، وآباؤهم وأمهاتهم مهما علوا، وعماته، وخالاته، وأعمامه، وأخواله.
فإن أمره أبوه أو أمه بقطعهم فلا طاعة لهم؛ لأن صلة الرحم واجبة بأمر الله ولا طاعة لأحد فيما خالف أمر الله (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد: ٢٢ - ٢٣).
ولحديث «لا يدخل الجنة قاطع» (١).
وكذلك لو أمره بترك الذهاب إلى الصلاة في المسجد أصلا بلا ضرر بيِّن فلا يطاع، وكذا لو منعه من مجالسة العلماء الربانيين والأخذ عنهم فلا يطاع.
ويحرم على أب وأم أمر الولد بما يضاد أمر الآخر؛ لأنه يحمله على العقوق، ويؤدي إلى الشقاق بين الزوجين.
فإن أمر أحدهما امتنع الآخر عما ينقضه إلا بتفاهم وإذن؛ لأنه يترتب عليه ضرر بالولد وهو محرم.
وعلى الولد إطاعة السابق بالأمر، ولا يعد عاصيا للآخر؛ لأن الشرع قائم على التكليف بما يستطاع.
ولا يستطاع هنا الجمع بين الأمرين، ولأن التكليف بالضد في نفس الوقت وعلى نفس الشيء ممنوع شرعا، فيحرم على الوالد الآخر الأمر بما ينقض قطعا أمر الآخر، ولا يمكن جمعٌ؛ لأنه يؤدي إلى الأمر ألا يعمل بالتكليف السابق فسقط، ولأنه ليس من العشرة بالمعروف.
مفردات تربوية للشاب:
وعلى الشاب مراقبة الله والحفاظ على الصلاة (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) (لقمان: ١٧).
وعليه التزام القول الحق والشجاعة في ذلك (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) (لقمان: ١٧).
والصبر وعدم الإحباط والانتكاس إن أصابه شيء. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان: ١٧).
стр. 510
وعليه وجوبا التزام التواضع وترك تصعير الوجه للناس (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان: ١٨).
والاعتدال في المشي بلا كسل ولا تهور (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: ١٩).
ولا يمش متكبرا (وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا) (لقمان: ١٨).
ويجب عليه ترك الافتخار باللسان عن نفسه وماله ونسبه أو شيء مما يتفاخر به، أو يختال بأفعاله، وسيارته، وماله، وملابسه (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨).
وترك الرعونة والإيذاء برفع الصوت فوق الحاجة (إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: ١٩).
وينبغي عليه التعامل مع الواقع والصبر على ذلك كما قص الله عن يوسف منذ كان صبيا.
وليحافظ على سمعته وحقه وكرامته، فإن يوسف رفض الخروج من السجن حتى يرد له اعتباره حقيقةً أمام الملأ، ويحقق في الأمر (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ) (يوسف: ٥٠).
وليعرض نفسه إن تأهل على القيادة بلا حرص ولا هلع (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: ٥٥).
وليحذر كيد النساء ويدعو الله لذلك (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ* فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف: ٣٣ - ٣٤).
وليكن نبيهاً، فلا يفشي سر أبيه، ولا أحواله، خاصة إن كان ذا مكانة وقدر فإن الحسدة يأتونه من خلال ولده.
وإن ظلمه أحد باعتداء رد ذلك بالمثل لقوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ) (الشورى: ٣٩)، وقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
وله أن يعفو عفو قادر على أخذ الحق، لا عفو هين ضعيف (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠).
стр. 511
فإن الشجاعة ورد البغي وأخذ الحق أمور حسنة يربى عليه من الصغر؛ لذلك قال لقمان لابنه (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ) (لقمان: ١٧)، أي باليد واللسان، فالتعود على هذا من الدين، والضعف والهوان لا يحبه الله ولا يشرعه.
وليحذر الغش في حياته ودراسته وأوراقه فإنه من الخيانة والباطل ومآلها إلى الفضيحة والعقوبة و «من غش فليس منا» (١).
وليتجنب كثرة النوم خاصة بعد الفجر؛ فإنه يعوِّد على الكسل.
ويتعود على النظام في غرفته وكتبه ونفقته ويتجنب الإسراف والتبذير، وإتلاف الأشياء، واللامبالاة بالأمور، فإن هذه من المنهيات في الإسلام.
وسؤال الناس مذموم في الشرع، بل يأكل من عمل يده للنصوص الكثيرة، ويعتمد على نفسه في الكسب، ولا يسأل الناس أو يعتمد عليهم؛ لقوله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم أحبله خير له» (٢).
الشباب والزينة:
ويتجمل بما يليق، ولا يخرج عن التوسط.
وكل ما يتجمل به داخل في الزينة المباحة في الأصل (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: ٣٢).
فينبغي أخذ الزينة والتجمل؛ لأن الله جميل يحب الجمال.
والمرأة لها أن تظهره على من شرع الله إظهار الزينة لهم في قوله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١).
ولا يقلد في لبسه المتهتكين، ولا الموضة المتفسخة.
стр. 512
بل يلبس الجميل الطاهر المطيب من الثياب بتوسط لا إفراط ولا تفريط.
ويلبس ما هو زينة في مجتمعه؛ لأن العادة محكمة، ولا يلبس ما هو زينة في غير مجتمعه؛ لأنه يخالف الجماعة وموافقتها محمود، ولأن لبس ما يخالف المجتمع يعد لباس شهرة، وهو منهي عنه «من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارا» (١).
وليحذر أصدقاء السوء من قطاع الصلاة وقليلي الدين وطويلي الألسن، والمتهتكين بما حرم الله والمنافقين والمرضى من الخائضين في الدين بالسوء والمستهترين به وبعلمائه وبشعائره.
أو يجالس أهل الضلال من الفاسدين فكريا أو عقائديا كالشاتمين الطاعنين في السنن أو الصحابة أو آل البيت.
- وليستشر الوالدين في أموره ويطعهم فإنهم أولى الناس بحمايته ورعايته ورحمته.
- وينبغي عليه الحرص على مذاكرة العلوم، وتحصيل المراتب العليا في ذلك؛ فإن الله يأمر بالإحسان في الأمور، وهذا منه.
- وليتجنب أهل الخمول والرسوب والكسل والتثبيط عن العلم ومذاكرته؛ فإنهم همل لا خير في مجالستهم.
стр. 513
فقه اللهو والترفيه
* (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) (الأعراف: ٣٢)
* «حتى يعلموا أن في ديننا فسحة»
* الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في كل لهو وترفيه الإباحة
* من ادعى تحريم شيء لزمه الدليل الصحيح الصريح القائم الخالي عن المعارضة
стр. 514
فقه اللهو والترفية
الأصل في اللهو والترفيه أنه مباح ما لم يرد نص على التحريم.
فمن اللهو والترفيه المباح:
١ - الرياضة بسائر أنواعها خاصة ألعاب القوى.
٢ - كرة القدم، لعبا ومشاهدة، بشرط عدم القمار فيها.
والواجب لبس ما يستر من السراويل إلى الركبة للرجل.
٣ - أما المرأة فلا تلعب الكرة إلا بين النساء بلا توثيق، أو تصوير، يمكن تسريبه لإيذاء الأعراض، وعدم مشاهدة أجنبي من الرجال لها، لا بمباشرة ولا بتصوير.
لأن ما يحصل أثناء اللعب أشد من ضرب الرجل المنهي عنه (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (النور: ٣١).
وهو قياس مجمع عليه، ويسمى قياس الأولى.
٤ - السباحة، وهي العوم في الماء بلا غرق. وهو علم لا ينسى، وتعلمه مما ينبغي، وقد قال عمر «علموا أولادكم ... » (١).
стр. 515
ويلبس ما يستر عورته ما بين سرته وركبته.
فلا يلبس شفافا، ولا قصيرا لا تستتر العورة معه وإلا حرم.
٥ - وأما المرأة: فالسباحة لها جائزة بشرط عدم مشاهدة أجنبي لها، لا بحضور ولا بتصوير.
ويشترط لبس ما يستر العورة للمرأة أمام المرأة.
فتستر ثدييها، وما بين سرتها وركبتها بساتر غير شفاف، ولا ضيق يصف العورة لونا أو جرما.
ولا يجوز لبس «المايوه» ولو أمام النساء؛ لأنه يصف العورة وصفا واضحا، ولا يستر ما بين سرة وركبة، ويدخل تحت نص «كاسيات عاريات» (١).
ولا يجوز لبس المايوه إلا منفردة، أو أمام زوج لا يشاهدها غيره من رجال، أو نساء محارم أو أجانب.
٦ - ويجوز مشاهدة المسابقات الرياضية في السباحة، والمشاركة فيها بالشروط السابقة.
فإن اختل شرط حرم، كما هو حاصل في مسابقات الرجال والنساء من لبس ما يستر لون بشرة السوأتين فقط، مع انكشاف ما عداهما، لقصر شديد، وضيق مطاطي شديد يصف ما تحته.
فهذا محرم لبساً ومشاهدة بين الرجال للرجال أو النساء للنساء، أو بين الجنسين (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: ٢٧).
وهذا يمكن معه رؤية السوءات، فحرم.
٧ - لعب الشطرنج، والبلياردو، والورق، فالأصل في الكل الإباحة؛ ولعدم المانع المنصوص، أو ما هو في معناه.
стр. 516
ويشترط في ذلك عدم القمار، ولا غلبة ضياع الأوقات، ولا تضييع الواجبات والفرائض، ولا اختلاط كثير مؤثر بالمتهافتين والمتهتكين؛ لأنه يأخذ من أخلاقهم وأعمالهم، ومن حرم هذه الأمور من العلماء من المتقدمين والمعاصرين إنما حرمها لملاحظة غلبة هذه المفاسد.
٨ - لعب الأتاري وسائر الألعاب الإلكترونية، وغيرها ثلاثية الأبعاد أو ثنائية أو غيرها، كلها الأصل فيها الإباحة، ويشترط في ذلك:
أ) عدم اشتمال اللعب على الصور العارية، ونعني بها التي تظهر الرجال والنساء من شخصيات اللعبة الأساسية أو الثانوية، تظهرهم بما لا يليق من لبس «كاس عار» يصف السوأتين شكلا وحجما، لضيق وقصر، ويصور هذه الشخصيات ببطولية، ورقي خلقي وأخلاقي، مما يولد انغراس مفاهيم تعليمية وتفكيرية وأخلاقية خاطئة شرعيا ومجتمعيا ووطنيا.
فتؤثر على الشباب تأثيرا سلبيا خاطئا، وهذه مفاسد عامة خاصة، ودفع المفسدة واجب شرعا.
ب) عدم الذهاب لممارسة هذه اللعب في محلات أو نواد، أو مراكز مختلطة بين الجنسين؛ لكثرة الفساد.
ج- أو أماكن يكثر فيها من لا خلاق له ولا دين ولا خُلُق؛ لأن طول مجالسة هؤلاء وخلطتهم تؤدي إلى الفساد.
لذلك قال الله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء: ١٤٠)، فنهى عن الجلوس مع المنافقين والكافرين والمستهزئين بالدين.
ونهى عن القيام في مسجد الضرار؛ لأنه وكر للنفاق والمرضى والمتآمرين ومن لا دين له ولا خلق (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة: ١٠٨).
فإذا كان النهي عن الصلاة في مسجد؛ لأجل ما فيه من الضرر والمفاسد، مع أن الصلاة
стр. 517
من أعظم الطاعات، فالملاهي والمنتديات وغيرها أولى وأحرى بالنهي إن وجدت فيها المفاسد، ألا يذهب إليها أصلا.
ولذلك أوجب الله على رسوله إزالة مسجد الضرر وهدمه، فأحرقه ﷺ وأزاله (١).
ومن باب أوجب، وأشد في الفرضية: على الدولة منع كل ملهى أو منتدى يفسد الدين والأخلاق.
فإن لم تقم الدولة بذلك وجب على جماعة المسلمين؛ لأنهم مكلفون بذلك على وجه الكفاية (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤)، والأصل أن الدولة تنوب عنهم في ذلك، فلما قصرت استقر الفرض عليهم.
ويحرم التقصير في ذلك والتهاون والذهاب ولو نادرا ولو بلا مباشرة لمحرم؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان.
٩ - ومن الرياضات تعلم الرماية لقول عمر «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل» (٢)، ولأنها من القوة «والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله ... » (٣).
١٠ - ومن أنواع اللهو والترفيه:
الرحلات الترويحية، والأولى كونها للنظر والتأمل، يقول تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: ٢٠).
ولا تسافر المرأة إلا مع محرم لها.
ولا يُدْمَن الشات، والنت، والفضائيات؛ لأنها تضييع للوقت والعمر فيما لا يفيد.
فإن كان في محرم كالتواصل بالنساء، ورؤية المجون، والعورات المحرمة فالواجب سرعة تركها، والإقلاع عنها، والندم وعدم العَوْد، ويتوب الله على من تاب.
стр. 518
وأما الفن والتمثيل والإنشاد والفناء والتصوير والرسم والترفيه الإعلامي فكل هذا مذكور في الأبواب التالية.
وبالجملة، فالرياضة خاصة في عصرنا قد توسعت كثيرا مما يجعلنا نلجأ إلى وضع قاعدة عامة فيها وهي: الإباحة العامة ما لم تناقض نصوص الشرع وقواطعه وقواعد ومقاصده، أو يترتب عليها ضرر لا يتسامح فيه الشرع على الأنفس والأموال، فكل رياضة أدت إلى الإعاقات البدنية أو القتل أو ضرر بالغ حرمت، وكذا كل رياضة أدت إلى إتلاف الأموال أو الإسراف فيها في غير المقاصد والمصالح المرعية فكذلك، وما أدى كذلك من الرياضات إلى التفريط في الفرائض الشرعية فلا شك في حرمتها؛ لأن الله لما حرم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام علل ذلك بذكر بعض مفاسدها من إثارة العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فما أدى من الرياضات إلى هذه ونحوها من المقاصد فله حكم التحريم.
стр. 519
فقه الإعلام
* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١)
* المزايدات والمناقصات الإعلامية وإعطاء الأمور غير حجمها الطبيعي والنميمة الإعلامية والكذب لا يصنعها إلا الإعلام المنافق
* الخطاب الإعلامي لا بد أن يترقى إلى لغة البناء والأمل والطموح لا الإحباط واليأس والفتنة
* إذا كان الخطاب الإعلامي راشدا مسئولا فلا بد كذلك أن يكون المجتمع والدولة والفرد والأسرة على القدر الموازي والمناسب من الرشد والمسئولية
* الإعلام مرآة تعكس مع الصور والخبر حقيقة العقول الواعية واللاوعية والأخلاق والقيم للشعوب والأفراد
стр. 520
فقه الإعلام
قال المؤلف غفر الله له:
الإعلام هو لغة الإخبار، وهو كذلك واقعا.
فهو: إخبار رؤية، أو سماع، أو كليهما، بنقل، أو توثيق، أو تحليل وتخييل وتمثيل، أو تعليم، أو ترفيه.
ويمكن أن يعرف علم الإعلام بأنه: علم يبحث في نقل الأحداث الواقعة والمتوقعة بمشاهدة، أو سماع، وحال ناقلها، ووسائلها، وكيفية توظيفها.
وقولنا «نقل»: يشمل سائر أساليب النقل من الأخبار، والتوثيق، والتحليل، والتخييل، والتمثيل، والتعليم، والترفيه.
فقولنا «نقل الأحداث»: (الـ) في الأحداث مطلقة لا تفيد العموم؛ لاستحالة نقل عموم الأحداث الحياتية مع إمكانها تصوراً، لا عادة.
وقولنا «الواقعة»: شمل الأخبار، والوثائقيات، والتحليل، والتمثيل، والتعليم، والترفيه.
وقولنا «المتوقعة»: شمل التحليل، والتخييل، والتمثيل.
وقولنا «بمشاهدة»: شمل الإعلام المشاهد من تلفزة، وفضائيات، وحاسوب، وشبكات عنكبوتية، وهاتف، وصحافة، وشامل للنقل بالحركة للأصم.
وقولنا «وسماع»: شمل الراديو، والألبومات الصوتية، وسائر التسجيلات، والمقروء لأمي، أو أعمى، أو مشغول.
وقولنا «وناقلها»: هو الإعلامي في شروطه، وتخصصاته، ودراسته، وخبراته، وكيفية إعداده، وتأهيله.
وقولنا «ووسائلها»: هي الصحافة، والشاشة بأنواعها، والشبكة، والأثير، والاتصالات، وكيفية التعامل مع كل نوع إلى درجة الاحتراف، ومتطلبات ذلك من إخراج، وطباعة، ومونتاج، وجرافيك، ومؤثرات، وحواسيب، وآلات تصوير وغيرها.
وقولنا «وكيفية توظيفها»: يعني لخدمة الهدف من هدف ديني، أو سياسي، أو اقتصادي، أو
стр. 521
تعليمي، أو إنمائي، أو ديني، أو صحي .. وغير ذلك.
حكم الإعلام وإطلاق الأقمار الصناعية:
والإعلام فرض كفاية؛ لأن الإعلام ينبني عليه من المصالح الكثيرة ويندفع به من المفاسد العظيمة ما يوجب إيجاده والاختصاص فيه، فوجب دفع مفاسده وجلب مصالحه، وهي تتعلق بنواحي حياة الأمة كافة، فوجب القيام به على الأمة كفرض كفاية؛ لأنه لا يتم جلب تلك المصالح العامة الهامة إلا به، ولا دفع طامات المفاسد العامة المترتبة على الإعلام المنحرف إلا بإعلام راشد؛ فوجب.
وما لا يتم إلا به فهو فرض: من كليات، ومؤسسات إعلامية، ومعاهد تخصصية، وهيئات وغيرها.
وهو الآن فرض عين على الدولة؛ لأنها نائبة عن الشعب في إقامة المصالح ودفع المفاسد العامة.
وعلى المسلمين إطلاق أقمار صناعية إعلامية؛ لما يحقق من مصالح غالبة، ويدفع مفاسد كثيرة وعظيمة كدفع مفاسد الإعلام المشتمل على مجون وفواحش، وعقائد باطلة، وشبهات، ونشر للباطل وتعظيم أهله.
الخطاب الإعلامي:
ويجب على الإعلامي: تحرى الصدق، والحقيقة، ونقل ما يبني وينفع لا ما يهدم ويضر.
ويحرم الكذب، وتزييف الحقائق، وما عظم نشره من الكذب عظم ضرره، وعظم سخط الله عليه للنص في حديث البخاري في الرؤيا لمن يعذب في قبره بذلك (١).
стр. 522
- تضخيم الأمور:
وتضخيم الأمور وإعطاؤها فوق حجمها كذب وزور وتضليل، وهو من كبائر الذنوب، ويعظم إثمه إذا عظم ضرره، خاصة في المواقف العامة كقول المنافقين (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (التوبة: ٤٩).
فجعل الذهاب للجهاد مع رسول الله مؤديا إلى افتتانه، فعظم إثمه لترتب مفسدة عامة عليه هي التخذيل عن الجهاد في سبيل الله.
وكذا لعن أهل الإفك لعظيم ما أشاعوه (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: ١١)، ولا زال يضخم كذبه حتى قذف عرض رسول الله ﷺ ، ونزلت الآيات مكذبة له ولاعنة، ومبرئة ومطهرةً للمطهرة الصديقة بنت الصديق (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) (النور: ٢٦) وسماه إفكا لعظيم الكذب والبهت فيه (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (النور: ١١).
- تحقير الأمور:
ويحرم عكسه، أي: عكس التضخيم للأمور، وهو التهوين والتحقير وعدم إعطائها حقها (وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) (آل عمران: ١٦٧).
فهونوا وخذلوا (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: ٧٩)، فحرم الله تحقير الجهود والأعمال والأشخاص، وسخر الله من الساخرين وعذبهم، وهذا يدل على أن فعلهم من كبائر الذنوب.
فالسخرية الإعلامية، وتحقير الجهود، والتهوين لحقيقة الأمور محرم، وما أدى إلى مفسدة كتخذيل أو فتنة حرم على الإعلام أن يمارسها.
وكل إعلام يصنع ذلك، فهو من الإعلام المنافق؛ لأن الله ذكر هذه الصفات عن أهل النفاق.
стр. 523
- الخطاب الإيجابي:
ويجب شرعا التبشير لا التنفير لقوله ﷺ : «بشرا ولا تنفرا» (١).
فالتبشير ووسائله مطلوبة شرعا، والتنفير ووسائله منهي عنه، والنهي في الأصل يدل على التحريم في سائر المذاهب.
فالإعلام لما له من أثر متعد إلى عموم الناس نفعا وضررا واجب فيه أعظم التحري لما يبني المصلحة ويقيمها، ويدفع المفاسد بروح المسئولية التي يتَحمل المكلف ضمانَ ما يترتب عليها أمام ربه ديانة وقضاء «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .. » (٢).
ورب كلمة تقال لا يلقى لها بالٌ تؤدي إلى متالف ومهالك وأضرار، أو تؤدي إلى منافع ومصالح ومكاسب.
وفي النص «رب كلمة لا يلقي لها الإنسان بالا تكون من غضب الله تهوي به في جنهم سبعين خريفا» (٣).
- خطاب الإحباط:
ولا يستعمل لغة الإحباط والتيئيس للناس؛ لقوله ﷺ «لا ضرر ولا ضرار» (٤)، وهذا من الضرر.
ولقوله تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة: ١٠)، فجعل أساليب ووسائل الإحزان وسائل شيطانية.
وقد استعاذ رسول الله ﷺ منها «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال» (٥).
стр. 524
فدل على حرمة إيقاعها على أحد؛ لأنها ضرر.
وقد نهى عن الحزن والإحباط (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) (الحجر: ٨٨)، (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: ٤٠)، (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: ٨).
فنهى عن الحسرة والحزن ولو في شئون الدعوة.
- تبني المقاربة لوجهات النظر:
وعند حصول الفتنة بين طائفتين من المسلمين، فإنه يجب على الإعلام شرعا تبني كل ما يقارب وجهات النظر ويطفئ الفتنة؛ لقوله تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (الحجرات: ٩)، وهذا عام، والإعلام داخل في هذا التكليف الواجب.
ولا يجوز عند حصول التصالح والوفاق بين المسلمين توظيف الإعلام لإفشاله أو إخراج أسراره التي تضر به وتحبط توجهه، أو تأويله وتحليله القاصد ذلك.
وسواء ذلك كله بمباشرة أو تلميح؛ لأن وسائل المفسدة محرمة كتحريم المفسدة، ولقوله تعالى ذاما الإعلام المنافق (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: ٨٣).
- خطاب البلبلة والتخذيل وقلب الحقائق:
ويحرم السعي الإعلامي إلى بلبلة الجماعة والتخذيل وإشاعة الفتة، خاصة عند المواجهة (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: ٤٧)، فسماهم الله ظالمين مع كون هذه صفات المنافقين.
وهذا من أبلغ التحريم.
ولا يجوز تقليب الحقائق؛ لقوله تعالى (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة: ٤٨).
- نشر الرذيلة:
ونشر الرذيلة والفاحشة وإشاعتها من كبائر الذنوب.
فيحرم الترويج لها بأي وسيلة إعلامية، مرئية أو مسموعة أو مقروءة، لقوله تعالى
стр. 525
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور: ١٩).
وتمنع كل جهة إعلامية مروجة للرذائل والمجون؛ لأنه من دفع الضرر العام والخاص المؤثر في مفاسد كبيرة، وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتركها تعاون على الضرر والمفاسد والإثم، والله تعالى يقول (وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).
- التثبت والنخاسة الإعلامية:
ويجب على الإعلامي التثبت في الخبر؛ لقوله تعالى (فَتَبَيَّنُوا)، ولقوله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع» (١).
ويحرم نقل الكذب، والاستماع له؛ فإن قبض عليه مالا زاد جرما وإجراما؛ وشمله عموم النص (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) (المائدة: ٤٢).
وسمّاع للكذب بصيغة المبالغة، وأكّال للسحت دليل على عظيم تحريم ذلك، وهو شامل للإعلام والإعلاميين السّماعين للكذب الأكّالين للسحت، فيجب على الإعلام وسائر قطاعاته والعاملين فيه التزام الصدق والحذر من الوقوع في جريمة النخاسة الإعلامية بيعا وشراء.
ويحرم عليهم بيع أنفسهم بالسحت مقابل التعاقد مع من بضاعتهم الكذب وتزوير الحق والابتزاز للقضايا للنص على تحريم أن يكون أحد سمّاعاً للكذب أكّالا للسحت.
وهذه الآية تشمل كل نوع من الإعلام الناشر للكذب القابض ثمن ذلك سواء كان لمستبد حاكم، أو لمواطن فاسد، أو لتوجهات تريد إفساد الأمة.
стр. 526
- النكاية الشخصية:
والوقيعة في ذوات الأشخاص بالتهكم والسخرية في هيئته، أو لبسه، أو كلامه لا تخدم المبادئ ولا تعالج القضايا.
بل هو من النكاية الشخصية المحرمة في عموم النص (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) (الحجرات: ١١).
واللمز والتنابز بالألقاب من الفسوق (وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ) (الحجرات: ١١).
حكم الرسم والكاريكاتير والتصوير الإعلامي:
والكاريكاتير الهادف جائز لعدم المانع الصحيح الصريح الخالي عن المعارض بشرط قصد الفكرة والمبادئ، لا التهكم المبتذل بشخص في ذاته أو خواصه.
ولا يدخل في الرسم المختلف فيه؛ لأن الشريعة أجازت لُعب الأطفال المصورة؛ لأنها قاصدة للترفيه والتعليم، «وكان لعائشة لعبة خيل ذي أجنحة تلعب به» (١).
«وكان الصحابة يصنعون لأولادهم اللعبة من العهن» (٢).
والكاريكاتير الهادف لدفع مفاسد عامة وجلب مصالح كهذا في الحكم، وقد يكون بعضه أكبر مصلحة منه؛ فجاز.
стр. 527
وكذلك التصوير والتوثيق الإعلامي لا تشمله أحاديث النهي عن التصوير؛ لأن العلة كانت لحداثة الناس بعبادة التصاوير والأصنام وكان المقصود منها ذلك في الغالب؛ فمنعت لأجل ذلك.
ولهذا طمس رسول الله ﷺ كل التصاوير بظل وبغير ظل في داخل الكعبة وخارجها (١)؛ لأنها تعبد من دون الله، ولم يكن منها سوى هذه المفسدة الكبيرة.
وهذا كله بخلاف التصوير والتوثيق الإعلامي اليوم؛ فمصالحه غالبة عند توجيهها.
مع أنه بعيد عن تلك العلة التي لأجلها حرم التصوير، فجاز كفرض كفاية لعظيم مصالحه، لذلك أجازه أكابر علماء العصر إلا ما ندر خلافه.
والعلة الأخرى التي لأجلها منع الرسم والنحت هي: مضاهاة خلق الله (٢).
والمقصود من فعل ذلك بقصد ذلك؛ لأنه يجوز بإجماع رسم الشجر والماء والجبل حتى في زمنه ﷺ وما بعده (٣).
وهذه كلها من خلق الله.
فدل على أن المقصود بالمضاهاة هو دفع الشرك بالله بتصوير ذوات الأرواح؛ لغلبة أدائها إلى عبادتها أو التذكير بذلك.
стр. 528
هذا هو مقصد العلة أو نصها، وهو مضاهاة خلق الله.
وهي في ظاهرها تدل أن من لم يقصد ذلك جاز له التصوير؛ بدليل جواز تصوير الشجر وما لا روح فيه مع أنه خلق الله.
والمقصود بحديث لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة (١) هو:
المنع من تعليق تلك التصاوير المرسومة والمنحوتة، ولم يكن يصنع ذلك إلا للتعظيم والعبادة، فمنعت أصلا.
ولو لم يقصد بها ذلك عند من علقها بدليل منعها في بيت النبي ﷺ مع استحالة أن يقصد بها ذلك في بيته.
هذه هي العلة الأصلية في نصوص كثيرة.
أما في نفس النص «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلبٌ أو صورة»؛ فالعلة هي: مجرد الوجود للصور للإطلاق والعموم.
وإنما قيدنا المنع (بالمعلقة) للنص الآخر في قوله ﷺ «إلا رقما في ثوب» (٢)، يعني إلا صورة في بساط يداس فلا تضر.
ومعلوم أن التوثيق والتصوير الإعلامي ليس كذلك، لا في صحف، ولا تلفزة، ولا غيرهما.
والتلفزة أظهر في الجواز؛ لأنها كالصورة المتحركة في المرآة، وهي غير محرمة قطعا؛ فدل على الفرق، ولو أن شخصا نقل صورة آخر بمرايا في أوضاع معينة تأخذ كل واحدة عن الأخرى حتى انتقلت إلى خارج مكان الشخص الواقف أمام المرآة التي تناقلت صُوَرَه، فهل يقول عالم بمنع هذا .. ! ؟
стр. 529
وما التلفزة والبث المباشر إلا أشبهُ لهذا وأحدثُ وأدقَّ، والحاصل أن العلة التي لأجلها ورد النهي في النصوص غير موجودة في التلفزة، والشرط للقياس مساواة الفرع للأصل، لا مجرد الاسم وإلا لحرمت المرآة؛ لأنها صورة؛ لكنها جازت للفارق وانتفاء العلة كانتفائها في لعب الأطفال وما يقاس عليها.
فلما انتفت العلة في لُعب الأطفال والصور غير المرفوعة كالتي على الوسائد والفرش؛ أجازها الشرع بالإقرار وعدم النهي في زمن التشريع على مرأى ومسمع من رسول الله وبأمره، وهذا تشريع بالقول والفعل والتقرير وهو أقوى أنواع التشريع.
فدل على ما أكدناه من أن: التحريم مرتبط بالعبادة والتعظيم لا غير، ومرتبط بوجود بيئة يمكن غالبا أن تصنع ذلك لذلك.
والإعلام اليوم غير هذا كله.
لهذا أفتى كبار فقهاء العصر والمجامع الفقهية بجوازه، نقلا وتوثيقا للخبر والعلم الشرعي والمشروع وكل ما ينفع، ويجب إن خدم الواجبات كبلاغ الدعوة، ورفع الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التخصص الإعلامي:
وعلى الإعلام التخصص في كل مجالات الحياة بإيجاد قنوات تخدم السياسة والاقتصاد والقضايا الكبرى، وأخرى بالخبر والتوثيق، وأخرى بتعليم الأسرة والمجتمع، وقنوات إعلامية للرد والمناظرات وتحرير الفكر، وأخرى للترفيه غير الماجن ولا الفاسد.
وكل ما ينفع ويخدم، فهو مشروع ومطلوب.
وكل ما يضر ويهدم فهو مدفوع شرعا.
الإعلام ودوره في الإصلاح:
والإعلام له دور أساسي في إصلاح الأوضاع واستتبابها، وإشاعة الفضيلة، وطاعة الله ورسوله.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
стр. 530
وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (الأحزاب: ٧٠ - ٧١).
فالآية تدل على أن الأقوال السديدة تؤثر في الصلاح العام، والسديدة هي التي تسد باب كل شر، وتُسدِّد كل خير.
فهذا هو القول السديد سواء على المستوى السياسي، أو الاقتصادي، أو الشرعي، أو المجتمعي، أو غيره.
والإعلام إن التزم قاعدة التسديد عمل ما لا يعمله غيره ونتج عنه إصلاح مجتمعي، وسياسي، واقتصادي كثير في الأقوال والأفعال والأفكار والاعتقادات.
والإعلامي والإعلام كله بمختلف وسائله: مرئية ومسموعة ومقروءة وشبكات، وفضائيات، إن خدم قضايا الأمة ودينها، ونصر المظلوم، وحارب الفساد، فهو من أعظم الجهاد في سبيل الله؛ لحديث «جاهدوا في سبيل الله بألسنتكم» (١).
وحديث «أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (٢).
وحديث «ستكون أمور أو فتن، وَقْعُ اللسان فيها أشد من وقع السيف» (٣).